ولو ارتدّ أو أسلما معًا لم تبن
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا وَأَسْلَمَا مَعًا لَمْ تَبِنْ) اسْتِحْسَانًا لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ جِهَةَ الْمُنَافَاةِ بِرِدَّةِ أَحَدِهِمَا عَدَمُ انْتِظَامِ الْمَصَالِحِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُوَافَقَةُ عَلَى الِارْتِدَادِ ظَاهِرَةٌ فِي انْتِظَامِهَا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَمُوتَا بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ ارْتَدُّوا ثُمَّ أَسْلَمُوا وَلَمْ تَأْمُرُهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِتَجْدِيدِ الْأَنْكِحَةِ
وَلَمَّا لَمْ تَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا أَنَّ رِدَّتَهُمْ وَقَعَتْ مَعًا إذْ لَوْ حُمِلَتْ عَلَى التَّعَاقُبِ فَسَدَتْ أَنْكِحَتُهُمْ وَلَزِمَهُمْ التَّجْدِيدُ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَعِيَّةِ عَدَمُ تَعَاقُبِ كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ
أَمَّا جَمِيعُهُمْ فَلَا لِأَنَّ الرِّجَالَ جَازَ أَنْ يَتَعَاقَبُوا وَلَا تَفْسُدُ أَنْكِحَتُهُمْ إذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ ارْتَدَّ مَعَ امْرَأَتِهِ مَعًا وَحُكْمُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِذَلِكَ حُكْمٌ بِالظَّاهِرِ لَا بِالْحَمْلِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَيِّمَ الْبَيْتِ إذَا أَرَادَ أَمْرًا تَكُونُ قَرِينَتُهُ فِيهِ قَرِينَتَهُ وَتَعَقَّبَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ ارْتِدَادَهُمْ بِمَنْعِهِمْ الزَّكَاةَ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ أَنَّ مَنْعَهُمْ كَانَ لِجَحْدِ افْتِرَاضِهَا وَلَمْ يُنْقَلْ وَلَا هُوَ لَازِمٌ وَقِتَالُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَسْتَلْزِمُهُ لِجَوَازِ قِتَالِهِمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهِمْ حَقًّا شَرْعِيًّا وَعَطَّلُوهُ، وَالْأَوْجَهُ الِاسْتِدْلَال بِوُقُوعِ رِدَّةِ الْعَرَبِ وَقِتَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِتَجْدِيدِ الْأَنْكِحَةِ اهـ.
وَفِي الصِّحَاحِ حَنِيفَةُ أَبُو حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ
وَلَمَّا قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ التَّبَايُنَ سَبَبٌ لِلْفُرْقَةِ عُلِمَ أَنَّهُمَا إذَا ارْتَدَّا ثُمَّ لَحِقَ أَحَدُهُمَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالتَّبَايُنِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ارْتَدَّا مَعًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُمَا ارْتَدَّا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الرِّدَّةِ جَعَلَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا كَمَا فِي الْغَرْقَى، وَالْحَرْقَى وَقَيَّدَ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ تَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَتَمَجَّسَا مَعًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ تَقَعُ الْفُرْقَةُ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَقَعُ لِأَنَّهُمَا ارْتَدَّا مَعًا لِأَنَّ تَمَجُّسَ الْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ لِأَنَّهَا أَحْدَثَتْ زِيَادَةَ صِفَةٍ فِي الْكُفْرِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ إحْدَاثِ أَصْلِ الْكُفْرِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الرِّدَّةُ مِنْهَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَيْسَتْ إلَّا بِتَبْدِيلِ أَصْلِ الدِّينِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا تَبْدِيلُ أَصْلِ الدِّينِ فَقَدْ وُجِدَ ارْتِدَادُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَبَانَتْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَهَوَّدَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا مَا أَحْدَثَتْ زِيَادَةَ صِفَةٍ فِي الْكُفْرُ.
(قَوْلُهُ: لَا بِالْحَمْلِ) أَيْ لَا بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّ كُلَّ زَوْجَيْنِ ارْتَدَّا مَعًا لِلْجَهْلِ بِالْحَالِ كَالْغَرْقَى، وَالْحَرْقَى
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: قَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ فَأَسْلَمُوا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ كَانَ جَحْدًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُجْدِي فَإِنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ارْتَدَّا مَعًا. . . إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: الْمُرَادُ أَنْ لَا يُعْرَفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ
أَمَّا الْمَعِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فَمُتَعَذَّرَةٌ وَمَا فِي الْبَحْرِ فِيهِ بُعْدٌ ظَاهِرٌ نَعَمْ ارْتِدَادُهُمَا مَعًا بِالْفِعْلِ مُمْكِنٌ بِأَنْ حَمَلَا مُصْحَفًا وَأَلْقَيَاهُ فِي الْقَاذُورَاتِ أَوْ سَجَدَا لِلصَّنَمِ مَعًا.
(وإن ارتدا معًا) بان لم يعرف سبق أحدهما على الأخر
أما المعية الحقيقية فمتعذرة وما في (البحر) هي ما لو مسلم أنهما أبى جدًا بكلمة واحدة ففيه بعد ظاهر نعم ارتدادهما معًا بالفعل ممكن بان حملاً مصحفًا وألقياه في القارورة أو سجدا للصنم معا أو أسلما معًا لم تبني من زوجها استحسانا، لأن بني حنيفة حي من العرب ارتدوا بمنع الزكاة فبعث إليهم الصديق بالجيوش فاعلموا ولم تذمرهم الصحابة بتجديد الأنكحة والارتداد منهم كان معًا لجهالة التاريخ والمراد بالمعية عدم تعاقب كل زوجين منهم
أما جميعهم فلا، لأن الرجال جاز أن يتعاقبوا ولا تفسد أنكحتهم إدا كان كل رجل ارتد مع امرأته معه، لكن هذا الاستدلال إنما يتم بتقدير أن منعهم كان لجحد افتراضها ولم ينقل وقتالهم لا يستلزمه لجوازه إذ أجمعوا على منعهم حقًا شرعيًا وعطلوه فالأوجه الاستدلال بوقوع ردة العرب وقتالهم على ذلك فإنه من غير تعيين بني حنيفة ومانعي الزكاة قطعي، ولم يؤمروا بتجديد الأنكحة هذا حاصل ما في (الفتح) وقد يقال: إن قوله في الرواية فاعلموا دليل على أن المنع كان جحدا، والمسألة مقيدة بما إذا لم يلحق أحدهما بدار الحرب فإن لحق بانت وكان استغنى عنه بما قدمه من أن تباين الدارين محبب الفارقة قيده بالردة لأن المسلم لو كان تحته نصرانية فتهودت وقعت الفرقة بينهما اتفاقا واختلف الشيخان فيما لو توجسا قال أبو يوسف: تقع ومحمد: لا تقع، لأبي يوسف أن الزوج لا يقر على ذلك والمرأة تقر فصار كردة الزوج وحده، وفرق محمد بان المجوسية لا تحل للمسلم فإحداثها كالارتداد.
وفي (المحيط) لو كانت النصرانية صغيرة فتوجس أبواها بانت ولا مهر لها ولو ارتدا لم تبق إلا إذا لحقا بدار الحرب لأنها مسلمة تبعا للأبوين والدار ولا يمكن في الأول الحكام بالإسلام تبعد للدار لانتفاء تبعيتها ما دامت تبعية الأبوين قائمة،
ولو مات أحدهما مسلما أو مرتدة ثم ارتد الآخر ولحق بدار الحرب لم تبن لأن التبعية حكم تنامى بالموت مسلما أو مرتدة لأن أحكام الإسلام قائمة، ألا ترى أن كسبه يكون لورثته المسلمين،
ومتى تناهت لا تبطل بكفر الآخر ولو بلغت عاقلة مسلمة ثم جنت فارتدا ولحقا بدار الحرب لم تبق انتهى ملخصًا وفي الفرق بين ما لو توجسا أو ارتدا تعمل فليتدبر،
(وَلَوْ ارْتَدَّ أَوْ أَسْلَمَا مَعًا لَمْ تَبِنْ) قَالَ زُفَرُ تَبِينُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ رِدَّةَ أَحَدِهِمَا مُنَافِيَةٌ وَفِي رِدَّتِهِمَا رِدَّةُ أَحَدِهِمَا وَزِيَادَةً فَكَانَ أَوْلَى بِالْبَيْنُونَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ مُنَافِيًا بَقَاءً كَرِدَّةِ أَحَدِهِمَا وكالمحرمية، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَلَمْ تَأْمُرْهُمْ الصَّحَابَةُ بِتَجْدِيدِ الْأَنْكِحَةِ وَارْتِدَادُهُمْ وَإِسْلَامُهُمْ وَاقِعٌ مَعًا لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِإِجْمَاعِهِمْ وَلَا يُقَالُ إنَّ ارْتِدَادَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَأَنَّى يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عِنْدَ جَهَالَةِ التَّارِيخِ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْكُلَّ وُجِدَ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَمَوْتِ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى وَالْهَدْمَى حَتَّى لَا يَرِثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؛
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِمَا دَيْنٌ وَلَا دَارٌ فَيَبْقَى مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ كَمَا إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ ارْتِدَادَهُمَا مَعًا وَإِسْلَامَهُمَا دَلِيلُ الْمُوَافَقَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى النِّكَاحِ
بِخِلَافِ ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بِرِدَّةِ أَحَدِهِمَا لِظُهُورِ الْخُبْثِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالطَّيِّبِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ هُنَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ الِابْتِدَاءِ مَنْعُ الْبَقَاءِ كَعِدَّةِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الْبَقَاءِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ارْتَدَّا أَوْ أَسْلَمَا مَعًا لَمْ تَبِنْ) هَذَا إذَا لَمْ يَلْحَقْ أَحَدٌ مِنْهُمَا بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ ارْتِدَادِهِمَا فَإِنْ لَحِقَ فَسَدَ لِلتَّبَايُنِ اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ: قَالَ زُفَرُ تَبَيَّنَ) أَيْ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَالُ إنَّ ارْتِدَادَهُمْ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْمَذْكُورُ فِي الْحُكْمِ بِارْتِدَادِ بَنِي حَنِيفَةَ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْعُهُمْ الزَّكَاةَ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ أَنَّ مَنْعَهُمْ كَانَ لِجَحْدِ افْتِرَاضِهَا وَلَمْ يُنْقَلْ وَلَا هُوَ لَازِمٌ وَقِتَالُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إيَّاهُمْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ لِجَوَازِ قِتَالِهِمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهِمْ حَقًّا شَرْعِيًّا وَعَطَّلُوهُ اهـ.
[بَابُ الْقَسْمِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ وَأَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ وَالْأَرِقَّاءِ وَالْكُفَّارِ وَحُكْمُهُ اللَّازِمُ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ شَرَعَ فِي حُكْمِهِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ وَهُوَ الْقَسْمُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ الْمَنْكُوحَاتِ وَنَفْسُ النِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَلَا هُوَ غَالِبٌ فِيهِ اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.