فخراجها والخمس والجزية لآله صلى الله عليه وسلم
الشروح عليها
(فَخَرَاجُهَا) أَيْ الْأَرْضِ. (وَالْخُمُسُ) الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (وَالْجِزْيَةُ) الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ وَالْفَيْءُ، وَعُشُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ، وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْ تِجَارَتِهِمْ مَحَلُّهَا بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِهِمْ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَيَبْدَأُ بِالصَّرْفِ نَدْبًا (لِآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَيُوَفِّرُ نَصِيبَهُمْ لِمَنْعِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْأَرْضُ) أَيْ الْمَأْخُوذَةُ عَنْوَةً، وَقَهْرًا بِالْمُقَاتَلَةِ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْخُمُسُ) أَيْ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَا نِيلَ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ،
وَكَذَا خُمُسُ الرِّكَازِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَفِي نُدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ
(قَوْلُهُ: الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ) أَيْ الْمَضْرُوبَةُ عَلَى أَهْلِ الْعَنْوِيَّةِ، وَأَهْلِ الصُّلْحِ
(قَوْلُهُ: وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ) ، وَذَلِكَ إذَا صَالَحُونَا عَلَى أَنَّ كُلَّ فَدَانٍ عَلَيْهِ كَذَا،
وَقَوْلُهُ: (وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ) ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا صَالَحَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى دَفْعِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ الْقَدْرَ الَّذِي عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَوْ كُلِّ فَدَانٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْجِزْيَةَ الصُّلْحِيَّةَ وَخَرَاجَ أَرْضِ الصُّلْحِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أُخِذَ مِنْ تِجَارَتِهِمْ) وَيُزَادُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ مَالُ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالْمَالُ الَّذِي جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ، وَمَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَهَذِهِ جِهَاتُ بَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَيُوَفِّرُ) أَيْ يَكْثُرُ وَيَعْظُمُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَيْءُ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرَضِينَ وَالْجِزْيَةُ وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ فَيْءٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَتُجَّارِ الذِّمِّيِّينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُمُسُ وَالْفَيْءُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ بِقَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ دَوَّنَ عُمَرَ لِلْعَطَاءِ دِيوَانًا فَاضَلَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ: ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ. اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقَاضِيهِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِي لِلْفُقَرَاءِ،
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ عُدَّةً لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا بُدِئَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِمَالِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ الْآخَرُونَ بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأُولَئِكَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقْطَعُ مِنْهُ رِزْقُ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ
(ص) فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ تُوقَفُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُقْسَمُ.
وَأَمَّا خَرَاجُهَا إنْ أُقِرَّتْ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِهَا لِعِمَارَتِهَا أَوْ سُوقُوا عَلَى سَوَادِهَا وَالْخُمُسُ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَيْ الْخُمُسُ الْخَارِجُ بِالْقُرْعَةِ مِنْ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ كَمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفِي نُدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ وَالْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ وَالصُّلْحِيَّةِ وَعُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجِ أَرْضِ الصُّلْحِ مَحَلُّهُ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ فِي مَصَارِفِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَيَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِآلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ يَصْرِفُ لِلْمَصَالِحِ أَيْ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْغَزْوِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَعَقْلِ الْجِرَاحِ وَتَزْوِيجِ الْأَعْزَبِ وَنَحْوِهِمْ وَأَشْعَرَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يَلْزَمُ تَخْمِيسُهُ.
(قَوْلُهُ أَوْ سُوقُوا عَلَى سَوَادِهَا) أَيْ جَعَلُوا مُسَاقَاةً عَلَى الْأَشْجَارِ فَالْمُرَادُ بِالسَّوَادِ الْأَشْجَارُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ لِعِمَارَتِهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ لِعِمَارَتِهَا أَوْ لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى سَوَادِهَا أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى إنْ أُقِرَّتْ،
فَإِنْ قُلْت إذَا أُقِرَّتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى سَوَادِهَا فَأَيْنَ الْخَرَاجُ قُلْت يُرَادُ بِالْخَرَاجِ مَا يَشْمَلُ الثِّمَارَ الَّتِي عَلَى الْأَشْجَارِ
(قَوْلُهُ فَيَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِآلِ النَّبِيِّ إلَخْ) وَيُوَفِّرُ نَصِيبَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ) أَيْ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ سَبْعَةٌ وَإِلَّا بُدِئَ بِالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ أَيْ فَالتَّرْتِيبُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ
(قَوْلُهُ وَعَقْلِ الْجِرَاحِ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ عَاقِلَةٌ.
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِمْ) كَإِعَانَةِ مُحْتَاجٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ،
وَلَوْ احْتَاجَ لِجَمِيعِهِ اهـ.
(فَخَرَاجُهَا) أَيْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهَا إنْ سَاقَى عَلَيْهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا (وَالْخُمُسُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ رِكَازٍ (وَالْجِزْيَةُ) الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ وَالْفَيْءُ وَعُشُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْحَرْبِيِّينَ وَمَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، وَمَالٌ جُهِلَ مَالِكُهُ مَحَلُّهَا بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّاظِرُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ بِصَرْفِهَا بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِهِمْ الْعَامَّةِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَسْوَارِ وَالْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبِ، وَالْخَاصَّةِ كَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَفِدَاءِ أَسِيرٍ وَقَضَاءِ دَيْنِ مُعْسِرٍ وَتَزْوِيجِ عَازِبٍ وَنَفَقَةِ فَقِيرٍ وَنُدِبَ بَدْؤُهُ بِالصَّرْفِ (لِآلِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
صلى الله عليه وسلم، وقوله: صحل بحة مستحسنة وعدم حدة الصوت، والأزيز الغليان، والمرجل براء وجيم كمنبر: قدر من نحاس،
وقيل القدر مطلقا، وقوله: واختلفت الروايات في منتهى شعره صلى الله عليه وسلم الخ، الوفرة كجمرة: ما وصل من شعر الرأس إلى شحمة الأذن وهو ما لان من أسفلها وهو معلق القرط،
فإذا زاد حتى ألم بالمنكبين فهو لمة بالكسر،
فإذا زاد ونزل إلى المنكبين فهو جمه بالضم، قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن، هو الذي يبلغ شحمة الأُذن وما خلفه هو الذي يضرب إلى منكبيه،
قال: وقيل بل ذلك باختلاف الأوقات إذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك،
وقال غيره: المراد أن معظم الشعر كان عند شحمة أذنيه، وما استرسل منه متصل إلى المنكبين واقتصر المحب الطبري والعز بن جماعة على الثاني، وقوله: كان إن انفرقت عقيقته الخ، العقيقة قال المقدسي: الشعر،
وقال في فتح الباري: شعر رأسه الذي على ناصيته، ثم
قال في أثناء كلام لابن قتيبة في غريبه: قوله وكان لا يفرق شعره إلا إذا انفرق محمول على ما كان أول كما بينه حديث ابن عباس. انتهى.
وقال في الشفا: العقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة. ويروى عقيصته. انتهى. وعقص الشعر ليه
وقيل على الرأس، وقيل عقصه ضفره وليه على الرأس،
وقيل عقص الرأس جمع ما ضفر منه قرونا صفا من كل جانب،
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير العقيقة إنها الشعر المعقوص وهو نحو من المضفور، وكان ربما فعله غدائر أربعا جمع غديرة بالدال المهملة وهي الذؤابة بالمعجمة وهي ما تدلى من شعر الرأس، قال حجة الإسلام في الاحياء: تخرج كل أذن من بين غديرتين، وربما جعل شعره على أذنيه فتبدو سوالفه تتلألأ،
وقال العز تبعا لابن سبع: تخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين تكتنفانها واليسرى كذلك تتوقد كأنها الكواكب الدرية بين سواد شعره، وكان أول مرة قد سدل ناصيته بين عينيه كالفضة موافقة لأهل الكتاب، ثم أمر بالفرق وهو فرق الشعر بعضه من بعض ففرق أي ألقى شعر رأسه إلى جانبه فلم يترك منه شيئا على جبهته.
فائدة: من الأمور التي خالف فيها النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب بعد أن وافقهم السدل ثم الفرق، وترك صبغ الشعر ثم فعله، والنهي عن صوم يوم السبت ثم نسخه بتحريه صوم يوم السبت والأحد لأنهما يوما عيد للكفار مخالفة لهم، وترك مخالطة الحائض ثم خالفهم، فقال: اصنعوا كل شيء إلا الجماع، فقالوا: لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. تنبيهات: الأول: اعلم أن الحسن والحسين وزينب بنت علي رضي الله تعالى عنهم، منهم انتشرت ذريته صلى الله عليه وسلم شرقا وغربا، وأمهم سيدتنا فاطمة البتول، سميت بذلك لانقطاعها بما لا طمع فيه من الفضائل لأحد من هذه الأمة، ولا تعادلها امرأة وهي الزهراء، سميت بذلك لأنها لم تحض قط ولا تمادى بها دم نفاس كغيرها، بل كانت إذا ولدت طهرت في الحين حتى لا تفوتها صلاة: ويقال لها من أجل ذلك حوراء آدمية؛
لأن الحور العين لا يحضن فشاركتهن في هذا الوصف، وهي من بنات آدم عليها السلام،
وفي حديث (إن الله لم يبعث نبيا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري،
فإن الله جعل ذريتي من صلب علي (١) )، وسرى انتشار ذريته صلى الله عليه وسلم في أقطار الأرض أمنة للأمة فلا يخلو إقليم ممن ينتسب وفيهم صادق وكاذب،
فمن وجد شيئا بيد آبائه فله التمسك به للبركة وإن لم يقف على صحته للحديث: (من تبرأ من نسب وإن دق كفر (٢) )، والناس مصدقون على أنسابهم ما لم يعلم خلاف ما قيل، والتعرض للنسبة مع العلم بعدمها مقت وخزي وخسران في العقبى، وقد جعل الله تعالى لهذه الذرية البشرية -أعني ذريته صلى الله عليه وسلم- الانتشار على وجه البسيطة كما تخللت أنهار المياه الأرض فحيثما حفروا وجدوه إذ هو حياتهم، وبالماء أقام الله تعالى وجودهم،
وكذلك هذه الذرية المحمدية في هذه الأمة تخللها عمران الإسلام. واعلم أن كل ما تسبب أولاد فاطمة في وجوده يطلق عليه حكم الذرية على العموم، ويختص حكم الأول فقها بعمود نسب هاشم كما تخص آية المباهلة أهل الرداء: النبي صلى الله عليه وسلم وبنته فاطمة وعليا، وابنيهما: الحسن والحسين.
ومن له شيء من الوصلة بهذه النسبة السنية المباركة فعليه بتعهدها وتفقد معالمها بصلاح شأنه بحفظ حدود ربه ومراعاة أسرارها في سره وجهره والمراقبة بالتقوى، ولا يرضى لنفسه متابعة الهوى وحالة الغمرة في جاهلية الجهل والاعتداء، وليأخذ في تعلم ما يعنيه والإقبال على ما يحمد به عند العليم العلام، وقد جاء أن الناس تبع لقريش ولا يعتمد الحسيب المحق على حسبه ولا ذو الأصالة في الأبوة على نسبه،
فإن النسبة المقطوع بها عند الله تعالى الهداية بالتقوى والتقرب إليه بمجاهدة الهوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} عام على عالم المكلفين، فينبغي لهم ولكل مكلف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم التأسي بالسلف الصالح والاستعانة بحالهم على المتجر الرابح كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وتابعوه بإحسان، ولا يعتمد اللبيب على سابقة الآباء ولا على تأصيلهم بالديانة من غير اقتفاء، وقرابة الأرحام وحدها لا تنفع إذا كانت عارية من مخافة الله تعالى وحبذا هما إذا اجتمعا، قال صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا (١) )، قيل هذا في فاطمة والمراد غيرها،
ومثله: (لو سرقت فاطمة لقطعت يدها) اعلم أن لله تعالى بأهل البيت عناية عظيمة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعة أنا شفيعهم: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه (٣) ). الشيخ زروق: تعظيم قرابته صلى الله عليه وسلم من تعظيم حرمته، ولقد بالغ في ذلك الحاتمي رحمه الله تعالى حتى قال يعتقد في أهل البيت أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم لا بعمل عملوه ولا بصالح قدموه بل بسابق عناية من الله تعالى لهم؛
إذ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} ، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص عرض من شهد الله بتطهيره وإذهاب الرجس عنه، وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ونحوه ننزله منزلة القضاء الوارد من الله تعالى بلا واسطة ولا سبب كالغرق والحرق إذ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، فجعل يد نبيه يده بلا واسطة، وللولد مثل ما للوالد،
وإن العقوق لا يخرج من النسب ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، وما تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة، وما نحن في ذلك إلا كالعبد يؤدب ابن سيده بإذنه فيقوم بإذن السيد ولا يهمل فضل الولد، وقد قال تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ؛ أي إلا أن تودوا قرابتي،
وقال صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها (١) )، وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} ، فأثنى بصلاح الأب فما ظنك بنبوءته،
وقال بعضهم: إذا أمرنا بتعظيم أولاد الصالحين فما ظنك بأولاد الأولياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأولياء فما ظنك بأولاد الأقطاب؟ إذا كان هذا في أولاد الأقطاب فما ظنك بأولاد الأنبياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأنبياء فما ظنك بأولاد المرسلين؟ بل قل لي بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين؟ فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصهم، وينسب لأبي العباس الحباك: السب لا يجوز في آل النبي … ولو عصوا وبدلوا في المذهب من سب من آل نبي الله … هو عدو كافر بالله ولا يصلى خلفه فرض ولا … يجوز في شهادة إن نزلا يقتل شرعا باتفاق العلما … إن لم يتب من قوله ويندما إن مات عند الناس لا يكفن … وفي قبور المشركين يدفن وهذا -والله أعلم- إذا كانت المشاتمة تسري في الآباء والأجداد فيلزم منها انتقاص منصب النبوءة.
والله أعلم. وفي الخصائص: لا يدخل قلب أحد الإيمان حتى يحبهم لله تعالى ولقرابتهم منه صلى الله عليه وسلم، وما فيهم أحد إلا وله شفاعة يوم القيامة،
وفي أثر أن آله صلى الله عليه وسلم في أعلى ذروة الجنة،
وفي الحديث: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (١) )،
وأن من تمسك بهم وبالقرآن لم يضل وأنهم أمان للأمة من الاختلاف وأنهم سادات أهل الجنة،
وأن الله وعد أن لا يعذبهم،
وأن من أبغضهم أدخله الله تعالى النار،
وأن من قاتلهم كمن قاتل مع الدجال،
وأن من صنع إلى أحدهم برا كافاه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة،
وأن الرجل يقوم لأخيه من مجلسه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد، (وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن لا يدخل النار أحد من أهل بيته) فأعطاه ذلك، وورد أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه. واعلم أنه لا يجوز لهم -يعني آل النبي صلى الله عليه وسلم- أن يحرجوا أحدا حتى يغضب فيصدر منه ما لا يحل في منصب النبوءة؛ لأن الغضب نار تتوقد وهم فيما بينهم كذلك، فلا يحل لواحد منهم شتم مثله، ويلزمه من الأدب ما يلزم غيره، ولا يعذر بكونه شريفا؛
لأن المكلفين في حق حدود الشريعة لا تباين فيما بينهم يعمهم الأمر والنهي: لو سرقت فاطمة قطعت يدها، خطاب لها وهم المراد لاستحالة وقوع السرقة منها وجوازها من غيرها. قاله في الوصلة الزلفى. الثاني: لا ينبغي لأهل هذا البيت طلب رياسة الإمارة وملك دار الدنيا؛ لأن الحسن رضي الله تعالى عنه أوصى الحسين عند موته بذلك، فقال: إن الله لم يجمع لنا معشر أهل البيت بين الدنيا والآخرة، وهذا يخص بني فاطمة،
وأما بنو العباس فقد أوتوا من ملك الدنيا ما شاء الله، وكانت عادة الله في بني فاطمة أنهم يغلبون مهما حاولوا منها شيئا،
وإن وقع لهم منه فشيء تافه، ووردت عنه صلى الله عليه وسلم آثار في المهدي الذي يختم الله تعالى به خلافة أمته مناسبة لبراعة الختم كما كان عليه السلام براعة الابتداء، فهو صلى الله عليه وسلم أولها يقدمها وابنه المهدي آخرها يسوقها، فلابد منه تصديقا له صلى الله عليه وسلم، وقد مضى من ملك هذه الأمة ستون ومائتان وألف سنة من هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فلم يظهر هذا المهدي الموعود به، فدل على أن مدة الأمة لم تنقض بحمد الله تعالى، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أنه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأنه يحثو المال حثيا ولا يعده عدا،
ومن المجرب أنه ما من مدة كانت ملوكها يعظمون أهل هذا البيت إلا طالت مدتهم في أعقابهم والعكس بالعكس، وينبغي لهم أي لأهل هذا البيت القصد وعدم التوسع في متاع هذه الدار القليل؛ لأن حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، والمراد بالقصد فيها الاقتصار على قدر الضروة، وذلك لتحقق التأصل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل قوت آل محمد قوتا كفافا اللهم عيش يوم وليلة (١) )، بل ورد العموم بذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من آمن بي وعلم أن ما جئت به حق فأقلل ماله وولده (٢) )، وذكر الغزالي أن الاختلاف المذكور في الأفضلية بين الغنى الشاكر والفقير الصابر المراد به الغني بالله تعالى، والذي لغيره أن الغني الشاكر هو القائم بالحق الواجب عليه في المال ولم يشغله عن إقامة الفرائض ولم ير ما في يده ملكا له، وإنما هو أمين فيه لمن ملكه إياه وهو الله سبحانه، ولأجل هذا قيل لم نجد غنيا شاكرا ولا فقيرا صابرا لصبره على مكابدة اكتسابه من حله وصرفه في محله.
ولا يكافئ أهل البيت في النكاح إلا أهل البيت أعني على جهة الأدب وإلا فالفقه أن الدين كفاءة،
فإذا كان عادتهم أن لا يناكحوا غيرهم فلا يخطب عندهم لأن ذلك يضرهم ويسوءهم،
وأما إن كانت عادتهم مصاهرة غيرهم فلا بأس به لنص الفقه،
فإذا تزوج أحد منهم بأمة فما الحكم في استرقاق ولده؟ فقد وقع وقد رأيت إنسانا يسئل عنه وقع في أمة بعض أقاربه ولا أدري ما أجيب به. انظر الوصلة الزلفى. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: الذي يدل عليه النص الفقهي أن هذا الولد المذكور يكون رقيقا لمالكه، ولكن نعوذ بالله تعالى من استرقاقه. والله سبحانه أعلم.
ويجب عليهم -أي أهل البيت- التنزه عن أوساخ الصدقات والزكاة والكفارات،
فإن جدهم مولانا محمدا صلى الله عليه وسلم نوه بتحريم ذلك عليهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (١) )، أو كيفما قال صلى الله عليه وسلم،
ويجب على كل منهم النظر في فقه ذلك وما يلزمه في خاصة نفسه منه، وما يرخص له فيه عند الضرورة، ويعرف الفرق بين الصدقة والهدية والهبة، وما حد الضرورة التي تبيح له أخذ شيء من ذلك، فقد توسع اليوم في هذا الباب كبيرهم ومن دونه حتى كأن الجميع مباح لهم على الإطلاق في جميع الحالات، أو ليسوا مخاطبين بالتحريم ولم يقدروا قدر نسبتهم وما أمروا به في ذلك ولم يفرقوا بين الغني والفقير ولا بين القوي والضعيف ولا بين الواجد والعديم، بل يطلبون الزكاة ولا يتحرجون في أكل الصدقات فلا يحل لهم ذلك على الجملة،
أما مثل الطعام الذي يؤتى به إلى المساجد والمكاتب والمقابر وما يسمونه عشاء الميت، فكل ما شاكل هذه الأشياء يتعين أن يكون صدقة،
فمن كان عنده منهم غداؤه أو عشاؤه فلا يحل له أكله،
فلو خصه رب الطعام حينئذ على الانفراد عن العامة لكان له أن يأكله ولو كان غنيا؛ لأنه إذ ذاك يصير هبة وهذا من آفة عدم اعتنائهم بما يجب عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه شيء يقول: (صدقة أم هدية (٢) )،
فمن ضيع حقوق الله تعالى أتلف الله تعالى حقوقه في الدنيا والآخرة،
وأما ما يقصد به أحدهم محب له أو صديقه أو معاشره إذا كان يعرفه فيتعين أن يكون هبة أو هدية، فيجري على حكم ذلك في الفقه،
وأما الزكاة فهي أخف للمضطر منهم ومن بعضهم لبعض أخف من عامة الناس لأنها درن لكنها دون الصدقة والكفارة وزكاة الفطر،
ومن الزكاة تؤدّى عطياتهم إذا عدمت أو ظلموا فيها فتباح لهم الزكاة حينئذ عند المخافة على إتلاف النفوس، وينبغي أن ينظر في الوجه الذي يصح فيه اضطراره ولا يقبل على الأخذ على سبيل البله والغفلة فيقع فيما هو محرم عليه،
فإذا أبيح له شيء من ذلك فهل يباح له التوسع أو على قدر الضرورة كالميتة؟ وكل من بيده شيء من المتشابه إذا وجد عنه مندوحة تعين طرحه
ويجب الانفكاك عنه ما استطاع، فينبغي لذي المروءة الدينية التنزه عن كل ما نهي عنه، والسر في ذلك تحسين الهيئة والتجمل بمحاسن السيرة والملابس النورانية لملاقاته صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة حين يستبشر صلى الله عليه وسلم بوجوه مضيئة ناضرة لم يدنسها تلبس بحرام ولا مكروه، ولا يحوج المؤمن نبيه ولا الشريف جده صلى الله عليه وسلم إلى الاعتذار عنهما في حقوق الله تعالى، ولا أن يؤدي عنهما ما تحملاه من الأوزار والتبعات بل تدهم خطوب المحن وأهوال الموقف قبل الإذن في الشفاعات، ويخشى على المستهزئين بالأوامر النبوية أن يحال بينهم وبين الشافعين حتى ينفذ وعيد الحق سبحانه،
فإن الحقوق إذا قوبل العبد بالعدل فيها لابد من ذكرها وطلبها إظهارا لسر التكليف وبيان فضائل الذي وفى من العبيد. واعلم أن من لا يبالي من أين اكتسب ماله وحاطت بما في يده مصائب معاملاته، لا تجوز على المنصوص معاملته فيما عنده لا بيعا ولا شراء ولا تضييفا ولا قبول هديته، وقد قال أئمة هذا الشأن: من مد يده للعطاء من غير استفصال أكل الحرام النص،
وفي الصحاح: نص كل شيء: منتهاه، والتقوى أساس الفلاح ولا غنى عنه للمؤمن، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس (١) )،
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل أدخل به الجنة: قال: (لا تسئل الناس شيئا ولك الجنة (٢) )، قال: زدني، قال: (لا تغضب ولك الجنة (٣) )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هي جمر فليستقل أو ليستكثر (٤) )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن (٥) )، ولأجل هذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يأنفون من السؤال حتى إن بعضهم ليسقط سوطه وهو راكب فينزل لأخذه ولا يسئل من يناوله إياه،
وقال صلى الله عليه وسلم: (من رضي عن الله باليسير من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل (١) ). الثالث: اعلم أنه لا يصح لأهل هذا البيت الكريم مطالبة الناس بما قصروا فيه من حقوق تعظيمهم؛ لأنهم كرام وعادة الكريم عدم مؤاخذة اللئيم،
وكذلك من له نسبة ما في العلم والصلاح اللهم إلا أن يكون ذلك مما يرجع لانتفاء النبوءة فيجب إبلاغ ذلك للحاكم، فيقوم فيه بما يأمره لسان العلم، وروي عن الحسن السبط التقي الزكي أنه بكى عند احتضاره، فجعل أخوه الحسين يذكره ويسليه بقومه ومن يلتحق به، فقال: إنما تلقى جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاطمة أمك ابنته البتول، وأباك عليا وجدتك خديجة، فقال: بل ألقى أقواما لم أرهم قط ولا أعرف ماذا يواجهوني به.
وفي الحلية لأبي نعيم عن سهل بن عبد الله، قال: يرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان علم الخشية وعلم الورع وعلم المراقبة، قيل: ولم يا أبا محمد؟ قال: تظهر في القراء دعوى التوكل والحب والمقامات ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة وهو يأكل الربى ولا يحفظ لسانه من الغيبة وجوارحه مما نهى الله تعالى عنه. قاله في الوصلة الزلفى. الرابع: نقل في الوصلة الزلفى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عز وجل ثلاث حرمات،
فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته،
قلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي (٢) )، ونقل فيها أيضا: (استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن خصيمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار (٣) )، وفيها أيضا: قال صلى الله عليه وسلم: من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا،
وقال صلى الله عليه وسلم: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا،
فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله عز وجل طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض )، ورواه البزار. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (إني خلفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبدا كتاب الله ونسبي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (٢) )، وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أيها الناس إني تركت فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر
فأما الثقل الأكبر فبيد الله طرفه والطرف الآخر بأيديكم وهو كتاب الله إن تمسكتم به فلن تضلوا ولن تبدلوا أبدا،
وأما الثقل الأصغر فعترتي أهل بيتي إن الله هو الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألته ذلك (٣) ). الحديث. وفيه: والله سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي،
وفيها أيضا: وقال صلى الله عليه وسلم: في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أيمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون، وفيها أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه
قال في مرضه الذي توفي فيه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم إلا أني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي فلا يفترقان حتى يردا علي الحوض،
وقال صلى الله عليه وسلم: (أوصاني الله بذي القربى وأمرني أن أبدأ بالعباس (٤) )، وفيها أيضا أن علي بن أبي طالب أخرج صحيفة فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به محمد صلى الله عليه وسلم أهل بيته وأمته، أوصى أهل بيته بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته،
وأوصى أمته بلزوم أهل بيته وأهل بيته يأخذون بحجزة نبيهم صلى الله عليه وسلم: وإن شيعتهم يأخذون بحجزهم يوم القيامة، وإنهم لن يدخلوكم باب ضلالة ولن يخرجوكم من باب هدى. وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أيها الناس ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، والمراقبة المحافظة على الشيء أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم. وقوله: الثقلين، الثقل بالتحريك يطلق على متاع المسافر وكل شيء نفيس،
قال في القاموس: ومنه الحديث: (أنا تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي (١) )،
قال في الوصلة الزلفى: والحاصل أنه لما كان كل من القرآن والعترة الطاهرة معدنا للعلوم الدينية والأسرار والحكم النفيسة الشرعية وكنوز دقائقها واستخراج حقائقها، أطلق صلى الله عليه وسلم عليهما الثقلين، ويرشد لذلك حثه صلى الله عليه وسلم على الاقتداء والتمسك والتعلم من أهل البيت،
وقيل سماهما بذلك لأن الأخذ بهما والعمل بما يتلقى منهما والمحافظة على رعايتهما والقيام بواجب حرمتهما ثقيل، قيل ومنه قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ؛ لأن أوامر الله وفرائضه ونواهيه لا تؤدى إلا بتكلف ما يثقل. واعلم أن الذي وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب الله عز وجل؛ إذ لا يحث صلى الله عليه وسلم على التمسك بغيرهم وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراق حتى يردا على الحوض، واختصوا بمزيد الحث عن غيرهم من العلماء لما خصوا به من الثبات في الدين والرسوخ في اليقين لكونهم من قرابة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث أحمد: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ما قضى به علي رضي الله تعالى عنه فأعجبه ذلك،
وقال: الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت، واعلم أن الحديث يفهم منه وجود من يكون أهلا للتمسك من أهل البيت الطاهر في كل زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمان أهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض، وهذا الحث شامل لمن تقدم منهم وأحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (٢) )، وهذا حديث صحيح لا مرية فيه، واحتج بالحديث الرافضة على أن الخلافة لعلي بعد النبي صلى الله عليه وسلم،
وكذلك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (٣) )، ولا حجة لهم في ذلك فقد سئل كرم الله وجهه عن ذلك بعد أن صارت إليه الخلافة، فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا رداءي ولم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره صلى الله عليه وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى موضعي وموضعه، فقال له: قم فصل بالناس وتركني فرضينا به لدنيانا كما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا.
وفي رواية: فلا والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه. لو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي،
ولو لم أجد إلا بردتي هذه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بنا وهو يرى مكاني. وأخرج الأئمة الحفاظ منهم الدارقطني وغيره أن عليا رضي الله عنه بلغة أن ابن سبإ يفضله على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فهم علي بقتله فقيل له: تقتل رجلا أحبك وفضلك؟ فقال لا جرم لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فأخرجه إلى المدائن.
وروى علي كرم الله وجهه، قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة شرهم من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا،
وفي رواية: وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر. انتهى.
وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي كلمه أبو الكلاب شر شر، وأخبره أنه ينهش في النار من سب أبا بكر وعمر.
الخامس: قال في الوصلة الزلفى: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا (١) ). أخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف. لكن له موافق يعضده، ففي الشفا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (معرفة آل محمد صلى الله عليه وسلم براءة من النار، وحب آل محمد صلى الله عليه وسلم جواز على الصراط والولاية لآل محمد صلى الله عليه وسلم أمان من العذاب ).
ونقل في الشفا عن بعض العلماء أن المراد بمعرفتهم معرفة مكانهم من النبي صلى الله عليه وسلم،
وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه. انتهى.
ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو أن رجلا صفن أي جمع قدميه قائما بين الركن والمقام فصلى وقام ثم لقي الله مبغضا لآل محمد صلى الله عليه وسلم دخل النار (٢) ). وروى الخوارزمي عن بلال بن حمامة رضي الله عنه قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر، فسألته عن ذلك فقال: (بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي بأن الله تعالى زوج عليا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان بهز شجرة طوبى فحملت رقاعا يعني صكاكا بعدد محبي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك صكا،
فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار (٣) ). وعن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال: إن الله تعالى أخذ ميثاق من يحبنا وهم في أصلاب آبائهم فلا يقدرون على ترك ولايتنا؛ لأن الله عز وجل جبلهم على ذلك، وعن علي رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين (٤) ).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حب آل محمد خير من عبادة سنة ومن مات عليه دخل الجنة،
وعنه صلى الله عليه وسلم: (لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي (٥) )، وروى أحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين يوما،
وقال: (من أحب هذين وأباهما وأمهما ومات متبعا لسنتي كان معي في الجنة (٦) )، وقوله: مات متبعا لسنتي تقييد للرواية المطلقة، رزقنا الله الاتباع ومجانبة الابتداع نص على ذلك في الوصلة الزلفى. وقد قال علي رضي الله عنه: من ادعى حب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ولا يقتدي بأفعالهم ولا يجالس المساكين فهو كذاب،
وقال علي بن الحسين: من أحبنا لله أسكنه الله في ظل ظليل يوم لا ظل إلا ظله،
ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافأه الله عنا بالجنة،
ومن أحبنا لغرض دنياه آتاه الله رزقه من حيث لا يحتسب، وكان صلى الله عليه وسلم يثني على بني هاشم ويضيفهم إلى نفسه ويغضب على من يسيء إليهم. وأتى العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذلك إلا أنهم يبغضونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فعلوها؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحد حتى يحبكم بحبي؛
أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب )؟ وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، وكل ولد أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أبوهم وعصبتهم (٢) )، وأخرج الطبراني في الكبير عن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: (كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم (٣) ) ورجاله موثقون.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال. صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر، فقال: أيها الناس إني والله ما حملني على الإلحاح على علي بن أبي طالب في ابنته إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل سبب ونسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري فإنهما يأتيان يوم القيامة يشفعان لصاحبهما (٤) )،
وقال البيهقي: لما كان منصور النمري مغريا للرشيد في الطالبيين بقوله: يسمون النبي أبا ويابى … من الأحزاب سطر في السطور يريد: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهوي إليه بقضيب من نار، ويقول: أنت الذي تنفي ذريتي مني فانتبه مذعورا، ومال إلى التشيع
وقال في ذلك: ما أوجب أن أمر الرشيد لما أوقف عليه بقتله فنجاه الله تعالى ووجدوه قد مات. وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم (١) ) رواه الحاكم.
وقال صحيح الإسناد. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: يقول: (اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل وهو فاعل،
قال: قلت: ما فعل؟ قال: فعله ربكم بكم ويفعله لمن بعدكم (٢) ). وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم (٣) ). أخرجه أحمد.
وعنه أيضا: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن أحبني من أمتي (٤) )، وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي وبايعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل (٥) ).
وعند الطبراني والبزار وغيرهما: أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطانف. واعلم أنه يحق على كل من له نسبة ما إليه صلى الله عليه وسلم أن يصون حسن وجهها عن دنس الأغيار المخلة ببهجتها بذلك الوصف بولاية الله تعالى ورسوله، فأعظم خسارة وخزي وإساءة أن يمنح الله العبد قرب النسب من أفضل خلقه وأشرفهم، فيكفر هذه النعمة العظمى بتعاطي ما يسوؤه صلى الله عليه وسلم عند عرض عمله عليه،
فإذا قال في القيامة يا محمد أعرض عنه وكفى بذلك بلاء ونقمة فواسوأتاه من الله ورسوله،
وإن حصل له الغفران ودخول الجنان فإنما أولياؤه المتقون كما قال صلى الله عليه وسلم: إن أولياءي يوم القيامة المتقون من كانوا.
وقال الحسن المثنى: لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، ووالله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. انتهى. وقوله: لو كان الله نافعا الخ، المراد مجرد القرابة مع عدم الإيمان،
وأما مع الإيمان فلا إشكال في ذلك، وكان بعض العلماء الكبار توقف عن الصلاة على بعض الأشراف لكونه كان يلعب بالحمام: فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته على ما وقع منه في ترك الصلاة على ذلك الشريف، فكان بعد ذلك يعظمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، واسم العالم المذكور: محمد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي.
ويروى عن الشيخ عفيف الدين الدلاصي أنه امتنع من الصلاة على صاحب مكة الشريف محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، فرآى في المنام فاطمة في المسجد الحرام والناس يسلمون عليها: وأنه قام للسلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات، فتحامل حتى سلم عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه، فقالت: يموت ولدي ولا تصلي عليه، فتاب إلى الله تعالى واعترف بالظلم. وأخبر بعض الأثبات أن شخصا من أعيان المغاربة عزم على التوجه من بلاده للحج فأتاه شخص بمال أظنه قال: يبلغ مائة دينار،
وقال له: إذا وصلت إلى المدينة النبوية فاسأل عن شخص من الأشراف بها يكون صحيح النسب فادفع إليه ذلك عسى أن يكون ذلك لي وصلة لجده صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاءهم ذلك المغربي أخبرهم أنه قدم المدينة وسأل عن أشرافها فقيل له إن نسبهم صحيح غير أنهم من الشيعة الذين يسبون الشيخين، قال: فكرهت دفع ذلك لأحد منهم، قال ثم جلس إليَّ واحد منهم أو قال: جلست إليه فسألته عن مذهبه،
وقال شيعي، فقلت له: لو كنت من أهل السنة لدفعت إليك مبلغا عندي كذا، فشكى فاقته وشدة حاجته وسألني شيئا منه، فقلت له لا سبيل إلى أن أعطيك شيئا منه، فذهب عني، قال: فلما نمت تلك الليلة رأيت أن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فأردت أن أجوز، فأمرت فاطمة رضي الله تعالى عنها بمنعي فمنعت فصرت أستغيث فلا أجد مغيثا حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغثت به، وقلت: يا رسول الله فاطمة منعتني الجواز على الصراط، فالتفت إليها صلى الله عليد وسلم وقال: لم منعت هذا؟
فقالت: لأنه منع ولدي رزقه، قال فالتفت إلي وقال لي: قالت إنك منعت ولدها رزقه، فقلت له والله يارسول الله ما منعته إلا أنه يسب الشيخين، قال فالتفت صلى الله عليه وسلم إليها وقال لها: قد قال إنما منعه لأنه يسب الشيخين، قال فالتفتت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى الشيخين وقالت لهما: أتؤاخذان ولدي بذلك؟ فقالا: لا، بل سامحناه بذلك، قال فالتفتت إلي وقالت فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين؟
قال: فانتبهت فزعا فأخذت المبلغ وجئت إلى ذلك الشريف فدفعته له فتعجب من ذلك،
وقال: بالأمس أسألك في يسير منه فامتنعت والآن كيف جئتني به كله؟ فقصصت عليه الرؤيا، فبكى وقال: أشهدك علي وأشهد الله ورسوله أني لا أسبهما أبدا ما حييت. انتهى. نقله في الوصلة الزلفى.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد الفارسي: كنت أبغض أشراف المدينة النبوية بني حسين لما يظهرون من التعصب على أهل السنة وما يتظاهرون به من البدع، فرأيت وأنا نائم بالمسجد النبوي تجاه القبر الشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا فلان باسمي ما لي أراك تبغض أولادي؟ فقلت حاشا الله ما أكرههم، وإنما كرهت منهم ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة، فقال لي: مسألة فقهية، أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟
فقلت: بلى يا رسول الله، فقال: هذا ولد عاق فصرت بعد ذلك لا ألقى أحدا منهم إلا بالغت في إكرامه. ووقع لأبي المحاسن نصر بن عنيق الشاعر أنه كان متوجها إلى مكة ومعه مال وقماش، فخرج عليه بعض الأشراف فأخذوا ما كان معه وجرحوه فكتب قصيدة إلى الملك العزيز أبي أيوب صاحب اليمن وقد كان أخوه يستنجده إلى الجهاد بالساحل إلى الإفرنج،
ومن القصيدة: ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه … فما يساوي إذا قايسته عدنا وإن أردت جهادا فادن سيفك من … قوم أضاعوا فروض الله والسننا طهر بسيفك بيت الله من دنس … وما أحاط به من خسة وخنا ولا تقل إنهم أولاد فاطمة … لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا فلما نظم هذه القصيدة رآى في النوم فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته: حاشا بني فاطمة كلهم … من خسة تعرض أو من خنا وإنما الأيام في غدرها … وفعلها السوءى أساءت بنا فتب إلى الله فمن يقترف … إثما بنا يا من مما جنى أإن أسا من ولدي واحدٌ … يجعل كل السب عمدا لنا فاكْرم لِعَيْن المصطفى أحمد … ولا تهن من آله أعينا فكل ما نالك منهم غدا … تلقى به في الحشر منا منى قال أبو المحاسن: فانتبهت من نومي مرعوبا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت الأبيات وحفظتها وتبت إلى الله تعالى، وقطعت تلك القصيدة وقلت: عذرا إلى بنت نبي الهدى … تصفح عن ذنب محب جنى وتوبة يقبلها من أخ … مقالة توقعه في العنا والله لو قطعني واحد … منهم بسيف البغى أو بالقنا لم أر ما يفعله سيئا … بل أنه في الفعل قد أحسنا السادس: مما يطلب لأهل البيت الآداب والأخلاق والهمم العلية،
فمن ذلك بذل الهمة في تحصيل العلوم الشرعية خصوصا الكتاب العزيز والسنة النبوية؟ لأن أولى الناس بذلك أهل البيت، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك فإن العلوم الشرعية ما ظهرت إلا من عنصر بيتهم الشريف، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، ومما يطلب منهم تطهير القلب من كل دنس وغل وحسد وخلق ذميم وسوء عقيدة فإنها من خبائث القلب، قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }، فبذلك يحصل التهيؤ لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائقه وغوامض حقائقه، ولا بد من حسن النية في طلب العلم بأن يقصد بذلك امتثال أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإحياء الشريعة والدخول في سلسلة العلم المنتهية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتم له بذلك حصول النسبتين وأن يعد في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه وتنوير قلبه، وإياك أن تقصد بالعلم الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال وغير ذلك، فيحبط عملك ويكسف نور علمك ويضيع تعبك وتكون ممن لم ينفعه الله تعالى بعلمه، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع،
ومن المطالب في حقهم أيضا اجتناب كل ما يستقبح شرعا،
فإن القبيح الصادر من أهل البيت أقبح منه من غيرهم، ولله در القائل: العيب في الجاهل المغمور مغمور … وعيب ذي الشرف المذكور منكور كفوفة الظفر تخفى من حقارتها …
ومثلها في سواد العين مشهور وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور
ويكره سفسافها (١) )، قوله معالي الأمور هي الأخلاق المحمودة، كالتواضع والصبر وسلامه الصدر والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال،
وقوله: ويكره سفسافها أي دنيها من الأخلاق المذمومة، كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال، انظر المحلى عند قول ابن السبكي: وذو النفس الأبية يربأ بها عن سفساف الأمور ويجنح إلى معاليهاة وقال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. انتهى. وأولى الخلق بذلك أكمل البيت النبوي لكريم مجدهم، ولشريف نسبهم، ولتكون حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم محفوظة، حتى لا ينطق بذمّهم لسان ولا يشنأهم إنسان، رأولى الناس بالمروءة من كانت له بنوة النبوءة، ومنها أيضا ترك الفخر بالآباء وعدم التعويل عليهم، فقد قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يسئلكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة إلا عن أعمالكم إن أكرمكم عند الله أتقيكم (٢) )،
وعنه صلى الله عليه وسلم: (الناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله عز وجل (٣) )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (خيركم عند الله أتقيكم (٤) )،
وقال عليه الصلاة والسلام: (الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله (٥) ) إن الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }،
وقال صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٦) )،
وقال عليد السلام: (إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر بعضكم على بعض )، ومنها أيضا اجتناب الدخول في الولاية الدنيوية والتعرض لطلبها.
قال في الوصلة الزلفى. وفيها أن حديث (إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار (٢) ) خاص للحسن والحسين نقله عن محمد الجواد بن علي الرضى. ومنها أيضا سلوك طرائق سلفهم في التواضع والحلم والصبر على الأذى ذاكرين قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }، ومنها أيضا الإعراض عن الدنيا وزينتها لأن ذلك دأبه عليه الصلاة والسلام. ونقل في الوصلة الزلفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فأتى بيت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت تهيأت ولبست مسكتين من ورق وقلادة وقرطين وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف أصحابه على الباب لا يدرون أيقيمون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رآى من المسكتين والقلادة والستر فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها، ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت للرسول: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله.
وذكر الراوي أنه قام فدخل عليها. ومنها أيضا وهو أعظمها مقابلة المسيء بالإحسان، كما روى عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه كان خارجا يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل ثم أقبل عليه فقال: ستر عليك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ورجع إلى نفسه فألقى إليه علي خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنك من أولاد الرسول.
ومنها أيضا تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم،
وإن كان عاما ففي حق أهل البيت أوكد لأنهم خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من حفظني في أصحابي ورد عليَّ الحوض،
ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد عليَّ الحوض، ولم يرني إلا من بعيد، فأحق الناس بتعظيمهم أهل البيت النبوي لما فيه من امتثال وصية مشرفهم صلى الله عليه وسلم وتعظيمه مع الاقتداء بصالح سلفهم والاهتداء بهديهم. فالحذر الحذر مما ينقله الرافضة عنهم مما يخالف فذلك كله مختلق عليهم: وإنما المأثور عن سلف صالحي أهل البيت إنما هو تعظيم الصحابة، وقد أفسد كثير من الرافضة عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم لهم كمال المحبة والتعظيم، فمالوا إلى تقليدهم حتى إنه قد اشتهر مصداق ما قاله بعضهم: أعز الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم ضررهم عليهم أولا وءاخرا.
ومنها أيضا معاملتهم لأمة مشرفهم بمكارم الأخلاق وطلاقة الوجه وإفشاء السلام ومزيد الإكرام ورفقهم بهم في الكلام وترك التعاظم على آحادهم وإحسان الظن بهم كما كان عليه أئمة سلفهم، ويخصون بمزيد الإكرام المتمسكين بسنة مشرفهم صلى الله عليه وسلم. ومنها أيضا أن يكون لهم بل ولجميع الأمة غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه حتى لا ينتسب إليه صلى الله عليه وسلم أحد إلا بحق، كما جرى عليه السلف الكرام، ولم تزل أنسابهم والحمد لله مضبوطة على توالي الأيام، قد قيض الله لهم من يقوم بتصحيح ذلك في كل زمان من علماء الأمة،
مع أن وسامة وجوههم لائحة ونفحات طيب عرفهم فائحة: ومن يقل للمسك أين الشذى … كذبه في الحال من شمه هذا والاستفاضة يثبت بها النسب المصون،
ومن انتسب إلى غير آبائه فهو ملعون، ففي صحيح البخاري عند صلى الله عليه وسلم: (من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١) ) والأحاديث في هذا كثيرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.