فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُخَلِّصَ النَّفَقَةَ لَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى حَجِّ نَفْسِهِ أَطْلَقَ فِي الْآمِرَيْنِ فَشَمِلَ الْأَبَوَيْنِ وَسَيَأْتِي إخْرَاجُهُمَا، وَقَيَّدَ بِالْأَمْرِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛

لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا فَبَقِيَ عَلَى خِيَارِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ سَبَبًا لِثَوَابِهِ،

تعليق

وَأَشَارَ بِالضَّمَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أَحْرَمَ عَنْهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيِّنٍ فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وَإِلَّا انْصَرَفَ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ كُلًّا أَمَرَهُ بِحَجَّةٍ، وَأَحَدُهُمَا صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ فَإِذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ التَّعْيِينِ تَعَيَّنَتْ لَهُ؛

لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الشَّرْعُ ذَلِكَ إلَى الثَّوَابِ، وَلَوْلَا الشَّرْعُ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ فِي الثَّوَابِ أَيْضًا،

٧٬٨٦٨

وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّعْيِينُ بَعْدَهُ لِأَحَدِهِمَا بِالْأَوْلَى وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ،

٧٬٨٦٩

وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا أَحْرَمَ بِهِ لِآمِرٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ الْكُلِّ فَصُوَرُ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ فِي وَاحِدَةٍ يَكُونُ مُخَالِفًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مَنْطُوقًا،

٧٬٨٧٠

وَفِي الثَّلَاثَةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِبْهَامُ

٧٬٨٧١

إمَّا فِي الْآمِرِ أَوْ فِي النُّسُكِ أَوْ فِيهِمَا،

٧٬٨٧٢

وَلَوْ أَهَلَّ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ بِحَجَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ رَفَضَ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ تَكُونُ الْبَاقِيَةُ عَنْ الْآمِرِ كَأَنَّهُ أَهَلَّ بِهَا وَحْدَهَا.

تعليق

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصِيرُ مُخَالِفًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ فَمِنْهَا مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَرَنَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّفَقَةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا.

وَمِنْهَا مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ مِيقَاتِيٍّ، وَمَا أَتَى بِهِ مَكِّيٌّ

٧٬٨٧٣

بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَالنَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ لِلْحَجِّ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ فِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ

٧٬٨٧٤

بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَمَرَ لِلْآمِرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسَافَةَ لِلْحَجِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ،

٧٬٨٧٥

وَإِنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ أَفْضَلَ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إذَا بَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ،

٧٬٨٧٦

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ شَاءَ قَالَ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ،

٧٬٨٧٧

وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِمَا أُمِرَ بِهِ عَنْ الْآمِرِ،

٧٬٨٧٨

وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الدَّفْعِ قِيلَ لَهُ اصْنَعْ مَا شِئْت فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِهِ،

٧٬٨٧٩

وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَوْ أَحَجَّ رَجُلًا فَحَجَّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ صَارَ مُؤَدًّى وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ. اهـ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النَّفَقَةَ مَا يَكْفِيهِ لِذَهَابِهِ، وَإِيَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو

٧٬٨٨٠

إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ أَعْطَاهُ زَائِدًا عَلَى كِفَايَتِهِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ مَا زَادَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ إلَّا إذَا قَالَ: وَكَّلْتُك أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِك وَتَقْبِضَهُ لِنَفْسِك فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْتٍ قَالَ: وَالْبَاقِي مِنِّي لَك وَصِيَّةٌ،

٧٬٨٨١

وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ

٧٬٨٨٢

فَإِمَّا أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا أَوْ لَا فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا اُتُّبِعَ مَا عَيَّنَهُ حَتَّى لَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهُ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَلِهَذَا

٧٬٨٨٣

قَالَ فِي الْمُحِيطِ: رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَتَرَكَ تِسْعَمِائَةٍ، وَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا، وَأَقَرَّ الْآخَرُ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَالِ

تعليق

ثُمَّ إنَّ الْمُقِرَّ دَفَعَ مِائَةً وَخَمْسِينَ يُحَجُّ بِهَا عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ أَقَرَّ الْآخَرُ إنْ أَحَجَّ بِأَمْرِ الْقَاضِي يَأْخُذْ الْمُقِرُّ مِنْ الْجَاحِدِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ جَازَ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَبَقِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِيرَاثًا لَهُمَا فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ،

٧٬٨٨٤

وَإِنْ أَحَجَّ لِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحُجُّ مَرَّةً أُخْرَى بِثَلَاثِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ. اهـ.

وَمَعَ التَّعْيِينِ الْمَذْكُورِ لَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ مَا فَضَلَ بَلْ يَرُدُّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطَى بَعِيرُهُ هَذَا رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ فَدُفِعَ إلَى رَجُلٍ فَأَكْرَاهُ الرَّجُلُ فَأَنْفَقَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ وَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ اسْتِحْسَانًا،

٧٬٨٨٥

وَإِنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ،

٧٬٨٨٦

وَقَالَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى: هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ رَقَبَتَهَا بِالْبَيْعِ وَيَحُجَّ بِالثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا هُوَ الْمُخْتَارُ فَلَأَنْ يَمْلِكَ أَنْ يُمَلِّكَ مَنْفَعَتَهَا بِالْإِجَارَةِ وَيَحُجَّ بِبَدَلِ الْمَنْفَعَةِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَكُونُ الْكِرَاءُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، وَالْحَجُّ لَهُ فَيَتَضَرَّرُ الْمَيِّتُ ثُمَّ يَرُدُّ الْبَعِيرَ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ. اهـ.

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ رَاكِبًا إذَا حَجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا،

٧٬٨٨٧

وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصِي قَدْرًا فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يَحُجُّونَ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَلِهَذَا قَالَ: الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ مَاتَ، وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ مَالًا فَالْوَصِيُّ إنْ أَعْطَى إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ فِي مَحْمَلٍ احْتَاجَ إلَى أَلْفٍ، وَمِائَتَيْنِ،

٧٬٨٨٨

وَإِنْ حَجَّ رَاكِبًا لَا فِي مَحْمَلٍ يَكْفِيهِ الْأَلْفُ وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَجِبُ أَقَلُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ. اهـ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَا أَخَذَهُ مِنْ النَّفَقَةِ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى مِلْكِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا مُعَيَّنًا كَانَ الْقَدْرُ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَضْلُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا كَيَسِيرٍ مِنْ الزَّادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ الْحَجَّةُ الْمَشْرُوطَةُ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ كَمَا شَرَطَ سُلَيْمَانُ بَاشَا بِوَقْفِهِ بِمِصْرَ قَدْرًا مُعَيَّنًا لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ كُلَّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ مَا فَضَلَ مِنْهُ بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْوَقْفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ

٧٬٨٨٩

أَمَّا إذَا قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي، وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ يُعْطَى فَإِنَّهُ يُعْطَى قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ،

٧٬٨٩٠

وَإِنْ شَاءَ حَجَّ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحُجَّ، وَهُوَ وَصِيَّةٌ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.

٧٬٨٩١

فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَلِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ ذَاهِبًا وَآيِبًا، وَمُقِيمًا مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ وَرُكُوبِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَحْمَلٍ، وَقِرْبَةٍ، وَأَدَوَاتِ السَّفَرِ

٧٬٨٩٢

فَلَوْ تَوَطَّنَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنْ كَانَ لِانْتِظَارِ الْقَافِلَةِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَوَطَّنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ،

٧٬٨٩٣

وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ اعْتِبَارِ الثَّلَاثِ،

٧٬٨٩٤

وَإِذَا صَارَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَحَقَّ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ كَالنَّاشِزَةِ إذَا عَادَتْ إلَى الْمَنْزِلِ وَالْمُضَارِبِ إذَا أَقَامَ فِي بَلَدٍ أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ،

٧٬٨٩٥

وَفِي الْبَدَائِعِ هَذَا إذَا لَمْ يَتَّخِذْ مَكَّةَ دَارًا

٧٬٨٩٦

فَأَمَّا إذَا اتَّخَذَهَا دَارًا ثُمَّ عَادَ لَا تَعُودُ النَّفَقَةُ بِلَا خِلَافٍ،

٧٬٨٩٧

وَإِنْ أَقَامَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَالُوا إنْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ مُعْتَادَةً لَمْ تَسْقُطْ،

٧٬٨٩٨

وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ سَقَطَتْ،

٧٬٨٩٩

وَلَوْ تَعَجَّلَ إلَى مَكَّةَ فَهِيَ فِي مَالِ نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فَتَصِيرُ فِي مَالِ الْآمِرِ،

٧٬٩٠٠

وَلَوْ سَلَكَ طَرِيقًا أَبْعَدَ مِنْ الْمُعْتَادِ إنْ كَانَ مِمَّا سَلَكَهُ النَّاسُ فَفِي مَالِ الْآمِرِ، وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ مِنْ طَعَامٍ، وَمِنْهُ اللَّحْمُ وَالْكِسْوَةُ، وَمِنْهُ ثَوْبَا إحْرَامِهِ وَأُجْرَةُ مَنْ يَخْدُمُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْدَمُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مَا فِيهِ تَرْفِيهٌ كَدُهْنِ السِّرَاجِ وَالْأَدْهَانِ وَالتَّدَاوِي وَالِاحْتِجَامِ وَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَالْحَلَّاقِ إلَّا أَنْ يُوسِعَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ أَنْ يُعْطَى أُجْرَةَ الْحَمَّامِ وَالْحَارِسِ، وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ حِمَارًا يَرْكَبُهُ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْجَمَلُ أَفْضَلُ؛

لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدًا إلَى طَعَامِهِ، وَلَا يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يُقْرِضَ أَحَدًا، وَلَا يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِهَا مَاءً لِوُضُوئِهِ،

٧٬٩٠١

وَلَوْ اتَّجَرَ فِي الْمَالِ ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَنْ الْمَيِّتِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ كَمَا لَوْ خَلَطَهَا بِدَرَاهِمِهِ حَتَّى صَارَ ضَامِنًا ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهَا، وَلَهُ أَنْ يَخْلِطَ الدَّرَاهِمَ لِلنَّفَقَةِ مَعَ الرُّفْقَةِ لِلْعُرْفِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ إلَخْ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ حَتَّى لَا يَخْرُجُ الْحَاجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْحَجَّ لَهُ إلَخْ لَمَّا

٣٬٦٧٨

قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَذَهَبَ الشَّارِحُونَ إلَى أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَدْلُولِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ تَعْلِيلُ حُكْمٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا، وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ إذَا وَافَقَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ إلَخْ

٣٬٦٧٩

قَالَ فِي السَّعْدِيَّةِ، وَلَا قَرِينَةَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَلِذَا

٣٬٦٨٠

قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَا رَأَيْت مَنْ أَفْصَحَ مِنْهُمْ عَنْ الْمَرْمَى لَكِنْ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مُعْتَمَدَةٍ

٣٬٦٨١

لَا إنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ بِلَا النَّافِيَةِ، وَلَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَا يَخْرُجُ غَايَةٌ لِقَوْلِهِ فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ نَفْلًا، وَهَذَا أَوْلَى مَا رَأَيْت فَتَدَبَّرْهُ. اهـ.

قُلْتُ:، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَقَدْ خَطَرَ لِي جَوَابٌ عَنْ النُّسْخَةِ الْأُولَى أَظْهَرُ مِمَّا فِي النِّهَايَةِ بِأَنْ تُجْعَلَ أَلْ فِي الْحَجِّ لِلْعَهْدِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَا يَخْرُجُ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت جَوَابِي بِعَيْنِهِ أَجَابَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَمَالِ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ.

(قَوْلُهُ: فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا) كَذَا فِي النَّهْرِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْبَاقَانِيُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ

٣٬٦٨٢

قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ مِنْ وَجْهٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَرَأَيْت فِي الْفَتْحِ مَا يُفِيدُ مَا ذَكَرَهُ الْبَاقَانِيُّ فَإِنَّهُ فِي الْفَتْحِ ذَكَرَ صُوَرَ الْإِبْهَامِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا ثُمَّ قَالَ: وَمَبْنَى الْأَجْوِبَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ لَا يَتَحَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ، وَأَنَّهُ بَعْدَمَا صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى نَفْسِهِ ذَاهِبًا إلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ النَّفَقَةَ لَهُ لَا يَنْصَرِفُ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ.

اهـ.

وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ، وَعَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ فَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِهِمَا فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا أَيْ مِنْ تَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْأَعْمَالِ،

٣٬٦٨٣

وَلَوْ شَوْطًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَقَعُ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ. اهـ.

٣٬٦٨٤

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَعْمَالِ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَامْتَنَعَ تَحْوِيلُهَا لِغَيْرِهِ وَبَطَلَ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ،

٣٬٦٨٥

وَإِذَا بَطَلَ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ تَقَعُ عَنْ فَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ، وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.

فَقَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ، وَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ فَتَقَعُ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ وَلِذَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ،

٣٬٦٨٦

وَإِذَا وَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ يَلْغُو صَرْفُهَا عَنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ فَتُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي

(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إخْرَاجُهُمَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي يَأْتِي لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ سَيَأْتِي مَا يُفِيدُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْآمِرِ لَا فَرْقَ،

٣٬٦٨٧

وَأَنَّ مَوْضُوعَ مَسْأَلَةِ الْأَبَوَيْنِ الْآتِيَةَ آخِرَ الْبَابِ فِي الْمَتْنِ فِي جَعْلِ الثَّوَابِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ أَيْضًا بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا فِي وَاحِدَةٍ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إنْ كَانَ وَارِثًا يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِلَّا لَا

(قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) يَعْنِي إذَا لَمْ يَأْمُرَاهُ، وَأَحْرَمَ عَنْهُمَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ بَعْدُ عَنْ أَحَدِهِمَا

٣٬٦٨٨

بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا مَرَّ يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ بِهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ وَحَجُّ الْمُوقَعِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَهُ جَعْلُ الثَّوَابِ لِأَحَدِهِمَا حَيْثُ وَقَعَ نَفْلًا عَنْ الْمَأْمُورِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِمَنْ أَرَادَ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ مِنْ أَنَّ جَعْلَ الثَّوَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ الْآمِرِ بَلْ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ، وَقَعَ الْحَجُّ لَهُ فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهِ لِمَنْ أَرَادَ.

اهـ.

وَسَيَأْتِي مَا يُعَيِّنُ مَا قُلْنَا،

٣٬٦٨٩

وَأَمَّا مَا اعْتَرَضَ بِهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْهُ لِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ الْآمِرِ بَلْ جَاعِلًا ثَوَابَهُ لَهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالْآمِرِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي أَنَّ الْحَجَّ لِلْفَاعِلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. اهـ.

فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّيَابَةِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَتْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ وَبَقِيَ مِنْ الشَّرَائِطِ أَمْرُهُ بِهِ وَالْكَلَامُ فِيمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَتْنِ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْإِبْهَامِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَحْرَمَ أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ إحْرَامًا مُبْهَمًا، وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا أَحْرَمَ بِهِ حَالٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِبَيَانِ مَا وَقَعَ الْإِبْهَامُ بِهِ، وَقَوْلُهُ لِآمِرٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَلِّقٌ بِإِحْرَامِ الْأَوَّلِ.

٣٬٦٩٠

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ مُبْهَمٌ وَالْمُحْرَمُ عَنْهُ مُعَيَّنٌ، وَعَامَّةُ النُّسَخِ هُنَا مُحَرَّفَةٌ وَالصَّوَابُ هَذِهِ

(قَوْلُهُ: فَصُوَرُ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ) ، وَهِيَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ أَوْ بِحَجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَوْ يُحْرِمُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِلَا تَعْيِينٍ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ فَالثَّالِثَةُ الْإِبْهَامُ فِيهَا عَكْسُ الرَّابِعَةِ،

٣٬٦٩١

وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا إبْهَامَ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ

(قَوْلُهُ: وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا) كَذَا فِي أَغْلَبِ النُّسَخِ،

٣٬٦٩٢

وَفِي بَعْضِهَا بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِبْهَامُ

٣٬٦٩٣

إمَّا فِي الْآمِرِ أَوْ فِي النُّسُكِ أَوْ فِيهِمَا وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا إذْ لَيْسَ مِنْ الصُّوَرِ مَا يَكُونُ الْإِبْهَامُ فِيهَا فِي النُّسُكِ وَالْآمِرِ.

(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ مِيقَاتِيٍّ إلَخْ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ، وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَمَرَ جَعَلَ سَفَرَهُ لِلْعُمْرَةِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: الْآتِي؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسَافَةَ إلَخْ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ، وَقَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي هَذَا الْبَابِ،

٣٬٦٩٤

وَفِي الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ

٣٬٦٩٥

فَلَوْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ الْعُمْرَةِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ،

٣٬٦٩٦

وَلَوْ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَقَعْ حَجُّهُ عَنْ الْآمِرِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ،

٣٬٦٩٧

وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَجْرِيدِ السَّفَرِ لِلْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ الْمَفْرُوضُ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ إذَا أَمَرَهُ بِإِفْرَادِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ إتْيَانِ الْحَجِّ بَعْدَهُ أَوْ صَرَّحَ بِالتَّمَتُّعِ فِي سَفَرِهِ أَوْ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ أَوَّلًا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا

(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْآخِرَةِ) تَعْلِيلُ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْآخِرَةُ بِحَرَكَاتٍ أَيْ آخِرَ الْأَمْرِ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ إلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَةِ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصِي قَدْرًا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا اُتُّبِعَ

(قَوْلُهُ: وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى عُذْرٍ الْمُضَافِ إلَى غَيْرِ

(قَوْلُهُ: قَالُوا إنْ كَانَتْ إقَامَةً مُعْتَادَةً لَمْ تَسْقُطْ) ظَاهِرُهُ،

٣٬٦٩٨

وَلَوْ بِلَا عُذْرِ انْتِظَارِ الْقَافِلَةِ،

٣٬٦٩٩

وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(ومن أحرم عن آمريه) اللذان أمراه بالحج عنهما (ضمن النفقة) فيه إيماء إلى أنها لا تقع عن أحدهما لأن كل واحد إنما أمره أن يخلص النفقة له ولا يمكنه الإيقاع عن أحدهما لعدم الأولوية فوقعت عن المأمور نفلاً وضمن ما أنفقه لصرفه إياه عن حج نفسه، واعلم أنه وقع في (الهداية) ومن أمره رجلان بأن يحج عن كل واحد ودم الإحصار على الآمر، منهما حجة فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة لأن الحج يقع عن الآمر حتى لا يخرج عن حجة الإسلام ولا خفاء في عدم مطابقة الدليل للمدعي، وقد اختلف الشارحون في إصلاح هذا المقام وما رأيت من أفصح منهم عن المرام، لكني رأيت في نسخة قديمة معتمدة

٣٬٥٥٥

لا أن الحج يقع عن الآمر بلا النافية وليس تعليلاً للمسألة، وقوله: حتى لا يخرج غاية لقوله فهي عن الحاج نفلاً وهذا أولى ما رأيت فتدبره، قيد بالأمر بها لأنه لو أحرم عنهما بغير أمرهما كان له أن يجعله عن أحدهما، لأنه متبرع بجعل ثواب عمله فبقي على خياره

٣٬٥٥٦

وكذا في (البحر) .

وأقول: فيه نظر لأن من حج عن غيره بغير أمره لا يكون حاجاً عنه، لما مر بل جاعلاً ثوابه له وذلك إنما يكون بعد الفراغ كما في (الشرح) وهذا القدر لا فرق فيه بين أن يأمره أو لا لأنه حيث وقع الحج عنه كان له أن يجعل ثوابه لمن أراد فلا يصح أن يكون التقييد بالأمر احترازاً عما إذا لم يأمره لاستوائهما في أن الحج للفاعل في الوجهين، نعم قيد بقوله عن آمريه لأنه لو أحرم بحج عن أحدهما فما لم يشرع في الأفعال فالأمر موقوف،

٣٬٥٥٧

فإن عين أحدهما قبل الوقوف انصرف إليه وإلا انصرف إلى نفسه وضمن النفقة،

٣٬٥٥٨

أما لو عين ذلك الأحد غير أنه أبهم بما أحرم به كان له أن يعين بعد ذلك فلا خلاف.

٣٬٥٥٩

قال في (الكافي) : وينبغي أن يكون له التعيين أيضاً إجماعاً فيما لو أهل بحجة ولم يعين المحجوج عنه فصور الإبهام أربعة، هذا ومن صور (المخالفة) ما لو أهل بحجتين أحدهما عن نفسه والأخرى عن الآمر إلا أنه لو رفض التي عن نفسه عاد إلى الوفاق، ومنها ما لو أمره بالإفراد بحجة أو عمرة فقرن أو تمتع

٣٬٥٦٠

وكذا لو أمره بالعمرة فحج أولاً ثم اعتمر

٣٬٥٦١

بخلاف ما لو فعلها ثم حج عن نفسه كذا في (المحيط) وليس من صور المخالفة ما لو أمره أن يحج عنه هذه السنة فحج عنه بعدها لأن تعينها للاستعجال فصار كما لو أمره أن يعتق عبده غداً فأعتقه بعد غد كذا في (الخانية) .

٣٬٥٦٢

تتمة: الحاج عن الغير إن شاء قال: لبيك عن فلان وإن شاء اكتفى بالنية، والأفضل إحجاج الذكر الحر العالم بالمناسك الحاج عن نفسه فيكره إحجاج المرأة لنقصانه إذ ليس عليها رمل ولا سعي ولا ترفع صوتها بالتلبية ولا تحلق، والعبد لأنه ليس أهلاً لأداء الفرض عن نفسه فكيف عن غيره والصيرورة لأنه تارك فرض وصرح في (المعراج) بالإساءة في المرأة والعبد ولو مأذوناً،/ وفي (البدائع) الأفضل أن يكون قد حج عن نفسه، واعلم أن العلة المتقدمة في كراهة إحجاج العبد تعم الصبي ولم أره،

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ آمِرِيهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) وَمَعْنَاهُ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَهُ رَجُلَانِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَجَّةً فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ، وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا،

٢٬٦٧٠

وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ خَالَفَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ لَهُ الْحَجَّ وَأَنْ يَنْوِيَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ،

٢٬٦٧١

فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَارَ مُخَالِفًا، وَلَا يَكُونُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَوَقَعَ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ لِغَيْرِهِ

٢٬٦٧٢

بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى الْحَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا،

٢٬٦٧٣

وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْهُ بَلْ يَكُونُ جَاعِلًا ثَوَابَ حَجِّهِ لَهُ، وَنِيَّتُهُ عَنْهُمَا لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ عَنْ اثْنَيْنِ فَبَقِيَ لَهُ أَصْلُ الْحَجِّ، وَهُوَ سَبَبُ الثَّوَابِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا، وَلَا كَذَلِكَ إذَا أُمِرَ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إيقَاعُ حَجَّةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ لَهُمَا إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا لِلتَّعَدِّي وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا بِالِاتِّفَاقِ؛

لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْمُضِيِّ أَيْ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ جَازَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِتَعْيِينِ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ رَجُلَانِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا فَاشْتَرَى عَبْدًا لِأَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلُ

٢٬٦٧٤

بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ حَجَّةً، وَلَا عُمْرَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْحَقِّ لِمَعْلُومٍ وَهُوَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا الْمَجْهُولُ الْمُلْتَزَمُ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ مَجْهُولٌ نَظِيرُهُ إذَا أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ لِمَجْهُولٍ لَا يَصِحُّ،

٢٬٦٧٥

وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ لِمَعْلُومٍ صَحَّ،

٢٬٦٧٦

وَلَا يَلْزَمُ الْحَجُّ عَنْ أَبَوَيْهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَهُ لَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ هَذَا إبْهَامٌ فِي الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ فَاكْتَفَى بِهِ شَرْطًا كَمَا فِي الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ عَلَى مَا مَرَّ

٢٬٦٧٧

بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى الْأَفْعَالَ عَلَى الْإِبْهَامِ ثُمَّ عَيَّنَهُ لِأَحَدِهِمَا حَيْثُ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ فَصَارَ مُخَالِفًا،

٢٬٦٧٨

وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ مُعَيَّنًا وَمُبْهَمًا

٢٬٦٧٩

قَالَ فِي الْكَافِي: لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ آمِرِيهِ إلَخْ) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ فَرَجَعَ عَنْ الطَّرِيقِ فَقَالَ: مُنِعْت لَمْ يُصَدَّقْ، وَيَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ،

٢٬٧٧٠

وَإِنْ قَالَ الْمَأْمُورُ: حَجَجْت عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ وَالْوَصِيُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ فَقَالَ: حُجَّ عَنِّي بِهَذَا الْمَالِ فَحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ حَجَّ بِهَا؛ لِأَنَّ هُنَا يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ، وَالْوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ

٢٬٧٧١

بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. اهـ. كَرْمَانِيٌّ

(قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ عَنْهُمَا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا جَعَلَ ثَوَابَ حَجِّهِ لِأَحَدِهِمَا جَازَ

٢٬٧٧٢

وَكَذَا إذَا جَعَلَ لَهُمَا جَمِيعًا

٢٬٧٧٣

بِخِلَافِ مَا إذَا أَهَلَّ الْمَأْمُورُ بِحَجَّةٍ عَنْ آمِرِيهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْأَمْرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ إلَخْ)

٢٬٧٧٤

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَإِنْ أَمَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَجَّةٍ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ لِأَحَدِهِمَا لَا يَنْوِيهِ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ كَذَا هُنَا لِمَا مَرَّ،

٢٬٧٧٥

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْرَامٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لَهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ عَنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى طَافَ شَوْطًا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِشُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ، وَأَدَاءُ الْفِعْلِ عَنْ الْمَجْهُولِ لَا يَقَعُ عَنْ الْمُعَيَّنِ

٢٬٧٧٦

بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ لَيْسَ مِنْ الْأَدَاءِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَصْلِنَا إلَّا أَنَّ فِي الْأَبَوَيْنِ يَجُوزُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْفِعْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الثَّوَابُ لَهُمَا، وَأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا تُؤَثِّرُ الْجَهَالَةُ فِيهِ، فَجَازَ الصَّرْفُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً

٢٬٧٧٧

بِخِلَافِ الْآمِرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إسْقَاطُ الْفَرْضِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ وَأَوْصَى. اهـ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.