موات الأرض ما سلم عن الاختصاض بعمارة
الشروح عليها
(بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ مَوَاتَ الْأَرْضِ، وَإِحْيَاءَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَقَالَ (مَوَاتُ الْأَرْضِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (مَا سَلِمَ) أَيْ أَرْضٌ سَلِمَتْ أَيْ خَلَتْ (عَنْ الِاخْتِصَاصِ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ وَهُنَا تَمَّ التَّعْرِيفُ وَقَوْلُهُ (بِعِمَارَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَالِاخْتِصَاصُ كَائِنٌ بِسَبَبِ عِمَارَةٍ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ، أَوْ تَفْجِيرِ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: مَوَاتُ الْأَرْضِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَاتَ - بِضَمِّ الْمِيمِ - الْمَوْتُ
وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا انْتِفَاعَ بِهَا فَهُوَ بِالْفَتْحِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(قَوْلُهُ: مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ) اسْتَغْنَى بِالِاسْمِ الْمُحَلَّى بِأَلْ عَنْ أَنْ يَقُولَ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ لِإِفَادَةِ الِاسْمِ الْمُحَلَّى الْعُمُومَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ أَرْضٌ سَلِمَتْ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ مَا وَاقِعَةٌ عَلَى أَرْضٍ وَحِينَئِذٍ فَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ فِي سَلِمَ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَا.
(قَوْلُهُ: وَهُنَا تَمَّ التَّعْرِيفُ) اُعْتُرِضَ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ حَرِيمَ الْبَلَدِ لَا يُسَمَّى مَوَاتًا لِعَدَمِ سَلَامَتِهِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَوَاتٌ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَوَاتَ قِسْمَانِ قَرِيبٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَبَعِيدٌ مِنْهُ فَالْقَرِيبُ يَفْتَقِرُ فِي إحْيَائِهِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ دُونَ الْبَعِيدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ " بِعِمَارَةِ " مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ فَيَدْخُلَ بِهِ فِي التَّعْرِيفِ كُلُّ مَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِغَيْرِ الْعِمَارَةِ كَالْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَيَكُونَ قَوْلُهُ " وَلَوْ انْدَرَسَتْ " مُبَالَغَةً فِيمَا فُهِمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَمَّرَ لَيْسَ بِمَوَاتٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَالْمُعَمَّرُ لَيْسَ بِمَوَاتٍ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ مُعَمِّرُهُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ عِمَارَتُهُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ) رَوَى ابْنُ غَانِمٍ: مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ اهـ وَانْظُرْ جَرْيَةَ الْوَادِي إذَا انْصَرَفَ الْوَادِي عَنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ جَفَّ الْوَادِي أَوْ انْقَطَعَ هَلْ يَكُونُ مَوْضِعُ جَرْيَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَاتِ؟ وَكَيْفَ لَوْ كَانَتْ فِي عُدْوَتَيْ النَّهْرِ أَرْضٌ لِقَوْمٍ. اُنْظُرْهُ فِي آخِرِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّهُ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَكُونُ مَوَاتًا. وَانْظُرْ سَمَاعَ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ (بِعِمَارَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الِاخْتِصَاصُ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ الْعِمَارَةُ فَلَا يَتَمَلَّكُ بِلَا إحْيَاءِ الْمَعْمُورِ
(ص) مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ (ش)
إمَّا؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ عَلَى الْوُجُودِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ طَبْعًا فَقُدِّمَ وَضْعًا،
وَإِمَّا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ مُتَّحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادٌّ لِلْمَوَاتِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَوَاتَ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ وَاسْتَغْنَى الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَنْ يَقُولَ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ بِالْجَمْعِ بِالِاسْمِ الْمُحَلَّى بِأَلْ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ بِقَوْلِهِ هُوَ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الْأَرْضِ مَا يَشْمَلُ تَفْجِيرَ الْمَاءِ وَإِخْرَاجَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي لِلْمُؤَلِّفِ فِي بَيَانِ الْإِحْيَاءِ وَأُخْرِجَ بِدَاثِرِ الْأَرْضِ غَيْرُ الدَّاثِرَةِ وَتَعْمِيرُ غَيْرِ الْأَرْضِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ إلَخْ عَمَّا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ مِنْ التَّعْمِيرِ كَالتَّحْوِيطِ وَرَعْيِ الْكَلَأِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ مَا يَكُونُ مِنْ التَّعْمِيرِ مُقْتَضِيًا لِلِاخْتِصَاصِ وَمَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْأَخْفَى وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ بَيَانَهُ لِذَلِكَ بَعْدُ يَدْفَعُ عَنْهُ ذَلِكَ
ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى التَّعْرِيفِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ وَالْحِمَى لَيْسَا مِنْ الْإِحْيَاءِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِمَا تَعْمِيرُ دَاثِرِ الْأَرْضِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الِاخْتِصَاصُ الَّذِي الْإِحْيَاءُ مِنْ أَقْسَامِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْإِحْيَاءِ الَّذِي التَّعْرِيفُ لَهُ فَهُمَا قَسِيمَانِ لِلْإِحْيَاءِ لَا قِسْمَانِ مِنْهُ
ثُمَّ إنَّ إضَافَةَ الْمَوَاتِ إلَى الْأَرْضِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ: الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَقَوْلُهُ مَا أَيْ: أَرْضٌ وَذِكْرُ الضَّمِيرِ فِي سَلِمَ نَظَرًا لِلَفْظِ مَا. (ص) بِعِمَارَةٍ وَلَوْ انْدَرَسَتْ إلَّا لِإِحْيَاءٍ (ش) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ الِاخْتِصَاصُ كَائِنٌ بِعِمَارَةٍ أَوْ يَكُونُ بِعِمَارَةٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعِمَارَةَ إذَا انْدَرَسَتْ وَكَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ بَيْعٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ مَلَكَهَا مِنْ مَوَاتٍ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إقْطَاعٍ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ مَوَاتًا فَإِنْ كَانَتْ الْعِمَارَةُ الْمُنْدَرِسَةُ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ مَوَاتًا
وَيَبْطُلُ اخْتِصَاصُ الْمُحْيِي بِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ فَفِي الْحَطَّابِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى،
وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهُ الثَّانِي بِحِدْثَانِ عَوْدِهِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَعْرِفَةٍ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ عِمَارَتِهِ مَنْقُوضَةً بَعْدَ يَمِينِ الْأَوَّلِ إنَّ تَرْكَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لَهُ وَإِنَّهُ كَانَ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ انْتَهَى قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ بِعِمَارَةِ الثَّانِي وَسَكَتَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى تَسْلِيمِهِ إيَّاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ طَبْعًا) أَيْ: لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْوُجُودِ مُتَقَدِّمٌ فِي التَّعَقُّلِ
(قَوْلُهُ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ) الْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ الْمَوَاتِ وَالْإِحْيَاءِ تَضَادًّا فِي الْجُمْلَةِ.
(أَقُولُ) فَإِذًا فَمَا الْمُرَجَّحُ لِتَقَدُّمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَجَّحَ كَوْنُ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ بِمَثَابَةِ الْبَسِيطِ وَالثَّانِي بِمَثَابَةِ الْمُرَكَّبِ وَالشَّأْنُ تَقْدِيمُ الْبَسِيطِ عَلَى الْمُرَكَّبِ
(قَوْلُهُ بِالِاسْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اسْتَغْنَى وَقَوْلُهُ بِالْجَمْعِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ الِاخْتِصَاصَاتِ أَيْ: حَالَةَ كَوْنِهَا مُلْتَبِسَةً بِكَوْنِهَا جَمْعًا.
(قَوْلُهُ مَا يَشْمَلُ إلَخْ) تَسَمُّحٌ؛ لِأَنَّ تَفْجِيرَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ التَّعْمِيرِ وَلَا مِنْ أَجْزَائِهِ بَلْ هِيَ سَبَبٌ فِيهِ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْأَخْفَى) أَيْ بِالْخَفِيِّ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَقَوْلُهُ وَيُجَابُ إلَخْ هَذَا جَوَابُ لَا يُنْتَفَعُ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ التَّعْرِيفُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَبِالنَّظَرِ لَهُ وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ دَاثِرَ الْأَرْضِ مَا هُوَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الدَّاثِرَ هُوَ الَّذِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ مَعْرُوضِ الْإِحْيَاءِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ
(قَوْلُهُ لَا قِسْمَانِ مِنْهُ) ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِقْطَاعَ وَالْحِمَى كُلٌّ مِنْهَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الِاخْتِصَاصِ فَالِاخْتِصَاصُ تَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
(قَوْلُهُ أَيْ: الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّ الْمَوَاتَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا فَلَا يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ
(قَوْلُهُ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ) لَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالِاخْتِصَاصِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ إيهَامِ أَنَّ مَا سَلِمَ مِنْ الْعِمَارَةِ يَكُونُ مَوَاتًا وَلَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِغَيْرِ الْعِمَارَةِ كَبِشَيْءٍ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ الْعِمَارَةُ الْمُنْدَرِسَةُ إلَخْ) آفَادَ الشَّارِحُ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعِمَارَةَ يَحْصُلُ بِهَا الِاخْتِصَاصُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ تِلْكَ الْعِمَارَةُ مَا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْعِمَارَةُ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ بِأَنْ كَانَتْ نَاشِئَةً مِنْ بَيْعٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَإِنْ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ فَعِنْدَ انْدِرَاسِهَا زَالَ الِاخْتِصَاصُ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى انْدَرَسَتْ وَكَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ زَالَ الِاخْتِصَاصُ وَلَوْ لَمْ يَطُلْ زَمَنُ الِانْدِرَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ الَّذِي دَثَرَ إنْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ إحْيَاءٍ فَإِنَّهُ يَزُولُ مِلْكُ بَانِيهِ عَنْهُ بِشَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ بَعْدَ انْدِرَاسِهِ،
وَالثَّانِي: أَنْ يُحْيِيَهُ شَخْصٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ الطُّولِ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ شِرَاءٍ مِمَّنْ أَحْيَاهُ أَوْ قَبِلَهُ مِنْ وَاهِبٍ أَوْ مُتَصَدِّقٍ وَبَنَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُ بَانِيهِ عَنْهُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ الِانْدِرَاسِ وَلَوْ أَحْيَاهَا آخَرُ فَلَا عِبْرَةَ بِإِحْيَائِهِ أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مَوَاتًا،
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِعِمَارَةٍ لِلْمُلَابَسَةِ عَلَى حَلِّ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِاخْتِصَاصِ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الِاخْتِصَاصَ مُلْتَبِسٌ بِعِمَارَةٍ أَيْ: بِنَاءٍ إذَا كَانَ نَاشِئًا عَنْ شِرَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ
لَا إنْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ إحْيَاءٍ فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ لَمْ يَكُنْ بِالْعِمَارَةِ بَلْ الْإِحْيَاءُ حَصَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ وَالْعِمَارَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَنُسْخَةُ شَيْخِنَا عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَعْنَى إذَا انْدَرَسَتْ وَكَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ بَيْعٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ مَلَكَهَا مِنْ مَوَاتٍ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إقْطَاعٍ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ مَوَاتًا فَإِنْ كَانَتْ الْعِمَارَةُ الْمُنْدَرِسَةُ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ مَوَاتًا وَتَبْطُلُ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا) أَيْ إذَا كَانَتْ الْعِمَارَةُ الْأُولَى نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهُ الثَّانِي) وَلَيْسَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إشَارَةً إلَى الْإِحْيَاءِ الْوَاقِعِ مِنْ الثَّانِي لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا لِإِحْيَاءٍ أَيْ: مَا لَمْ تَكُنْ الْعِمَارَةُ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ.
[بَاب مَوَاتُ الْأَرْضِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ الْمَوَاتِ وَإِحْيَائِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (مَوَاتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مَوَتَانٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ وَمَيْتَةٌ.
وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَوْتَانُ بِضَمِّهَا فَهُمَا الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، أَيْ حَقِيقَةُ مَوَاتِ (الْأَرْضِ مَا) أَيْ أَرْضٍ جِنْسٍ شَمِلَ كُلَّ أَرْضٍ (سَلِمَ) جَرَّدَهُ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَا، أَيْ خَلَا (عَنْ الِاخْتِصَاصِ) أَيْ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِأَحَدٍ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ غَيْرَ الْمَوَاتِ. ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَائِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا وَمَوَاتُ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فَاطِرٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبُورِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَتَبِعَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ، وَتَرَكَا رِوَايَةَ ابْنِ غَانِمٍ، وَهِيَ أَجْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ مَدْلُولِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَمُوجِبِهِ. بِعِمَارَةٍ [منح الجليل] طفي هَذَا التَّعْرِيفُ لِلْغَزَالِيِّ ارْتَكَبَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْمَوَاتَ بِالسَّالِمِ عَنْ الِاخْتِصَاصِ وَالِاخْتِصَاصُ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ لَا تَكُونُ الْأَرْضُ غَيْرَ مَوَاتٍ إلَّا بِاسْتِيفَائِهَا. ابْنُ شَاسٍ الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ أَنْوَاعٌ،
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْوَاعَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ لَا يُسَمَّى مَوَاتًا، وَهُوَ يُخَالِفُ قَوْلَهُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى الْإِحْيَاءِ. الْمَوَاتُ قِسْمَانِ: قَرِيبٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَبَعِيدٌ، فَالْقَرِيبُ يَفْتَقِرُ إحْيَاؤُهُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ لِوُقُوعِ التَّشَاحِّ فِيهِ،
بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ مَا خَرَجَ عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعِمَارَةِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى إلَخْ،
وَكَذَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ يُطْلِقُونَ عَلَى الْحَرِيمِ مَوَاتًا قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، فَاعْجَبْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ كَيْفَ ارْتَكَبُوا هَذَا الْحَدَّ وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِكَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لِكَلَامِهِمْ،، فَالصَّوَابُ فِي تَعْرِيفِ الْمَوَاتِ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُعَمَّرْ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ، وَالْمُحَيَّاةُ مَا عُمِّرَتْ، وَالْإِحْيَاءُ التَّعْمِيرُ.
الْبُنَانِيُّ وَفِي التَّوْضِيحِ إشَارَةٌ إلَى نَحْوِ هَذَا الْإِيرَادِ عِنْدَ تَقْسِيمِ الْمَوَاتِ إلَى قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِجَعْلِ قَوْلِهِ بِعِمَارَةٍ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، فَيَخْرُجُ بِهِ كُلُّ مَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِغَيْرِ الْعِمَارَةِ كَالْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَمَا أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ إلَخْ مُبَالَغَةً عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَمَّرَ لَيْسَ بِمَوَاتٍ، وَيُقَدَّرُ لِقَوْلِهِ وَبِحَرِيمِهَا عَامِلٌ يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ بِهِ كَذَا فِي نُسْخَةِ الْبُنَانِيِّ الَّتِي بِيَدِي، وَصَوَابُهُ يَدْخُلُ، إذْ الْمَقْصُودُ إدْخَالُ الْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَالْمُقْطَعِ فِي الْمَوَاتِ، وَلِأَنَّ قَيْدَ الْقَيْدِ لِلْإِدْخَالِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. الْحَطّ وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَعْرِيفِ الْمَوَاتَ
إمَّا؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ فَلِتَقَدُّمِهِ طَبْعًا قَدَّمَهُ وَضْعًا،
وَإِمَّا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ وَاحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادُّ الْمَوَاتِ، فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ بَعْدَهُ.
وَصِلَةُ الِاخْتِصَاصِ (بِعِمَارَةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَعْمِيرٍ، فَالْأَرْضُ الْمُعَمَّرَةُ لَيْسَتْ وَلَوْ انْدَرَسَتْ، إلَّا لِإِحْيَاءٍ.
[منح الجليل] مَوَاتًا إنْ بَقِيَتْ الْعِمَارَةُ، بَلْ
وعرف المؤلف الموات بقوله: موات الأرض ما سلم عن الاختصاص بعمارة؛ يعني أن الموات من الأرض أي الذي يستحقه من أحياه هو ما سلم أي تجرد عن الاختصاص بعمارة، قال الخرشي: والمعنى أن موات الأرض ما سلم عن الاختصاص، وإيضاح هذا أن موات الأرض هو ما كان باقيا على حاله ليس له مالك ولا به عمارة،
فإن زالت عنه هذه الحالة بأن أجري فيه ماء مثلا فقد اختص بما أحدث فيه وصار ملكا لمن أحدث ذلك فيه، فقد كان عاما بسبب إباحته لجميع الناس، فلما أحدث فيه ما أحدث تخصص أي صار خاصا بمن أحياه، وقوله: بعمارة؛ يعني أن الاختصاص يكون بعمارة كبناء الأرض،
فإذا بنى شخص بالموات فقد اختص الباني بذلك المكان، وإيضاح هذا الإيضاح أن من أعمر أرضا أو أجرى فيها ماءً مثلا بعد أن كانت مواتا فقد حصل له الاختصاص بها بسبب ما أحدث فيها وكانت قبل ما أحدث فيها عامة إباحتها لجميع الناس. واللَّه تعالى أعلم. وبعمارة يتعلق بالاختصاص كما للتتائي، أو بمحذوف خبر أي الاختصاص كائن بعمارة كما في الشبراخيتي.
ولو اندرست؛ يعني أن العمارة إذا اندرست فإنه لا يزول عن الأرض الاختصاص ولا ترجع الأرض مواتا فلا تكون لمن أحياها ثانيا، والخلاف الذي أشار إليه بلو ليس منصوصا بل هو مخرج،
قال في البيان: ولا أعرف نص خلاف أن من اشترى مواتا أو اختطه لا يزول ملكه عنه بتركه إياه حتى يعود إلى حالته الأولى إلا أن الاختلاف يدخل في ذلك بالمعنى من مسألة الصيد يندُّ من صاحبه فيستوحش ويصيده غيره إذ قال محمد بن المواز: إن الثاني أحق به. ولم يفرق بين أن يكون الأول قد صاده أو ابتاعه فيلزم على قوله مثل هذا في إحياء الموات. انتهى المراد منه.
وقوله: حتى يعود إلى حالته الأولى، غاية في الترك لا في قوله: لا يزول ملكه عنه. كما هو ظاهر. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. واللَّه تعالى أعلم. إلا لإحياء، مستثنى من قوله
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.