وَجَمِيلُ ثِيَابٍ
الشروح عليها
(وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) وَهُوَ هُنَا الْأَبْيَضُ وَلَوْ عَتِيقًا
بِخِلَافِ الْعِيدِ فَيُنْدَبُ الْجَدِيدُ وَلَوْ أَسْوَدَ
(قَوْلُهُ وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) أَيْ وَلُبْسُ ثِيَابٍ جَمِيلَةٍ
(قَوْلُهُ وَهُوَ هُنَا) أَيْ وَالْجَمِيلُ هُنَا أَيْ فِي الْجُمُعَةِ
(قَوْلُهُ فَيُنْدَبُ الْجَدِيدُ وَلَوْ أَسْوَدَ) اعْلَمْ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ لَا لِأَجْلِ الْيَوْمِ بَلْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَيَجُوزُ لُبْسُ غَيْرِ الْبَيَاضِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَيُلْبَسُ الْأَبْيَضُ فِيهَا
بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ لُبْسَ الْجَدِيدِ فِيهِ مَنْدُوبٌ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ لُبِسَ الْجَدِيدُ غَيْرُ الْأَبْيَضِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَالْأَبْيَضُ عِنْدَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ عَادَ لِلْجَدِيدِ وَلَوْ أَسْوَدَ
(وَجَمِيلُ) أَيْ بَيَاضُ (ثِيَابٍ) أَيْ لُبْسُهُ وَلَوْ عَتِيقًا وَجَمِيلُ الْعِيدِ الْجَدِيدِ وَلَوْ غَيْرَ أَبْيَضَ.
وَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدًا لَبِسَ الْجَدِيدَ غَيْرَ الْأَبْيَضِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِلْيَوْمِ لَا لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْأَبْيَضُ غَيْرُ الْجَدِيدِ حَالَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ،
وَإِنْ كَانَ الْجَدِيدُ أَبْيَضَ لَبِسَهُ الْيَوْمَ كُلَّهُ.
وجميل ثياب؛ يعني أنه يندب لمصلي الجمعة أن يلبس الثياب الجميلة؛ وهي البيض وإن عتيقة. واعلم أن تحسين الهيئة وجميل الثياب للصلاة لا لليوم،
بخلاف العيد فلليوم، وندب فيه الجديد ولو أسود،
فإن كان يوم الجمعة يوم عيد لبس الجديد غير الأبيض أول النهار، والأبيض لصلاة الجمعة ولو عتيقا -كما مر- ويدل له خبر الموطإ: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة سوف ثوبي مهنته) ؛ إذ الاتخاذ يشعر بقدمه، قال السيوطي: قال ابن عبد البر: المراد بالثوبين قميص ورداء، أو جبة ورداء، والمهنة بفتح الميم: الخدمة، وحُكِي كسرها، وأنكره الأصمعي.
والأظهر أن ما للاستفهام الإنكاري؛ لأنه يفيد الطلب دون كونها للنفي، والمقصود من الحديث التحريض على التزين للجمعة والترغيب فيه، وعلى هذا الوجه حمله الباجي وغيره، والنفي ذكره الطيبي، واستبعده ابن مرزوق. وطيب؛ يعني أنه يندب للمصلي للجمعة أن يتطيب، قال الشيخ الخرشي عند قوله: "وندب تحسين هيئة" ، هذا المستحب، وما بعده للصلاة لا لليوم. انتهى. قوله: "وطيب" ، هو والاثنان قبله لغير النساء، قاله غير واحد. والمراد به: ماله رائحة طيبة، كماء الورد والبخور.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة. ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إذا كان عنده، ثم أتى يوم الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها ).
وفي الموطإ: (كان ابن عمر لا يروح إلى الجمعة إلا إذا ادَّهَنَ وتطيب (٣) ).
وقال الإمام الشافعي: من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله. وإنما طلب الطيب والسواك يومها لأجل الملائكة الذين يكونون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وربما صافحوه أو لمسوه،
وفي رواية لابن خزيمة: (على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول (٤) ). قاله الشبراخيتي:
وفي الخرشي: ومنها التطيب بأي رائحة طيب،
ولو بأنثى الطيب. انتهى. وقال الشيخ زروق: وتستحب الزينة، وقص الشارب، والظفر، ونتف الإبط، والاستحداد، والسواك، وجميل الثياب. انتهى. وقاله في الطراز. قاله الحطاب. ومشي؛ يعني أند يندب للذاهب إلى الجامع لصلاة الجمعة المشي في ذهابه، لما فيه من التواضع لله عز وجل، والاستكانة المطلوبين في جميع العبادات،
وأما رجوعه، فإن شاء ركب فيه،
وإن شاء مشى. وفي الحديث: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) ؛ أي وشأن المشي الاغبرار،
وإن لم يكن بينه وبين الجامع ما يغبر منه، واغبرار قدمي الراكب نادر، أو مظنة لعدم ذلك غالبا، فلا يرد نقضا. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يأتي ماشيا من ذي الحليفة، وقد نقل ابن الملقن في شرح البخاري: أن الماشي إلى الجمعة له بكل قدم كعمل عشرين سنة، وساق في ذلك حديثا من طريق الصديق رضي الله عنه: أن المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة،
فإذا فرغ من الجمعة أجيز بعمل مائتي سنة. قاله الشيخ إبراهيم. وتهجير؛ يعني أنه يستحب في الجمعة التهجير أي الذهاب للمسجد بالهاجرة، وهل هي الساعة التي يعقبها الزوال؛ وهي السادسة من النهار؟ وإليه ذهب الباجي، وصاحب الاستذكار، والعبدي، وشهره الرجراجي.
وقال التتائي: إنه الصحيح، وقال الحطاب: إنه الأصح، واقتصر عليه الأمير فقال: ورواح في السادسة؛ وهي المقسمة في الحديث. انتهى، أو التي تعقب الزوال؛ وهي السابعة من النهار؟ واختاره ابن العربي،
وقال ابن عرفة: إنه الصحيح وعليه الأبي والمواق، قولان.
وقال الحطاب: ما صححه ابن عرفة خلاف الأصح؛ أي
والأصح أنها السادسة؛ لأن الإمام يطلب خروجه أول السابعة، وبخروجه تحضر الملائكة. والحديث المشار إليه هو حديث الموطإ؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة،
ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة،
ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن،
ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة،
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (١) ). انتهى. نقله الشيخ بناني، وغيره. وكره إمام الأئمة مالك التبكير، واستحبه الإمام الشافعي، وإنما كره مالك التبكير لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا الخلفاء بعده، وخيفة الرياء والسمعة. واعلم أن المراد في مذهبنا بالساعة في الحديث المذكور: أجزاء الساعة، فالساعة السادسة من النهار هي المُجَزَّأة الأجزاء المتقدمة، فجزؤها الأول هو الذي من راح فيه كأنما قرب بدنة، وجزؤها الثاني هو الذي من راح فيه كأنما قرب بقرة، وهكذا؛
وهذا هو الأصح؛ وهو الراجح. كما علمت.
وقيل. إن الساعة المجزأة بهذه الأجزاء هي الساعة السابعة من النهار؛ وهي التي تعقب الزوال. وتقدم أن الإمام الشافعي استحب التبكير، واختلف فقهاؤهم في الساعة الأولى، هل هي من طلوع الفجر، أو الشمس؟ قال الشيخ عبد الباقي: والمجاز لازم على كلا المذهبين،
أما على مذهبهم فالتجوز في الرواح؛ لأن الرواح حقيقة في الذهاب بعد الزوال، لقوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ، والساعة على حقيقتها في مذهبهم،
وأما على مذهبنا فالتجوز في الرواح،
وفي الساعة على أن المراد بالساعة المجزأة الساعة السادسة من النهار؛ وهي التي يعقبها الزوال، ففيه مجازان،
وأما على أنها السابعة فالمجاز في الساعة فقط، والرواح على حقيقته، وأُيِّدَ مجاز مذهبنا بقوله في بقية الخبر: عقب الخامسة،
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر؛ إذ خروجه لا يعقب الخامسة، وإلا لزم إيقاع الجمعة قبل الزوال. ثم لا يخفى أن الخبر فيه الغسل، فلا يحصل الثواب الخاص إلا لفاعله، وإلا حصل له ثواب تهجير دون ما في الخبر من بدنة فبقرة فكبش فدجاجة فبيضة. انتهى. قوله: والتجوز في الساعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: كذا في أبي الحسن، والذي لأبي بكر بن العربي في العارضة: قال مالك: الرواح إلى الجمعة إنما يكون بعد الزوال، إلى أن قال: والساعة عند العرب جزء من الزمان غير مقدر، فأفاد أن لا تجَوُّز في لفظ الساعة، وقوله: وأيد مجاز مذهبنا الخ، هذا التأويل لا يظهر إلا إن قلنا إن الساعة الأولى عندهم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر،
وأما إن قلنا من طلوع الشمس فلا. انتهى.
وقال الشبراخيتي: إن محل الخلاف، هل الساعة الأولى من طلوع الفجر أو الشمس؟ إنما هو فيما عدا يوم الجمعة،
وأما يوم الجمعة فمن طلوع الشمس بلا خلاف. انتهى.
وفي الشبراخيتي ما نصه: وفي حديث: بعد الكبش (بطة ثم دجاجة ثم بيضة (١) )،
وفي رواية النسائي: (دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (٢) )، وإسنادهما صحيح، وعليه فتكون الساعات ستا. انتهى. والعبرة بخروج الشخص من منزلة، لا بوصوله للمسجد،
فلو خرج من منزلة في الساعة الأولى، ولبعد منزلة لم يصل إلى المسجد إلا في الساعة الثانية مثلا، فله أجر الساعة الأولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.