أوفلان من أهل الجنة
الشروح عليها
(أَوْ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَوْ أَهْلِ النَّارِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقْطَعْ بِذَلِكَ كَالْعَشَرَةِ الْكِرَامِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَأَبِي جَهْلٍ وَفِرْعَوْنَ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِيمَانِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ أَوْ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) قَالَ ح لَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَلَا مَآلًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ فَالْأَنْسَبُ ذِكْرُهُ هُنَاكَ ثُمَّ مَحَلُّ الْحِنْثِ مَا لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيَكُونُ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ يُقْطَعْ بِذَلِكَ) أَيْ بِأَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ أَوْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي أَبِي لَهَبٍ
(قَوْلُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِيمَانِهِ) أَيْ بِإِيمَانِ فِرْعَوْنَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} وَرُدَّ بِأَنَّ تَوْبَةَ الْكَافِرِ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ لَا تُقْبَلُ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (أَوْ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ش: لَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَيُعْلَمُ مَآلًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَمَآلًا كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرُهُ هُنَاكَ (فَرُوعٌ. الْأَوَّلُ)
قَالَ فِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ،
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إنَّهَا طَالِقٌ سَاعَتَهُ إذْ
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ الْجَنَّةَ مِثْلُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَاوَى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ يَحْلِفَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ
وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ حَتْمًا،
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ وَلَا يَخْلُو الْحَالِفُ عَلَى هَذَا مِنْ أَنْ يُرِيدَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يُخَلَّدُونَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ
فَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ النَّارَ فَتَعْجِيلُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ وَذَكَرَ وَجْهَ ظُهُورِهِ ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا الْوَجْهِ
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ الَّذِينَ لَا يُخَلَّدُونَ فَالْمَعْنَى فِي يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِ فَالْحَالِفُ عَلَى هَذَا حَالِفٌ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الثُّبُوتِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ حَالِفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا أَيْضًا
وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ يَمِينَهُ تُحْمَلُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيُعَجَّلُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَيُحْمَلَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيُعَجَّلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيُحْمَلَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الْجَنَّةَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَوْلُ اللَّيْثِ وَابْنِ وَهْبٍ بِنَاءً عَلَى حَمْلِ قَوْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَلَا يَتَأَوَّلُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا حَمَلَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُوجِبَا طَلَاقَهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ إلَى الْإِرْجَاءِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ ابْنَ سَحْنُونٍ يَقُولُ: إخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ إيمَانِ نَفْسِهِ جَزْمٌ فَقَطْ وَابْنُ عَبْدُوسٍ يُجِيزُ تَقْيِيدَهُ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْإِخْبَارِ عَمَّنْ سَمِعَ لَفْظَ إيمَانِهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ مُطْلَقًا أَوْ بِقَيْدِ قَوْلِهِ إنْ وَافَقَتْ سَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ قَوْلًا ابْنُ التَّبَّانِ وَالشَّيْخُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ مَسْأَلَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي جَامِعِ الْمُخْتَصَرِ قِيلَ لِمَالِكٍ أَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ وَاَللَّهُ مَحْمُودٌ أَوْ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ: قُلْ مُؤْمِنٌ وَلَا تَقُلْ مَعَهَا غَيْرَهَا مَعْنَاهُ لَا تَقُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: يَجُوزُ إنْ شَاءَ اللَّهُ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزْمُ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ،
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِ وُجُوهٍ
إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُسْتَقْبَلَ وَهُوَ مَجْهُولٌ حُصُولُ الْإِيمَانِ فِيهِ أَوْ يُرِيدَ يَقَعُ الْإِيمَانُ الْحَاضِرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحُصُولِ أَوْ يَكُونُ لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلتَّعْلِيقِ، انْتَهَى.
الثَّانِي، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ: وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ عَمَّنِ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا يَمُوتُ إلَّا عَلَى الْإِسْلَامِ إدْلَالًا عَلَى كَرَمِ الْكَرِيمِ هَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا جَوَابُهَا إذَا كَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَعْدَ إيمَانِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ إسْلَامِهِ فَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إسْلَامِهِ الْبُرْزُلِيُّ وَسَكَتَ عَنْ مُرَادِهِ إنْ قَصَدَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ أَوْ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَعِنْدِي أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
وَالْمَشْهُورُ الْحِنْثُ وَقِيلَ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وَيَثْبُتَ لَهُ دَلِيلٌ بِالْأَحَادِيثِ مِثْلُ حَلِفِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْحِنْثُ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَالَتِهِ وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّصَوُّفِ أَنَّ بَعْضَ أُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ حَلَفَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَاسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ فَأَفْتَوْهُ بِالْحِنْثِ إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ لَهُ: عَرَضَ لَكَ مَعْصِيَةٌ قَطُّ وَتَرَكْتُهَا لِوَجْهِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ وَاعَدْتُ امْرَأَةً لِأَفْعَلَ بِهَا فَلَمَّا تَحَصَّلَتْ لِي وَهَمَمْتُ بِالْفِعْلِ خِفْتُ مِنْ اللَّهِ وَتَرَكْتُ شَهْوَتِي، فَقَالَ: لَا حِنْثَ عَلَيْكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} وَرَأَيْتُ فِيهِ أَيْضًا فِي رَجُلٍ صَعَدَ لِشَجَرَةٍ عُرْيَانًا فَحَلَفَ آخَرُ أَنَّكَ لَا تَنْزِلُ إلَّا مَسْتُورًا وَلَا يَمُدُّ أَحَدٌ إلَيْك لِبَاسًا فَأَفْتَوْهُ بِالْحِنْثِ إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ لَهُ: انْزِلْ بِاللَّيْلِ وَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} اهـ.
(قُلْت) وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ ظَوَاهِرَ الْأَلْفَاظِ لَا الْمَقَاصِدَ وَالْآتِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حِنْثُهُ إلَّا أَنْ يَدُلَّ سِيَاقٌ عَلَى مَا قَالَ: وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا حَلَفَ أَنَّ الْحَجَّاجَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَفْتَاهُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ،
وَقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا حَانِثًا فَجِنَايَتُهُ أَقَلُّ مِنْ جِنَايَةِ الْحَجَّاجِ وَمَعَ ذَلِكَ رُجِيَ لَهُ النَّجَاةُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ وَافَقَ وَنَزَلَتْ قَضِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِالثَّلَاثِ أَنَّ تَبَارَكَ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْهُ فَاسْتَفْتَى بَعْضَ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا مَظْنُونٌ وَقُلْتُ أَنَا لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَنَّهَا تُجَادِلُ عَنْهُ وَهَذَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ وَنَصَّ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْآحَادِ قَطْعِيٌّ
بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَخَبَرُ الْآحَادِ مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ثَبَتَ فِي الْمُوَطَّإِ وَحَكَى فِي الْمَدَارِكِ عَنْ بَعْضِ عُدُولِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْإِنْسَانُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَلَبَةِ الظُّنُونِ وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا وَكَيْفَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهَا فَأَجَبْتُهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ وَصْفُ الصُّحْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِ مَا قِيلَ فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمُلَازَمَةِ لِقِرَاءَتِهَا وَتَحْصِيلِ مَا أَوْجَبَ ثُلُوجَ صَدْرِهِ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَفْتٍ
وَكَذَا وَقَعَ السُّؤَالُ هَلْ الْحَجَّاجُ أَعْظَمُ مَعْصِيَةً مِنْ الزَّمَخْشَرِيِّ أَوْ بِالْعَكْسِ فَوَقَعَ الْجَوَابُ أَنَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ يَقُودُ إلَى الْكُفْرِ فَهُوَ أَعْظَمُ وَإِنْ قُلْنَا يَقُودُ إلَى الْفِسْقِ فَيَقَعُ التَّرَدُّدُ فِي التَّرْجِيحِ لِأَنَّ مَعْصِيَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَعْصِيَةَ الْحَجَّاجِ بِالْجَوَارِحِ لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذَنْبٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ وَهُوَ مَظَالِمُ الْعِبَادِ وَذَنْبٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ خَالِقِهِ وَذَنْبٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ مَقَالٌ ذَكَرَهُ عِزُّ الدِّينِ وَكَانَ يَتَقَدَّمُ التَّرْجِيحُ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَعْظَمُ جُرْمًا لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إيمَانِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخِيَرَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَنَصُّهُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَبِي بَكْرٍ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الصَّلْتِ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ،
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا ارْتِيَابَ فِي أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْعَشَرَةِ أَصْحَابِ حِرَاءَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ
وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَوَقَّفَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَحْنِيثِ مَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ،
وَقَالَ: هُوَ إمَامُ هُدًى وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ «إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ» وَقَوْلِهِ «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بِشَرٍّ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» وَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ لِقَوْلِهِ «لَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ الْمَدَارِكِ فِيمَنْ حَلَفَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْمُوَطَّإِ صَحِيحٌ أَنَّهُ غَيْرُ حَانِثٍ ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهَا أَيْضًا،
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ الْمُذَهَّبِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمُوَطَّإِ وَثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَحَادِيثِ الْمُوَطَّإِ الَّتِي فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهَا صِحَاحٌ كُلُّهَا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى حَدِيثٍ غَيْرِهِ كَانَ حَانِثًا، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنَا وَاَللَّهِ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْك وَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ: أَرَاهُ حَانِثًا قِيلَ لَهُ
فَلَوْ قَالَ لَهُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْكَ وَأَشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنْكَ، قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عُرِفَ فَضْلُهُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ فَهُوَ حَانِثٌ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فِسْقًا بَيِّنًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْبٍ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ حَانِثٌ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ عُرِفَ فَضْلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَيْ مَنْ قَدْ عُرِفَ فَضْلُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنَا أَتْقَى لِلَّهِ مِنْكَ وَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَقَوْلُهُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ شُهِرَتْ فَضَائِلُهُمْ وَعُلِمَتْ مَنَاقِبُهُمْ.
وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ فُلَانًا لِرَجُلٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَتْقَى لِلَّهِ وَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ مَعْلُومٍ بِالْخَيْرِ لَحَنِثَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْجَبُ النَّاسِ إيمَانًا قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ بَعْدِي وَيُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي وَيُصَدِّقُونِي وَلَمْ يَرَوْنِي أُولَئِكَ إخْوَانِي» .
وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضٍ لَحَنِثَ إلَّا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِلْإِجْمَاعِ الْحَاصِلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِثْلُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ فُلَانًا يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ يَعْنِي بِهِ شَخْصًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ وَلَا يُقَالُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ كُلِّ شَخْصٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)
. ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا ارْتِيَابَ فِي أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْعَشَرَةِ أَصْحَابِ حِرَاءٍ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ،
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي تَخْفِيفِ مَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَالَ: هُوَ إمَامُ هُدًى وَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ يَقْطَع الْعُذْرَ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهَا طَالِقٌ سَاعَتَئِذٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ الْجَنَّةَ عِنْدِي مِثْلُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إنْ أَرَادَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ فَتَعْجِيلُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ بَيِّنٌ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ إذْ لَا يُعْصَمُ مِنْهَا إلَّا الْأَنْبِيَاءُ، فَالْحَالِفُ عَلَى هَذَا حَالِفٌ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي هَلْ يُغْفَرُ لَهُ فَهُوَ حَالِفٌ عَلَى غَيْبٍ،
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ فَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى أَنْ يَثْبُتَ عَلَى السَّلَامَةِ فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يُقِيمَ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ حَتَّى يَمُوتَ.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنَا وَاَللَّهِ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْك وَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَإِلَّا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ: أَرَاهُ حَانِثًا. الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْغُبْرِينِيُّ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَمُوتُ إلَّا عَلَى الْإِسْلَامِ إدْلَالًا عَلَى كَرَمِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَحَلَفَ بَعْضُ أُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَأَفْتَوْهُ بِالْحِنْثِ إلَّا وَاحِدٌ قَالَ لَهُ: تَرَكْتَ قَطُّ مَعْصِيَةً لِوَجْهِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا حِنْثَ عَلَيْك قَالَ سُبْحَانُهُ
(ص) أَوْ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُنَجَّرُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إذَا قَالَ: إنْ كَانَ فُلَانٌ أَوْ أَنَا أَوْ أَنْتِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إنْ كَانَ أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا فِي غَيْرِ مَنْ ثَبَتَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَالْعَشَرَةِ وَكُلِّ مَنْ أُخْبِرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْإِجْمَاعُ بِعَدَالَتِهِ وَصَلَاحِهِ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حِنْثَ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ وَرَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا حِنْثَ عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى صِحَّةِ جَمِيعِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحِنْثِ بَيْنَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْحِنْثَ فِي الْأَوَّلِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَعَدَمَهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حُمِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيَحْنَثُ فِيهِمَا
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ " إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ " مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ عَلَى الثَّانِي فَلَا يَحْنَثُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا لَهُ بِالنَّارِ كَأَبِي لَهَبٍ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ مَا يُوَافِقُهَا فِي الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ هَذِهِ وَمَا يُوَافِقُهَا فِي الْمَعْنَى هِيَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا تَقْيِيدُ التَّوْضِيحِ
(قَوْلُهُ: ابْنِ سَلَامٍ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ
(قَوْلُهُ: مَنْ شَهِدَ لَهُ الْإِجْمَاعُ إلَخْ) أَيْ وَالْإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ
(قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ) أَيْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ) أَيْ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بَلْ كَذَلِكَ كُتُبُ الصَّحِيحِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَيْ لَوْ حَلَفَ أَنَّ مَا فِيهَا صَحِيحٌ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْعُلَمَاءُ وَحَكَمُوا بِضَعْفِهِ وَالْمُرَادُ بِالصَّحِيحِ مَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ
وَأَمَّا مَا فِي الْمُوَطَّأِ فَكُلُّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَجْعَلْ فِيهَا إلَّا مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِتَضْعِيفِ غَيْرِهِ لَوْ ضَعَّفَ
(قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحِنْثِ) أَيْ
بِخِلَافِ ابْنِ وَهْبٍ يَقُولُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ مُوَافِقًا لِلَّيْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}
(قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ إلَخْ) بَعِيدٌ
وَالْأَظْهَرُ إبْقَاءُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى إطْلَاقِهِ
(قَوْلُهُ: فَيَحْنَثُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْأُولَى وَهُمَا إذَا أَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ
(قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ سَالِمٍ وَقَوْلُهُ: انْتَهَى أَيْ كَلَامُ الشَّيْخِ سَالِمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسَبَهُ لَهُ أَوَّلًا
(قَوْلُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ) أَيْ الْحَالِفِ.
(مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَوْ النَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ كَالْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمْ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَبِي لَهَبٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فِي التَّوْضِيحِ هَذَا فِي غَيْرِ مَنْ ثَبَتَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَالْعَشَرَةِ وَكُلِّ مَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمَنْ شَهِدَ الْإِجْمَاعُ بِعَدَالَتِهِ وَصَلَاحِهِ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "،
وَقَالَ هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ إمَامُ هُدًى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَرَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ عِيسَى رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهِيَ طَالِقٌ هِيَ طَالِقٌ سَاعَتَئِذٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ
وَمِثْلُهُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَهُمَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمَبْسُوطَةِ إنْ حَلَفَ عَلَيْهِ حَتْمًا.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ.
فَإِنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ فَتَعْجِيلُ طَلَاقِهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْلَمُ مِنْ الذُّنُوبِ وَلَمْ يُعْصَمْ مِنْهَا إلَّا نَبِيٌّ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى غَيْبٍ،
وَإِنْ نَوَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ الَّذِينَ لَا يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ فَمَعْنَى يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَعْدَ إيمَانِهِ وَيَثْبُتُ عَلَيْهِ لِمَوْتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيُقِيمَنَّ بِهَذَا الْبَلَدِ حَتَّى يَمُوتَ لَا يَنْبَغِي فِيهِ خِلَافٌ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَظَاهِرُهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الْجَنَّةَ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ وَسَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
وَكَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنُ رُشْدٍ وَسَائِرُ الْعَشَرَةِ،
وَكَذَا مَنْ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَوَقَفَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي تَحْنِيثِ مَنْ حَلَفَ بِذَلِكَ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ إمَامُ هُدًى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ فِيهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» .
. الْحَدِيثَ وَشَبَهَهُ، وَحَصَلَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ، ثُمَّ قَالَ قُلْتُ فَفِي وُقُوعِ طَلَاقِ الْحَالِفِ عَلَى الْجَزْمِ بِمُغَيَّبٍ يَبِينُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَفْسِ أَوْ إنْ كُنْت حَامِلًا، أَوْ لَمْ تَكُونِي. وَحُمِلَتْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ وَاخْتَارَهُ مَعَ الْعَزْلِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ إطْلَاعُنَا عَلَيْهِ كَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ الْمَلَائِكَةُ؛ أَوْ الْجِنُّ [منح الجليل] حَلِفِهِ أَوْ بِالْحُكْمِ. ثَالِثُهَا يُؤَخَّرُ لِبَيَانِهِ. وَرَابِعُهَا هَذَا إنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ كَقَوْلِهِ إنْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ غَدًا فَانْظُرْهُ.
من أهل الجنة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن كان فلان أو إن لم يكن فلان من أهل الجنة فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق،
وكذا إن كان أو إن لم يكن فلان من أهل النار فأنت طالق،
وكذا الحكم لو قال إن كنت أنا أو أنت من أهل الجنة أو النار فأنت طالق وليس هذا من أمثلة ما لا يعلم حالا ويعلم مئالا، وإنما هو من أمثلة ما لا يعلم حالا ولا مئالا فالأنسب ذكره عقب، قوله: "أو لم يمكن اطلاعنا عليه". واعلم أن كلام المص محله فيمن لا يقطع بأنه من أهل الجنة كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وفيمن لم يقطع بأنه من أهل النار كأبي لهب وأبي جهل،
فلو قال لها أنت طالق إن كان عبد الله بن سلام من أهل النار لم يطلق عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة،
ومن قال لها أنت طالق إن كان أبو لهب من أهل الجنة لم تطلق عليه، ومثل العشرة رضوان الله عليهم في ذلك من شهد الإجماع بعدالته وصلاحه كعمر بن عبد العزيز رحمه الله،
فإذا قال لها أنت طالق إن لم يكن عمر بن عبد العزيز من أهل الجنة لم تطلق عليه. قاله ابن القاسم. وتوقف فيه الإمام مالك،
وقال هو رجل صالح ولم يزد على ذلك، ورجح ابن رشد قول ابن القاسم ولا حنث على من حلف على صحة أحاديث الموطإ،
وأما من حلف على صحة جميع ما في الموطإ ففي الحطاب عن البرزلي عن المدارك أن من حلف أن كل ما في الموطإ صحيح غير حانث. انتهى. وهو خلاف ما قال الشيخ محمد بن الحسن إن هذا مما يقطع بعدم صحته، وأنه لا بد من حنثه لكثرة ما اشتمل عليه الموطأ من المراسيل ومن الفروع الاجتهادية. انتهى. وقوله: هذا لخ أي كونه غير حانث، قاله جامعه عفا الله عنه. وقوله: "أو فلان من أهل الجنة" لا فرق في الحنث في ذلك بين أن يحلف أنه من أحل الجنة أو ليدخلن الجنة ولا تعتبر في ذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بأنه من أهل الجنة أو النار،
وإن كانت رؤيته حقا لأن الأحكام الشرعية لا تنبني على المنام؛ وظاهر قوله: "أو فلان من أهل الجنة"
ولو قال إن شاء الله،
وفي جواز قول الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله وعليه الشافعي والأشعري ومنعه وهو لمالك وأبي حنيفة خلاف، ومحله ما لم يرد التبرك وإلا جاز قطعا أو الشك وإلا منع قطعا، ونظم الشيخ علي الأجهوري هذه المسألة فقال: من قال إني مؤمن يمنع من … مقاله إن شاء ربي يا فطن وذا لمالك وبعض تابعيه … يوجب أن يذكر هذا يا نبيه ونحو ما لمالك للحنفي … والشافعي جوز هذا فاعرف ومنعه إجماعا إن أراد به … الشك في إيمانه يا منتبه كعدم المنع إذا به يراد … تبرك بذكر خالق العباد فالخلف حيث لم يرد شكا ولا … تبركا فكن بذا محتفلا وقوله: وبعض تابعيه أشار به إلى قول ابن عبدوس: يجب تقييده بإن شاء الله والله تعالى أعلم.
انظر الأجهوري. وقوله: "أو فلان من أهل الجنة" ابن رشد: لا يخلو الحالف على هذا من أن يريد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار فتعجيل الطلاق عليه بَيِّنٌ ظاهر، ولا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه، وأم أن يريد أنه من الذين لا يخلدون فالمعنى في يمينه أنه لا يكفر بعد إيمانه فالحالف على هذا حالف على ما أقر به من الثبوت على الإسلام، فهذا بين أنه لا شيء عليه لأنه إنما حلف على أن لا يكفر فلا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه أيضا،
وأما إن لم تكن له نية فالظاهر من مذهب ملك وابن القاسم أن يمينه على الوجه الأول، فيعجل عليه الطلاق ويحمل قوله إن لم أدخل الجنة على الوجه الثاني فلا يكون عليه شيء. انتهى. وحلف بالطلاق رجل أن الحجاج في النار فاستفتى طاووس، فقال يغفر الله لمن يشاء وما أظنها إلا طلقت، فاستفتى الحسن البصري فقال اذهب إلى زوجتك وكن معها فإن لم يكن الحجاج في النار فلا يضرُّ كما أنكما في الحرام، واستظهر الحطاب عدم حنث من حلف أن سورة الملك تجادل عنه، وقد لازمها (لصحة الحديث (١) ) انتهى.
ومن حلف بالطلاق لا يموت إلا على الإسلام اتكالا على كرم الكريم،
فإن كان مراده أنه لا ينتقل من إيمانه فهذا بين أنه لا شيء عليه،
وإن قصد حسن الخاتمة ودخول الجنة جرى على مسألة من حلف أنه من أهل الجنة
والمشهور الحنث، وقيل لا حنث، وقوله: "الجنة" اعلم أن الجنة لغة البستان وجمعها جنان سمي بذلك لأنه يجن أي يواري،
وفي الشرع هي الدار المشتملة على نعيم المؤمنين في الآخرة قال الثعالبي رحمه الله: قد وصف الله الجنان، في كتابه وصفا يقوم مقام العيان، لمن نور الله قلبه بالإيمان، وأكثر ذلك في الطور والدخان، وسورة الواقعة والرحمن، وهل أتيك حديث الغاشية وسورة الإنسان، وبين ذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأوضح بيان، فلنذكر من ذلك ما تيسر من الأحاديث الصحيحة والحسان، وما يقرب من ذلك مما أورده السلف الصالح أهل العرفان.
قال المحاسبي رحمه الله تعالى: فإن كنت ممن عفا عنك مولاك فتوهم نفسك ومرورك على الصراط ونورك يسعى بين يديك وكتابك في يمينك وقد ابيض وجهك وأنت مع زمرة الفائزين، وأنت تنادي معهم ربنا أتمم لنا نورنا فتوهم ممرك عليه على قدر خفة أوزارك، حتى إذا جزته وخلفته وراء ظهرك التفَتَّ إليه ونظرت وقد اشتد اضطرابه والخلائق من فوقه وجهنم من تحته تثب وتزفر على من زل فيها فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ما نجاك الله سبحانه منه، ثم خطوت آمنا إلى الجنة وقد ملئت سرورا إذا وافيت الجنة بغبار قبرك فنظرت إلى العينين اللتين أعدهما الله تعالى لأوليائه فاغتسلت في إحداهما فوجدت بردا أذهب عنك كرب حر المقام، فتوهم فرحة قلبك لما باشر من برد مائها بدنك وجسمك ازداد بهجة ونضرة ونعيما ثم تخرج منها في أحسن صورة وأتم نور وأنت موقن بأنك إنما تنظر الدخول إلى جوار ربك الكريم الرحيم، ثم شربت من العين الأخرى فتطهر جوفك من كل غل وحسد فنقي ووجدت طعم شراب لم تجد مثله قط فطار قلبك فرحا وسرورا لما وجدت من لذته ووجدت لذة طهارة قلبك من الغل والهم والحزن؛
ثم أمر مولانا سبحانه الخزنة أن يفتحوا أبواب الجنان لأوليائه فلما فتحت أبوابها فاح منها طيب نسيم الجنان من أنواع الزعفران والكافور والسك والعنبر فنظرت إلى حسن قصورها وحسن بنائها بطرائف الزمرد والياقوت والدر والزبرجد. فتوهم نفسك وأنت في هذه الحالة وقد سلمت عليك الخزنة وهم يقولون: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فتوهم نفسك حسن كلامهم وحسن تسليمهم فلما سمعت ذلك كاد قلبك أن يطير فرحا وقد ازدحمت علي باب الجنة مسرورا مع مسرورين مبادرا مع مبادرين بأبدان قد طهرت ووجوه قد أشرقت فبينما أنت تتخطى في أعراض الجنان ورياض الغفران وكثبان المسك إذ نودي في أزواجك وخدمك وولدانك وقهارمتك وغلمانك ألا إن فلانا قد أقبل فأجلبوا وتبششوا لقدومك قد استحق أزواجك العجلة فبعثت كل واحدة منهن رسولا لينظر إليك ويسرع الرجعة إليها، فلما أخبرها بقدومك قالت لرسولها أنت رأيته لشدة فرحها بك وقد كاد الشوق أن يستخفها فتخرج إليك لولا أنهن قصرن في الخيام كما قال الله تبارك وتعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن وأشرفن برؤوسهن متطلعات ينظرن صفحة وجهك أن يبدو لهن، فبينما أنت تمشي في كثبان المسك ورياض الزعفران وأنت تنظر إلى قصورك ومنازلك إذ استقبلك بعض قهارمتك فأعظمت شأنه وظننت أنه من ملئكة ربك فقال لك: يا ولي الله أنا من قهارمتك ولك مثلي سبعون ألفا ثم أقبلت عليك قهارمتك بالتسليم والتعظيم ثم اتبعتهم الوصفان والخدم كأنهن اللؤلؤ المكنون فسلموا عليك ثم أقبل بين يديك قهارمتك وخدمك يزفونك إلى قصرك وما أعد الله لك فلما دخلت قصرك وثبن أزواجك مستعجلات قد استخفهن الطرب والشوق إلى رؤيتك فيا حسن تلك الأبدان الرخمة والشكل العجيب والوجوه الناعمة يرفلن في الحلى والحلل.
فتوهم نفسك بجمالها مسرعة إليك بكمال بدنها نازلة عن سريرها إلى صحن قبتها قد امتلأت بقدومك فرحا وسرورا وقد هاج شوقك حين عاينت تلك الوجوه في كمال تلك الأبدان ونعمة تلك الأجسام فبقيت كالمبهوت وقد أقبلن نحوك يزهين في السندس والحرير شوقا إلى لقائك بأبدان قد خلقت من المسك والكافور، فلما وضعت يدها مسلمة عليك وجدت لين مجسة كفها فكاد عقلك أن يزول فرحا ثم مضيت إليها وضمتك إلى جسمها الرخيم ثم عانقتك فعرفت أثر السرور ثم تتابعن عليك بمثل ذلك وأحدقن بك فتكامل السرور في قلبك وعمت لذة الفرح جميع بدنك وذكرت عند ذلك صدق موعد ربك فناديت بالحمد لمولاك، وقلت الحمد لله الذي صدقنا وعده قال الله سبحانه: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} ثم نظرت إلى سريرك وارتفاعه وعليه فرش الحرير وبطائنها من إستبرق وقد علا ظواهرها النور وحسن الرفرف، ونظرت إلى حسن الحجلة فوق السرير إذا دنوتما منها تطأطأت لكما حتى إذا استويتما عليها رجعت إلى ارتفاعها فيا حسن منظرك إليها جالسة معك في حليها وحللها الأسورة في معاصمها والخواتم في أصابعها والخلاليل في ساقيها والوشاح على نهديها والقلائد في عنقها والإكليل من أنواع الجواهر على قصتها والتاج من فوق ذلك على رأسها والذوائب من تحت التاج قد خللن مناكبها وصارت إلى أردافها وأنت مقابلها ترى وجهك في نحرها وهي تنظر وجهها في نحرك وقد أحدق الولدان بقبتك وقام الوصفان بين يديك وقد تهدلت ثمار الأشجار من جوانب حجلتك واطردت الأنهار حول قصرك وجرت الجداول بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل في خيمتك وقد كمل حسنها مع حسنك وقد أشرق قصرك من نور وجهها وأنت تعاين من صفاء قصورك جميع أزواجك وخدمك وكل دانية وطربة في مقاصيرك ودورك وأنت جالس مع زوجتك وقد أرخيت عليك حجال خيمتك وسمعت صوت ولدانك بالتقديس لربك سبحانه وقد اطلعوا على ضمير قلبك فسارعوا إلى ما حدثتك به نفسك من أنواع ودك وكرامتك.
فأتوك بأمنيتك وقد تعاطيتما الخمر والسلسبيل والتسنيم في كؤس القوارير قوارير من فضة فما ظنك بك وأنت شاب أمرد قد أكمل خلقك ونور وجهك وأنت أخضر الثياب أصفر الحلى من ذهب الجنان يشوبه حمرة الياقوت وبياض الدر فأتتك عروس طفلة في جمال وجه وكمال تنظر إليك بغنج الحور وتكلمك بالملاحة وتلاعبك بالدلال بيدها كأس من در لا ظل له أو ياقوت وقد اجتمع في الكأس نور الشراب ونور وجهها مع نور وجهك فتوهم إلى هذه الأنواع في صفاء الكأس فمدت إليك يديها في أحسن تعاطيها كأسات الخمور في دار الأمن والسرور والولدان بين أيديكما تمر عليكما في ذلك حقب الدهور وما تشعران اشتغالا من قلوبكما بالنعيم الذي أنتما فيه.
فبينما أنتما فيه إذ هجمت عليكما الملائكة بالتحف من ربكما الكريم سبحانه فيستأذفون عليك حجبتك وقهارمتك فدخلوا عليك وأنت متكئ على أرائكك من كل باب سلام عليك يا ولي الله ربك سبحانه يقرئك السلام وقد أرسل إليك بهذه الهدايا والتحف فتوهم سرور قلبك وقد جاءتك التحف من ربك سبحانه وأنت مع زوجاتك إذا سمعت صوتا بأحسن نغمة وأحلى كلام من بعض أزواجك التي أعدهن الله لك يا ولي الله،
أما لنافيك من دولة أمالك أن تنظر إلينا فتجيبها حين وقع الصوت في مسامعك بحسن نغمتها من أنت بارك الله فيك فردت الجواب عليك أنا من اللواتي قال الله تعالى فيهن: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فوثبت إليها على سريرك والولدان بين يديك حتى أتيتها في قبتها وقد استخفها الشوق إليك حتى استقبلتك بالترحيب والتبجيل وصافحتك بالتعنيق والتقبيل فرأيت لين كفها وتلألؤ النور في عوارضها ونعيم جسمها وقد عانقتك على فراشها فمضت بكما الأزمنة لا تملك ولا تملها، فتوهم نفسك وقد وضعت الموائد وأتيتما بأنواع الطرائف من الثمار ثم أقبلت الولدان بالكؤوس والأكواب فأدرتموها سكبا فبينما أنت كذلك على ذلك الحال إذ نادتك أخرى من قصرها: يا ولي الله
أما لنا فيك من دولة فتجيبها أنت ومن أنت بارك الله فيك فردت عليك أنا من اللواتي قال الله تعالى فيهن: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} فترحلت وأنت تنتقل بين أزواجك وفي قصورك وخدمك وولدانك في غاية النعيم وقد زالت عنك الهموم فلا تخطر بقلبك وقد أمنت الموت فلا تخافه وأمنت السقم واطمأن بك المنزل فلا تشخص عنه أبدا. فأعظمْ بدار الله دارا وبجوار الله جوارا العرش يظلك والملائكة تختلف عليد بالهدايا من ربك سبحانه في حياة دائمة وسلامة راتبة، فتوهم نفسك وأنت جالس في ظل طوبى تتحدث مع أولياء الله سبحانه إذ نادى مناد يا أولياء الله إن الله يأمركم أن تزوروه فزوروه ثم أقبلت الملائكة يقودون نجائب من الياقوت مزمومة بسلاسل الذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا نجبا من غير رياضة ذللا من غير صعوبة فركبوها مسرعين إلى زيارة مولاهم وخالقهم فتوهم نفسك وأنت راكب تسير معهم في كثبان المسك ورياض الزعفران صفا واحدا معتدلا موكبا لا عوج فيه فأعظم به من موكب لا يتقدم بعضه بعضا على رءوسهم التيجان الزهرة على الوجوه النضرة،
فلو توهمت ذلك على حقيقته وزهقت نفسك لكنت بذلك حقيقا فتوهم تلك النجائب وهي تثير بأخفافها المسك وقد دنت منهم الأشجار بثمارها وهي في أكفهم وهم يسيرون على نجائبهم وقد تعلقت قلوبهم بسيدهم والملائكة تزفهم زمرا إلى ربهم حتى ينتهوا بهم إلى صفحة العرش وقد وضعت لهم الزرابي والنمارق والمنابر والكراسي، فأعظم به من منزل كريم وفضل عظيم من رب رحيم. فلما أخذوا مجالسهم واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعدهم الله به في القرب منه سبحانه على قدر منازلهم عنده فتوهم نفسك بقلب فارغ وعقل جامع لعلك أن تنال تلك الرحمة وتوهم الزور وقد وضعت لهم الموائد وقامت الملائكة على رءوسهم فوضعت الصحائف من الذهب فيها ألوان الأطعمة فمدوا أيديهم وأكلوا فرحين مستبشرين حتى إذا فرغوا من أكلهم قال الجليل جل جلاله لملائكته: اسقوا عبادي وأولياءي فيسقون من الرحيق شاع نوره في وجوههم ثم يقول جل جلاله: اكسوا عبادي وأحباءي فتأتيهم الملائكة بأنواع الحلل فيلبسونها ثم يقول لهم جل جلاله: طيبوا عبادي وأصفياءي فترتفع عليهم سحائب تنشر عليهم المسك فإذا أكلوا وشربوا ولبسوا وتطيبوا تعلقت قلوبهم برؤية ربهم سبحانه فيرونه عيانا من غير تكييف ولا تشبيه ويكلمهم ويقول لهم: السلام عليكم يا عبادي كيف وجدتم وعدي؟
فيردون عليه: أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال والإكرام ثم يقول لهم: مرحبا بكم يا عبادي وزواري وخيرتي من خلقي الذين رعوا عهدي وحفظوا وصيتي وخافوني بالغيب وراقبوني فتمنوا يا عبادي ما شئتم
فلو رأيتهم وقد سمعوا كلام ربهم وقد دخل قلوبهم السرور وقد بلغوا غاية الكرامة ومنتهى الرضى والغبطة، فما ظنك بنظرهم إلى العزيز العظيم الذي لا تقع عليه الأوهام ولا تحيط به الأفهام ولا تحده القصور ولا تكيفه الفكر، الأزلي القديم الذي حارت العقول عن إدراكه وكلت الألسن عن صفاته المتعالي بجلاله عن سمات المخلوقين، فلما سر أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه ونعم قلوبهم بمناجاته أذن لهم بالانصراف إلى منازلهم وما أعد الله لهم من كرامته والنعيم في جنته، فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله عز وجل وسمعت كلامه كيف أضعف حسنها وزاد في جمالها ونورها فلما رجعوا إلى منازلهم وأزواجهم وقد ازداد بعضهم في أعين بعض حسنا وجمالا ورجعوا إلى نعيمهم ولذاتهم واشتاق بعضهم بعضا فركب بعضهم إلى بعض وتزاوروا على النجائب والتقوا على أنهار الجنان وعليها الثمار والحسان والزرابي والأرجوان، فجلسوا علي السرر وقامت الولدان بكؤوس الأكواب يغرفون من أنهار الخمر والسلسبيل والتسنيم فأعظم به من مجلس وأكرم بهم من منادمين في ظل طوبي يأكلون ويشربون ويتنعمون كما قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} فهم في الجنة منعمين تلك أجر العاملين وسرور المحزونين وثواب المتقين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين ورسول رب العالين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
انتهى كلام المحاسبي رحمه الله تعالى. انتهى كلام الثعالبي رحمه الله تعالى.
وقال الثعالبي رحمه الله: قلت: قال الحليمي: الجنة فوق السماوات دون العرش هي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء جعلنا الله من أهلها بفضله، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تتشقق الأنهار بعد ذلك (١) ) وهو حديث حسن صحيح. انتهى. وروى العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنهار الجنة تخرج من تحت قلال أو جبال مسك (٢) ).
انتهى. وفي الحديث: (أنهار الجنة تجري على غير أخدود) أي تجري في غير حفير. ونقل الثعالبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز وجل {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وروى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء ولا يبلغها غيرهم؟
قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين (٢) ). انتهى. وروى الترمذي الحكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} ، وقوله {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} ؛ قال: الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها قصر ولا وصل وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب المشرقي أو المغربي في السماء،
وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما. انتهى. وروى أبو نعيم في الحلية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من ملب يلبي إلا لبي عن يمينه وشماله من حجر ومدر أو شجر حتى تنقطع الأرض من ها هنا ومن ها هنا (٣) )،
(وإن أهل الدرجات العُلَى ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب في السماء (٤) ). انتهى. وروى الترمذي الحكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن المتحابين في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأسه سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظرَ إلى المتحابين في الله عز وجل،
فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل (٥) )، وروى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل لا يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن (٦) )، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء (١) ). وروى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؛
قال: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام (٢) ). انتهى وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله علطه وسلم قال: (ألا أخبركم بغرف الجنة؟ إن في الجنة غرفا من ألوان الجواهر) وعند الغزالي: (من أصناف الجواهر يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) ، وعند الغزالي: (فيها من النعيم واللذات والسرور) ؛
فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله لمن تلك الغرف؟ فقال: (لمن أفشى السلام وأدام الصيام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام) فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ فقال (أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه المسلم فسلم عليه فقد أفشى السلام،
ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام،
ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام؛
ومن صلى العشاء الأخيرة وصلاة الغداة فقد صلى والناس نيام، اليهود والنصارى والمجوس (٣) ).
وفي صحيح مسلم في حديث الإسراء قال: (ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك (٤) ) قال ابن الأعرابي: الجنابذ قباب اللؤلؤ وهي جمع جنبذة. قاله الثعالبي. ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة لغرفا ليس لها معاليق من فوقها ولا من تحتها، قيل يا رسول الله: وكيف يدخلها أهلها؟ قال يدخلونها أشباه الطير، قيل لمن هي يا رسول الله؟ قال لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى (٥) ) ونقل أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل كم للجنة من درجة (أنه قال: مائة درجة بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومعاليقها من فضة، والدرجة الثانية دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومعاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومعاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، وسبع وتسعون لا يعلم ما هي إلا الله سبحانه عز وجل ).
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (درج الجنة على عدد آي القرآن لكل آية درجة فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة عشرآية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض، فينتهي بها إلى أعلى عليين لها سبعون ألف ركن وهي ياقوتة تضيء مسيرة أيام وليالي (٢) )، وقالت عائشة رضي الله عنها إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل من قراء القرآن قال القرطبي: قال العلماء رحمة الله عليهم: حملة القرآن وقراؤهم العاملون به الواقفون على حدوده.
نقله الثعالبي. وقال: إن الجهاد يحصل مائة درجة، وقراءة القرآن تحصل جميع الدرجات،
وقال تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} ، قال صلى الله عليه وسلم (إنها قصر في الجنة من لؤلؤ في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور المعين،
وفي كل بيت مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام،
وفي كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة ويعطي الله تبارك وتعالى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك أجمع) . نقله الإمام الثعالبي. ونقل أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يبعث أهل الجنة على صورة آدم ثلاثة وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين، ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم (٣) ) وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أول زمرة من أمتي يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم المذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين
وفي رواية: لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا والألوة العود،
وفي رواية: أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم
وفي رواية على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء وقوله لكل واحد زوجتان يعني من الآدميات
وأما الحور غير الآدميات فكثيرات، قال القرطبي: روي مرفوعا أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، وروى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها (٢) ) وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السماوات والأرض،
ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم (٣) )، وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو لو أن امرأة اطلعت سوارها لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف الصورة؟ وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة لمجتمعا للحور المعين يرفعن بأصواتهن لم يسمع الخلائق مثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبئس ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له (٤) )، وقالت عائشة رضي الله عنها: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن ونحن الصائمات وما صمتن ونحن المتوضآت وما توضأتن ونحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن والله.
القرطبي: ذكر أن الآدميات في الجنة على سن واحد،
وأما الحور فعلى أصناف مصنفة صغار وكبار وعلى ما اشتهت أنفس أهل الجنة، وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع سوطه خير من الدنيا وما فيها،
ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا ولنصيفها على رأسها -يعني خمارها- خير من الدنيا وما فيها (٥) وقال الغزالي في الإحياء: إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء وأربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا،
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه من الحور العين ثنتان تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس، ليس بمزمار الشيطان ولكن بتحميد الله وتقديسه (١) ). وحدث سفيان عن عبد الله بن مسعود قال: يقتحم على أهل الجنة نور من قبائهم يكاد يخطف نور أبصارهم فنظروا فإذا نور من حوراء ضحكت في وجه وليها، وروى الترمذي الحكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما من عبد يصوم ويصلي يوما من رمضان إلا زوج زوجة من الحور المعين في خيمة من درة مجوفة مما نعت الله حور مقصورات في الخيام على كل امرأة سبعون حلة ليس منها حلة على لون أخرى، وتعطى سبعين لونا من الطيب ليس منها لون على ريح الأخرى لكل امرأة منهن سبعون سريرا من ياقوتة حمراء مرشح بالدر والياقوت على كل سرير سبعون فراشا على كل فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعين ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف مع كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون من طعام تجد لآخر لقمة لذة لم تجد لأوله ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سواران من ذهب مرشح بياقوت أحمر هذا بكل يوم صامه من شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات ) وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحور العين من أي شيء خلقن؟
فقال: (من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك وأوسطهن من العنبر وأعلاهن من الكافور وحواجبهن سواء خط في نور (٣) )، وروى أبو الليث السمرقندي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن في الجنة حوراء يقال لها لعبة لو بزقت في البحر لعذب ماء البحر، مكتوب على نحرها: من أراد أن يكون له متلي فليعمل بطاعة ربي، وروى الدارمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوات (٤) )، وروى البزار في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟
قال: (إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا (٢) )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين) ، قال الثعالبي: قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كعب إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون. وروى الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك (٣) )، وخرجه ابن ماجه أيضا: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الجنة بيضاء تتلألأ وأهلها بيض لا ينام أهلها وليس فيها شمس ولا ليل مظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم؛
وروى عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله في الجنة ليل؟ فقال إنه ليس في الجنة ظلمة لأن الليل ظلمة: وليس في الجنة ظلمة إن شجرها نور ونوارها نور وثمارها نور وخدمها نور،
وقال ابن رشد: يروى أنه يغدى على أهل الجنة منزلة كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ويراح عليه بمثلها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحكيه عن ربه عز وجل: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٥) )، وقد روى الدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟
(قال: لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله ضنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس )، وجاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم أتزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟
فقال: (إي والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة) ،
قال الرجل: فإن الذي يأكل تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حاجة أحدهم رشح يفيض من جلده،
فإذا بطنه قد ضمر (٢) )، (وسئل صلى الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال: (ذلك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر) ، قال عمر رضي الله عنه: إن هذه لناعمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكلتها أنعم منها (٣) )، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وروي البزار في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء مشويا بين يديك،
وقال صلى الله عليه وسلم: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب. رواه الترمذي، وروى ابن المبارك عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عن ما شاء فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما يشاء، وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء وعن النجائب والثياب، وروى أبو بكر بن الخطيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة شجرة يخرج من أعلاها الحلل ومن أسفلها الخيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة بالدر والياقوت ما تروث ولا تبول ذوات أجنحة فيجلس عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاءوا فيقول الذين أسفل منهم: يا أهل الجنة ناصفونا يا رب ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة؟
فقال الله تعالى: إنهم كانوا يصومون وكنتم تفطرون وكانوا يقومون وأنتم تنامون وكانوا ينفقون وأنتم تبخلون وكانوا يجاهدون العدو وكنتم تجبنون. ونقل الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن ثياب الجنة تتشقق عنها ثمار الجنة) ، وروى ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نخيل الجنة جذعها زمرذ أخضر حلم وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم) وروى ابن وهب عن ابن زيد قال: قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من نخل فإني أحب النخل؟
قال: (إي والذي نفسي بيده لها جذوع من ذهب وجريد من ذهب وسعف كأحسن حلل يراها الرجل من العالمين وعراجين من ذهب وشماريخ من ذهب وأقماع من ذهب وثمار كالقلل ألين من الزبد وأحلى حلاوة من العسل (٢) )، وذكر أبو الفرج الجوزي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ عودا بيده، فقال: (يا جرير لو طلبت مثل هذا في الجنة لم تجده، قال: فقلت فأين النخل والشجر؟
قال: (أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها التمر (٣) )، وروى ابن المبارك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم يؤتون يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله (٤) ). وروى مسلم والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى عليه السلام ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟
قال: هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة فيقول له ادخل الجنة؟ فيقول له أي رب كيف أدخل وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول رضيت رب، فيقول له: لك ذلك
ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول له: هذا لك وعشرة أمثاله ولك مع ذلك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ومصداقه من كتاب الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ). وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (٢) وكان الحسن البصرى يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلدين على خيل من ياقوت أحمر لها أجنحة من ذهب إذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (٣) )، وروى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذين لهم ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء (٤) ).
وروى البخاري ومسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجَنَّةَ {رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة} (٥) فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله اذهب فادخل الجنة فإن لك فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا قال فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟
قال فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة وقال تعالى في وصف أهل الجنة: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما يدخل الجنة تعرض لهم عينان فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله تعالى ما في قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم.
وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} ، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسلون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث أشعارهم أبدا ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطنهم من الأذى؛ ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروى القرطبي عن علي رضي الله عنه: أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} ، ما هؤلاء الوفد؟
قال (يحشرون ركبانا ثم قال: والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل المذهب مرصعة بأنواع الجواهر فتسير إلى باب الجنة. قال: وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصولها عينان فيشربون من إحدى تلك العينين؛
فإذا بلغ الشراب الصدور أخرج الله كل ما في قلوبهم من غل،
فإذا بلغ الشراب البطن طهرهم الله من دنس الدنيا وقذرها فذلك قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} . قال: ثم يغتسلون من العين الأخرى فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغير ألوانهم، قال: ثم يضربون حلق أبواب الجنة
فلو سمع الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا فيبادر رضوان فيفتح لهم فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين، فيقول لهم: يا أولياء الله أنا قيمكم الذي توكلت بكم وبمنازلكم، فينطلق بهم إلى قصور من فضة شرفاتها من ذهب يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن، قال: فيقول أولياء الله عند ذلك: يا رضوان لمن هذا؟ فيقول: هذا لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلولا أن الموت رفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم، قال: ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره، فيقول رضوان: اتبعني حتى أريك ما أعد الله لك فيمر به فيريه قصورا وخيما وما أعد الله عز وجل له، قال: ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع قد لونت بجميع الألوان على جنادل الدر والياقوت،
وفي الغرفة سرير طوله فرسخ وعرضه مثل ذلك عليه من الفرش كقدر خمسين غرفة بعضها فوق بعض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله عز وجل: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} وهي من نور والسرير من نور وعلى رأس ولي الله تاج له سبعون ركنا في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء وقد رد الله وجهه كالبدر وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور وقد سور بثلاثة أساورة، سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله عز وجل: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} .
وقوله في رضوان: فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين يريد سجود تحية كما حكى سبحانه في قصة إخوة يوسف، وكسجود الملائكة لآدم أو يكون سجودهم لله عز وجل الذي خلق هذا الوجه الحسن وجعله متوكلا بالجنة وأهلها فهو من أكبر النعم، وقوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} روى يحيى بن سلام بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: دار المؤمنين من درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ ولي الله بأصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والمرجان؛
وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بلغني أن ولي الله يلبس حلة ذات وجهين يتجاوبان بصوت، يقول الذي يلي وجهه، أنا أكرم على ولي الله منك أنا أرى وجهه وأنت محجوب، وقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} ، قال الهروي: قال أحمد بن يحيى: الأريكة السرير في الحجلة ولا يسمى منفردا أريكة، وسمعت الأزهري يقول: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة. نقله الإمام الثعالبي. الجوهري: الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور.
القرطبي: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليزوج في شهر واحد ألف حوراء يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته،
فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون منهما مني: وقال تعلى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . روى الترمذي بسنده أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على ذلك؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هنالك ليل لنا هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها وتسلم عليهم الملائكة،
وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} يعني ظلال الشجر {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} أي ذللت ثمارها يتناولون منها كيف شاءوا،
وإن قام ارتفعت بقدره وإن قعد تذللت إليه حتى ينالها، ونحوه عن البراء. وروى يحيى بن سلام بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها متكئين على فرشهم فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدل الله مكانها أخرى؛ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أدنى أهل الجنة منزلة الذي يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة ذهب والأخرى فضة؛
في كل واحدة لون لا يشبه الأخرى، وقوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} أي حابسات الأعين على أزواجهن أي لا ينظرن إلى غيرهم، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين في جمال، تقول المرأة منهن لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك،
وقال تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيرات الأخلاق حسان الوجوه) وقرئ شاذا خيرات بتشديد الياء الكسورة.
قال القرطبي: وإذا قال تعالى حسان فمن يقدر أن يصف حسنهن،
وقال تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} أي محبوسات مصونات في الخيام وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هي در مجوف. قال الداودي: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والخيمة لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع، ورواه ابن المبارك،
وقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب وروى الدارقطني عن المعتمر بن سليمان أنه قال: إن في الجنة نهرا ينبت الجواري الأبكار. والله أعلم.
وقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، قال الثعالبي عن محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته، وقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} ؛ اختلف في الرفرف ما هو، فقيل: الرفرف ما تدلى من الأسرة من أعالي الثياب والبسط. قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره،
وقيل: الرفرف شيء إذا استوى صاحبه عليه رفرف به، ومنه رفرفة الطير. وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود والطيالسي كلهم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى، أتريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: بلى فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ولفظ النسائي: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ولا أقر إلى أعينهم.
قوله: فيكشف الحجاب معناه يرفع الموانع عن الأبصار حتى يرونه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال، فذكر الحجاب إنما هو في حق المخلوقين لا في حق الخالق فهو سبحانه منزه عما يحجبه، وروى يحيى بن سلام بسنده عن الحسن، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل الجنة لينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفيه نهر جار حافاته المسك عليه جوار يقرءون القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون،
فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من اللؤلؤ إلى منازلهم؛ فلولا أن الله تعالى يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة.
وقال الحسن: ليس شيء أحب إلى أهل الجنة من يوم الجمعة يوم المزيد؛ لأنهم يرون فيه الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه، وروى عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن لله عبادا لو حجبهم في الجنة ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها؛ يعني أن رؤية المولى سبحانه هو النعيم الأكبر الذي لا يشبهه نعيم، جعلنا الله ممن نعمه بالنظر إليه سبحانه. وقد ذكر الغزالي أن رؤية الله سبحانه هي معظم نعيم المقربين جعلنا الله سبحانه منهم بمنه وفضله، ونقل القرطبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فإذا الرب سبحانه قد أشرف عليهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله سبحانه: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ،
قال: فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم،
فإذا احتجب عنهم بقي نوره وبركاته عليهم في ديارهم. نقله الثعالبي.
وقال: قلت هذا الحديث رواه البزار، قال القرطبي: ومعنى قوله أشرف عليهم أي اطلع عليهم؛ والله سبحانه لا يوصف بالمكان ونسوا نعيم الجنة لما نظروا إليه سبحانه لأن ما دون الله سبحانه لا يقاوم تجليه جلت عظمته، ولولا أنه سبحانه يثبتهم ويبقيهم لحل بهم ما حل بالجبل حين تجلى له. وقوله: حتى يحتجب عنهم، يجوز أن يكون معناه حتى يردهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه، وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي نسوها، وليس ذلك إن شاء الله على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو معنى الغيبة عنه حتى يكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين وإلى نعيم الجنة ساكنين، ولكنه سبحانه بلطفه يردهم إلى التنعم بما نسوة ولا يحجبهم عما شاهدوه حجبة غيبة عنه، ويدل على ذلك قوله: بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم وإذا ارتفعت الحجب وزالت الموانع لم يكن بين نظر البصر وشهود السر فرق ولا بين حال الشهود والغيبة بون، بل تتفق الأوقات وتتساوى الحالات فيكون في كل حال شاهدا وبعين النظر والبصيرة ناظرا.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله سبحانه يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا (١) )،
وقال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر} قال ابن عطية: ومعنى الآية أن رضوان الله أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى الآية والحديث متفق، قال الإمام الفخر: وإنما كان الرضوان أكبر لأنه عند العارفين نعيم روحاني وهو أشرف من النعيم الجسماني، ومعرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ومثن عليهم أزيد عليهم في إيجاب السرور. انتهى.
وأما النار فهي في اللغة الجوهر اللطيف المحرق وطبعها الارتفاع،
وفي الشرع هي الدار المشتملة على عذاب العصاة في الآخرة نجانا الله منها بفضله ورحمته، وقد حذر الله سبحانه منها في غير ما آية من كتابه فوجب على العاقل أن يحذر مما حذره الله ويرحم بدنه الضعيف فإنه لا طاقة لأحد بعذاب الله والتعرض لغضبه، وقد روى ابن المبارك عن ميمون بن مهران أنه قال: لما خلق الله النار أمرها فزفرت زفرة فلم يبق في السماوات السبع ملك إلا خر على وجهه، فقال لهم الجبار جل جلاله: ارفعوا رؤوسكم
أما علمتم أني خلقتكم لطاعتي وعبادتي وخلقت جهنم لأهل معصيتي من خلقي؟ فقالوا: ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} ، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة (١) )، وروى ابن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت في الماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله عز وجل أن لا يعيدها فيها (٢) )،
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنها ضربت بماء البحر سبع مرات،
وفي حديث ابن مسعود عشر مرات. وروى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها (٣) )، وروى أبو الليث السمرقندي عن مجاهد أنه قال: إن لجهنم جيابا فيها حَياتٌ كأمثال أعناق البخت وعقارب كأمثال البغال الدهم، فيهرب أهل النار من النار إلى تلك الحيات فيأخذون بشفافهن فيكشطن ما بين الشر إلى الظفر فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار ورُويَ عن عبد الله بن جبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: في النار حيات مثل أعناق الإبل تلسع أحدهم لسعة يجد حمومتها أربعين خريفا،
وإن في النار لعقارب كأمثال البغال تلسع أحدهم لسعة يجد ألمها أربعين خريفا، وفسر قوله تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} بأنه عقارب أنيابها كالنخل الطوال. وروى أبو الليث السمرقندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهون أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه كأنه مرجل مسامعه وأضراسه جمر وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء بطنه من قدميه وإنه ليرى أنه أشد الناس عذابا وإنه أهون من أهل النار عذابا، وروى بسنده أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أنه قال: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يرد لهم جوابا أربعين عاما ثم يرد عليهم إنكم ماكثون يعني دائمين أبدا، ثم يدعون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مقدار ما كانت الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم اخسئوا فيها ولا تكلمون، قال فوالله ما نفث القوم بعدها بكلمة يعني ما نطق القوم ما كان بعد ذلك إلا الزفير والشهيق في النار تشبه أصواتهم بأصوات الحمير أوله زفير وآخره شهيق.
ويقال: إن أهل النار يجزعون ألف سنة ثم يقولون كنا في الدنيا إذا صبرنا كان لنا الفرج فيصبرون ألف سنة فلا يخفف عنهم، فيقولون: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص؟ فيدعون الله تعالى ألف سنة الغيث لما بهم من العطش وشدة العذاب لكي يزول عنهم بعض الحرارة والعطش،
فإذا تضرعوا ألف سنة يقول الله تعالى لجبريل؛ أي شيء يطلبون؟ فيقول جبريل عليه الصلاة والسلام: يا رب أنت أعلم بهم إنهم يسئلون الغيث فتظهر لهم سحابة حمراء فيظنون أنهم يمطرون، فترسل عليهم العقارب كأمثال البغال فتلدغ واحدا منهم فلا يذهب عنه الوجع ألف سنة ثم يسئلون الله تعالى ألف سنة أن يرزقهم الغيث، فتظهر لهم سحابة سوداء فيقولون هذا سحاب المطر فيرسل عليهم حيات كأعناق الإبل كلما لسعت لسعة لا يذهب وجعها ألف سنة، وهذا معنى قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} و {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} يعني بما كانوا يكفرون ويعصون الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعا الله تعالى جبريل وأرسله إلى الجنة، فقال: انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فحفت بالمكاره، فقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع،
وقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ثم أرسله إلى النار، فقال: انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع وقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فحفت بالشهوات، فقال: عد إليها وانظر إليها فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها (١) ). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اذكروا من النار ما شئتم فلا تذكرون منها شيئا إلا وهي أشد منه وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أنه قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة ما كان يأتيه فيها متغير اللون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما لي أراك متغير اللون؟
فقال يا محمد: جئت في الساعة التي أمر الله تعالى فيها بمنافخ النار أن تنفخ فيها ولا ينبغي لمن يعلم أن جهنم حق وأن عذاب الله أكبر أن تقر عيناه حتى يأمنها، قال النبي صلى اللّد عليه وسلم: يا جبريل صف لي جهنم، قال: نعم يا محمد صلى الله عليك وسلم إن الله تعالى لما خلق جهنم أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ولا يخمد جمرها، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن مثل خرم إبرة فتح منها لحرق أهل الدنيا عن آخرهم، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لماتوا عن آخرهم لما يجدون من نتنها، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن ذراعا من السلسلة التي ذكر الله في كتابه وضع على جبل لأذابه حتى يبلغ الأرض السابعة، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن رجالا بالمغرب يعذب لحرق الذي بالمشرق من شدة عذابها.
حرها شديد، وقعرها بعيد وحطبها حديد، وشرابها صديد، وثيابها مقطعات النيران، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم من الرجال والنساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهي كأبوابنا هذه؟ قال: لا ولكنها مفتوحة بعضها أسفل من بعض، من باب إلى باب مسيرة سبعين سنة كل باب منها أشد حرا من الذي يليه بسبعين ضعفا، يساق أعداء الله تعالى إليها فإذا انتهوا إلى أبوابها استقبلتهم الزبانية بالأغلال والسلاسل فتدخل السلسلة في فمه وتخرج من دبره وتغل يده اليسرى إلى عنقه وتدخل يده اليمنى في فؤاده وتنزع من بين كتفيه ويشد بالسلاسل ويقرن كل آدمي مع شيطانه في سلسلة ويسحب على وجهه فتضربه الملائكة بمقامع من حديد، فقال صلى الله عليه وسلم: من سكان هذه الأبواب؟
فقال: أما الباب الأول وهو الأسفل ففيه المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون واسمه الهاوية، والباب الثاني ففيه المشركون واسمه الجحيم، والباب الثالث ففيه الصابون واسمه سقر، والباب الرابع ففيه إبليس ومن تبعه والمجوس واسمه لظى، والباب الخامس ففيه اليهود واسمه الحطمة، والباب السادس ففيه النصارى واسمه السعير. ثم أمسك جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تخبرني من سكان هذا الباب السابع؟ فقال يا محمد: لا تسئلني عنه، فقال: بلى يا جبريل أخبرني عن الباب السابع، فقال: فيه أهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبوا، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه ووضع جبريل عليه الصلاة والسلام رأسه في حجره حتى أفاق، فلما أفاق قال يا جبريل: عظمت مصيبتي واشتد حزني أيدخل أحد من أمتي النار؟
قال: نعم أهل الكبائر من أمتك ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة واحتجب من الناس فكان لا يخرج إلا للصلاة يصلي ويدخل ولا يكلم أحدا، ويأخذ في الصلاة ويبكي ويتضرع إلى الله تعالى. فلما كان من اليوم الثالث أقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى وقف بالباب وقال السلام عليكم أهل بيت الرحمة، هل لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبيل؟
فلم يجبه أحد فتنحى باكيا، فأقبل عمر رضي الله تعالى عنه فصنع مثل ذلك فلم يجبه أحد فتنحى وهو يبكي، وأقبل سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فوقف بالباب فقال السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة هل لي إلى مولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبيل؟ فلم يجبه أحد فأقبل مرة يبكي ومرة يقع ويقوم أخرى حتى أتى بيت فاطمة الزهراء فوقف بالباب، فقال السلام عليكم يا أهل بيت المصطفى وكان على غائبا، فقال سلمان: يا بنت رسول الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتجب عن الناس فليس يخرج إلا للصلاة ولا يكلم أحدا ولا يأذن لأحد أن يدخل عليه، فاشتملت فاطمة بعباءة قطوانية فأقبلت حتى وقفت على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلمت، وقالت: يا رسول الله أنا فاطمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد يبكي فرفع رأسه،
وقال: ما بال قرة عيني فاطمة حجبت عني؟ افتحوا لها الباب ففتحوا لها الباب ودخلت، فلما نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكت بكاء شديدا لما رأت من حاله مصفرا متغيرا لونه مذابا لحم وجهه من البكاء والحزن. فقالت يا رسول الله ما الذي نزل بك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام ووصف لي أبواب جهنم وأخبرني أن في أعلى أبوابها أهل الكبائر من أمتي فذلك الذي أبكاني وأحزنني، فقالت يا رسول الله أو لم تسأله كيف يدخلونها،
وقال بلى تسوقهم الملائكة إلى النار ولا تسود وجوههم ولا تزرق عيونهم ولا تختم أفواههم ولا يقرنون مع الشيطان ولا يوضع عليهم السلاسل والأغلال قالت يا رسول الله وكيف تقودهم الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما الرجال باللحى، وأما النساء بالذوائب والنواصي فكم من ذي شيبة من أمتي قد قبض على شيبته يقاد إلى النار وهو ينادي يا شيبتاه واضعفاه وكم من شاب من أمتي يقبض على لحيته يقاد إلى النار وهو ينادي واشباباه واحسن صورتاه فكيف في النار حسراه، وكم من امرأة تقبض على ناصيتها تقاد إلى النار وهي تنادي وافضيحتاه واهتك ستراه؟ حتى ينتهى بهم إلى مالك فإذا نظر إليهم مالك قال للملائكة: من هؤلاء؟
فما ورد علي من الأشقياء أعجب من هؤلاء، لم تسود وجوههم ولم توضع السلاسل والأغلال في أعناقهم؟ فيقول الملائكة: هكذا أمرنا الله أن نأتي بهم على هذه الحال، فيقول لهم مالك: يا معشر الأشقياء من أنتم؟
وفي رواية أخرى إنهم لما قادتهم يعني الملائكة ينادون وا محمداه فلما أن رأوا مالكا نسوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من هيبته، فيقول لهم من أنتم؟ فيقولون نحن ممن أنزل عليهم القرآن ونحن ممن يصوم شهر رمضان. فيقول مالك: ما أنزل القرآن إلا على محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سمعوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم صاحوا بأجمعهم، وقالوا: نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم،
فيقول لهم مالك: أما كان لكم في القرآن من زاجر عن معاصي الله تعالى؟
فإذا وقف لهم على شفير جهنم ونظروا إلى النار وإلى الزبانية، قالوا: يا مالك ايذن لنا فنبكي على أنفسنا فيأذن لهم فيبكون الدموع حتى لم يبق من الدموع فيبكون الدم؛ فيقول مالك: ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا
فلو كان هذا البكات في الدنيا من خشية الله تعالى ما مستكم النار اليوم، فيقول مالك للزبانية ألقوهم في النار فإذا ألقوا في النار نادوا بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فترجع النار عنهم، فيقول مالك: يا نار خذيهم، فتقول النار: كيف آخذهم وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى ألله عليه وسلم؟ فيقول مالك: نعم فذلك أمر رب العالين، فتأخذهم النار فمنهم من تأخذه إلى قدميه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه إلى حلقه،
فإذا أهوت النار إلى وجوهم قال مالك: لا تحرقي وجوههم فلطال ما سجدوا للرحمن، ولا تحرقي قلوبهم فلطال ما عطشوا في شهر رمضان، فيبقون ما شاء الله تعالى فيها وينادون: يا أرحم الراحمين يا حنان يا منان،
فإذا أنفذ الله حكمه قال يا جبريل: ما فعل العاصون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: إلهي أنت أعلم بهم، فيقول انطلق فانظر ما حالهم، فينطلق جبريل إلى مالك وهو على منبر من النور وسط جهنم،
فإذا نظر مالك إلى جبريل عليه الصلاة والسلام قام تعظيما له، فيقول يا جبريل ما أدخلك علي هذا الموضع فيقول ما فعلت العصابة العاصية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول مالك: ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم قد أحرقت النار أجسامهم وأكلت لحومهم وبقيت وجوههم وقلوبهم يتلألأ فيهم الإيمان، فيقول جبريل: ارفع الطبق عنهم حتى أنظر إليهم، قال: فيأمر مالك الخزنة فيرفعون الطبق عنهم فإذا نظروا إلى جبريل عليه الصلاة والسلام وإلى حسن خلقه علموا أنه ليس من ملائكة العذاب.
فيقولون من هذا العبد الذي لم نر شيئا قط أحسن منه؟ فيقول مالك: هذا جبريل الكريم على ربه الذي كان يأتي محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحي؛
فإذا سمعوا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم صاحوا بأجمعهم وقالوا يا جبريل: اقرأ محمدا منا السلام وأخبره أن معاصينا قد فرقت بيننا وبينه، وأخبره بسوء حالنا فينطلق جبريل عليه الصلاة والسلام حتى يقوم بين يدي الله تعالى، فيقول الله تبارك وتعالى: كيف رأيت أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: يا رب ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم، فيقول الله تبارك وتعالى: هل سألوك شيئا؟ فيقول: نعم يا رب سألوني أن أقرئ نبيهم عليه الصلاة والسلام السلام وأخبره بسوء حالهم، فيقول الله عز وجل: انطلق وأخبره.
فينطلق جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في خيمة من درة بيضاء لها أربعة آلاف باب ولها مصراعان من ذهب، فيقول: يا محمد جئتك من عند العصابة الذين يعذبون من أمتك في النار وهم يفرئونك السلام ويقولون: ما أسوأ حالنا وأضيق مكاننا، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقف تحت العرش فيخر ساجدا ويثني على الله تعالى ثناء لم يثن أحد مثله، فيقول الله تبارك وتعالى: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع واسأل تعط، فيقول: يا رب الأشقياء من أمتي قد أنفذت فيهم حكمك وانتقمت منهم فشفعني فيهم فيقول الله عز وجل قد شفعتك فيهم فأت النار فأخرت منها كل من قال: لا إله إلا الله: فينطلق محمد صلى الله عليه وسلم فإذا نظر مالك إلى محمد صلى الله عليه وسلم قام تعظيما له، فيقول يا مالك ما حال أمتي الأشقياء؟
فيقول مالك ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم فيقول محمد صلى الله عليه وسلم: افتح الباب وارفع الضيق عنهم فإذا نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم صاحوا بأجمعهم: يا محمد قد أحرقت النار جلودنا وأحرقت أكبادنا، فيخرجهم جميعا وقد صاروا فحما قد أكلتهم النار. فينطلق بهم إلى نهر بباب الجنة يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه فيخرجون منه شبابا جردا مردا مكحلين كأن وجوههم مثل القمر مكتوب على جباههم؛ هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من النار، فيدخلون الجنة فإذا رأى أهل النار أن المسلمين قد أخرجوا منها قالوا: ليتنا كنا مسلمين وكنا نخرج من النار، وهو قوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} .
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون الموت؟ فينظرون فيعرفونه، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون الموت؟ فينظرون فيعرفوند فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلودا لا موت فيها، ويا أهل النار خلودا لا موت فيها، وذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . قاله السمرقندي.
اللهم نجنا من حر السعير وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وعند سؤال منكر ونكير. آمين يا رب العالمين. وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الماس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغا، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت شدة قط هل مر بك بؤس قط؟
فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط (١) )، وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى تصير في خدودهم كأمثال الجداول،
ولو أجريت فيها السفن لجرت ). نقله الإمام الثعالبي.
وقال عبد الحق في العاقبة: اعلم رحمك الله أنه قد وجب في الحكم الأول والقضية السابقة دخول النار على طوائف من المؤمنين،
فمن أوبقتهم سيئاتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم ولم تمحصها عنهم عقوبات الدنيا ولا عذاب القبر ولا هول يوم الحشر، وكل إنسان منهم تنال منه النار بمقدار عمله ولا تأخذ منه إلا الحد الذي أمرت به،
ثم إن الله جل جلاله بفضله ورحمته يقبل فيهم شفاعة الشافعين ورغبة الراغبين وسؤال السائلين من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين والعلماء العاملين، وكل من له عند الله تعالى جاه ومنزلة قد بلغها بعمله ونالها بصالح سعيه فإن له شفاعة في أهله وبنيه وأوليائه وأقاربه، بل ربما في الرجل كان يعرفه في الدنيا ولم يكن بينهما صحبة ولا كبير معرفة. انتهى. نقله الثعالبي. ونقل السيوطي في الجامع الصغير عن الحاكم عن ابن مسعود: في جهنم واد،
وفي الواد بير يقال لها هبهب حق على الله تعالى أن يمسكنها كل جبار، ونقل الثعالبي عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد ولا مغارد ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم صاحبها عليها مكتوب. أو إن كنت حاملا يعني أن الرجل إذا قال لامرأته: إن كنت حاملا فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، أو إن لم تكوني يعني أن الرجل إذا قال لامرأته: إن لم تكوني حاملا فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، وقوله: "إن كنت حاملا أو إن لم تكوني" معطوف على قوله: "كإن كان في بطنك غلام" فهو من الفروع التي لا تعلم حالا وتعلم مئالا، وقوله: "أو إن كنت حاملا" أي وتقدم له وطء مع إنزال وحملت المرأة على البراءة منه هذا كالتخصيص
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.