وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ: أُفْرِكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ
الشروح عليها
(وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ) مَعَ سُنْبُلِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَفُولٍ وَذُرَةٍ (أُفْرِكَ) وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْرَهُهُ فَإِنْ وَقَعَ فَاتَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَنْعِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهَا بَعْضُهُمْ وَلِإِبْقَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَعَلَيْهِ بَعْضُهُمْ (قَبْلَ يُبْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَهُ بَلْ اشْتَرَطَ إبْقَاءَهُ لِلْيُبْسِ أَوْ أَطْلَقَ (بِقَبْضِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضِيِّ أَيْ يَمْضِي بِقَبْضِهِ بِحَصَادِهِ فِي مَوْضُوعِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ بَيْعُهُ مَعَ سُنْبُلِهِ
وَأَمَّا بَيْعُهُ مُجَرَّدًا عَنْ سُنْبُلِهِ قَبْلَ يُبْسِهِ فَمُضِيُّهُ بِكَيْلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ
وَأَمَّا بَيْعُهُ بَعْدَ يُبْسِهِ مُجَرَّدًا عَنْ سُنْبُلِهِ فَيَجُوزُ عَلَى الْكَيْلِ لَا عَلَى الْجُزَافِ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ وَمَعَ سُنْبُلِهِ يَجُوزُ جُزَافًا لِأَنَّ بَيْعَ الزَّرْعِ الْقَائِمِ جُزَافًا جَائِزٌ
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مَمْنُوعٌ وَبَعْدَهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ عَدَمِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ ذَكَرَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فَقَالَ (دَرْسٌ)
(قَوْلُهُ وَمَضَى إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْحَبَّ إذَا بِيعَ قَائِمًا مَعَ سُنْبُلِهِ جُزَافًا بَعْدَ إفْرَاكِهِ وَقَبْلَ يُبْسِهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَإِذَا وَقَعَ مَضَى بِقَبْضِهِ بِحَصَادِهِ وَقَوْلُنَا إذَا بِيعَ قَائِمًا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا جُذَّ كَالْفُولِ الْأَخْضَرِ وَكَالْفَرِيكِ فَإِنَّ بَيْعَهُمَا جُزَافًا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَقَوْلُنَا مَعَ سُنْبُلِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا بِيعَ وَحْدَهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ أُفْرِكَ وَلَمْ يَيْبَسْ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ جُزَافًا لِأَنَّهُ مُغَيَّبٌ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الْكَيْلِ لِعَدَمِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِالْيُبْسِ فَإِنْ وَقَعَ وَبِيعَ عَلَى الْكَيْلِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِقَبْضِهِ بِالْكَيْلِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا وَقَبْلَ يُبْسِهِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ بَعْدَ الْيُبْسِ
فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ سُنْبُلِهِ فَإِنْ بِيعَ وَحْدَهُ جَازَ عَلَى الْكَيْلِ لَا جُزَافًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ وَإِنْ كَانَ مَعَ سُنْبُلِهِ جَازَ عَلَى الْكَيْلِ كَكُلِّ إرْدَبٍّ بِكَذَا وَجُزَافًا
(قَوْلُهُ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَنْعِ) أَيْ فَتُوَافِقُ مَا قَبْلَهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَقَوْلُهُ وَلِإِبْقَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَيْ مِنْ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ لِلتَّنْزِيهِ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مُخَالِفَةً لِمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ بَقِيَّةَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ فِيهَا الْحُرْمَةُ وَنَصُّهَا وَبَيْعُ الْحَبِّ بَعْدَ إفْرَاكِهِ وَقَبْلَ يُبْسِهِ أَكْرَهُهُ فَإِنْ وَقَعَ وَفَاتَ فَلَا أَرَى أَنَّهُ يُفْسَخُ اهـ قَالَ عِيَاضٌ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الْفَوَاتِ هُنَا فَذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ الْقَبْضُ بِالْحَصَادِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمُدَوَّنَةَ
وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَذَهَبَ غَيْرُ أَبِي مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّ الْفَوَاتَ بِالْعَقْدِ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بِالْيُبْسِ
وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَفُوتُ بِالْقَبْضِ بَلْ بِمُفَوِّتٍ بَعْدَهُ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَمَحَلُّ مَنْعِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَمُضِيِّهِ بِالْفَوَاتِ إنْ اشْتَرَى الْحَبَّ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَيْبَسَ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ ذَلِكَ
أَمَّا إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَرْكُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ ذَلِكَ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ وَكَانَ لِمُشْتَرِيهِ تَرْكُهُ حَتَّى يَيْبَسَ كَمَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى
وَكَذَا فِي ابْنِ رُشْدٍ لَكِنْ فِي التَّوْضِيحِ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ عَلَى السُّكُوتِ وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اُنْظُرْ بْن
(قَوْلُهُ وَأَمَّا بَيْعُهُ مُجَرَّدًا عَنْ سُنْبُلِهِ) أَيْ عَلَى الْكَيْلِ كَمَا عَلِمْت.
(قَوْلُهُ مَمْنُوعٌ) أَيْ إذَا كَانَ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ ذَكَرَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ شِرَاءَ الثَّمَرَةِ الرَّطْبَةِ بِخَرْصِهَا يَابِسًا يَدْفَعُ عَنْهُ الْجُذَاذَ فِيهِ رِبَا نَسَاءٍ تَحْقِيقًا وَرِبَا فَضْلٍ شَكًّا لِأَنَّ الْخَرْصَ لَيْسَ قَدْرَ الثَّمَرَةِ قَطْعًا
ص (بِقَبْضِهِ) ش: أَيْ بِقَبْضِ الْحَبِّ،
يُبَيِّنُ ذَلِكَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَائِلِ السَّلَمِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مَا أَرْطَبَ أَوْ فِي زَرْعٍ بَعْدَمَا أَفْرَكَ أَوْ اشْتَرَطَ أَخْذَهُ حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا، فَأَخَذَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَيْعُ لَمْ يُفْسَخْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ اهـ. عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ بِالْإِفْرَاكِ،
قَالَ فِي الشَّامِلِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ،
وَفِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَالْقَطَانِيِّ يُبْسُهَا فَإِنْ بِيعَتْ قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْإِفْرَاكِ عَلَى السِّكَّةِ كُرِهَ وَمَضَى بِالْقَبْضِ عَلَى الْمُتَأَوَّلِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ أَفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ) سَمِعَ يَحْيَى: سَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الزَّرْعَ وَقَدْ أَفْرَكَ، وَالْفُولَ وَقَدْ امْتَلَأَ حَبُّهُ وَهُوَ أَخْضَرُ، وَالْحِمَّصَ وَالْعَدَسَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَتْرُكُهُ مُشْتَرِيهِ حَتَّى يَيْبَسَ وَيُحْصَدَ، أَيَجُوزُ بَيْعُهُ؟ فَقَالَ: إنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ فُسِخَ الْبَيْعُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَيْبَسَ مَضَى الْبَيْعُ وَلَمْ يُفْسَخْ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ مَنْ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ لِأَنَّ النَّهْيَ جَاءَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ بَيْعِ الزَّرْعِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَفْرَكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَتَّى يَيْبَسَ، فَأَنَا أُجِيزُ الْبَيْعَ إذَا فَاتَ بِالْيُبْسِ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَأَرُدُّهُ إذَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَيْبَسَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ إلَّا أَنَّهُ إذَا بِيعَ عِنْدَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَفْرَكَ وَقَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ لَا يَحْكُمُونَ لَهُ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. ابْنُ شِهَابٍ: وَظَاهِرُ مَا فِي السَّلَمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ قَبَضَ مَا لَمْ يَفُتْ بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْفُولِ وَالْحِمَّصِ:" إنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَخْضَرَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَيْبَسَ " هُوَ مِثْلُ مَا لَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ أَجَازُوا شِرَاءَ الْعِنَبِ وَالثَّمَرِ إذَا طَابَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَيْبَسَ. وَحَكَى الْفَضْلُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(ص) وَمُضِيِّ بَيْعِ حَبٍّ أُفْرِكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْحَبَّ مِنْ قَمْحٍ، وَشَعِيرٍ، وَنَحْوِهِمَا إذَا بِيعَ فِي سُنْبُلِهِ بَعْدَ إفْرَاكِهِ، وَقَبْلَ يُبْسِهِ فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً،
وَإِنْ وَقَعَ مَضَى بِقَبْضِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَبْضَهُ جِذَاذُهُ، وَقَوْلُنَا مَعَ سُنْبُلِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا جُزَّ كَالْفُولِ الْأَخْضَرِ وَالْفَرِيكِ فَإِنَّ بَيْعَهُمَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُنْتَفَعٌ بِهِ
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مَمْنُوعٌ، وَبَعْدَهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ عَدَمِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ، وَعَدَمِ الْمَوَانِعِ ذَكَرَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ بَيْعُ الْعَرَايَا وَهِيَ مَا مُنِحَ مِنْ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ، وَرَوَى الْمَازِرِيُّ هِيَ هِبَةُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ
(قَوْلُهُ قَبْلَ يُبْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعٍ الْوَاقِعِ مَصْدَرًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
(قَوْلُهُ وَقَوْلُنَا مَعَ سُنْبُلِهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِشَارَةُ لَهُ بِكَوْنِ فِي بِمَعْنَى مَعَ أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ بَيْعٌ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ أَطْلَقَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا بِيعَ مَعَ سُنْبُلِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَطْعِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَبْضُهُ جِذَاذُهُ،
وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَبِيعُ الزَّرْعَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا بِيعَ مَعَ سُنْبُلِهِ جُزَافًا فَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَطْعِ جَازَ،
وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فَلَا، وَقَبْضُهُ جِذَاذُهُ،
وَأَمَّا إذَا بِيعَ وَحْدَهُ فَإِنْ بِيعَ جُزَافًا فَيَمْتَنِعُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْيُبْسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَلْ يَمْضِي بِقَبْضِهِ، وَقَبْضُهُ كَيْلُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَمْ أَرَهُ،
وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْحَبَّ وَحْدَهُ عَلَى الْكَيْلِ فَكَذَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْيُبْسِ،
وَإِذَا وَقَعَ فَيَمْضِي بِالْقَبْضِ، وَقَبْضُهُ كَيْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ،
وَأَمَّا بَعْدَ الْيُبْسِ فَجَائِزٌ [بَيْعُ الْعَرَايَا]
(قَوْلُهُ وَهِيَ مَا مُنِحَ) أَيْ جِنْسُ الْعَرِيَّةِ مَا مُنِحَ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ الْجِنْسُ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ مِنْ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ) شَأْنُهَا الْيُبْسُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ قَبْلُ
(قَوْلُهُ هِيَ هِبَةُ الثَّمَرَةِ) أَيْ الْعَرَايَا أَيْ جِنْسِ الْعَرِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هِيَ هِبَةُ الثَّمَرَةِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا نَفْسُ الْمُعْرَى بَلْ نَفْسُ الْإِعْطَاءِ فَعَلَى مَا قَرَّرَ الشَّارِحُ يَكُونُ فِي تَفْسِيرِ الْعَرِيَّةِ خِلَافٌ هَلْ هِيَ نَفْسُ الْإِعْطَاءِ أَوْ الْمُعْطَى، وَلَك أَنْ تَرْجِعَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي بِأَنْ تُقَدِّرَ مُضَافًا أَيْ هِيَ إعْطَاءُ مَا مُنِحَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ مَنْ أَعْرَى إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرِيَّةَ مَصْدَرٌ
(وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ) مَعَ قَشِّهِ قَائِمًا بِأَرْضِهِ جُزَافًا مِمَّا ثَمَرَتُهُ فِي رَأْسِهِ كَقَمْحٍ (أَفْرَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا فَاءٌ سَاكِنَةٌ أَيْ صَارَ فَرِيكًا وَبِيعَ (قَبْلَ يُبْسِهِ) وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءً وَيَمْضِي (بِقَبْضِهِ) أَيْ حَصْدِهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فِيهِ وَمَفْهُومُ بِقَبْضِهِ فَسْخُهُ قَبْلَهُ وَمَفْهُومُ مَعَ تِبْنِهِ أَنَّهُ إنْ بِيعَ جُزَافًا وَحْدَهُ يُفْسَخُ وَلَوْ قُبِضَ وَمَفْهُومُ قَائِمًا أَنَّ بَيْعَهُ مَحْصُودًا جَائِزٌ وَمَفْهُومُ جُزَافًا أَنَّ بَيْعَهُ بِكَيْلٍ جَائِزٌ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِقَبْضِهِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ عَلَى وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ،
وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ: كَلَوْزٍ لَا كَمَوْزٍ [منح الجليل] الْإِطْلَاقِ أَوْ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَعَلَيْهِ جَمْعٌ
وَقِيلَ: لَا يَفُوتُ فِي الثَّانِي إلَّا بِيُبْسِهِ وَفِيهَا أَكْرَهُهُ فَإِنْ وَقَعَ وَفَاتَ فَلَا أَرَى أَنْ يُفْسَخَ عِيَاضٌ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الْفَوَاتِ هُنَا فَذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ الْقَبْضُ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَهَا،
وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ إلَى أَنَّهُ بِالْعَقْدِ،
وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَمْضِي بِالْيُبْسِ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَقْدَ فِيهِ فُوِّتَ،
وَقِيلَ: لَا يَفُوتُ بِالْقَبْضِ حَتَّى يَفُوتَ بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ سَلَمِهَا الْأَوَّلِ، وَنَصُّهُ وَمَنْ أَسْلَمَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَمَا أَرْطَبَ أَوْ فِي زَرْعٍ بَعْدَمَا أَفْرَكَ وَاشْتَرَطَ جَذَّهُ حِنْطَةً أَوْ ثَمَرًا فَأَخَذَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَيْعُ فَلَا يُفْسَخُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ. اهـ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ إذَا اشْتَرَاهُ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى يَيْبَسَ أَوْ جَرَى بِهَذَا الْعُرْفُ،
فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ،
وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى يَبِسَ اهـ وَفَرَضَهَا فِي ضَيْح فِي شِرَائِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعٌ بِالْإِفْرَاكِ وَفِي الشَّامِلِ وَالصَّلَاحُ فِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَالْقَطَانِيِّ يُبْسُهَا،
فَإِنْ بِيعَتْ قَبْلَهُ وَبَعْدَ إفْرَاكِهَا عَلَى السَّكْتِ كُرِهَ وَمَضَى بِالْقَبْضِ عَلَى الْمُتَأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه يعني أن الحب إذا أفرك وبيع قبل يبسه مع سنبله فإن ذلك لا يجوز ابتداء، ويمضي البيع بالقبض للحب، والمراد بقبض الحب حصاده. قال عبد الباقي: ومضي بيع حب مع سنبله كقمح وشعير وفول أفرك وبيع قبل يبسه ولا يجوز ابتداء وفيها أكرهه،
وأما بيعه مجردا عن سنبله قبل يبسه فلا يجوز جزافا لأنه مغيب وهو مفهوم قوله فيما مر: "إن بكيل"
وأما إذا جذ كالفول الأخضر والفريك فإن بيعهما جائز بلا نزاع لأنه حينئذ منتفع به كما في أحمد، ولا يعارض كلام المص هنا ما نص عليه الشيوخ من جواز بيع الزرع القائم اتفاقا؛ لأنه فيما إذا بيع بعد يبسه وهنا قبله ويمضي بقبضه بحصاده في موضوع المص وهو بيعه مع سنبله كما مر،
وأما بيعه مجردا عن سنبله قبل يبسه فمضيه بكيله لأنه مما فيه حق توفية. قال عبد الباقي: وظاهر قوله بقبضه اشتراه على السكوت أو على التبقية وهو قول جمع، ولبعض لا يفوت في الثاني بقبضه بل باليبس. انتهى.
وقال محمد بن الحسن: في المدونة: أكرهه فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ. انتهى. فقال عياض : اختلف في تأويل الفوات هنا، فذهب أبو محمد إلى أنه القبض وعليه اختصر المدونة
ومثله في كتاب ابن حبيب، وذهب غير أبي محمد إلى أن الفوات هنا بالعقد. انتهى. والذي في سماع يحيى عن ابن القاسم أنه إنما يمضي باليبس. قال ابن رشد عقبه: وقد قيل إن العقد فيه فوت
وقيل إن القبض فيه فوت
وقيل إنه لا يفوت بالقبض حتى يفوت بعده وهو ظاهر ما في السلم الأول من المدونة فهي أربعة أقوال، وهذا إن اشتراه على أن يتركه حتى ييبس أو كان ذلك العرف فيه،
وأما إن لم يشترط تركه ولا كان العرف ذلك فالبيع فيه جائز،
وإن تركه مشتريه حتى ييبس. انتهى. وبه تعلم ما في قول الزرقاني وظاهر قوله: "بقبضه اشتراه على السكت" لخ وقد فرض في التوضيح المسألة في الشراء على السكت فانظره مع كلام ابن رشد. انتهى.
وقال الرهوني: لا إشكال في مخالفة ما في التوضيح لما نقله بناني عن ابن رشد؛ لأن ما نقله بناني عن ابن رشد صريح في أن محل الخلاف المذكور (إذا) اشتراه على أن يترك حتى ييبس أو كان ذلك العرف وإلا فالبيع صحيح،
وفي التوضيح جعل محل الخلاف إذا وقع البيع على السكت، ثم نقل الرهوني أن الزرع إذا يبس وفيه ما لا خطب له فإنه يجوز بيع جميعه ودَعَّم ذلك بالنقل، ثم قال: وبذلك تعلم (أنه) لا معول على ما للجزولي وابن عمر القائلين: إن الحب لا يباع بيبس بعضه بل لا بد من يبس جميعه. انتهى. أي لأن الزرع يباع بيبس البعض الذي هو الجل بحيث يبقى ما لا خطب له.
واللَّه تعالى أعلم. ولما ذكر أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ممنوع وبعد بدو صلاحه جائز بشرط عدم ربا الفضل والنساء وعدم الموانع، ذَكَرَ ما استثني من ذلك وهو بيع العرية فقال: ورخص جوازا لمعر وهو واهب الثمرة وقائم مقامه كوارثه، بل وإن قام مقامه باشتراء بقية الثمرة المعراة فقط دون أصلها وأحرى معه لا غاصب اشتراء ثمرة من المعرَى بالفتح أو وارثه أو مشتر منه شأنها أنها تيبس بالفعل لو تركت، وتدخر كما يدل عليه تعبيره بالمضارع لا أنها حين الشراء يابسة وإلا لم يصلح جعل.
قوله: وبدا صلاحها شرطا ولا يُكتَفَى بيبس جنسها كلوز وجوز ونخل غير مصر وعنبه وتين وزيتون لا كموز ورمان وخوخ وتفاح لفقد يبس ذلك لو ترك،
ومثله ما لا ييبس مما أصله أن ييبس كعنب مصر. وأفاد بقوله: "كلوز" أنها لا تختص بثمر النخل والعنب وهو المشهور،
وقيل تختص بهما. قاله عبد الباقي. وَإيضَاحُ كلام المص أن من أعرى ثمرة أي وهبها يرخص له في أن يشتريها بقدرها من التمر بالشروط الآتية، ومثل الواهب للثمرة من يقام مقامه في أن له ذلك كالوارث والموهوب ومشتري الأصول مع الثمار أو الأصول فقط، بل وإن قام مقامه باشتراء بقية الثمرة ولا بد من أن تكون هذه الثمرة المعراة أنها تيبس. وقوله: "اشتراء" نائب رخص مع أن الرخص فيه إنما يتعدى له بفي، لكن فعل ذلك تجوزا كما في: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} أي من قومه والرخصة تتعلق بالمعرى بالفتح أيضا وهي مستثناة من أصل محرمة المزابنة والطعام بالطعام لأجل وبيع الرطب باليابس.
وفي المواق عن الموطإ: (نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن المزابنة وأرخص في بيع العرايا بخرصها تمرا ما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق) . التتائي: العرية ثمرة نخل أو غيره تيبس وتدخر يهبها مالكها ثم يشتريها من الموهوب له. انتهى. وفيه أن شراءها من الموهوب له ليس من حقيقتها. قاله ابن عاشر. وعرف ابن عرفة العرية بقوله: ما منح من ثمر ييبس. وإنما يجوز شراء من ذكر للثمرة المذكورة بشروط أشار إليها بقوله: إن لفظ بالعرية يعني أنه يشترط في جواز الشراء المذكور أن يكون عقد العرية وقع بلفظ العرية لا بالهبة أو الصدقة أو العطية أو نحو ذلك، وهذا هو المشهور اتباعا للفظ الحديث، وخالف ابن حبيب وغيره في هذا الشرط فأجازوا شراءها ولو وقعت بلفظ الهبة ونحوها. قاله الشارح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.