والقريب: كالحاضر
الشروح عليها
(وَ) الْغَائِبُ (الْقَرِيبُ) الْغَيْبَةِ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ مَعَ الْأَمْنِ حُكْمُهُ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا، ثُمَّ يَكْتُبُ إلَيْهِ بِالْإِعْذَارِ فِيهَا وَأَنَّهُ
إمَّا قَدِمَ أَوْ وَكَّلَ فَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ وَلَا وَكَّلَ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيُبَاعُ عَقَارُهُ وَنَحْوُهُ فِي الدَّيْنِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحُبْسٍ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) أَيْ وَمَا قَارَبَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ إمَّا قَدِمَ) أَيْ
إمَّا إنْ يَقْدَمَ لِإِبْدَاءِ الْمَطْعَنِ فِي الْبَيِّنَةِ، أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَجِّزُهُ) أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ إذَا قَدِمَ وَهَذَا هُوَ مَا فِي الْمَوَّاقِ وَالتَّوْضِيحِ
وَأَمَّا قَوْلُ خش " إنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ " فَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ مِنْ دَيْنٍ وَعَرَضٍ وَعَقَارٍ وَحَيَوَانٍ.
(قَوْلُهُ: إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ) أَيْ لِلْغَيْبَةِ الثَّانِيَةِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
[بَاب الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ] (وَالْقَرِيبُ جِدًّا كَالْحَاضِرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْمَدِينُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ
وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حُجَجٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ. قَالَ سَحْنُونَ: وَاَلَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْحُجَجُ. ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ كَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ كَتَبَ إلَيْهِ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ
إمَّا وَكَّلَ أَوْ قَدِمَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَبِيعَ عَلَيْهِ مَا لَهُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَكُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِ،
وَإِنْ لَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا حَكَمَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَرُجِيَتْ حُجَّتُهُ فِيهِ
(ص) وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ، وَالْغَيْبَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قَرِيبَةٌ وَبَعِيدَةٌ وَمُتَوَسِّطَةٌ
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّ الْغَائِبَ غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْأَيَّامِ مَعَ الْأَمْنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَاضِرِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَتَزْكِيَتِهَا وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قُدِّمَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: تَقَدَّمَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا يَسْمَعُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِمَوْضِعِ الْحُكْمِ مَالٌ أَوْ وَكِيلٌ أَوْ حَمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَّ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ بَلْ عَلَى بَلَدٍ خَاصٍّ وَالْمُرَادُ الَّذِي سَافَرَ لِمَحَلٍّ انْقَطَعَ بِهِ لَا الَّذِي سَافَرَ لِيَرْجِعَ فَهَذَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: كَالْأَيَّامِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ وَقَوْلُهُ: تَزْكِيَتُهَا ثُمَّ يُعْلَمُ بِهَا فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعٌ دَفَعَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ وَيُبَاعُ عَقَارُهُ وَنَحْوُهُ فِي الدَّيْنِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قُدِّمَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي قَوْلَهُ كَالْحَاضِرِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) الْغَائِبُ (الْقَرِيبُ) الْغَيْبَةِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ يُعْلَمُ بِهَا،
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعٌ وَإِلَّا قَضَى وَالْبَعِيدُ: كَإِفْرِيقِيَّةَ، يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ، [منح الجليل] عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ الْإِرْسَالِ إلَيْهِ وَإِعْلَامِهِ بِمَنْ قَامَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ وَمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ وَالْمَقْبُولِ مِنْهُمْ وَتَسْمِيَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَلَمْ يَرَهَا سَحْنُونٌ إلَّا بِحَضْرَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً. ابْنُ عَرَفَةَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ
أَمَّا الدَّيْنُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ،
وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حُجَجٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ. سَحْنُونٌ وَالدَّيْنُ تَكُونُ فِيهِ الْحُجَجُ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَتَبَ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ
إمَّا أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يَقْدُمَ،
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالَهُ مِنْ أَصْلٍ وَغَيْرِهِ،
وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَكُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ.
فقال: والقريب كالحاضر، يعني أن الغائب غيبة قريبة كالثلاثة الأيام مع الأمن حكمه حكم الحاضر في سماع الدعوى والبينة عليه وتزكيتها والحكم عليه في كل شيء. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي مفسرا للمص: والغائب القريب كأيام مع الأمن حكمه كالحاضر في سماع الدعوى والبينة عليه وتزكيتها ثم يعلم بهم اهـ المراد منه قوله: ثم يعلم بهم أي ثم يكتب إليه الحاكم ويعذر إليه في كل حق
إما وكَّل أو قدم وإن لم يقدم حكم عليه في الدين وغيره. قال ابن رشد: ولم ترج له حجة في شيء، نقله في التوضيح والمواق وغيرهما،
وأما قول الخرشي: إنه باق على حجته إذا قدم، فهو غلط منه. والله أعلم. قاله بناني. وقول ابن رشد: في الدين وغيره، أي يقضي عليه في كل شيء حتى في استحقاق العقار ويباع عقاره ونحوه في الدين ويعجزه القاضي إلا في دم وحبس إلى آخر ما مر.
وقال المواق عن ابن رشد: مذهب ملك إن قربت غيبته كمن على ثلاثة أميال كتب إليه وأعذر إليه في كل حق
إما وكل أو قدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين - وبيع عليه ماله من أصل وغيره - وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وكل شيء من طلاق وعتق وغيره ولم ترج له حجة في شيء. اهـ.
وأشار للبعيدة بقوله: والبعيد جدا كإفريقية قضي عليه، يعني أن الغائب غيبة بعيدة كإفريقية من المدينة أو من مكة يقضى عليه في كل شيء دينا كان أو عرضا أو حيوانا أو عقارا، لكن يحلف الطالب يمين القضاء كما قال: بيمين القضاء، والباء في قوله: بيمين القضاء، للمصاحبة كما في الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. فيحلف الطالب أنه ما أبرأ، ولا استوفى، ولا اعتاض، ولا احتال، ولا وكل على الاقتضاء فيه. ولا في بعضه، وهذه اليمين تتوجه في الحكم على الغائب والميت واليتيم، أو الأحباس، أو المساكين، أو على وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من استحق شيئا من الحيوان.
قاله الشبراخيتي. وقوله: أو على وجه من وجوه البر، هو من عطف العام على الخاص، كمال لمن يغزو به أو ليفرق على المدرسين، أو على المنقطعين إلى الله تعالى، أو ليزوج الأعزب: أو لتفك به الأسارى، إلى غير ذلك من وجوه البر. قاله مقيده عفا الله عنه. واعلم أن يمين القضاء تتوجه في الغائب وإن كان له وكيل، فقد نقل الشيخ ميارة في شرح الزقاقية أنه لا يجوز لوكيل الغائب الصالحة عنه في يمين القضاء.
والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: وتسمى هذه يمين الاستبراء ويمين القضاء، وهي تتوجه في الحكم على الغائب والميت، وقد عقد لها في التبصرة فصلا، وذكر ابن سهل في أحكامه أنها تتوجه فيما إذا كان الحق في ذمة الميت،
وأما إذا شهدت بينة بأن الميت أقر بهذا الشيء لشخص فإنه يأخذه ولا يمين عليه،
وسيأتي مزيد كلام لذلك في باب الشهادات عند قول المص: وإن قال: أبرأني موكلك الغائب. اهـ.
وقال الخرشي: قال ابن رشد: ويمين القضاء متوجهة على من يقوم على ميت، أو على غائب، أو يتيم، أو على الأحباس، أو المساكين، أو على كل وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من يستحق شيئا من الحيوان. وبعبارة: ويمين القضاء تجب في الدين الذي على الميت ما لم تشهد البينة على إقرار الورثة بالدين فلا تجب. اهـ.
وقال عبد الباقي: وقول ابن رشد: إنها تتوجه في الدعوى على ميت أي أن عنده دينا إلا أن يقر الورثة الكبار به قبل رفعه للحاكم فلا تتوجه عليه يمين، وهل كذا بعد رفعه إذا رضوا بعدم حلفه أو لا اختلاف لبعض الشيوخ؟ وكما تتوجه في الدعوى على اليتيم تتوجه في الدعوى على صغير أو سفيه. قال عبد الباقي: ومحل يمين القضاء على الحاضر إذا كانت دعواه وبينته بدين في ذمة الغائب قرض أو ثمن مبيع،
وأما إن شهدت عند الحاكم بأن الغائب كان أقر أن عنده لفلان كذا فلا يحتاج ليمين القضاء. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني
وأما إن شهدت عند الحاكم إلى آخره، هكذا نقله الحطاب عن ابن سهل إلا أنه فرضها في الميت لا في الغائب وفرضها في المعين [لا] في أعم منه، وليس بظاهر لإمكان أن يكون هذا المقر له أبرأه بعد الإقرار، وهذا من فوائدها. انتهى، واعلم أن يمين القضاء لا يتم الحكم إلا بها،
وفي مفيد الحكام عن الباجي: قال: أجمعَ من علمت من أصحاب ملك أنه لا يتم لمستحق غير الرباع والعقار حكم إلا بعد يمينه. قال: ورأى بعض شيوخنا ذلك لازما في الرباع والعقار، وبعضهم لم ير في ذلك يمينا،
ثم قال: وقال ابن كنانة: ليس على من قام في أرض أو حيوان أو سلعة يمين إلا أن يدعي الذي كان في يده أمرا يظن بصاحبه أنه قد فعله فيحلف ما فعله ويأخُذُ حقه. قال: وهذه قولة ثالثة.
تنبيه: قال بعض المتأخرين: هذا إذا استحقت من يد غير غاصب،
وأما إن استحقت من يد غاصب فلا يمين على مستحقها إذا ثَبتَ ملكُه لها. مسألة: ويمين المستحق على البت أنه ما باع ولا وهب، ويمين الورثة على العلم أنه ما خرج عن ملك موروثهم بوجه من الوجوه كلها،
وأن ملك جميع الورثة باق عليه إلى حين يمينهم،
ولو كان الدين لميت قام به ورثته على ميت أو غائب، فلا بد أن يحلف الأكابر أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه ولا من أحد بسببه،
ولو كان المطلوب حيا لم يحلفوا حتى يدعى ذلك على الميت أو عليهم، ولا يحلف الأصاغر وإن كبروا بعد موته.
وفي التبصرة: يمين القضاء لا نص على وجوبها لعدم الدعوى على الحالف بما يوجبها، إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للغائب والميت، وحياطة عليه وحفظا لماله للشك في بقاء الدين عليه أو سقوطه عنه اهـ وعلم من هذا أن يمين القضاء هي التي في مقابلة دعوى مقدرة غير واقعة بالفعل، بل يقدر وقوعها احتياطا لمال من يستحيل منه إذ ذاك أن يدفع عن نفسه،
ولو ادعى الحاضر قضاء حق ثبت عليه توجهت اليمين على صاحب الحق،
بخلاف ما لو لم يدع قضاء فلا يمين على الطالب. وعلم مما مر أنهم يطلقون يمين القضاء على يمين الاستحقاق، وهي الواقعة في المعينات، واعلم أنه لا تتوجه يمين الاستحقاق على الحبس ولا يمين القضاء. اهـ. من التسولي.
فروع الأول: قال في التبصرة: من شهد له شاهدان على خط غريمه بما ادعاه عليه والغريم جاحد فلا يحكم له بمجرد الشهادة على خطه حتى يحلف معها،
فإذا حلف إنَّهُ لَحَقٌ وما اقتضيت شيئا مما كتبه بخطه، أعطي حقه. قال مقيده عفا الله عنه: وهو يخالف قول المص "وجازت على خط مقر بلا يمين" ويأتي أنه إحدى روايتين حكاهما ابن الجلاب. الثاني: قد تسقط يمين القضاء في بعض الصور، قال ابن الهندي إذا أوصى الرجل أن يُقضَى دينه من ثلثه فلا يمين على صاحب الحق، وذلك من جملة الوصايا، وقد نقل البرزلي عن المازري أنه إذا أوصى بدين في مرضه الذي مات منه ومات بإثر إيصائه فلا بد من يمين القضاء على صاحب الحق.
الثالث: من أقر في مرضه بدنانير أو دراهم أو ما لا يعرف بعينه ثم مات فلا بد أن يحلف المقر له يمين القضاء أنه ما قبض، ولا وهب ولا أحال، وإنَّهُ لباق عليه إلى الآن،
ولو كان الإقرار بعرض بعينه ثم مات المقر أخذه المقر له بدون يمين. الرابع: إذا كانت المرأة في ولاية أبيها فمات الزوج وطلبت الكالئ ففيها ثلاثة أقوال، المشهور أنها هي التي تحلف. وقاله ابن عتاب وابن العطار.
وقال ابن القطان: لا يمين عليها في ذلك ولا على أبيها وقال غير واحد من الموثقين: إن الأب يحلف دونها وهو عندي أصح لأنها لو أقرت بقبضه لم يسقط عن الزوج بذلك. الخامس. إذا حلف يمين القضاء وتأخر القضاء فليس عليه أن يحلف ثانية بالتوهم المحتمل، ولا يشبه ذلك إذا كان صاحبه حاضرا أو ادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك أو وهبه إياه، فإنه يحلف لحديث (اليمين على من أنكر) .
السادس: قد تكرر يمين القضاء في بعض الصور، وذلك إذا تأخر القضاء بعد إقامة البينة ويمين القضاء إلى أن قدم الغائب الديان وأقام مدة ثم مات فلا يقتضي الطالب حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك هنا حاصل كما كان أول مرة. السابع: من دفع دينا عن ميت ولم يحلف القابض فإن الدافع يضمن. الثامن: قال ابن الحاج: رجل أقر في دين أنه لا حق له فيه مع فلان، وتوجهت يمين القضاء، فأفتيت بأن يحلف المقر له لأنه صاحب الدين،
وقيل: يحلف المقر، وقال ابن رشد: إن كان وهب الدين فإنه يحلف المقر الواهب،
وإن كان أقر أنه لفلان دونه ولم يكن هبةً فإنه يحلف المقر والمقر له جميعا. التاسع: إذا أقر المولَّى عليه بدين لمن لا يتهم عليه، وأوصى أن يخرج من ثلثه، أخرج،
وكذلك الصغير ابن عشر سنين ونحوها، ولا يحلف صاحب الدين، وروى ابن كنانة وأصبغ: أن الدين الذي يقر به المولَّى عليه يخرج من ثلثه وإن لم يوص به ما لم يكثر جدا، قالا: ولا يمين في ذلك على صاحب الدين. العاشر: من له دين على محاجير وأراد أن يترك شيئا منه ولا يحلف يمين القضاء، فهل لوصيهم أن يصالح عنهم في يمين القضاء؟
قال في المعيار: سئل عنها ابن الفخار، فأجاب: لا يجوز حتى يرى أن غريمه يحلف،
وإن ظهر له أن غريمه لا يحلف فلا يصالح إذ لعله لا يحلف، وتعرف عزيمته وعدمها بقرائن الأحوال والأمارات والكلام، ثم نقل عن ابن رشد أنه أجاب: لا يجوز لوكيل الغائب الصالحة عنه في يمين القضاء. قال: وبمثله أفتى ابن الحاج.
وإذا ادعى المطلوب قضاء الدين فأنكر الطالب ذلك، وتوجهت عليه اليمين: فنكل عنها وقلبها على المطلوب فنكل عنها أيضا فإن المطلوب يلزمه غرم الدين.
وللزقاق رحمه الله تعالى: ومن يدعي حقا لميت ليثبتن … له الموت والورَّاث بعد لتفصلا كعكس ولكن مع يمين كغائب … وذي الحجر والأحباس والشبه مجتلا يمين قضاء ذي وتلزم مطلقا … ولو لم يردها ذو رشاد
وقيل لا إذا يبتغي دفعا كبير بحاكم … وفي غيره أطلق وإن يكن اهملا ثبوتٌ فعن مطلوب اسقط يمينه … بتعجيز ذي الإيصاء قولان حصلا معنى المبيت الأول أن من ادعى حقا لميت، كأن يدعي دينا أو وديعة لأبيه أو غيره ممن يكون هذا المدعي وأرثا له،
فإن الدعى عليه لا يلزم بجوابه بإقرار أو إنكار، إلا بعد أن يثبت القائم موت صاحب الحق وعدة ورثته،
فإن لم يثبت ذلك لم يكن له يمين على المطلوب، كما
قال في آخر المبيت الرابع وأول الخامس، أعني قوله "وإن يكن اهملا ثبوت فعن مطلوب أسقط يمينه" أي وإن لم يحصل ثبوت ذلك أي موت الموروث وعدد الورثة فأسقط اليمين عن المطلوب، فثُبُوتُ نائب أهمل وقوله "فعن مطلوب اسقط يمينه" جوابُ وإن يكن، ومعنى قوله: كعكس، أنه إذا مات المدعَى عليه فقام المدعي على ورثته فالحكم فيها كذلك، لا بد من إثبات موت المدعى عليه وعدة ورثته، ولا بد للمدعي في هذه الصورة من أن يحلف يمين القضاء، وعلى ذلك نبه بقوله: ولكن مع يمين،
ولما لم يكن في الصورة الأولى يمين أتى بصيغة الاستدراك كالدلالة على خصوص هذه الصورة باليمين دون الأولى، ثم استطرد ذكر نظائر يلزم فيها يمين القضاء، وذلك فيمن ادعى على غائب أو محجور أو على حبس وشبههم، فقال: كغائب إلخ، وقوله: يمين قضاء ذي أي هذه اليمين هي يمين القضاء، وقوله: وتلزم مطلقا إلخ، فاضل تلزم يعود على يمين القضاء، ومعنى الإطلاق أن يمين القضاء لازمة لرب الدين،
ولو كان وارثو المديان رشداءَ،
ولو لم يدعوا دفع الدين عن وارثهم ولا عن أنفسهم.
فقوله: ولو لم يردها ذو رشاد، تفسير للإطلاق، وأحرى في لزومها على هذا القول حيث يكون في ورثة المديان محجور،
وقوله: وقيل لا، أي لا تلزم إذا كان الورثة رشداء،
والحاصل أن محل الخلاف في لزوم يمين القضاء وسقوطها هو حيث يكون الورثة كلهم رشداء،
أما إن كانوا محاجير أو فيهم محجورٌ فلا خلاف في لزومها، وقوله: إذا يبتغي، يتعلق بتلزم أي مقدرة ومعناه أنه تلزمه أيضا،
ولو أقر الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم فلا يحكم له القاضي به إلا بعد يمينه مخافة أن يطرأ عليه وارث أو دين،
ومعنى قوله: وفي غيره أطلق، أنه إذا كان الوارث صغيرا أو مولى عليه أو فيهم من هو كذلك فأطلق لزوم اليمين، ولا تقيده بإرادة الوارث، بل يحلف أرادها الوارث أم لا، وقوله: بتعجيز إلخ، يعني إذا مات المدين وكان وارثه محجورا أو فيهم محجور ولهم وصي وأحضره الحاكم فهل يعجزه كما يعجز المحكوم عليه في حق نفسه أو لا لأن الحق لغيره وباء بتعجيز في النظم ظرفية؟ وللزقاق رحمه الله تعالى: يمين قضاء لا تعاد سوى لمن … يؤوب وأيضا غاب أو بعد انجلا يعني إذا حلف القائم على الغائب بدين مثلا يمين القضاء وتَأخر اقتضاؤه للدين مدة طويلة لجمع مال الغائب وبيع عقاره مثلا، فلا تعاد هذه اليمين مرة ثانية إلا إذا تأخر القضاء بعد يمينه إلى أن جاء الغائب فأقام معه مدة ثم غاب، فلا يقتضي حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك ها هنا حاصل كما كان أول مرة،
وكذلك الدين المنجم لا يجب عليه فيه أن يحلف عند كل نجم إلا أن يقدم الغائب في خلالها، أو تبعد النجوم بحيث يمكن أن يكون بعد أن قبض النجم الأول قد مضى فاقتضى النجمَ الثانيَ أو وكل من اقتضاه. انتهى. فأشار الناظم بقوله "سوى لمن يؤوب وأيضا غاب" إلى أنه إذا تأخر القضاء بعد الحلف إلى أن قدم الغائب ثم غاب، سواء كان الدين منجما أم لاة وبقوله "أو بعدٌ انجلا" إلى أنه إذا بعدت النجوم بحيث يمكن أن يكون قد قبض النجم الثاني ويحصل الشك فيحلف حينئذ.
والله سبحانه أعلم. وللزقاق: وتعطى صداقا ذات حجر وأرجيت … لرشد كَفِي استحقاق محجورٍ انجلى أي إذا مات الزوج ولزوجه المحجورة دين من الصداق أو غيره فإنها تقضِي دينها وترجى اليمين إلى انطلاقها من الحجر،
فإن نكلت حينئذ عنها ردته، كما أفتى به ابن عتاب وابن رشد وابن سهل وأكثر الأندلُسيين،
وقيل: تحلف الآن، قال في التوضيح: وهو المشهور وهو الظاهر ليلا يضيع حق الخصم، إذ قد تبقى طول عمرها محجورة، بل تقصد ذلك ليلا تحلف كما هو مشاهد عيانا. انظر التاودي. وقوله: كفي استحقاق محجورٍ انجلى، معناه إذا استحق المحجور عرضا أو حيوانا فإنه يأخذ الشيء المستحق وترجى يمين الاستحقاق لرشده. قاله التاودي. وما في ميارة من أنه إن كان صغيرا يبقى المستحق بيد المطلوب كما لو لم يقم له إلا شاهد واحد كما يأتي فَغَيْرُ ظاهر في تفسير الناظم، والذي يظهر ما في التاودي أن التشبيه في أخذ الحق الآن وإرجاء اليمين كما يأتي ما يفيده،
وفي التوضيح: أن في المحجور عليه ثلاثةَ أقوال في يمين القضاء، هل يحلف المحجور أو وصيه أو لا يمين على واحد منهما؟ فالتشبيه في قوله: أرجيت،
وفي نسخة: وأرجيت يمين قضاء للرشاد وكملا، وعليها فلم يشتمل المبيت إلا على المسألة الأولى. ثم قال: كمن غاب والأقوال أربعة وقيـ … ل يَحْلِفُ في مهر أبوها معجلا يعني أنه كما ترجى اليمين أي يمين القضاء على ذات الحجر ويمين الاستحقاق على المحجور لرشدهما، ترجى يمين القضاء ويمين الاستحقاق إذا توجهتا على غائب، يعني غيبة بعيدة إلى حين قدوم، ويقضى على المطلوب بدفع الحق الساعة ولا يؤخَّر، ويقال له: إذا اجتمعت مع الطالب فحلفه، ويكتب له القاضي بذلك كتابا يكون بيده،
فإن مات المقضي له حلف أكابر ورثته على مثل ذلك، ولا يحلف الصغار وإن كَبرُوا بعد موته، وصورة يمين القضاء من له دين على غائب فوكل من يذهب إليه يقتضيه، فادعى أنه قضى ذلك الدين لربه أو أنه أبرأه، فيقضَى للوكيل بقبض الحق منه، وللمقضي عليه تحليف صاحبه أنه لم يقبضه أو لم يبرئه إن لقيه، وصورة يمين الاستحقاق من أبق له عبد مثلا فوكل على طلبه، فوجده الوكيل في غير بلد ربه، فأقام بينة أنه لموكله واحتاج ليمين الاستحقاق، فيقضى للوكيل بأخذ العبد، ويقال للمستحَق من يده: حلف ربه إن لقيته.
وقوله "والأقوال أربعة" يعني فيما بين اليمينين
لا أن في كل واحدة أربعة أقوال، قال الحطاب عند قول المص "وإن قال أبرأني موكلك الغائب" إلخ ما محصله: أن في الغيبة القريبة لا يقضى للوكيل إلا بعد يمين موكِّله في المسألتين،
وأما في الغيبة البعيدة فقيل: يقضى للوكيل في المسألتين، وهو قول أصبغ، وإليه ذهب ابن أبي زيد،
وقيل: لا يقضى له في المسألتين حتى يكتب إلى موكله،
وقيل: يقضى للوكيل بعد حلفه على العلم في المسألتين، فهذه ثلاثة أقوال، والقول الرابع: يقضى للوكيل في مسألة دعوى القضاء والإبراء دون مسألة الاستحقاق، وقوله
"وقيل يحلف في مهر" إلخ، من تمام قوله: وتعطى صداقا ذات مهر، أي
وقيل: لا ترجى يمينها بل يحلف أبوها حلفا معجلا، واعلم أن هذا كله في يمين القضاء والاستحقاق،
وأما يمين النّصاب كما إذا أقام الوكيل للغائب شاهدا، فإنه يقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى أن يقدم الغائب فيحلف مع شاهده،
فإن نكل المشهود عليه عن اليمين قضي عليه، ولم يكن على الغائب إذا قدم أن يحلف. ثم قال الزقاق: فإنفاذ إيصاء بدين لربه … بلا حلف قولان كالصِّدق فاقبَلا يعني أن من أوصى أن يقضى دينه من غير أن يحلف صاحبه يمين القضاء في إنفاذ وصيته وعدم إنفاذها، أي لابد من حلفه يمين القضاء قولان،
وكذلك إذا كان الحق على غائب أو ميت وقد كان رب الدين اشترط أنه مصدق في عدم قبض حقه، ففي إعمال هذا الشرط ولا يمين عليه، وعدم إعماله ويحلف قولان أيضا. مسألة: لا يقتضي الحاكم دين الغائب إلا دين المفقود والمحجور. قال الشيخ ميارة: يريد والله أعلم المحجور الذي لا أب له ولا وصي، أو له وغاب ولم يوكل، ويقبض للغائب ما كان عن تعد مفقودا أو غيره. وللزقاق رحمه الله تعالى: ولا يتقاضى حاكم دين غائب … سوى دين مفقود ومحجور انجلا وفي المدونة: وينظر الإمام في مال المفقود ويجمعه ويوقفه، كان بيد وارث أو غيره، ويوكل به من يرضاه،
وإن كان في ورثته من يراه لذلك أهلا أقامه له، وينظر في ودائعه وقراضه، ويقبض ديونه، ولا يبرأ من دفع من غرمائه إلى ورثته، لأن ورثته لم يرثوه بعد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.