وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنَّ وَسَّعَ وَقَالَ: يَحُجُّ به لا منه
الشروح عليها
(وَحُجَّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُوصِي (حِجَجٌ إنْ) سَمَّى الثُّلُثَ (وَسِعَ) الثُّلُثُ حِجَجًا (وَقَالَ) الْمُوصِي (يُحَجُّ بِهِ) أَيْ بِالثُّلُثِ (لَا) إنْ قَالَ يُحَجُّ عَنِّي (مِنْهُ) فَحَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: حُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ) اُنْظُرْ هَلْ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَعْوَامٍ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ، ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا يُحَجُّ عَنْهُ تِلْكَ الْحِجَجُ مِنْ بَلَدِهِ إنْ لَمْ يُسَمِّ بَلَدًا، وَإِلَّا فَمِنْهُ فَإِنْ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُجَّ بِهَا مِنْ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ بِهَا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَا يَبْلُغُ وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ كَذَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَسَيَأْتِي فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حَجَّ مِنْ الْمُمْكِنِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: إنْ سَمَّى الثُّلُثَ) أَيْ أَوْ سَمَّى قَدْرًا مِنْ الْمَالِ وَقَوْلُهُ وَوَسِعَ الثُّلُثُ أَيْ أَوْ الْقَدْرُ الَّذِي سَمَّاهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِالثُّلُثِ) أَيْ أَوْ بِالْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَوَسِعَ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِوَسِعَ الْمَالُ إمْكَانَ الْحَجِّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ بَلْ الْمُرَادُ كَثْرَتُهُ جِدًّا بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْوَاحِدَةِ
أَمَّا لَوْ كَانَ الثُّلُثُ يُشْبِهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً وَأَمْكَنَ أَنْ يَحُجَّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا كَانَ الزَّائِدُ مِيرَاثًا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ فَقَوْلُهُ: كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ فِي غَيْرِ الْوَاسِعِ وَهُوَ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ حَجَّةً وَأَمْكَنَ أَنْ يَحُجَّ بِهِ أَكْثَرَ وَهُوَ مِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ، وَإِلَّا وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ لِأَجْلِ أَنْ يُرْجِعَ لَهُ التَّأْوِيلَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِالثُّلُثِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَهْرَامُ وتت وَحَمْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ الْمُوصَى بِالْحَجِّ بِهِ وَاسِعًا وَوُجِدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ غَيْرُ صَوَابٍ إذْ لَيْسَ الْوَاسِعُ مَحَلَّ التَّأْوِيلَيْنِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ حَتَّى يَنْفَدَ الْمَالُ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُمَا غَيْرُ الْوَاسِعِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ اهـ بْن.
ص (وَحُجَّ عَنْهُ حُجَجٌ إنْ وَسِعَ، وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ فَإِنَّهُ يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ كُلِّهِ
أَمَّا حَجَّةَ وَاحِدَةَ أَوْ حِجَجًا مُتَعَدِّدَةً إنْ كَانَ يَسَعُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ أَيْ،
وَإِنْ لَمْ يَسَعْ الثُّلُثُ حِجَجًا أَوْ وَسِعَ، وَلَمْ يَقُلْ يُحَجُّ بِهِ بَلْ قَالَ: يُحَجُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ وَالْبَاقِي يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ وَقَالَ يَحُجُّ بِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ مَالٌ كَثِيرٌ فِيهِ مَا يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ حَجَّاتٌ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِوَصِيَّتِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْفُذَ ثُلُثُهُ فِي حَجَّاتٍ فَيَنْفُذُ عَنْهُ ثُلُثُهُ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى الْوَرَثَةِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَا فَضَلَ يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَا بَلَغَ وَلَوْ مِنْ مِلْكِهِ،
وَإِنْ أَشْبَهَ ثُلُثُهُ ثَمَنَ حَجَّةٍ فَفَضْلُهُ مِيرَاثٌ كَقَوْلِهِ:" فِي فَضْلِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا " اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَدُفِعَ الْمُسَمَّى ".
وَانْظُرْ مَنْ أَوْصَى بِبَقِيَّةِ ثُلُثِهِ يَشْتَرِي لَهُ أَرْبَعَةَ مَلَاحِفَ فَكَانَتْ الْبَقِيَّةُ كَثِيرَةً (لَا مِنْهُ)
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ ثُلُثُهُ وَاسِعًا كَثِيرًا. لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُنْفِقَ ثُلُثَهُ كُلَّهُ فِي حَجٍّ
(ص) وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنَّ وَسَّعَ وَقَالَ: يَحُجُّ بِهِ لَا مِنْهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِجَمِيعِ ثُلُثِهِ، أَوْ عَيَّنَ مَالًا وَقَالَ يُحَجُّ بِهَذَا عَنِّي فَإِنَّهُ يُحَجُّ بِذَلِكَ حِجَجٌ مُتَعَدِّدَةٌ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الثُّلُثِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ، أَوْ الثُّلُثُ يَحْتَمِلُ حِجَجًا مُتَعَدِّدَةً،
وَأَمَّا لَوْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي مِنْ ثُلُثِي فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ يَحُجُّ بِهِ) الْوَاوُ
إمَّا لِلْحَالِ، أَوْ لِلْعَطْفِ وَهَذَا إذَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَا أَوْصَى بِهِ يَحُجُّ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ،
وَأَمَّا إذَا أَشْبَهَ أَنْ يَحُجَّ بِهِ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْبَاقِي مِيرَاثًا،
وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يَحُجَّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لِوُجُودِ مَنْ يُؤَجِّرُهُ بِأَقَلَّ قَوْلُهُ أَوْ عَيَّنَ مَالًا) الْأَوْلَى حَذْفُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَتَأْتِي فِي قَوْلِهِ: كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ وَهِيَ مَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ الْآتِيَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَأْوِيلَانِ
(وَ) إنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْحَجِّ (حُجَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصِي (حِجَجٌ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ حِجَّةٍ وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمَوَّازِ جَعْلَهُ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ (إنْ وَسِعَ) الثُّلُثُ حِجَجًا بِأَنْ كَثُرَ جِدًّا عَمَّا يَحُجُّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِاتِّسَاعِهِ إمْكَانَ الْحَجِّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ مَعَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِصَرْفِهِ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ هَذَا ظَاهِرَ لَفْظِهِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الزَّائِدُ يُورَثُ وَلَا يُحَجُّ بِهِ أَفَادَهُ ابْنُ عَاشِرٍ. (وَقَالَ) الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ (يَحُجُّ بِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ وَلَوْ كَثُرَ جِدًّا كَثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ كَانَ الْمُوصِي صَرُورَةً أَمْ لَا (لَا) يُحَجُّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ وَقَالَ يَحُجُّ (مِنْهُ) فَحَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لِإِفَادَةٍ مِنْ التَّبْعِيضِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ؛ يعني أن الشخص إذا أوصى أن يحج عنه بجميع ثلث ماله، فإنه يحج عنه بذلك حجج متعددة حتى يستوعب جميع ما أوصى به، وإنما يحج عنه من بلده إن لم يسم بلدا وإلا فمنه،
فإن فضلت فضلة لم يمكن الحج بها من بلده فإنه يحج بها عنه من حيث ما بلغ،
ولو من مكة هكذا في المواق عن ابن رشد. قاله محمد بن الحسن. وقوله "حجج" ، رد به على ابن المواز حيث استحسن جعله في حجة. إن وسع؛ يعني أن محل كونه يحج عنه حجج إنما هو إذا وسع ما أوصى به ذلك لكثرته،
فإن لم يسع ذلك حج عنه بما وسع من حجة واحدة أو أكثر. ابن عاشر: ليس المراد بوسع إمكان الحج به أكثر من مرة واحدة فقط كما يتبادر من لفظه، بل المراد كثرته جدا، حتى أنه لو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة وأمكن أكثر من ذلك كان الزائد ميراثا. قف على التوضيح. قاله محمد بن الحسن. ويأتي نحوه قريبا للشبراخيتي، وقال يحج به؛ يعني أن محل كونه يحج عنه حجج إن وسع إنما هو إذا قال: يحج به عني أو حجوا به عني، فيحج عنه حجج ولو كثر الثلث كثلاثة آلاف دينار كان الموصي صرورة أو غيره، قال الشيخ إبراهيم: وهذا إذا أشبه أن يكون ما أوصى به يحج به أكثر من واحدة،
وأما إن أشبه أن يحج به واحدة فإنه يرجع الباقي ميراثا،
ولو قدر أن يحج به أكثر من واحدة لوجود من يؤجره بأقل كما يفهم من كلام الشارح. انتهى. وهو موضح لما تقدم عن ابن عاشر. والله سبحانه أعلم.
والواو في قوله: "وقال" ،
إما للعطف على "وسع" ، أو واو الحال وجعلت كلام المصنف في الوصية بالثلث. لا منه؛ يعني أن محل كون الموصي يحج عنه حجج إنما هو حيث قال: حجوا به،
وأما إن قال: حجوا منه، فإنما يحج عنه حجة واحدة لإتيانه بمن التبعيضية والباقي يكون ميراثا. وإلا؛ أي وإن لم يبلغ الثلث حججا، فإنه بحج عنه حجة واحدة، وما بقي فهو ميراث. وتحصل من هذا أن الباقي بعد حجة واحدة يرجع ميراثا، فيما إذا قال: منه، قل أو كثر، وفيما إذا لم يسع الثلث حجتين فأكثر حيث لم يقل منه،
فإن وسع أكثر منها حج عنه بقدر ما وسع من الثلث، وما بقي مما لا يسع حجة فهو ميراث. كوجوده بأقل، تشبيه في رجوع الباقي ميراثا؛ يعني أن الموصي إذا سمى قدرا من المال يحج به، فوجد من يحج بأقل منه فإن الباقي يرجع ميراثا كما قاله ابن القاسم في المدونة، وهذا إذا لم يسم الميت من يحج عنه، وسيأتي ما إذا سمى الميت من يحج عنه، والضمير في قوله: "كوجوده" ، يرجع للأجير، وقوله: بأقل؛
أي مما سمى. أو تطوغ غير، عطف على وجوده فهو تشبيه في رجوع المال ميراثا، ومعنى كلامه أن الميت إذا سمى قدرا من المال يحج به فتطوع أحد بالحج عنه فإن المال كله يرجع ميراثا. وهل إلا أن يقول يحج عني بكذا؟ هذا راجع لقوله: "كوجوده بأقل أو تطوع غير" ؛ يعني أن الشخص إذا سمى قدرا من المال يحج به ولا فهم منه إعطاء الجميع فوجد من يحج بأقل من القدر المسمى أو من يتطوع عنه بالحج، وقلنا يرجع الباقي في المسألة الأولى ميراثا والمال كله في الثانية كما مر، فهل ذلك مطلقا؟
سواء قال الميت: يحج عني بكذا حجة، أو قال: يحج عني بكذا ولم يقل حجة، أو يرجع ميراثا في المسألتين إلا إذا قال الميت يحج عني بكذا ولم يقل حجة، فإنه يصرف كله في الحج، ويحج عنه حجج. ولا يرجع الباقي في الأولى ميراثا ولا المال كله في الثانية، وعلى هذا التأويل فما بقي بعد حجة ولم يبلغ أخرى يرجع ميراثا. والله سبحانه أعلم. وإيضاح كلام المصنف أن تقول: ظاهر كلام ابن القاسم أنه يرجع الباقي في المسألة الأولى ميراثا والمال كله في الثانية مطلقا، وفصل ابن المواز، فقال: إن قال حجوا عني به حجة فكذلك،
وإن قال: حجوا عني به ولم يقل حجة، حج عنه به حجج، واختلف هل قول ابن المواز مفسر لقول ابن القاسم أو خلاف له؟ والأقرب أنه خلاف، وإلى الخلاف في كون قول ابن المواز تفسيرا لقول ابن القاسم أو خلافا له، أشار المصنف بقوله: تأويلان؛ وهذا الذي قررت به كلام المصنف من رجوع قوله: "وهل إلا أن يقال يحج عني بكذا فحجج تأويلان" لقوله: "كوجوده أو تطوع غير" ؛ هو الذي قرره به الحطاب وغيره.
وقال الحطاب: إنه هو المتعين، وما عداه إنما هي احتمالات يدفعها ظاهر كلام المصنف، وتردها النقول
إما لكونها مخالفة لها أو لعدم وجودها. والله أعلم. انتهى. وعلى هذا التقرير الذي قررته تبعا للحطاب،
فإذا وجد من يتطوع عنه بحجة فإن جميع المال يرجع ميراثا على التأويل الأول،
وأما على التأويل الثاني فكذلك أيضا إن كان المال لا يسع إلا حجة واحدة،
فإن كان يسع حجتين أو أكثر ووجد من يتطوع عنه ببعض ما يسعه المال، كما إذا كان المال يسع أن يحج به ثلاث حجات ووجد من يتطوع عنه بحجة منها،
فإن ما يقابل تلك الحجة من المال يرجع ميراثا ويستأجر بباقيه من يحج عنه ما بقي ولم يتنزل لهذا الحطاب. قاله الشبراخيتي. وقولي في أول الحل: ولا فهم منه إعطاء الجميع،
قال المصنف في مناسكه: وإن سمى قدرا حج عنه به،
فإن وجدوا من يحج عنه بدونه كان الفاضل ميراثا إلا أن يفهم إعطاء الجميع هذا إن سمى حجة،
وإن لم يسم فكذلك عند ابن القاسم.
وقال ابن المواز لخ. تنبيه: قال عبد الباقي وغيره: إن قوله: "تأويلان" ، لا يجريان في مسألة الإيصاء بالثلث، بل يصرف جميعه في الحج، وجد من يحج بأقل منه أو تطوع غير أولا، وجعل قول المصنف: "كوجوده بأقل أو تطوع غير" ، فيما إذا عين قدرا، وجعل قوله: "وحج عنه حجج إن وسع" ، فيما إذا وصى بالثلث وهو الذي قررت به،
وقال محمد بن الحسن: إنه لا فرق بين أن يوصي بالثلث وبين أن يعين قدرا يحج به، فجعل التأويلين جاريين في مسألتي الإيصاء بالثلث وبقدر معين، قال: ومحلهما في غير الواسع،
وأما الواسع فلا يجري فيه التأويلان كان ثلثا أو قدرا معينا،
وقال عند قول المصنف: "كوجوده بأقل" ، هذا في غير الواسع وهو ما يشبه أن يحج به حجة واحدة، ويمكن أكثر كما ذكر ابن عاشر، وهو داخل تحت إلا، لكن ذكره لأجل التأويلين. هذا هو الصواب في فهم كلام المصنف كما يدل عليه كلام ابن رشد الآتي وغيره، ولا فرق بين أن يوصي بمال معين أو بالثلث كما حمله عليه الشارح والتتائي، وكلام ابن رشد الذي أشار إليه هو قوله في البيان: إنه لما كان الثلث واسعا حمل على أنه لم يرد حجة واحدة،
ولو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة رجع ما بقي ميراثا كما
قال في المدونة. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قول المصنف: "وهل إلا أن يقول" : الظاهر أن التأويلين يرجعان للمسألتين كما في الحطاب والخرشي وغيرهما. انتهى المراد منه. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر من صنيع الحطاب أنه موافق لما قال عبد الباقي، والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر عن محمد بن الحسن أنه إذا أوصى بالثلث للحج،
وقال: حجوا عني حجة أن الباقي يكون ميراثا. والله سبحانه أعلم. وتَحَصَّلَ مما مر أن محمد بن الحسن جعل كلام المصنف كله شاملا للوصية بالثلث ونحوه، وبقدر معين والتأويلان عنده جاريان في الشائع وغيره، وإنما يجريان في غير الواسع فقط لا في الواسع،
وأن عبد الباقي وغيره جعل قوله: "وحج عنه حجج إن وسع" إلى قوله "فميراث" في الوصية بالثلث، وقوله: "كوجوده بأقل أو تطوع غير" ، فيما إذا أوصى بقدر معين. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال عبد الباقي: حيث قلنا يحج عنه حجج، فهل يجتزى بفعلها من متعدد في عام واحد، أو إنما يُجْتَزَأُ بها إن وقعت على ما كان يوقعها الموصي؟ وهذا حيث لا يفهم من حاله شيء، وإلا عمل عليه كما في قوله: "وحج على ما فهم" ، ودفع المسمى، يشمل ما عين بالجزء كسدس أو ثلث، أو بالعدد كأربعين دينارا، وبالشخص كهذا،
وإن كان ذلك المسمى قد زاد على أجرته أي أجرة مثله لمعين، متعلق "بدفع" ، وسواء كان معينا بالشخص كزيد أو بالوصف كعالم، والضمير في أجرته يعود على الحج، ويمكن أن يعود على المعين، وفيه عود الضمير على متأخر لفظا، متقدم رتبة وهو سائغ، وقوله: لا يرث صفة لمعين؛ يعني أن الشخص إذا أوصى أن يحج عنه شخص عينه كزيد بكذا، فإنه يدفع جميع المسمى لذلك الشخص المعين، سواء كان المسمى يزيد على أجرة المثل أم لا بشرط أن يكون هذا الشخص المعين لا يرث بالفعل كأجنبي أو أخ مع وجود ابن وهو قيد في المبالغ عليه فقط،
وأما قدر الأجرة فيدفع لذلك الشخص المعين وإن كان وارثا بالفعل،
فلو حذف المصنف الواو الداخلة على إن لكان أحسن أو تجعل للحال، ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت تنفيذ الوصية، وسيأتي للمصنف في الوصية: "والوارث يصير غير وارث، وعكسه المعتبر مآله" ، وليس للمعين أن يقول ادفعوا إلي الزائد وأحِجُّوا غيري لأنه إنما أوصى له بشرط الحج،
فإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه، فقال العوفي: لا يدفع له إلا على البلاغ إذا كان فيه كثرة لأنه يرد الفضل،
وفي الضمان: لا يرد، فتتحقق الوصية لوارث. انتهى. وهو يخصص قوله فيما مر: "وإجارة ضمان على بلاغ" بما إذا لم يعلم أنه لا يفضل شيء من الأجرة للوارث وإلا منعت إلا أن يرضى بها الوارث، فينتفي المنع فيقع العقد عليها كما يفيده الطخيخي. قاله الشيخ عبد الباقي. فعلم أن منع دفع الثلث للوارث إجارة ضمان إنما هو حيث لم يُعلَم أن إجارة الضمان لا يفضل فيها شيء من الأجرة للوارث وإلا جاز.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.