قلت: وغير القولية يشترط إقلاع وندم وعزم أن لا يعود ورد ظلامه آدمي إن تعلقت به. والله أعلم.
الشروح عليها
(قُلْت) أَخْذًا مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قَوْلٌ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا (يُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا (إقْلَاعٌ) مِنْهَا حَالًا إنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهَا أَوْ مُصِرًّا عَلَى مُعَاوَدَتِهَا (وَنَدَمٌ) مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ لَا لِخَوْفِ عُقُوبَةٍ لَوْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَوْ فَوَاتِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَادَةٌ وَهِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ رُدَّ بِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ لَهُ (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا مَا عَاشَ إنْ تُصُوِّرَ مِنْهُ، وَإِلَّا كَمَجْبُوبٍ تَعَذَّرَ زِنَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ،
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا عَدَمُ وُصُولِهِ لِحَالَةِ الْغَرْغَرَةِ وَعَدَمُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ حَالَةَ سُكْرِهِ كَإِسْلَامِهِ، وَمِمَّنْ كَانَ فِي مَحَلِّ مَعْصِيَةٍ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَا يُفْهِمُهُ الْإِقْلَاعُ لِلِاعْتِنَاءِ بِهِ فَقَالَ (وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ) يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ عَلَيْهِ مَالًا كَانَتْ أَوْ عِرْضًا نَحْوَ قَوَدٍ وَحَدِّ قَذْفٍ (إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ) سَوَاءٌ أَتَمَحَّضَتْ لَهُ أَمْ كَانَ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُؤَكَّدٌ كَفَّارَةٌ فَوْرِيَّةٌ وَزَكَاةٌ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» فَإِنْ أَفْلَسَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ كَمَا مَرَّ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَالِكِ وَوَارِثِهِ دَفَعَهُ لِحَاكِمٍ ثِقَةٍ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ عِنْدَ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَغَرِمَ بَدَلَهُ إذَا وَجَدَهُ،
فَإِنْ أَعْسَرَ عَزَمَ عَلَى الْأَدَاءِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ،
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إنْ لَمْ يَعْصِ بِالْتِزَامِهِ وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى أَنْ يُعَوِّضَ الْمُسْتَحِقَّ،
وَإِذَا بَلَغَتْ الْغِيبَةُ الْمُغْتَابَ اُشْتُرِطَ اسْتِحْلَالُهُ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسَّرَ لِغَيْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا أَثَرَ لِتَحْلِيلِ وَارِثٍ وَلَا مَعَ جَهْلِ الْمُغْتَابِ بِمَا حُلِّلَ مِنْهُ،
أَمَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُ فَيَكْفِي فِيهَا النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ،
وَكَذَا يَكْفِي النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الْحَسَدِ،
وَمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ وَخَفِيَ أَمْرُهُ نُدِبَ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ،
فَإِنْ ظَهَرَ أَتَى لِلْإِمَامِ يُقِيمُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ إذْ هُوَ مُسْقِطٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ. وَتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى غَيْرِهِ وَمِمَّا تَابَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ،
وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ لَمْ يَسْتَوْفِهِ وَارِثُهُ كَانَ الْمُطَالِبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ دُونَ الْوَارِثِ عَلَى الْأَصَحِّ. (فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ الْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَمُسْتَنَدِ الشَّهَادَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ رُدَّ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ
(قَوْلُهُ: لِحَالَةِ الْغَرْغَرَةِ) لَعَلَّهُ لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ فَتَوْبَتُهُ إنَّمَا هِيَ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ عَوْدِهِ إلَى مِثْلِ مَا فَعَلَ
(قَوْلُهُ: مُؤَكَّدٌ كَفَّارَةٍ) أَيْ كَكَفَّارَةٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ) الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ مَا شَاءَ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ لِنِيَّةِ الْقَرْضِ حَتَّى لَا يَضِيعَ عَلَى مَالِكِهِ إذَا ظَهَرَ لِكَوْنِهِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الصَّرْفِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعْسَرَ عَزَمَ عَلَى الْأَدَاءِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَالِ،
وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الَّذِي فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ فَعَلَهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ) وَلَيْسَ مِنْ التَّعَذُّرِ مَا لَوْ اغْتَابَ صَغِيرًا مُمَيِّزًا وَبَلَغَتْهُ فَلَا يَكْفِي الِاسْتِغْفَارُ لَهُ لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ أَمَدًا يُنْتَظَرُ، وَبِفَرْضِ مَوْتِ الْمُغْتَابِ يُمْكِنُ اسْتِحْلَالُ وَارِثِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمُغْتَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ
(قَوْلُهُ: اسْتَغْفَرَ لَهُ) أَيْ طَلَبَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا. (فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ
(قَوْلُهُ: كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا) أَيْ خِلَافًا لِمَا قَدْ يُوهِمُهُ الْمَتْنُ
(قَوْلُهُ: لَا حَاجَةَ لَهُ) أَيْ لِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ
(قَوْلُهُ: رُدَّ) الظَّاهِرُ رُدَّتْ
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ لَهُ) أَيْ حَيْثُ قَالَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ وَالْإِخْلَاصُ مُرَادِفٌ لِلْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ) أَيْ إنْ تَأَتَّتْ مِنْهُ الشُّرُوطُ الَّتِي مِنْهَا النَّدَمُ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إنْ تَعَلَّقَتْ) أَيْ الظُّلَامَةُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ،
وَيَصِحُّ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْبَةِ بِمَعْنَى مُوجِبِهَا، لَكِنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَغُرْمِ بَدَلِهِ) هَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الظُّلَامَةُ عَيْنًا كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا فَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ،
فَإِذَا صَرَفَهُ فِي الْمَصَالِحِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ لَمْ أَرَهُ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي حَذْفُهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ نَحْوِ الْقَوَدِ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ إلَخْ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ الْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ] فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ
(قُلْت وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قَوْلٌ كَمَا مَرَّ وَإِنَّمَا (يُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا (إقْلَاعٌ) مِنْهَا حَالًا،
وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهَا، أَوْ مُصِرًّا عَلَى مُعَاوَدَتِهَا (وَنَدَمٌ) مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ لَا لِخَوْفِ عِقَابٍ لَوْ اُطُّلِعَ عَلَيْهِ أَوْ لِغَرَامَةِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَزُعِمَ أَنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَادَةٌ وَهِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا مَا عَاشَ إنْ تَصَوَّرَ مِنْهُ وَإِلَّا كَمَجْبُوبٍ بَعْدَ زِنَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لَهُ اتِّفَاقًا،
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يُغَرْغِرَ وَأَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
قِيلَ: وَأَنْ يَتَأَهَّلَ لِلْعِبَادَةِ فَلَا تَصِحُّ تَوْبَةُ سَكْرَانَ فِي سُكْرِهِ،
وَإِنْ صَحَّ إسْلَامُهُ. اهـ.
وَفَرْقُهُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا وَإِنْ تَخَيَّلَ لَهُ مَعْنًى قِيلَ وَأَنْ يُفَارِقَ مَكَانَ الْمَعْصِيَةِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَا يُفْهِمُهُ الْإِقْلَاعُ لِلِاعْتِنَاءِ بِهِ فَقَالَ: (وَرَدُّ ظِلَامَةِ آدَمِيٍّ) يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ عَلَيْهِ مَالًا كَانَتْ أَوْ عَرَضًا نَحْوُ قَوَدٍ وَحَدِّ قَذْفٍ (إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ) سَوَاءٌ تَمَحَّضَتْ لَهُ أَمْ كَانَ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ
وَكَذَا نَحْوُ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ فَوْرًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» وَشَمِلَ الْعَمَلُ الصَّوْمَ وَبِهِ صَرَّحَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ فَمَنْ اسْتَثْنَاهُ فَقَدْ وَهِمَ، ثُمَّ تَحْمِيلُهُ لِلسَّيِّئَاتِ يَظْهَرُ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إلَّا عَلَى مَا سَبَبُهُ مَعْصِيَةٌ،
أَمَّا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْصِ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَفِي بِهِ فَإِذَا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الدَّائِنِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ لَمْ يُعَاقَبْ بِهِ وَعَلَيْهِ فَفَائِدَةُ تَحْمِيلِهِ لَهُ تَخْفِيفُ مَا عَلَى الدَّائِنِ لَا غَيْرُ وَبِهَذَا إنْ صَحَّ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أَيْ: لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرَى مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُ لِتُعَاقَبَ بِهِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَتَخْصِيصِهِ وَأَبْقَوْا هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ حَمْلَ السَّيِّئَاتِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ
بِخِلَافِ الْحَبْسِ فَإِنْ أَفْلَسَ لَزِمَهُ الْكَسْبُ كَمَا مَرَّ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمَالِكِ وَوَارِثِهِ سَلَّمَهُ لِقَاضٍ ثِقَةٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ عِنْدَ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ بِنِيَّةِ الْغُرْمِ لَهُ إذَا وَجَدَهُ،
فَإِنْ أَعْسَرَ عَزَمَ عَلَى الْأَدَاءِ إذَا أَيْسَرَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ انْقَطَعَ عَنْهُ الطَّلَبُ فِي الْآخِرَةِ إنْ لَمْ يَعْصِ بِالْتِزَامِهِ.
وَيُرْجَى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْوِيضُ الْمُسْتَحِقِّ وَإِذَا بَلَغَتْ الْغِيبَةُ الْمُغْتَابَ اُشْتُرِطَ اسْتِحْلَالُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسَّرَ لِغَيْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا أَثَرَ لِتَحْلِيلِ وَارِثٍ وَلَا مَعَ جَهْلِ الْمُغْتَابِ بِمَا تَحَلَّلَ مِنْهُ كَمَا فِي الْأَذْكَارِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ كَفَى النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ
وَكَذَا يَكْفِي النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الْحَسَدِ
وَيُسَنُّ لِلزَّانِي كَكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ السِّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُظْهِرَهَا لِيُحَدَّ أَوْ يُعَزَّرَ
لَا أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ بِهَا تَفَكُّهًا أَوْ مُجَاهَرَةً فَإِنَّ هَذَا حَرَامٌ قَطْعًا
وَكَذَا يُسَنُّ لِمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارِهِ بِهِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُمْ يُسَنُّ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَيْ: لِلَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ السِّتْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهُورِ هُنَا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى زِنَاهُ مَثَلًا مَنْ لَا يَثْبُتُ الزِّنَا بِشَهَادَتِهِ فَيُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ،
أَمَّا حَدُّ الْآدَمِيِّ أَوْ الْقَوَدُ لَهُ أَوْ تَعْزِيرُهُ فَيَجِبُ الْإِقْرَارُ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ
وَيُسَنُّ لِشَاهِدِ الْأَوَّلِ السِّتْرُ مَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِظْهَارِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّرْكِ إيجَابُ حَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ وَإِلَّا كَثَلَاثَةٍ شَهِدُوا بِالزِّنَا لَزِمَ الرَّابِعَ الْأَدَاءُ، وَأَثِمَ بِتَرْكِهِ وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ نَحْوِ الْقَوَدِ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ فِي أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ عَلَى مَا إذَا تَابَ وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى خِلَافِهِ وَجَمَعَ الزَّرْكَشِيُّ بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ طَوْعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ إطْلَاقِ السُّقُوطِ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَعَدَمِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا قِيدَ مِنْهُ وَلَمْ يَتُبْ عُوقِبَ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ، وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ كَانَ مُرْتَكِبًا لِذُنُوبٍ أُخْرَى وَمِمَّا تَابَ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ لَمْ يَسْتَوْفِهِ وَرَثَتُهُ يَكُونُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ: وَالْمَعْصِيَةُ غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ إلَخْ) أَيْ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ) إلَى قَوْلِهِ وَزَعَمَ فِي الْمُغْنِي وَإِلَى قَوْلِهِ بِأَنْ لَا يُظْهِرَهَا فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: وَشَمِلَ الْعَمَلَ إلَى فَإِنْ أَفْلَسَ وَمَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ قُبَيْلَ فَيَقُولُ الْقَاذِفُ
(قَوْلُهُ: كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا) أَيْ خِلَافًا لِمَا قَدْ يُوهِمُهُ الْمَتْنُ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: كَالْقَوْلِيَّةِ) رَاجِعٌ إلَى مَدْخُولِ إنَّمَا بِدُونِ مُلَاحَظَةِ الْحَصْرِ وَقَوْلُهُ أَيْضًا تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُصِرًّا عَلَى مُعَاوَدَتِهَا) يُغْنِي عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ وَلَعَلَّ لِهَذَا أَسْقَطَهُ الْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى حَالِهِ قَيْدٌ لِلْعِقَابِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِغَرَامَةٍ إلَخْ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ اللَّازِمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ كَالْفَضَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا) أَيْ قَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: بَانَ فِيهِ) أَيْ فِي تَعْلِيلِهِ
(قَوْلُهُ: تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ) أَيْ حَيْثُ قَالَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ وَالْإِخْلَاصُ مُرَادِفٌ لِلْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ) إلَى قَوْلِهِ قِيلَ فِي الْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يُغَرْغِرَ) أَيْ أَنْ لَا يَصِلَ لِحَالَةِ الْغَرْغَرَةِ نِهَايَةٌ وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ فَتَوْبَتُهُ إنَّمَا هِيَ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ عَوْدِهِ إلَى مِثْلِ مَا فَعَلَ ع ش.
(قَوْلُهُ: قِيلَ وَأَنْ يَتَأَهَّلَ) إلَى الْمَتْنِ عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ حَالَةَ سُكْرِهِ كَإِسْلَامِهِ وَمِمَّنْ كَانَ فِي مَحَلِّ مَعْصِيَتِهِ. اهـ.
قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ أَيْ إنْ تَأَتَّتْ مِنْهُ الشُّرُوطُ الَّتِي مِنْهَا النَّدَمُ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي) إلَى قَوْلِهِ لَا أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ إلَى فَإِنْ تَعَذَّرَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي الْخُرُوجَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالْأَسْنَى لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْخُرُوجِ مِنْ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ بَدَلَ الرَّدِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الرَّدَّ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهَا وَإِقْبَاضُ الْبَدَلِ عِنْدَ التَّلَفِ وَيَشْمَلُ الْمَالَ وَالْعِرْضَ وَالْقِصَاصَ فَلَا بُدَّ فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ مِنْ التَّمْكِينِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ بِهِ وَجَبَ إعْلَامُهُ بِهِ فَيَقُولُ أَنَا الَّذِي قَتَلْت أَبَاك وَلَزِمَنِي الْقِصَاصُ فَاقْتَصَّ إنْ شِئْت وَإِنْ شِئْت فَاعْفُ
وَكَذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ رَدُّ الظُّلَامَةِ تَوَقُّفُ التَّوْبَةِ فِي الْقِصَاصِ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا نَدِمَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْقِصَاصِ وَكَانَ تَأَخُّرُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أُخْرَى يَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَلَا يَقْدَحُ فِي الْأُولَى. اهـ. .
(قَوْلُهُ: بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ حَيْثُ أَمْكَنَ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ. اهـ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ إنْ تَعَلَّقَتْ) أَيْ الظُّلَامَةُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ
وَيَصِحُّ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْبَةِ بِمَعْنَى مُوجِبِهَا لَكِنْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَوَّلِ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَنْ كَانَ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ التَّعْبِيرُ بِالْمَظْلِمَةِ ظَاهِرٌ فِي الْعَاصِي بِهَا فَلَا يَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَعْصِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَجَزَ عَنْهُ فَلَا يُحْمَلُ مِنْ سَيِّئَاتِ الدَّائِنِ فَفِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ تَعْمِيمِ التَّحْمِيلِ نَظَرٌ. اهـ.
سم.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ إلَخْ) أَيْ غَيْرَ الْإِيمَانِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْقَوَاعِدِ) أَيْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ تَحْمِيلُهُ لِلسَّيِّئَاتِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُ إلَخْ) فِي إطْلَاقِ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ مَا قَرَّرَهُ أَوَّلًا لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْمُعَاقَبَةِ إلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْصِ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ بَلْ قَضِيَّةُ مَا قَرَّرَهُ إنْ صَحَّ أَنَّهَا قَدْ تُحْمَلُ لِتَعَاقُبٍ فَيَحْتَاجُ لِتَخْصِيصِ الْآيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.
سم.
(قَوْلُهُ: فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ حَدِيثِ الرَّهْنِ وَقَوْلُهُ وَأَبْقَوْا هَذَا أَيْ حَدِيثَ التَّحْمِيلِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَفْلَسَ إلَخْ) مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ إلَخْ) مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْمَتْنِ عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ لِمُسْتَحِقِّهَا وَيَرُدُّ الْمَغْصُوبَ إنْ بَقِيَ وَبَدَلَهُ إنْ تَلِفَ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ وَيُعْلِمُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقٌّ أَوْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ سَلَّمَهَا إلَى قَاضٍ أَمِينٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهَا وَنَوَى الْغُرْمَ أَوْ يَتْرُكَهَا عِنْدَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ تَصَدَّقَ بِهَا. اهـ.
وَقَالَ شَارِحُهُ الْإِسْنَوِيُّ وَلَا يَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي الْأَمِينِ صَرْفُ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْآحَادِ؟ . اهـ.
فَمَا فِي الشَّارِحِ كَالنِّهَايَةِ الْمُوَافِقِ لِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النَّائِبِ وَالْقَاضِي فَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَوَّلُ بِنِيَّةِ الْغُرْمِ دُونَ الثَّانِي
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعْسَرَ غَرِمَ عَلَى الْأَدَاءِ إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَالِ
وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الَّذِي فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ فَعَلَهُ. اهـ.
ع ش وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ تَوَقُّفٌ فَلْيُرَاجَعْ.
فَإِنَّ قِيَاسَهُ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا مَاتَ قَبْلَهُ) إلَى قَوْلِهِ وَيُرْجَى إلَخْ عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ فَإِنْ مَاتَ مُعْسِرًا طُولِبَ فِي الْآخِرَةِ إنْ عَصَى بِالِاسْتِدَانَةِ كَأَنْ اسْتَدَانَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنْ اسْتَدَانَ لِحَاجَةٍ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ فَهُوَ جَائِزٌ إنْ رَجَا الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ حِينَئِذٍ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَيُرْجَى إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ انْقَطَعَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ) وَلَيْسَ مِنْ التَّعَذُّرِ مَا لَوْ اغْتَابَ صَغِيرًا مُمَيِّزًا وَبَلَغَتْهُ فَلَا يَكْفِي الِاسْتِغْفَارُ لَهُ؛ لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ أَمَدًا يُنْتَظَرُ وَبِفَرْضِ مَوْتِ الْمُغْتَابِ يُمْكِنُ اسْتِحْلَالُ وَارِثِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمُغْتَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ. اهـ.
ع ش
(قَوْلُهُ: اسْتَغْفَرَ لَهُ) أَيْ طَلَبَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ ع ش.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ إلَخْ) وَيَظْهَرُ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ وَهِيَ الْإِيذَاءُ اهـ.
مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: كَفَى النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ كَالرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ الْغِيبَةِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهَا بِهَا. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي الِاسْتِغْفَارُ وَحْدَهُ. اهـ.
سم وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ كَلَامُ الرَّوْضِ الْمَذْكُورِ فِي رَدِّ الظُّلَامَةِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ صَنِيعِ شَرْحِهِ فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ رُكْنٌ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي التَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ كَانَتْ أَوْ فِعْلِيَّةٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَكْفِي النَّدَمُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالْحَسَدُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَيَفْرَحَ بِمُصِيبَتِهِ كَالْغِيبَةِ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِيهَا
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ الْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إخْبَارُ الْمَحْسُودِ وَلَوْ قِيلَ بِكُرْهِهِ لَمْ يَبْعُدْ. اهـ.
وَعِبَارَةُ سم لَمْ يَزِدْ فِي الرَّوْضِ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَغْفِرُ أَيْ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْحَسَدِ. اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَالْحَسَدُ كَالْغِيبَةِ وَهِيَ أَفْيَدُ انْتَهَى وَكَانَ وَجْهُ الْأَفْيَدِيَّةِ أَنَّهَا تُفِيدُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَحْسُودَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِلزَّانِي إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْصِيَةِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَهُ بِقَوْلِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنْ ظَهَرَ فَقَدْ فَاتَ السِّتْرُ فَيَأْتِي الْحَاكِمَ وَيُقِرُّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا يُظْهِرُهَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ هَذَا) أَيْ التَّحَدُّثَ الْمَذْكُورَ حَرَامٌ إلَخْ أَيْ لِإِخْلَافِ السُّنَّةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُخَالِفُ هَذَا) أَيْ سَنَّ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهُورِ هُنَا إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَيْ الظُّهُورِ الشَّهَادَةُ قَالَ وَأَلْحَقَ بِهَا ابْنُ الصَّبَّاغِ مَا إذَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ انْتَهَى. اهـ.
سم أَقُولُ وَمَرَّ آنِفًا عَنْ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي سَنِّ الْإِتْيَانِ بِالْإِمَامِ الظُّهُورُ عِنْدَ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ: ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِشَاهِدِ الْأَوَّلِ) أَيْ حَدِّ الْآدَمِيِّ
(قَوْلُهُ: وَمَحِلُّهُ) أَيْ سَنُّ السِّتْرِ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ وَخَفِيَ أَمْرُهُ نُدِبَ لَهُ السِّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ ظَهَرَ أَتَى لِلْإِمَامِ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ إذْ هُوَ مُسْقِطٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ،
وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ. اهـ.
وَعِبَارَةُ الْمُغْنِي أَنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي انْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَقَدَّمْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِرَاحِ فَلْيُرَاجَعْ. اهـ.
عِبَارَتُهُ هُنَاكَ وَإِذَا اقْتَصَّ الْوَارِثُ أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ مَجَّانًا فَظَاهِرُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنْ ظَاهِرُ تَعْبِيرِ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعُقُوبَةِ فَإِنَّهُمَا قَالَا وَيَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَرَاءَ الْعُقُوبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ مُؤَاخَذَةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَمَعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَ الْفَتَاوَى وَشَرْحِ مُسْلِمٍ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ تَابَ، ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ إلَخْ) وَفِي فَتْحِ الْبَارِي فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ» مَا نَصُّهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ كَفَّارَةٌ لِلذَّنْبِ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ الْمَحْدُودُ
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيّ وَطَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ انْتَهَى وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا حَتَّى يَحْتَاجَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إلَى التَّوْبَةِ كَمَا فِيمَنْ حَجَّ مَثَلًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ بِالْحَجِّ إلَّا بِالتَّوْبَةِ سم.
(قَوْلُهُ: بِحَمْلِ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ الْمَحْدُودُ وَقَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحَدِّ مِنْ التَّوْبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْجَمْعُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَأْتِي هَذَا الْجَمْعُ فِي نَحْوِ الزِّنَا؟ سم أَقُولُ مَا مَرَّ عَنْ النِّهَايَةِ صَرِيحٌ فِي الْعُمُومِ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا قَيَّدَ مِنْهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِأَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ طَوْعًا لِلَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: عُوقِبَ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ) يَنْبَغِي وَعَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ سَيِّدُ عُمَرَ وَفِيهِ تَوَقُّفٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ) إلَى الْفَائِدَةِ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ مِنْ ذَنْبٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ صَغِيرَةً عَلَى الْفَوْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَتَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْعَوْدُ إلَى الذَّنْبِ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِالذَّنْبِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ،
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّوْبَةِ كُلَّمَا ذَكَرَ الذَّنْبَ، وَسُقُوطُ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ وَسُقُوطُهُ بِالْإِسْلَامِ مَعَ النَّدَمِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَائِبٌ بِالْإِجْمَاعِ
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَيْسَ إسْلَامُ الْكَافِرِ تَوْبَةً مِنْ كُفْرِهِ وَإِنَّمَا تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلَى كُفْرِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إيمَانُهُ بِلَا نَدَمٍ فَيَجِبُ مُقَارَنَةُ الْإِيمَانِ لِلنَّدَمِ عَلَى الْكُفْرِ. اهـ.
زَادَ الْمُغْنِي وَإِنَّمَا كَانَ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مَقْطُوعًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ، وَالْمَعْصِيَةُ قَدْ تُجَامِعُ التَّوْبَةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ أَوْ مَظَالِمُ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْوَرَثَةِ طَالَبَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لَا آخَرُ وَارِثٌ كَمَا قِيلَ وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْوَارِثِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْوَارِثُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي خَرَجَ عَنْ مَظْلَمَةٌ غَيْرِ الْمَطْلِ
بِخِلَافِ مَظْلِمَةِ الْمَطْلِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُ إلَخْ) فِي إطْلَاقِ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ مَا قَرَّرَهُ أَوَّلًا لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْمُعَاقَبَةِ إلَّا عَلَى مَا لَمْ يَعْصِ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: أَيْضًا مَحْمُولٌ إلَخْ) بَلْ قَضِيَّةُ مَا قَرَّرَهُ إنْ صَحَّ أَنَّهَا قَدْ تُحْمَلُ لِتَعَاقُبٍ فَيُحْتَاجُ لِتَخْصِيصِ الْآيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ: كَفَى النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ كَالرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْغَيْبَةِ. اهـ.
أَيْ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهَا بِهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي الِاسْتِغْفَارُ وَحْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِغْفَارِ اللَّهِ مِنْهَا النَّدَمُ لَكِنْ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الزَّوَاجِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الظَّاهِرِ،
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُغْتَابِ حَيْثُ قَالَ: وَحَدِيثُ كَفَّارَةِ الْغَيْبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنْ اغْتَبْته تَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ فِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إسْنَادٌ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» وَحَدِيثُ «حُذَيْفَةَ لَمَّا اشْتَكَى إلَيْهِ ذَرْبَ اللِّسَانِ عَلَى أَهْلِهِ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ» . اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَكْفِي النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الْحَسَدِ) لَمْ يَزِدْ فِي الرَّوْضِ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَغْفِرُ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْحَسَدِ. اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَالْحَسَدُ كَالْغَيْبَةِ وَهِيَ أَفْيَدُ. اهـ.
وَكَانَ وَجْهُ الْأَفْيَدِيَّةِ أَنَّهَا تُفِيدُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَحْسُودَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهُورِ هُنَا إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَالْمُرَادُ بِهِ أَيْ: بِالظُّهُورِ الشَّهَادَةُ قَالَ: وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ مَا إذَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ نَحْوِ الْقَوَدِ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ فِي أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ إلَخْ) فِي فَتْحِ الْبَارِي قُبَيْلَ بَابٍ مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ» مَا نَصُّهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ كَفَّارَةٌ لِلذَّنْبِ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ الْمَحْدُودُ،
وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيّ وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ. اهـ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا حَتَّى يُحْتَاجَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إلَى التَّوْبَةِ كَمَا فِيمَنْ حَجَّ مَثَلًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ بِالْحَجِّ إلَّا بِالتَّوْبَةِ
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْجَمْعُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَتَأَتَّى هَذَا الْجَمْعُ فِي نَحْو الزِّنَا.
(فَصْلٌ: لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ إلَخْ) .
(قُلْت) كَالرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ (يُشْتَرَطُ) فِي التَّوْبَةِ مِنْهَا (إقْلَاعٌ) عَنْهَا (وَنَدَمٌ) عَلَيْهَا (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) لَهَا (وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ) مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، وَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ (إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ لَمُسْتَحَقِّهَا، وَيَرُدُّ الْمَغْصُوبَ إنْ بَقِيَ وَبَدَلَهُ إنْ تَلِفَ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ وَيُعْلِمُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقٌّ أَوْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ سَلَّمَهَا إلَى قَاضٍ أَمِينٍ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهَا وَيُؤَدِّي الْغُرْمَ أَوْ يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ، وَالْمُعْسِرُ يَنْوِي الْعَزْمَ إذَا قَدِرَ،
فَإِنْ مَاتَ مُعْسِرًا طُولِبَ فِي الْآخِرَةِ إنْ عَصَى بِالِاسْتِدَانَةِ كَأَنْ اسْتَدَانَ لِإِعَانَةٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَدَانَ لِحَاجَةٍ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ، فَهُوَ جَائِزٌ إنْ رَجَا الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ حِينَئِذٍ، وَالرَّجَاءُ فِي اللَّهِ تَعَالَى تَعْوِيضُ خَصْمِهِ. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْخُرُوجِ مِنْ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ بَدَلَ الرَّدِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الرَّدَّ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهَا وَإِقْبَاضَ الْبَدَلِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَيَشْمَلَ الْمَالَ وَالْعَرَضَ وَالْقِصَاصَ، فَلَا بُدَّ فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ مِنْ التَّمْكِينِ أَوْ طَلَبِ الْعَفْوِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَجَبَ إعْلَامُهُ بِالْقِصَاصِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي قَتَلْت أَبَاك وَلَزِمَنِي الْقِصَاصُ فَاقْتَصَّ إنْ شِئْت،
وَكَذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ. وَأَمَّا لِغِيبَةٍ فَإِنْ بَلَغَتْ الْمُغْتَابَ اُشْتُرِطَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسُّرٍ لِغَيْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ كَفَى النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ كَمَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَيَظْهَرُ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ، وَهَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ مِنْ الْغِيبَةِ الْمَجْهُولَةِ؟
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ اهـ.
وَلَكِنَّهُمَا إنَّمَا سَبَقَا فِي كِتَابِ الضَّمَانِ وَلَمْ نُرْجِعْ مِنْهُمَا شَيْئًا وَرَجَّحَ فِي الْأَذْكَارِ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ، وَالْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ. قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ الْحُسْبَانِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ بِالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ
بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَفِي كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ وَغَيْرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَازِ، وَحَدِيثُ كَلَامِ الْأَذْكَارِ فِي بَابِ الضَّمَانِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ أَظْهَرُ. وَالْحَسَدُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَيَفْرَحَ بِمُصِيبَتِهِ كَالْغِيبَةِ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِيهَا.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: الْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إخْبَارُ الْمَحْسُودِ،
وَلَوْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ لَمْ يَبْعُدْ التَّنْبِيهُ الثَّانِي قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ رَدَّ الظُّلَامَةِ تُوقِفُ التَّوْبَةَ فِي الْقِصَاصِ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا نَدِمَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْقِصَاصِ، وَكَانَ تَأَخُّرُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أُخْرَى تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَلَا يَقْدَحُ فِي الْأُولَى. التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ حَيْثُ أَمْكَنَ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إنْ تَعَلَّقَتْ بِآدَمِيٍّ أَعَمَّ مِمَّا تَمَحَّضَ حَقًّا لَهُ أَوْ لَمْ يَتَمَحَّضْ، وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ،
وَكَذَا الْكَفَّارَاتُ قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَالْمُرَادُ الَّتِي يَجِبُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْآدَمِيِّ يُخْرِجُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ: إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ الْقَوْلِيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي الْقَوْلُ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ رُكْنٌ فِي التَّوْبَةِ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ فِعْلِيَّةً،
وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْصِيَةِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ،
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَهُ وَيُقِرَّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ،
فَإِنْ ظَهَرَ فَقَدْ فَاتَ السَّتْرُ فَيَأْتِي الْحَاكِمَ وَيُقِرُّ بِهِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ.
التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ: إنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي انْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ، وَقَدْ قَدَّمْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِرَاحِ فَلْيُرَاجَعْ.
التَّنْبِيهُ السَّادِسُ: مَنْ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ أَوْ مَظَالِمُ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْوَرَثَةِ طَالَبَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لَا آخِرَ وَارِثٍ كَمَا قِيلَ،
وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْوَارِثِ أَوْ أَبْرَأَهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي خَرَجَ عَنْ مَظْلَمَةٍ غَيْرِ الْمَطْلِ. التَّنْبِيهُ السَّابِعُ: تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ صَغِيرَةً عَلَى الْفَوْرِ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ،
وَإِنْ تَكَرَّرَتْ وَتَكَرَّرَ الْعَوْدُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ، بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِالذَّنْبِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّوْبَةِ كُلَّمَا ذَكَرَ الذَّنْبَ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ: إنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ كَوْنَهَا لِلَّهِ تَعَالَى،
فَلَوْ تَابَ عَنْ مَعْصِيَةٍ مَالِيَّةٍ لِفَقْرِهِ أَوْ شُحِّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ، وَكَوْنَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْغَرْغَرَةِ أَوْ الِاضْطِرَارِ بِظُهُورِ الْآيَاتِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ: التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ: إنَّ سُقُوطَ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَسُقُوطُ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ مَعَ النَّدَمِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَائِبٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَلَيْسَ إسْلَامُ الْكَافِرِ تَوْبَةً مِنْ كُفْرِهِ، وَإِنَّمَا تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلَى كُفْرِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إيمَانُهُ بِلَا نَدَمٍ فَيَجِبُ مُقَارَنَةُ الْإِيمَانِ لِلنَّدَمِ عَلَى الْكُفْرِ اهـ.
وَإِنَّمَا كَانَ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مَقْطُوعًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةُ قَدْ تُجَامِعُ التَّوْبَةَ.
[فَصْلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ] [فَصْلٌ] فِي بَيَانِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ وَتَعَدُّدُ الشُّهُودِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا
(قُلْت) أَخْذًا مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ (يُشْتَرَطُ) فِي التَّوْبَةِ مِنْهَا (إقْلَاعٌ) عَنْهَا (وَنَدَمٌ) عَلَيْهَا (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا، (وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ لِمُسْتَحِقِّهَا وَيَرُدُّ الْمَغْصُوبَ إنْ بَقِيَ وَبَدَلَهُ إنْ تَلِفَ لِمُسْتَحِقِّهِ وَيُمَكَّنُ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَمَا هُوَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَهُ وَيُقِرَّ بِهِ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنْ ظَهَرَ فَقَدْ فَاتَ السِّتْرُ فَيَأْتِي الْإِمَامَ وَيُقِرُّ بِهِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. .
فَصْلٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (فِي التَّوْبَةِ مِنْهَا) أَيْ وَمِنْ الْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ) وَعَدَمُ وُصُولِهِ إلَى حَالَةِ الْغَرْغَرَةِ وَعَدَمُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالٍ) بِعَيْنِهِ أَوْ بِبَدَلِهِ أَوْ بِالْعَزْمِ عَلَى رَدِّهِ إذَا قَدَرَ وَبِرَدِّهِ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ وُرَّاثِهِ أَوْ لِحَاكِمٍ ثِقَةٍ وَإِلَّا فَبِالْعَزْمِ إذَا عَرَفَهُ.
فَرْعٌ: تَجِبُ التَّوْبَةُ فَوْرًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَلَوْ صَغِيرَةً،
وَإِنْ أَتَى بِمُكَفِّرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ وَتَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ دُونَ آخَرَ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ لَا بِتَذَكُّرِهِ،
وَإِذَا تَابَ فِي قَتْلٍ قَبْلَ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ صَحَّتْ فِي حَقِّ اللَّهِ دُونَ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ أَوْ الْكَافِرِ تَوْبَةٌ مِنْ الْكُفْرِ بِشَرْطِ النَّدَمِ عَلَيْهِ،
وَكَذَا صَلَاةٌ تَرَكَهَا.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَتَعَدُّدِ الشُّهُودِ وَحَاصِلُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ
إمَّا أَرْبَعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ رَجُلَانِ فَقَطْ، أَوْ رَجُلٌ فَقَطْ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَالْيَمِينُ مَعَ الرَّجُلِ مُؤَكَّدٌ، وَالْأَوَّلُ فِي نَحْوِ الزِّنَا وَالثَّانِي فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَالثَّالِثُ فِي نَحْوِ هِلَالِ رَمَضَانَ، وَالرَّابِعُ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ، وَالْخَامِسُ فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ غَالِبًا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت إلَخْ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُشْتَرَطَةٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا،
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إقْلَاعٌ عَنْهَا) أَيْ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ حَالًا وَبِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ حَالًا فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَالِ وَالنَّدَمِ بِالْمَاضِي وَالْعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ بِالْمُسْتَقْبَلِ قَالَ تَعَالَى {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} وَقَالَ {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} الْأَوَّلُ النَّدَمُ وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ،
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَرَدُّ ظُلَامَةٍ) رَوَى مُسْلِمٌ «مَنْ كَانَ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ وَطُرِحَ عَلَيْهِ» .
فَائِدَةٌ: لَوْ تَلِفَ عِنْدَهُ وَهُوَ مُفْلِسٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ لِوَفَائِهِ وَلَوْ انْقَطَعَ خَبَرُ الْمَظْلُومِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ وَارِثٌ دَفَعَهُ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى قَصْدِ الْغُرْمِ لَوْ عَلِمَهُ.
[فَصْلٌ لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ] فَصْلٌ لَا يُحْكَمُ إلَخْ
قال: (قلت: وغير القولية بشرط إقلاع, وندم, وعزم أن لا يعود, ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به والله أعلم) فلا تكمل التوبة إلا بذلك؛ لقوله تعالى:{فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} وهو الندم , {ولَمْ يُصِرُّوا} وهو العزم.
وروي عن عمر أنه قال:(بقية عمر المرء لا قيمة لها, يدرك بها مما فات, ويحيي بها ما مات, ويبدل سيئاته حسنات).
ولأن الإقلاع يتعلق بالحال, والندم بالماضي, والعزم بالمستقبل.
والمراد ب (الإقلاع): تركه في الحال إذا كان ملتبسًا به أو مصرًا على معاودته.
وشرط القاضي حسين في التوبة أن يستغفر الله بلسانه.
هذا في حقوق الله الخالية عن الحد,
فإن تعلق بآدمي .. وجب رابع وهو خروجه عنه إلى مستحقه إن أمكنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال .. فليستحله قبل أن لا يكون دينار ولا دررهم,
فإن كان له عمل .. يؤخذ منه بقدر مظلمته, وإلا .. أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (رواه مسلم.
قال المصنف: حتى لو تلفت عنده وكان مفلسًا .. وجب عليه التكسب والأداء لتصح التوبة.
وعلى هذا: لا تصح التوبة المكاس حتى يرد أموال الناس,
وكذلك سائر الظلمة, ولا السارق حتى يرد ما سرق,
فإن تعذر عليه المستحق أو وارثه .. سلمه للإمام أو قاض عادل,
فإن تعذر .. تصدق به عنه عند انقطاع خبره بنية الغرامة؛
فإن لم يفعل .. لم تصح توبته, كذا في (الإحياء) و (الرقم) للعبادي.
وفي (سنن أبي داوود)[٢٩٣٠] عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل صاحب مكس الجنة) قال البيهقي [٧/ ١٦]: (المكس): هو النقصان.
فإذا كان العامل في الصدقات ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيهم إياها بالتمام .. فهو حينئذ صاحب مكس يخاف عليه الإثم والعقوبة.
وقال في (الكفاية (: شرط الأصحاب الندم والعزم خاصة, والإقلاع زاده الرافعي وغيره من المتأخرين, وكأن الجمهور إنما لم يتعرضوا له؛ لأنه من ثمرات التوبة,
وكذلك اقتصر في (الإرشاد (على حدها بالندم.
وقال في (الأحياء (: كثيرًا ما يطلق اسم التوبة على الندم, وجعل الترك كالثمرة والتابع, وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة (رواه ابن ماجه [٤٢٥٢] , وصححه الحاكم [٤/ ٢٤٣] وابن حبان [٦١٢].
واعتبر الأستاذ أبو إسحاق وغيره من الأصوليين شرطًا رابعًا وهو: الإخلاص لله تعالى, وحتى لو عوقب على جريمة فندم وعزم على عدم العودة لأجل ما حل به خوفًا من وقوع مثله .. لم يكف, وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنه شرط في كل عبادة, والكلام في خصوص التوبة.
وزاد غيره خامسًا وهو: أن لا يغرغر؛ لقوله تعالى:{ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ} , وسادسًا وهو: أن لا تطلع الشمس من مغربها.
وقد تكون التوبة بالندم خاصة في حق من ليس متلبسًا بها في الحال ولا في المستقبل كتوبة المجبوب من الزنا؛ فإنها مقبولة خلافًا لبعض المعتزلة.
والتوبة من أعظم العبادات فلا بد فيها من النية.
ولا يشترط في التوبة عن ذنب التوبة عن غيره, فقد يتوب عن ذنب دون ذنب.
ولا يبطل التوبة عن ذنب العود إليه, خلافًا للمعتزلة.
وعبارة المصنف تشمل المال والقصاص وحد القذف,
وكان الأحسن أن يقول:
والخروج منها إن أمكنه؛ ليشمل الرد والإبراء من المال والعرض, ولئلا يوهم أنه إذا تعذر الرد .. لا تصح التوبة, وليس كذلك؛ فقد ذكر الأصحاب أن المغتاب يستحل ممن اغتابه,
فإن تعذر بموته أو غيبته الشاسعة .. استغفر الله, ولا اعتبار بتحليل الورثة. قال العبادي: والحسد كالغيبة في ذلك, وهو أن يهوى زوال نعمة المحسود, فيخبر المحسود بما أضمره ويستحله, ويسأل الله أن يزيل عنه هذه الخلة.
قال في (الروضة): المختار بل الصواب: أنه لا يجب إخبار المحسود, بل لا يستحب,
ولو قيل: يكره .. لم يبعد, ثم قال:: وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة, أو تشترط معرفتها للعافي؟ وجهان سبقا في (كتاب الصلح) , وهما إنما سبقا في (الضمان) بلا ترجيح, ورجح في الأذكار الاشتراط؛ لأن الإنسان قد يسمح بالعفو من غير بيان غيبة دون ما إذا كانت معينة, وكلام الحليمي يقتضي الجزم بالأول.
تنبيه:
مقتضى كلامهم أن ما توقف من المعاصي على حد واستوفى لا يكفي, بل لا بد معه من التوبة, وبه صرح البيهقي في (شعب الإيمان ([٤٠٦٢] فقال: وقد جاءت أحاديث في أن الحدود كفارة, وكأن هذا إذا تاب, بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق حين قطعه: (تب إلى الله (, فقال أتوب إلى الله, ولكن صرح المصنف في (شرح مسلم (و (الفتاوى (: أن الاستيفاء مسقط للإثم وللطلب في الآخرة, وقضيته عدم الاحتياج للتوبة, والأشبه: التفصيل بين من سلم نفسه امتثالًا لأمر الله ..
فيكون ذلك توبة, أو قهرًا .. فلا يبعد تنزيل الأحاديث على ذلك.
فروع:
الأول: لو قصر الشخص فيما عليه من الدين أو المظلمة ومات المستحق واستحقه وارث بعد وارث ..
فمن المستحق له في الآخرة؟ إن كان صاحبه ادعاه فجحده وحلف .. فهو المستحق له بلا خلاف, وإلا .. ففيه أوجه.
أصحها: أنه للأول.
والثاني: لآخر من مات من ورثته أو ورثة ورثته.
والثالث: -ذكره العبادي في (الرقم) -: أنه يكتب الأجر لكل وارث مدة حياته, ثم بعده لمن بعده.
ولا خلاف أنه لو دفع الحق إلى بعض الوارثين عند انتهاء الاستحقاق إليه أو أبرأه .. أنه يسقط ويتوب عن معصية المماطلة,
فإن كان من عليه الحق معسرًا ونوى الغرامة إذا قدر .. قال القاضي حسين: يستغفر الله له أيضًا,
فإن مات قبل أن يقدر .. قالالرافعي: فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
قال المصنف: وظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة إذا كان معسرًا عاجزًا إن كان عاصيًا بالتزامه,
فأما إذا استدان حيث تباح له الاستدانة كما لو استدان في غير معصية ولا سرف وهو يرجو الوفاء من سبب ظاهر فاستمر العجز إلى الموت, أو أتلف شيئًا خطأ وعجز عن غرامته حتى مات .. فالظاهر: أن هذا لا يطالب في الآخرة, والمرجو من فضل الله تعالى أن يعوض صاحب الحق.
الثاني: من تاب عن معصية ثم ذكرها .. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: يجب عليه تجديد التوبة منها كلما ذكرها.
وقال إمام الحرمين: لا يجب, بل يسنحب, وعلى الأول: لو لم يجددها .. كان ذلك معصية جديدة تجب التوبة منها, والتوبة الأولى صحيحة.
الثالث: قال ابن عبد السلام: إذا مات شخص وعليه دين تعدى بسببه أو بمظلمة .. أخذ من حسناته بمقدار ما ظلم به,
فإن فنيت حسناته .. طرح عليه من عقاب سيئات المظلومين ثم ألقي في النار,
وإن لم يتعد بسببه ولا بمظلمة .. أخذ من حسناته في الآخرة كما تؤخذ في الدنيا حتى لا يبقى له شيء, ولا يؤخذ ثواب إيمانه كما لا تؤخض في الدنيا ثياب بدنه,
فإن فنيت حسناته لم يطرح عليه شيء من سيئات خصمه.
تتمة:
المرتد يعود إلى الإسلام, هل تقبل توبته بمجرد العود أو لا بد من الاستبراء كالفاسق يتوب؟ يصعب القول بعدم استبرائه مع أن معصيته أغلظ المعاصي, ويصعب استبراؤه والإسلام يجب ما قبله, والذي اقتضاه كلام الأصحاب: أن توبته تقبل بمجرد الإسلام, وبه صرح الإمام, قال: وليس إسلامه توبة من كفره, وإنما توبته ندمه على كفره, ولا يتصور أن يؤمن ولا يندم على كفره, بل تجب مقارنة الندم على الكفر, ولذلك انعقد الإجماع الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره ..
صحت توبته وإن استدام معاصي أخر؛ لأنه لما أسلم أتى بضد الكفر, فلم يبق بعده احتمال, وليس كذلك إذا تاب بعد الزنا والشرب.
وقلب الماوردي: إذا أسلم عاد إلى حاله قبل الردة,
فإن كان مقبول الشهادة .. قبل, وإلا .. فلا.
قال: (فصل) :
لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر)؛ لما تقدم في (كتاب الصيام) , وليست مكررة في الكتاب؛ لأنها ذكرت هنا لقصد الحصر وهو زائد على ذلك.
ولا يرد على حصره القضاء بشاهد ويمين وإن قلنا: إن القضاء فيه شاهد على وجه؛ فإنا لم نكتف فيه به, بل اشترطنا معه اليمين.
وإذا حكم حاكم في هلال رمضان بشهادة واحد .. لم ينقض بلإجماع, ووجب صومه بالاتفاق.
وقال أبو حنيفة: يثبت رمضان في الغيم بواحد,
وفي الصحو تعتبر الاستفاضة والاشتهار, ويختلف ذلك بصغر البلد وكبره, وقد تقدم في (الصيام) أن ثبوته بواحد بالنسبة إلى الصوم فقط. ومما يقبل فيه الشاهد الواحد: إذا مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم .. لم يكف في إرثه وحرمانه,
وفي الاكتفاء به في الصلاة عليه وجهان بناء على القولين في هلال رمضان.
ومنها: الشهادة بالبلوغ, نقل ابن الفركاح عن الماوردي أنه يكتفى فيها بشاهد , وتكون شهادة لا خبرًا, والماوردي إنما قال: شاهدًا عدل بالبينة.
ومنها: المسمع للقاضي كلام الخصوم, ولخصوم كلام القاضي, يقبل فيه كلام الواحد وهو من باب الشهادة كما ذكره الرافعي قبيل (القضاء على الغائب).
ومنها: حكى الرافعي عن (التهذيب (أنه لا شهادة, وهو خلاف ما فهمه الرافعي عنه هنا.
ومنها: سبق عن الغزالي في (اللقطة) الميل إلى الاكتفاء بواحد في الشهادة لمدعي ملكها.
ومنها: سبق في (الأقضية): أن للقاضي أن يكتفي بخبر العون الواحد العدل في امتناع الخصم المتعزز.
وذكر المصنف في ٠القسامة) أن شهادة الواحد لوث,
وفي (القسمة) الاكتفاء بقاسم واحد,
وفي (زكاة النبات) الاكتفاء بخارص,
وبقيت مسائل فيها خلاف:
منها: لو نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته .. قيه وجهان تقدما في أول (كتاب الصيام).
ومنها: ثبوت هلال الحجة بواحد .. فيه وجهان حكاهما الدارمي والقاضي حسين. ومنها: هلال شوال .. قال أبو ثور: يثبت بواحد, قال الإمام: وهو متجه.
وحكى الرافعي في (الباب الثالث) عن أبي الفرج السرخسي وجهًا: أنه يجوز اعتماد خبر الشخص الواحد إذا سكن القلب إليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.