وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ
الشروح عليها
(وَافْتَقَرَ) أَيْ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ (لِإِذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَإِنْ) كَانَ الْمُحْيِي (مُسْلِمًا) وَالْوَاوُ لِلْمُبَالَغَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ الْإِحْيَاءَ فِيمَا قَرُبَ
وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ لِلْحَالِ (إنْ قَرُبَ) لِعِمَارَةِ الْبَلَدِ بِأَنْ كَانَ فِي حَرِيمِهَا
(قَوْلُهُ: أَيْ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ) جَعَلَ الضَّمِيرَ رَاجِعًا لِلْإِحْيَاءِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْبَابِ مَعْقُودًا لَهُ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَعْلُومٍ مِنْ الْمَقَامِ عَلَى حَدِّ. {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}
وَيَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْمَوَاتِ الْمُحْدَثِ عَنْهُ سَابِقًا أَيْ وَافْتَقَرَ الْمَوَاتُ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إحْيَاؤُهُ.
(قَوْلُهُ: لِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَنْظُرَ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ أَذِنَ، وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ الْإِحْيَاءَ فِيمَا قَرُبَ) أَيْ وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ الْبَاجِيَّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قِيلَ حُكْمُ الذِّمِّيِّ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِي جَوَازِ إحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ إنْ كَانَ بِإِذْنٍ لَمْ يَبْعُدْ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ الْإِحْيَاءُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَرُبَ) أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الْإِحْيَاءُ لِعِمَارَةِ الْبَلَدِ بِأَنْ كَانَ مِنْ حَرِيمِهَا.
ص (وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْمَى فِي الْقَرِيبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ لِلْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنْ رَكَنَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ لِابْنِ الْقَصَّارِ قَالَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاتِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبَعِيدِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَرِيبُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يُلْحِقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ
وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعُمْرَانِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى مِمَّا الْعَادَةُ أَنَّ الرِّعَاءَ يَصِلُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَبِيتُونَ بِهَا وَيَحْتَطِبُ الْمُحْتَطِبُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَنْزِلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ الَّذِي يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْعُمْرَانِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يَكُونُ الْقَرِيبُ مَوَاتًا إذْ الْمَوَاتُ مَا انْفَكَّ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَرِيبِ إحْيَاءٌ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ مَانِعٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ أَيْ فِي حَرِيمِ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ الْمَوَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ.
وَنَصُّهُ: الْمَوَاتُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النَّاسُ بِالْإِحْيَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ غَانِمٍ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ.
فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ
وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ
وَقِيلَ إنَّ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتُلِفَ إنْ وَقَعَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ قِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ
وَقِيلَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَكُونُ لَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الشَّعَارِي الْمُجَاوِرَةُ لِلْقُرَى وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَفَاءِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ كَالسَّاحَةِ لِلدُّورِ وَإِنَّمَا الْعَفَاءُ مَا بَعُدَ وَتَعَقَّبَ الْفَضْلُ قَوْلَهُ فَقَالَ وَأَيْنَ يُقْطِعُ الْإِمَامُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الشَّعَارِي الْقَرِيبَةَ مِنْ الْقُرَى جِدًّا لِأَنَّ إقْطَاعَهَا ضَرَرٌ بِهِمْ فِي قَطْعِ مَرَافِقِهِمْ مِنْهَا الَّتِي كَانُوا يَخْتَصُّونَ بِهَا لِقُرْبِهِمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي رَسْمِ الدُّورِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ الدُّورِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَالشَّعَارِي هِيَ الشَّجَرُ الْمُخْتَلِطُ أَوْ الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ كَذَا فَسَّرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ إحْيَاءِ الْقَرِيبِ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ
وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا انْتَهَى.
(وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ فِي الْقُرْبِ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. اُنْظُرْ حُكْمَ الذِّمِّيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَلَوْ ذِمِّيًّا ".
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِخِلَافِ الْبَعِيدِ وَلَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (ش) فَاعِلُ افْتَقَرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمُحْيِي أَوْ عَلَى الْمَوَاتِ أَوْ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُحْيِيَ الْمُسْلِمَ يَفْتَقِرُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْإِحْيَاءُ قَرِيبًا مِنْ الْعُمْرَانِ،
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَالْمَنْصُوصُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْيَاءُ فِيهِ وَلَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فَإِنْ تَعَدَّى الْمُسْلِمُ وَأَحْيَا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُعْطِيهِ قِيمَةَ مَا بَنَى أَوْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ مَقْلُوعًا وَيُثْبِتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ يُعْطِيهِ لِغَيْرِهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ،
فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقَعُ الْإِحْيَاءُ فِيهِ بَعِيدًا مِنْ الْعُمْرَانِ فَإِنَّ الْمُحْيِيَ لَا يَفْتَقِرُ فِي إحْيَائِهِ فِيهِ لِإِذْنٍ وَلَوْ كَافِرًا حَيْثُ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُحْيَا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْمُتَقَدِّمِ تَفْسِيرُهَا فِي بَابِ الْجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» فِي رِوَايَةِ عِيسَى هِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَمَا وَالَاهَا قَالَ ابْنُ دِينَارٍ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَزْرِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ الْجَزَّارُ لِقَطْعِهِ الْحَيَوَانَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْ وَسَطِهَا إلَى أَجْنَابِهَا؛
لِأَنَّ الْبَحْرَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ وَالْجَنُوبُ وَالْمَشْرِقُ فَفِي مَغْرِبِهَا جَدَّةُ وَالْقُلْزُمُ وَفِي جَنُوبِهَا بَحْرُ الْهِنْدِ وَفِي مَشْرِقِهَا خَلِيجُ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْبَصْرَةُ وَأَرْضُ فَارِسٍ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَافْتَقَرَ رَجَّعَهُ ابْنُ غَازِيٍّ لِلْمَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ وَلَمْ يُرَجِّعْهُ لِلْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْكُورًا
وَأَمَّا الْإِحْيَاءُ السَّابِقُ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِإِحْيَاءٍ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مُخْرَجٌ وَجَعَلَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ مَعْقُودٌ لِلْإِحْيَاءِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ مُسْلِمًا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْوَاوِ لِلْحَالِ لَا لِلْمُبَالَغَةِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْيِي بِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي الْقَرِيبِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ.
وَلِمَا قُدِّمَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الِاخْتِصَاصِ الْإِحْيَاءَ وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِأَحَدَ عَشَرَةَ أُمُورٌ مِنْهَا سَبْعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْمُؤَلِّفِ ذَلِكَ وَذَكَرَ جَمِيعَهَا عَاطِفًا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبْعَةِ مَجْرُورٌ بِالْبَاءِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهَا فَهُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُخْرِجًا لَهَا بِلَا فَقَالَ
(قَوْلُهُ يَعُودُ عَلَى الْمُحْيِي) وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِاعْتِبَارِ إحْيَائِهِ
وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْمَوَاتِ
(قَوْلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْعُمْرَانِ) حَدُّ الْقَرِيبِ مَا تَلْحَقُهُ الْمَاشِيَةُ بِالرَّعْيِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا وَهُوَ مَسْرَحٌ وَمُحْتَطَبٌ،
وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى الْيَوْمِ وَمَا قَارَبَهُ وَمَا لَا تُدْرِكُهُ الْمَوَاشِي فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا فَهُوَ فِي الْبَعِيدِ
(قَوْلُهُ جُدَّةُ) بِالضَّمِّ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ: بَحْرُ جُدَّةَ وَالْقُلْزُمَ وَهُوَ بَحْرٌ وَاحِدٌ الْمُسَمَّى بِبَحْرِ السُّوَيْسِ
(قَوْلُهُ عُمَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ: مَعَ التَّنْوِينِ،
وَأَمَّا عَمَّانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ فَهِيَ قَرْيَةٌ بِنَاحِيَةِ الشَّامِ
(قَوْلُهُ وَالْبَحْرَيْنِ) اسْمُ بَلَدٍ
(قَوْلُهُ بِأَحَدِ عَشَرَةِ أُمُورٍ) أَيْ: بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أُمُورٍ
(قَوْلُهُ بِغَيْرِهَا) أَيْ: بِغَيْرِ مُصَاحَبَةِ الْبَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عُطِفَ بِغَيْرِ الْبَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ.
(وَافْتَقَرَ) إحْيَاءُ الْمَوَاتِ (لِإِذْنِ) مِنْ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُحْيِي مُسْلِمًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ الْمَوَاتُ مِنْ الْعُمْرَانِ. ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ فِي الْمَوَاتِ الْقَرِيبِ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. الْحَطّ وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ. إمْضَاؤُهُ، أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا
بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، [منح الجليل] الْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يَلْحَقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا اهـ
وافتقر لإذن، فاعل افتقر ضمير يعود على الإحياء، يعني أن الإحياء يفتقر لإذن من الإمام حيث كان المحيي ذميا، بل وإن كان المحيي مسلما إن قرب المكان الذي يراد إحياؤه من العمران،
وأما لو بعد من العمران فإنه لا يفتقر في إحيائه لإذن من الإمام، وما قررت به المصنف من أن الذمي يفتقر في الإحياء لإذن الإمام حيث قرب المكان المذكور من العمران هو ظاهر المص، ولكن المنصوص للمتقدمين في الذمي أنه لا يجوز إحياؤه ولو أذن له الإمام، واعلم أن حد القريب الذي يفتقر لإذن الإمام هو حريم العمارة نفسه. قال الحطاب: والقريب هو حريم العمارة مما يلحقونه غدوا ورواحا. اهـ.
وقال ابن رشد: وحد البعيد من العمران الذي يكون لمن أحياه دون إذن الإمام ما لم ينته إليه مسرح العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم من العمران. اهـ. قاله بناني.
وقال عبد الباقي: وافتقر المحيي أو الإحياء أو الموات لإذن وإن مسلما على ما مال إليه الباجي في الذمي، ولكن المنصوص للمتقدمين: أنه لا يجوز للذمي الإحياء في القريب أي بمعنى حريم بلد لا يحتاج له أهله ولو بإذن الإمام. انظر التوضيح. ويمكن تمشية المص عليه بجعل الواو للحال لا للمبالغة إن قرب. انتهى. أي قرب لِعمارةِ البلد بأن كان حريمها. قوله: على ما مال إليه الباجي لخ، قال بناني: نص الباجي: لو قيل: حكمهم كحكم المسلمين لم يبعد.
اهـ. لكن قال بعده: وفي إحياء غير المسلم ما قرب مضرة، فلا يأذن فيه الإمام. اهـ. قال ابن عرفة: هذا خلاف قوله: لم يبعد. اهـ. وصرح ابن عرفة بأن ما للمتقدمين هو المشهور، فعلى المؤلف درك في العدول عنه، لكن العذر له أن ابن شأس صدر بما للباجي وعزاه لابن القاسم. والله أعلم. انظر مصطفى. اهـ.
وقال الخرشي: والمنصوص للمتقدمين أنه لا يجوز الإحياء للذمي في القريب ولو أذن الإمام. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعلى عنه: علم مما مر من تفسير القريب بأنه الحريم أن حريم البلد للإمام أن يأذن في إحيائه ويتصرف فيه بأن يخص به أو ببعضه شخصا وقوله وافتقر لخ هذا هو المشهور، أي المشهور أن الإحياء في القريب يفتقر لإذن الإمام، ومقابل المشهور أن إذن الإمام مستحب في القريب، قال الرهوني عند قوله: إن قرب، هذا هو المشهور، صرح به غير واحد منهم ابن رشد فإنه قال: وحكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه، وهي على ثلاثة أوجه: بعيد من العمران، وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه، وقريب من العمران في إحيائه ضرر على من يختص بالانتفاع به
فأما البعيد من العمران فلا يحتاج في إحيائه إلى استيذان الإمام إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون؛
وأما القريب الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام على المشهور في المذهب،
وقيل: إن الاستيذان للإمام في ذلك مستحب وليس بواجب. اهـ.
وأما القريب الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي يضر أخذ شيء منها بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال ولا يبيح ذلك الإمام. واعلم أن إذن الإمام في الإحياء ليس إقطاعا لأن الإذن في الإحياء والإقطاع حقيقتان.
تنبيهات: الأول: قال في المنتقى: من أحيا أرضا في الفيافي فليس لغيره أن يحيي ما قرب منه إلا بإذن الإمام. قاله سحنون في المجموعة. قال: لأنه صار بالإحياء عمرانا فلا يعمر بقربه إلا بإذن الإمام انتهى ونقله ابن عرفة وقبله، وقد نقل في النوادر كلام المجموعة وسلمه، والمراد بذلك الإحياء بالسكنى كما يدل عليه كلامهم، وصرح بذلك أبو علي.
الثاني: قال في النوادر: قال ابن كنانة: فيمن نزل منزلا فيبني فلم يعمر غير منزله فأراد رجل أن ينزل إلى جانبه فمنعه، قال: ليس له أن يمنعه، وليس للثاني أن يضر به فيما عمر، وليس للحريم حد إلا ما يمنع من الضرر. اهـ.
وقال اللخمي: وإذا أحيا الأول بالسكنى فأراد الثاني أن يحيي ليسكن، وأحب الأول أن يبعد عنه. فقال: تكشفني إن كنت قريبا، كان ذلك له، وقد قضى عمر بن عبد العزيز في ذلك أن ينزل عنه نحو مائة ذراع، قال: حيث لا تتبين امرأة ولا يسمع كلام الحي وإن شكا أنه يضيق عليه في المرعى أبعدَ عنه، ورأى أن يُبَعدَ إذا خاف الكشف أكثر من مائة ذراع، ولا يضيق على النساء في تصرفهن هناك؛
ونقله ابن عرفة مختصرا، وقال عقبه: هذا الذي ذكره اللخمي كأنه المذهب عنده خلاف ما تبع فيه ابنُ شأس وابن الحاجب الغزاليَّ وجعلاه المذهب، وهو قولهما: حريم المحفوفة ما يرتفق به من مطرح تراب ومصب ميزاب، والحق عندي أن الإحياء إن كان أذن الإمام فيه أو مقتضى حال الموضع المُحيا فيه جعل ذلك الموضع مدينة أو قرية لا تتقرى غالبا إلا باجتماع الساكنين واتصال مساكنهم فالحق ما قاله ابن شأس وابن الحاجب،
وإن لم يكن الأمر كذلك كما ذكر لي عن مساكن أهل الجبال كجبال زواوَة ونحوها فالحق ما قاله اللخمي. اهـ. ونقله أبو علي وقال: وجمع ابن عرفة ظاهر لا رد له، ثم قال بعد بقريب: وكلام اللخمي أصله في النوادر. اهـ. وإلا بأن أحيا في القريب من العمارة ولم يستأذن الإمام. فلإمام الخيار في أحد شيئين
إما إمضاؤه بأن يمضي له فعله فيكون الموضع المحيا لمن أحياه أو جعله متعديا فيعطيه قيمة بنائه منقوضا وقيمة زرعه وغرسه مقلوعا ويثبته للمسلمين أو يعطيه لغيره.
قال الخرشي: فإن تعدى المسلم وأحيا بغير إذن من الإمام فيخير فيه فإن شاء أمضاه وإن شاء جعله متعديا أي فيعطيه قيمة ما بنى أو غرس أو زرع مقلوعا: ونقل بعد هذا ما نصه:
فإن شاء يأمره بقلعه أو يعطيه قيمته منقوضا ويثبته للمسلمين أو يعطيه لغيره ولا غرم عليه فيما مضى، وكأن وجهه أن أصله مباح اهـ ونحوه لعبد الباقي وغيره،
فإن كان المكان الذي يقع فيه الإحياء بعيدًا من العمران فإن المحييَ لا يفتقر في إحيائه لإذن ولو كافرا حيث كان المحيا بغير جزيرة العرب، وظاهر هذا منع إحياء الذمي بجزيرة العرب ولو كان لا يسكن فيها، وكأن وجهه أنه مظنة أن يسكن ويصير يتردد إلى ذلك المحل. اهـ المراد منه.
وفي المدونة: من أحيا أرضا ميتة بغير إذن الإمام فهي له. قاله أبو الحسن. سحنون: وحد القرب ما تلحقه الماشية بالرعي في غدوها ورواحها وهو مسرح ومحتطب،
وأما ما كان على اليوم وما قاربه وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحها فهو من البعيد من الفيافي. اهـ. قاله الخرشي.
وقال الحطاب عند قوله: أو جعله متعديا: قال ابن عبد السلام: فإذا فرعنا على القول الأول وهو المشهور من أن القريب الذي لا ضرر فيه يفتقر لإذن الإمام فإذا أحياه أحد من غير استيذان تعقب الإمام ما فعله هذا،
فإن رأى إمضاءه أمضاه وإن لم ير ذلك أخذه منه وأعطاه قيمة ما صنعه منقوضا إن رده لبيت المال،
وإن شاء كلفه بهدمه، وإن شاء أقطعه غيره، فكان لذلك الذي أقطعه الإمام إياه أن يأمر هذا بما كان الإمام يأمره به، وهذا هو الذي أجمله المؤلف، يعني ابن الحاجب. بقوله: أو جعله متعديا. اهـ كلام ابن عبد السلام.
ومثله يقال على كلام المؤلف. اهـ كلام الحطاب. وهذا الذي مشى عليه المص هو المشهور، وهو قول مالك وابن القاسم، ورأى اللخمي أنه يعطى قيمته قائما للشبهة. انتهى المراد منه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.