ولو حكم خصمان رجلا في غير حد الله تعالى جاز مطلقا بشرط أهلية القضاء
الشروح عليها
(وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ) أَوْ اثْنَانِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ كَفِي نِكَاحٍ أَوْ حَكَّمَ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ (رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدٍّ) أَوْ تَعْزِيرٍ (لِلَّهِ تَعَالَى) (جَازَ مُطْلَقًا) أَيْ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ أَفْضَلُ وَعَدَمُهُ (بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) الْمُطْلَقَةِ لَا فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَقَطْ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ مَعَ اشْتِهَارِهِ فَكَانَ إجْمَاعًا.
أَمَّا حَدُّهُ تَعَالَى أَوْ تَعْزِيرُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ، إذْ لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ زِيَادَاتِهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ.
وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْأَهْلِ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ: أَيْ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ فِي النِّكَاحِ، نَعَمْ لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ غَيْرِ مُجْتَهِدٍ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ وَلَوْ قَاضِي ضَرُورَةٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لِوَكِيلٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ تَحْكِيمٌ وَلَا لِوَلِيٍّ إنْ أَضَرَّ بِمُوَلِّيهِ، وَكَوَكِيلٍ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَعَامِلُ قِرَاضٍ وَمُفْلِسٌ إنْ أَضَرَّ غُرَمَاءَ وَمُكَاتَبٌ إنْ أَضَرَّ بِهِ
(قَوْلُهُ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ) هُوَ قَوْلُهُ فِي غَيْرِهِ إلَخْ قَوْلُهُ: أَيْ صَرِيحًا) خَبَرٌ، وَقَوْلُهُ لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ إلَخْ مِنْ م ر، وَقَوْلُهُ مُنِعَ ذَلِكَ: أَيْ وَلَوْ مُجْتَهِدًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ)
أَيْ شَخْصٍ أَهْلٍ لِلتَّحْكِيمِ قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَا إلَخْ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ
(وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ) أَوْ اثْنَانِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ كَفِي نِكَاحٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ أَبَاهُ فَحَكَّمَا آخَرَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِتَكْلِيمِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَكَّمَ يُكْرِهُ،
وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ نَحْوُ ضَرْبٍ، وَلَا حَبْسٍ. فَإِفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ إكْرَاهًا إلَّا إنْ قَدَرَ حِسًّا عَلَى إجْبَارِ الْحَالِفِ. وَمَرَّ مَا فِيهِ فِي مَبْحَثِ الْإِكْرَاهِ فِي الطَّلَاقِ فَرَاجِعْهُ.
فَإِنْ قُلْت: نُفُوذُ قَضَاءِ الْمُحَكَّمِ مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا الْحَالِفِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إكْرَاهُهُ لَهُ؟ قُلْت لَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بَلْ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ لَهُ إكْرَاهُهُ عَلَى مُقْتَضَى حُكْمِهِ،
وَإِنْ كَانَ مُتَوَقِّفًا أَوَّلًا عَلَى رِضَاهُ، أَوْ حَكَّمَ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ (رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدٍّ) ، أَوْ تَعْزِيرٍ (لِلَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ وُجُودِ قَاضٍ أَهْلٍ وَعَدَمِهِ (بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) الْمُطْلَقَةِ لَا فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ مَعَ اشْتِهَارِهِ فَكَانَ إجْمَاعًا.
أَمَّا حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تَعْزِيرُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ؛ إذْ لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّ الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ،
وَأَمَّا غَيْرُ الْأَهْلِ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ أَيْ: مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ، وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ فِي النِّكَاحِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ. وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَحْكِيمِهِ حَيْثُ وُجِدَ قَاضِي ضَرُورَةٍ؛
لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لِوَكِيلٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ تَحْكِيمٌ، وَلَا لِوَلِيٍّ إنْ أَضَرَّ بِمُوَلِّيهِ وَكَوَكِيلٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَعَامِلِ قِرَاضٍ وَمُفْلِسٍ إنْ ضَرَّ غُرَمَاءَهُ وَمُكَاتَبٍ إنْ أَضَرَّ بِهِ. وَتَحْكِيمُ السَّفِيهِ لَغْوٌ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ بَعْضِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ: وَلَوْ حَكَّمَ بِكَافٍ مُشَدَّدَةٍ) . اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: أَوْ اثْنَانِ) إلَى قَوْلِهِ: وَيُؤْخَذُ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا زَادَهُ.
(قَوْلُهُ: يُكْرِهُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.
(قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ: الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: مَا فِيهِ) أَيْ: الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: إكْرَاهُهُ) أَيْ: الشَّرْعِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَخْ) أَيْ: حُكْمُ الْمُحَكَّمِ
(قَوْلُهُ: أَوْ حَكَّمَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى حَكَّمَ خَصْمَانِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَعْزِيرٍ) إلَى قَوْلِهِ: مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ فِي الْمُغْنِي إلَّا مَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَإِلَى قَوْلِهِ: عَلَى مَا مَرَّ فِي النِّهَايَةِ إلَّا مَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: مَعَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي عَنْ التَّفَاصِيلِ الْآتِيَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَهْلٍ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ أَفْضَلَ. اهـ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ: بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ التَّحْكِيمُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ تَحْكِيمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي بَابِهِ مُغْنِي وَأَسْنَى.
(قَوْلُهُ: وَأُخِذَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ التَّعْلِيلِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ) كَالزَّكَاةِ حَيْثُ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ. اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ إلَخْ) وِفَاقًا لِشَرْحِ الْمَنْهَجِ وَخِلَافًا لِإِطْلَاقِ الْمُغْنِي وَلِلنِّهَايَةِ عِبَارَتُهُ نَعَمْ لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ غَيْرِ مُجْتَهِدٍ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ وَلَوْ قَاضِيَ ضَرُورَةً. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنُوزِعَ فِيهِ إلَخْ) ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ قَاضِيَ الضَّرُورَةِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا عَارِفًا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ عَدْلًا فَلَا وَجْهَ لِتَحْكِيمِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا، أَوْ فَاسِقًا وَثَمَّ مُقَلِّدٌ عَالِمٌ عَدْلٌ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ. اهـ.
سَيِّدُ عُمَرَ عِبَارَةُ الْبُجَيْرِمِيِّ قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ أَيْ: إذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ مُجْتَهِدًا،
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضِي ضَرُورَةٍ ع ش فَيَمْتَنِعُ التَّحْكِيمُ الْآنَ لِوُجُودِ الْقُضَاةِ وَلَوْ قُضَاةَ ضَرُورَةٍ كَمَا نَقَلَهُ الزِّيَادِيُّ عَنْ م ر إلَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي يَأْخُذُ مَالًا لَهُ وَقَعَ فَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَحْكِيمِهِ إلَخْ) بَقِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْقَاضِي لَكِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مِنْ الْعَمَلِ بِمَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ كَمَا لَوْ مُنِعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فَالْوَجْهُ جَوَازُ التَّحْكِيمِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ؛ لِفَقْدِ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَهَذَا ظَاهِرٌ. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ) إلَى قَوْلِهِ: وَتَحْكِيمُ السَّفِيهِ فِي النِّهَايَةِ وَإِلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ وَمُكَاتَبٌ إنْ أَضَرَّ بِهِ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَضَرَّ) أَيْ: مَذْهَبُ الْمُحَكَّمِ. اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: وَكَوَكِيلٍ مَأْذُونٌ لَهُ إلَخْ) خَبَرٌ فَمُبْتَدَأٌ.
(قَوْلُهُ: وَعَامِلُ قِرَاضٍ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى مَأْذُونٌ لَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَمُفْلِسٌ) أَيْ: مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ. اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: إنْ أَضَرَّ) أَيْ: مَذْهَبُ الْمُحَكَّمِ. اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لَا فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ) كَتَبَ عَلَيْهِ م ر.
(قَوْلُهُ: أَيْ: مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ) كَتَبَ عَلَيْهِ م ر.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ) وَيُحْتَمَلُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مَعَ تَيَسُّرِهِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا شَوْكَةَ فِيهَا حَتَّى تَنْفُذَ مِنْ غَيْرِ الْأَمْثَلِ مَعَ تَيَسُّرِهِ م ر.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي النِّكَاحِ إلَخْ) نَعَمْ لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ غَيْرِ مُجْتَهِدٍ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ وَلَوْ قَاضِيَ ضَرُورَةٍ م ر.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَحْكِيمِهِ حَيْثُ وُجِدَ قَاضِي ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إلَخْ) بَقِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْقَاضِي لَكِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مِنْ الْعَمَلِ بِمَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ كَمَا لَوْ مُنِعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فَالْوَجْهُ جَوَازُ التَّحْكِيمِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِفَقْدِ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَهَذَا ظَاهِرٌ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَوْ) (حَكَّمَ) بِكَافٍ مُشَدَّدَةٍ (خَصْمَانِ رَجُلًا) غَيْرَ قَاضٍ (فِي غَيْرِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى) مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (جَازَ مُطْلَقًا) عَلَى التَّفَاصِيلِ الْآتِيَةِ (بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ لِجَمْعٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَكَانَ إجْمَاعًا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ خَصْمَانِ يُوهِمُ اعْتِبَارَ الْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
فَإِنَّ التَّحْكِيمَ يَجْرِي فِي النِّكَاحِ.
فَلَوْ قَالَ: اثْنَانِ كَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ مَزِيدٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِيهَا،
وَلَوْ قَالَ: فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ لِلَّهِ لِيَتَنَاوَلَ التَّعْزِيرَ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ كَالْحَدِّ فِي ذَلِكَ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ عَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ، فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ قَطْعًا، وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِيَّةِ الْأَهْلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيُشْتَرَطُ فِي صِفَةِ الْقَاضِي. نَعَمْ يُسْتَثْنَى التَّحْكِيمُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ تَحْكِيمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي بَابِهِ، وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ جَوَازِ التَّحْكِيمِ الْوَكِيلَيْنِ، فَلَا يَكْفِي تَحْكِيمُهُمَا، بَلْ الْمُعْتَبَرُ تَحْكِيمُ الْمُوَكِّلَيْنِ وَالْوَلِيَّيْنِ، فَلَا يَكْفِي تَحْكِيمُهُمَا إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْمُحَكِّمِ يَضُرُّ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ لَا يَكْفِي رِضَاهُ إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْمُحَكِّمِ يَضُرُّ بِغُرَمَائِهِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَعَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَكْفِي تَحْكِيمُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمَالِكِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَا أَثَرَ لِتَحْكِيمِهِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ
(وَلَوْ حَكَّمَ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ (خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا) عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي (بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ) مُطْلَقًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ) أَيْ رَشِيدَانِ يَتَصَرَّفَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلَيْسَ الْمُحَكِّمُ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا لِأَحَدِهِمَا وَلَا عَدُوًّا لَهُ.
قَوْلُهُ: (جَازَ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ وَلَوْ مُجْتَهِدًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَبِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) أَيْ غَيْرِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ أَعْمًى وَلَا أَصَمَّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا كَافِرٍ وَلَوْ فِي خَصْمِ كَافِرٍ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَجُوزُ بِشَرْطِ عَدَمِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْأَهْلِ فَيُمْتَنَعُ تَحْكِيمُ غَيْرِ الْأَهْلِ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ قَاضِي الضَّرُورَةِ إلَّا إنْ كَانَ يَأْخُذُ مَالًا لَهُ وَقَعَ بِحَيْثُ يَضُرُّ حَالَ الْغَارِمِ فَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ،
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَهَذَا مَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَهُمَا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي غَيْرِ حَدٍّ لِلَّهِ) أَيْ
بِخِلَافِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِيهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَا يَجِيءُ. هُنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ وِلَايَةِ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ وِلَايَةُ ذِي الشَّوْكَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (جَازَ) دَلِيلُهُ تَحَاكَمَ عُمَرُ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يُخَالِفُوا فَكَانَ إجْمَاعًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ) أَيْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ أَمْرِ الْحُكَّامِ وَقُصُورِ نَظَرِهِمْ وَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهِمْ.
قال: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حَقِّ الله تعالى .. جاز) ؛ ففي (سنن البيهقي)[١٠/ ١٤٥]: أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت في نخل، وعثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم [٥/ ٢٦٨]، وعمر والعباس إلى أبي بن كعب في أرض بالقرب من المسجد، ولم ينكر ذلك أحد.
واستدل الرافعي بقوله صلى الله عليه وسلم:(من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل .. فعليه لعنة الله).
ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم .. لما كان لهذا التهديد معنىً، والحديث غريب لا يعرف.
نعم؛ روى أبو داوود [٤٩١٦] والنسائي [٨/ ٢٢٦] وابن حبان [٥٠٤] والحاكم [١/ ٢٤]: أن هانئًا الحارثي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه .. سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلِمَ تكنى بذلك؟! قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء .. أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال عليه الصلاة والسلام:(ما أحسن هذا؟! فما لك من الولد؟)
قال: شريح وعبد الله ومسلم، قال:(من أكبرهم؟) قال: شريح، قال:(فأنت أبو شريح) ودعا له ولولده.
وكان شريح بن هانئ من أعيان أصحاب علي، شهد معه حروبه كلها، وعاش مئة وعشرين سنة.
أما حدود الله تعالى .. فلا يحكم فيها؛ إذ ليس لها طالب معين، ولأنها أمور خطرة فتناط بنظر الحكام، وهذا الاستثناء من زيادات (المنهاج) على (المحرر) ولا بد منه، لكن قوله:(خصمان) يوهم اعتبار الخصومة، وليس كذلك؛
فإن التحكيم يجري في النكاح،
فلو قال: اثنان .. كان أحسن.
وقوله:(رجلًا) يوهم عدم جواز اثنين.
وقال في (المطلب): لو تحاكما إلى اثنين .. لم ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا.
قال: (مطلقًا) أي: سواء كان في الأموال أم غيرها، وسواء كان هناك قاض أم لم يكن، وسواء كان المحكم فيه قصاصًا أم نكاحًا أو غيرهما مما سيأتي.
قال: (بشرط أهلية القضاء) ؛ لأن ذلك منزل منزلة الحكم،
فإذا لم يكن أهلًا .. لم ينفذ حكمه اتفاقًا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.