وَنُقِضَ وَبُيِّنَ السَّبَبُ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا أو جلى قياس:
الشروح عليها
(وَنَقَضَ) إنْ عَثَرَ عَلَى خَطَأِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ (وَبَيَّنَ) النَّاقِضُ (السَّبَبَ) الَّذِي نَقَضَ مِنْ أَجْلِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلْجَوْرِ وَالْهَوَى (مُطْلَقًا) أَيْ نَقَضَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ فَقَوْلُهُ نَقَضَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَقَوْلُهُ (مَا) أَيْ حُكْمًا مَفْعُولُهُ (خَالَفَ) فِيهِ (قَاطِعًا) مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ الْقَوَاعِدِ كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ؛
لِأَنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ اخْتِصَاصِ الْجَدِّ أَوْ مُقَاسَمَةِ الْأَخِ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاخْتِصَاصِ الْأَخِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ (أَوْ) خَالَفَ فِيهِ (جَلِيَّ قِيَاسٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِهَا أَيْ قِيَاسًا جَلِيًّا وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ ضَعْفِهِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا قَوْلُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْعَدْلَ الْعَالِمَ إذَا عَثَرَ عَلَى حُكْمٍ خَطَأٍ مُخَالِفٍ لِلنَّصِّ الْقَاطِعِ، أَوْ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ صَادِرًا مِنْ قَاضٍ عَدْلٍ عَالِمٍ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ وَبَيَانُ السَّبَبِ فِي نَقْضِهِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَعَقُّبَهُ؛ لِأَنَّ نَقْضَ حُكْمِهِ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ تَعَقُّبِهِ قُلْت إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ إلَيْهِ فَظَهَرَ خَطَؤُهُ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ نَقَضَهُ هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ أَيْ كَانَ حُكْمَهُ، أَوْ كَانَ حُكْمَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: مَا خَالَفَ قَاطِعًا) نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْقَاطِعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مُطْلَقًا مُتَوَاتِرَةً أَوْ لَا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ فِي السُّنَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ) أَيْ وَكَحُكْمِهِ بِمُسَاوَاةِ الْبِنْتِ لِأَخِيهَا فِي الْمِيرَاثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ) أَيْ
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَمِثَالُهُ أَيْضًا الْحُكْمُ بِعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَوْ مَتَى مَا طَلَّقْتُك وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ تَحَقَّقَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَجِدْ مَحَلًّا، وَكُلُّ شَيْءٍ أَدَّى ثُبُوتُهُ إلَى نَفْيِهِ يَنْتَفِي قَطْعًا فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ أَصْلًا كَذَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي خَالَفَهَا أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ أَنْ يُجَامِعَ الْمَشْرُوطَ وَإِلَّا أُلْغِيَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: قَبْلَهُ كَالْعَدَمِ لَا يُعْتَبَرُ فَهُوَ مُلْغًى لِأَجْلِ أَنْ تَحْصُلَ الْمُجَامَعَةُ وَحِينَئِذٍ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَزِمَ الثَّلَاثُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ شَبَّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ) أَيْ بِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكَافَ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّمْثِيلِ لِعَدَمِ صِحَّةِ جَعْلِ مَا بَعْدَهَا مِثَالًا لِمَا قَبْلَهَا كَمَا قَالَ طفى؛ إذْ لَيْسَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِسْعَاءِ مُخَالَفَةُ قَاطِعٍ وَلَا جَلِيِّ قِيَاسٍ بَلْ وَلَا سُنَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ أُخْرَى وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ هُوَ مُوَافِقٌ لِسُنَّةٍ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا مَرْجُوحَةٌ وَلِذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ فَمَا خَالَفَ عَمَلَهُمْ يُنْقَضُ بِمَنْزِلَةِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا وَالنَّقْضُ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ اهـ كَلَامُ طفى، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِمَا خَالَفَ السُّنَّةَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ سَوَاءٌ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِسُنَّةٍ أَصْلًا، أَوْ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ ضَعِيفَةٍ كَحُكْمِ الْقَاضِي فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ فِي الْجَمِيعِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ جَعَلَهَا لِلتَّشْبِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلَيْنِ وَلِلتَّمْثِيلِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا) أَمَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ
بِخِلَافِ حُكْمِ غَيْرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ ضَرَرَ فَسْخِهِ؟
قَالَ مُطَرِّفٌ: فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَا فَسَّرَ وَجْهَ فَسْخِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيه.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنَّمَا الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُخَلِّصَ مَا رَدَّ بِهِ الْقَضِيَّةَ إذَا فَسَخَ حُكْمَ غَيْرِهِ.
(مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ) اُنْظُرْ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُتَيْطِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا تُعُقِّبَ " قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ قَاطِعًا، الْمَازِرِيُّ: وَيُحْمَلُ رَدُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَاءَ شُرَيْحٍ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا حَفِظَ خَبَرَ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
(ص) وَنُقِضَ وَبُيِّنَ السَّبَبُ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَدْلَ الْعَالِمَ لَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُهُ فَإِذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ وَوُلِّيَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ وَرُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ أَوْ رُفِعَ لَهُ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ وَنَظَرَ فِيهَا فَوَجَدَ فِيهَا مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِقَاطِعٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَإِنَّ لِلْغَيْرِ وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ وُجُوبًا وَيُبَيِّنَ السَّبَبَ الَّذِي نُقِضَ لِأَجْلِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلْجَوْرِ وَالْهَوَى فَمَعْنَى مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ أَوْ لَهُ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ فَقَوْلُهُ مَا أَيْ حُكْمًا مَفْعُولُ نَقَضَ مِثَالُ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ؛
لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الْأَخَ
أَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ النَّصِّ إذَا حَكَمَ بِشُفْعَةِ الْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ فِي اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ شَهَادَةُ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ لَا تَجُوزُ فَالْكَافِرُ أَشَدُّ فُسُوقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مُقْتَضَى الْقِيَاسِ
(قَوْلُهُ: أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ) أَيْ أَوْ خَالَفَ قَاطِعًا مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ مِنْ الْقَوَاعِدِ كَمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ لِابْنِ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَمَاتَ فَلَا إرْثَ لَهَا مِنْهُ لِاجْتِمَاعِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ خِلَافًا لِحُكْمِ ابْنِ سُرَيْجٍ بِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَلْزَمُ عِنْدَهُ إيقَاعُ الثَّلَاثِ فَتَرِثُ مِنْهُ وَقَوْلُنَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ وَلَكِنْ هَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِيِّ لَا لِغَيْرِهِ فَلَا نَقْضَ بُرْزُلِيٌّ كَمَا قَالَهُ الْبَدْرُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَهُوَ مَا قَطَعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ ضَعَّفَهُ مِثَالُ الْأَوَّلِ قِيَاسُ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُعْتِقِ،
وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ الضَّحِيَّةِ وَاحْتِمَالُ أَنَّ الْعَمْيَاءَ يُعْتَنَى بِهَا فِي أَخْذِهَا لِلْمَرْعَى لِكَوْنِهَا لَا تُبْصِرُ بِخِلَافِ الْعَوْرَاءِ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ وُجُوبًا) فَإِنْ قِيلَ نَقْضُ أَحْكَامِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ هُنَا يُنَاقِضُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّقْضَ هُنَا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلَى تَعَقُّبِ أَحْكَامِهِ وَإِنَّمَا عَثَرَ عَلَيْهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ
قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ وَقَعَ مِنْ حَاكِمٍ يَرَاهُ كَالْحَنَفِيِّ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ فِي اسْتِسْعَاءِ الْمُعْتَقِ أَنَّهُ يَنْقُضُ وَلَوْ وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهِ مِمَّنْ يَرَاهُ حَقًّا وَذَكَرَ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِلْمَالِكِيِّ نَقْضُهُ وَلَوْ وَقَعَ فِيهَا الْحُكْمُ مِمَّنْ يَرَاهُ لِضَعْفِ الْمُدْرِكِ فِيهِ قُلْت وَكَلَامُ الشَّيْخِ كَرِيمِ الدِّينِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِذَلِكَ الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَنَقَضَ) الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (وَبَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أَظْهَرَ الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (السَّبَبَ) الْمُوجِبَ لِنَقْضِهِ حُكْمَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْقُوضُ حُكْمَ النَّاقِضِ أَوْ حُكْمَ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ. مُطَرِّفٌ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُفَسِّرْ فَسْخَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيهِ. أَصْبَغُ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُلَخَّصَ مَا خَالَفَ (جَلِيَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْيَاءِ، أَيْ ظَاهِرَ (قِيَاسٍ) أَيْ إلْحَاقَ أَمْرٍ بِأَمْرٍ فِي حُكْمِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّتِهِ وَجَلِيُّهُ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ خَالَفَ قَاعِدَةً قَطْعِيَّةً مَعَ سَلَامَةِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا ابْنَ الْحَاجِبِ التَّابِعَ لِابْنِ شَاسٍ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ النَّصُّ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَهُ وَنَقَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّهُ. ابْنُ عَرَفَةَ تَعْلِيقُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَى مَا خَالَفَ الْقَاطِعَ لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامًا عَنْ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ عَقِبَهُ فَلَمْ يَقْصُرْ الْمَازِرِيُّ النَّقْضَ عَلَى الْقَطْعِ، فَقَصْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِنَصِّ رِوَايَةٍ تَابِعًا.
ابْنُ شَاسٍ مُتَعَقَّبٌ أَفَادَهُ طفي. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مَا خَالَفَ قَاطِعًا. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْخَطَأُ الْمُوجِبُ لِرَدِّ حُكْمِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ فَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا خَالَفَ نَصَّ آيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ. قُلْت أَوْ مَا ثَبَتَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَزَادَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ قِيَاسًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ قَالُوا إنَّهُ إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَيَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ هُنَا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
الثَّانِي: فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَيُنْقَضُ، وَذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ الْجَلِيِّ أَوْ الْقِيَاسِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ وَمُقَاسَمَةُ الْأَخِ،
أَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقَوَاعِدِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِتَقْرِيرِ النِّكَاحِ فِيمَنْ قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ فَالصَّحِيحُ لُزُومُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَهُ،
فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ مَاتَ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِإِرْثِ حَيِّهِمَا نَقَضْنَا حُكْمَهُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ صِحَّةُ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ،
فَإِذَا كَانَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مَشْرُوطِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ شَرْطًا، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّمْثِيلُ بِهَا. وَمِثَالُ مُخَالِفِ النَّصِّ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ،
فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَرَدَ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ فَيُنْقَضُ قِيَاسًا عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ أَشَدُّ مِنْهُ فُسُوقًا وَأَبْعَدُ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ.
١ - الثَّالِثُ: فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَا عُلِمَ فِيهِ نَفْيُ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَطْعًا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ كَالتَّقْوِيمِ عَلَى مُعْتَقِ بَعْضِهِ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فِيهِمَا مِمَّا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِيهَا وَالْقِيَاسُ الْخَفِيُّ مَا يُظَنُّ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ بَيْنَهُمَا كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِخُصُوصِيَّتِهَا لَا لِإِسْكَارِهَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي قَلِيلِهِ.
وَفِي التَّنْقِيحِ لِلْقَرَافِيِّ اُخْتُلِفَ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَقِيلَ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْمَعْنَى، وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ.
وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا تُفْهَمُ عِلَّتُهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ» .
وَفِي شَرْحِهِ قِيَاسُ الْمَعْنَى كَقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى اللَّبَنِ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِجَامِعِ الطَّعْمِ وَالنَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ السُّكْرِ. وَقِيَاسُ الشَّبَهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ وَيَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ كَقَوْلِنَا فِي الْخَلِّ إنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ لِأَنَّهُ مَائِعٌ وَلَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ، فَقَوْلُنَا لَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ لَيْسَ مُنَاسِبًا، لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ،
فَإِنَّ عَدَمَ بِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى قِلَّتِهِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ أَنَّ الْقَنْطَرَةَ لَا تُبْنَى إلَّا عَلَى الْمَائِعِ الْكَثِيرِ فَمَا لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنْطَرَةُ مِنْ الْمَائِعِ فَهُوَ غَيْرُ كَثِيرٍ، وَالطَّهَارَةُ عَلَى مُقْتَضَى اللُّطْفِ بِالْمُكَلَّفِ لَا تُشْرَعُ إلَّا بِمَا هُوَ كَثِيرٌ مُتَيَسِّرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَان، فَالْقِلَّةُ حِينَئِذٍ تُنَاسِبُ الْمَنْعَ، فَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ،
وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ كَقِيَاسِ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي امْتِنَاعِ التَّضْحِيَةِ وَالضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي الْحُرْمَةِ.
الرَّابِعُ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إذَا وَافَقَ مُعَارِضًا رَاجِحًا كَالْقَضَاءِ كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ، [منح الجليل] بِصِحَّةِ الْقِرَاضِ وَالْقَرْضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ وَلِلنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي التَّرْخِيصِ فِيهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ وَخَصَّصَتْهَا.
وَشَبَّهَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) حُكْمٍ بِ (اسْتِسْعَاءِ) أَيْ سَعْيِ رَقِيقٍ
ونقَض وبين السبب مطلقا ما خالف قاطعا أو جلي قياس، قوله: نقض بالبناء للفاعل وهو ضمير يعود على العدل العالم، ومعنى كلامه أن العدل العالم لو وقع الحكم المذكور من العدل العالم ينقض الحكم الخالف لِقاطعٍ من نص كتاب أو سنة أو إجماع، والحكم المخالف للقياس الجلي،
وإذا نقضه فإنه يبين السبب الذي لأجله نقضه مطلقا أي نقضه هو أو غيره، وقد مر التنبيه على الكيفية التي يعرف بها كون حكم العدل العالم خالف قاطعا أو جلي قياس من قول ابن رشد: لا تتصفح أحكامه ولا ينظر فيها إلا على وجه التجويز لها إن احتيج إلى النظر لها لعارض الخصومة إلخ، مثال ما خالف قاطعا من نص كتاب ما لو حكم بأن الذكر من الأولاد مثلا حظه من الميراث حظ الأنثى، ومثاله من الحديث ما لو حكم بجواز جمع المرأة مع عمتها، ومثاله من الإجماع ما لو حكم بأن الميراث كله للأخ دون الجد،
فإن الأمة أجمعت على قولين أن يقاسم الأخ الجد: أو المال كله للجدة
أما حرمان الجد فلم يقل به أحد،
ومن القواطع أيضا القواعد الشرعية: ومثلوا لخالفتها بالمسألة السُّريجية: متى حكم حاكم بتقرير النكاح في حق من قال: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، فطلقها ثلاثا أو أقل فالصحيح لزوم الطلاق الثلاث له،
فإذا ماتت أو مات فحكم حاكم بالتوارث بينهما نقضنا حكمه لأنه على خلاف القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع الشروط، لأن حكمته إنما تظهر فيه،
فإذا كان الشرط لا يصح اجتماعه مع المشروط فلا يصح أن يكون في الشرع شرط، فلذلك ينقض الحكم في المسألة السريجية، وما قاله ابن سريج مبني على عدم اجتماع الشرط مع المشروط نظرا لقوله: قبله، وحينئذ فيجب لغو قوله قبله، والقياس الجليُّ هو ما قطع فيه بنفي الفارق أو ضعفه، وقوله: بنفي، أي انتفاء أي إلغاء الفارق، فمثال القياس الجلي الذي قطع فيه بنفي الفارق قياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه، ومثال القياس الجلي الذي قطع فيه بضعف الفارق قياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بحديث السنن الأربعة (لا تجزئ في الأضاحي العوراء المبين عورها) ومعنى القطع بضعفه أن يكون تأثيره فيه احتمالا ضعيفا، إذ يحتمل أن يفرق بينهما بأن العمياء ترشد إلى المرعى الجيد فترعى فتسمن، والعوراء توكل إلى نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترعى حق الرعي: فيكون العور مظنة الهزال،
فإن هذا الاحتمال ضعيف يعارضه الأمر باستشراف الأذن والعين في (حديث علي رضي الله عنه في السنن) ، واحترز بالقياس الجلي من القياس الخفي وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص،
وقال أبو حنيفة بعدم القصاص في المثقل، وقول المصنف: قاطعا، يقتضي أنه لا ينقض إلا ما خالف القاطع وهم نصوا على أنه إذا خالف السنة غير المتواترة ينقض،
وكذلك إذا خالف عمل أهل المدينة فإنه ينقض، وليس ذلك بقاطع بل هو ظن جلي، ويدفع هذا الاعتراض بأن المسائل التي ذكرها بقوله: كاستسعاء معتق وشفعة جار، إلخ، الكاف فيها للتشبيه لا للتمثيل، وهذا هو الحق كما قاله ابن مرزوق، وهو الذي ارتضاه التتائي، وجد علي الأجهوري، والشيخ أحمد،
ولا يصح أن يكون مثالا لما قبله إذ ليس في الحكم به مخالفة قاطع ولا جلي. قال مصطفى: وليس فيه مخالفة سنة،
فإن المراد بالمخالفة للسنة أن لا يكون الحكم مستندا لسنة أخرى، وهذا ليس كذلك. واعلم أن ما مشى عليه المص في هذه المسائل هو مذهب ابن الماجشون فقط، وهو في التوضيح معترف بذلك، وما زال الأشياخ يستبعدونه،
والمعتمد خلافه وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم، ولذا لم يعرج ابن الحاجب وابن شأس على قول ابن الماجشون هذا، فكان على المص أن لا يذكره لما علمت، ولأنه لا يلائم قوله: ورفع الخلاف بل ينافيه. اهـ. كلام مصطفى. قال بناني: أجاب بعضهم عن المص بأن ما ذكره هو الذي عليه الجماعة، وقول ابن عبد الحكم بعدم النقض انفرد به عن أصحابه،
وأن النقض في هذه المسائل لِمخالفةِ عمل أهل المدينة، كما ذكره المازري في شرح التلقين. قال ما نصه: أشار ابن الماجشون إلى أن هؤلاء الذاهبين إلى خلاف مذهبه خالفوا ما تواطأ عليه أهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كمخالفة السنة القائمة، لا سيما ومذهب ملك أن إجماع أهل المدينة حجة، وابن عبد الحكم لم ير النقض في شيء من هذه المسائل لكون أدلتها ليست بقطعية. اهـ.
وقال ابن حبيب: لا يعجبني ما انفرد به ابن عبد الحكم.
وقال صاحب الذخيرة: إن ابن عبد الحكم انفرد بعدم النقض عن أصحابه.
وقال ابن يونس في كتابه المسمى بالإعلام: إن ما قاله ابن الماجشون من النقض قاله مطرف وأصبغ، وروي أكثره عن ملك، وأنه رَأْيُ علماء المدينة في القديم والحديث، وبهذا كله يتبين أن ما مشى عليه المص هو الموافق لنقل الأئمة، واستبعاد المازري له من جهة النظر لا يضعفه،
وأن قول ابن عبد الحكم هو الضعيف لانفراده به عن أصحابه، وقول ابن عبد البر: لم يقل بالنقض غير عبد الملك مردود بما تقدم غيره. هذا محصل جواب هذا البعض. فتأمله. والله أعلم. اهـ. كلام الشيخ بناني. وقوى الرهوني ما لمصطفى. والله تعالى أعلم. والمسائل التي قال فيها ابن الماجشون بالنقض لمخالفة عمل أهل المدينة،
وقال فيها ابن عبد الحكم بعدم النقض، هي قول المص: كاسْتِسْعَاءِ مُعْتَق إلخ، قد علمت أن هذا وما بعده تشبيه لا تمثيل. قال الخرشي مفسرا للمصنف: والمعنى أنه إذا كان عبد بين رجلين مثلا وأعتق أحدهما حصته، وكان الذي أعتق حصته معسرا بحيث لا يكمل عليه بعضه لعسره وأبى شريكه أن يكمل بعضه بالعتق، فحكم القاضي بأن العبد يسعى ويأتي للشريك الذي لم يعتق بقيمة نصيبه،
فإن هذا الحكم إذا وقع ممن لا يرى استسعاء العبد باطل،
وكذا إذا وقع من حاكم يراه كالحنفي،
وكذلك ما يأتي من المسائل فله نقضه،
فإن قلت: هذا مخالف لما يأتي من أن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
قلت: هو مقيد بما إذا قوي دليله،
وأما غير قوي الدليل فإنه يُنقَض ولا يعتبر حكم الحاكم فيه، كَهَذِهِ المسائل، كما ذكره الشيخ كريم الدين. اهـ كلام الخرشي.
وقال الشبراخيتي: مقتضى نقل القرافي أن نقض الحكم باستسعاء المعتق لمخالفة السنة، لورود الحديث بأنه لا يسعى، لأن ما ورد أنه يسعى ضعيف كما يفيده كلام القرافي، ولا يقدح في دعوى ضعفه أن ما رواه مسلم صحيح إلا ما بَيَّنَ العلماء أنه ضعيف. اهـ.
وقال التتائي: كاستسعاء معتق بعضه، هذا مشبه بما خالف النص والقياس الجلي، وليس داخلا فيه لأن مسلما وغيره رووا حديث الاستسعاء.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.