وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ؟ أَوْ عن الشاهد فقط؟ تأويلات
الشروح عليها
(وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمْ،
وَإِنْ كَانُوا تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ (عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ) فَيَكُونُ هَدَرًا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَالَ الْمَقْتُولُ قَتَلَنِي فُلَانٌ أَمْ لَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ الْبُغَاةِ أَمْ لَا؛ إذْ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ لَكَانَ لَوْثًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي النَّقْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي الْمُدَوَّنَةِ (أَوْ) لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ (إنْ تَجَرَّدَ) الْقَتْلُ (عَنْ تَدْمِيَةٍ و) عَنْ (شَاهِدٍ)
وَأَمَّا لَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ، فَالْقَسَامَةُ، وَالْقَوَدُ وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ الْإِمَامِ فِي الْعُتْبِيَّةِ (أَوْ) لَا قَسَامَةَ إنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ (عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ) بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ قَتَلَنِي فُلَانٌ،
وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الْوُلَاةِ بِالْأَوْلَى وَعَلَيْهِ
فَلَوْ قَامَ شَاهِدٌ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ لَكَانَ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، وَالْقَوَدَ، وَهُوَ تَأْوِيلُ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ لِلْمُدَوَّنَةِ (تَأْوِيلَاتٌ) ثَلَاثَةٌ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ الثَّانِي وَمَفْهُومُ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ بِبَيِّنَةٍ لَاقْتُصَّ مِنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانُوا تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ) أَيْ هَذَا إذَا كَانُوا خَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بَلْ،
وَإِنْ كَانُوا تَحْتَ طَاعَتِهِ
(قَوْلُهُ عَنْ قَتْلَى) أَيْ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، أَوْ مِنْ إحْدَاهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْلَمْ) أَيْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ الْقَاتِلُ لَهُمْ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ هَدَرًا) نَحْوُهُ فِي عبق وخش وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ طفى عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ وَاعْتَرَضَهُ طفى قَائِلًا لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَالْأَبِيُّ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ فِي قَتِيلِ الصَّفَّيْنِ أَنَّهُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْفِئَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْفِئَتَيْنِ فَدِيَتُهُ عَلَيْهِمَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ يَعْنِي وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْفِئَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ كَمَا حَمَلْت عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا أَنَّهُ هَدَرٌ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ؛ إذْ لَوْ كَانَ) أَيْ الشَّاهِدُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِتَقْيِيدِ الشَّاهِدِ بِكَوْنِهِ مِنْ الْبُغَاةِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِكَوْنِ الْمَقْتُولِ هَدَرًا، أَوْ فِيهِ الدِّيَةُ
(قَوْلُهُ، أَوْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ) هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ وَتَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَلْمُصَنِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ اهـ بْن
(قَوْلُهُ، أَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ) قَيَّدَهُ فِي الْبَيَانِ بِكَوْنِهِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ
أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَهُوَ لَوْثٌ بِلَا خِلَافٍ اُنْظُرْ بْن وَمَفْهُومُ شَاهِدٍ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ شَاهِدَانِ، فَالْقَوَدُ بِلَا خِلَافٍ
(قَوْلُهُ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمَذْهَبُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ بْن وَقَالَ شَيْخُنَا أَنَّهُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِنْ انْفَصَلَتْ الْبُغَاةُ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ أَوْ شَاهِدٍ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَسَامَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقِيلَ: لَا قَسَامَةَ فِيهِ بِحَالٍ لَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ. رَوَاهُ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى هَذَا فِي آخِرِ كِتَابِ الدِّيَاتِ فَقَالَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ رَاجِعْهُ فِيهِ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي صَفِّ الْعَصَبِيَّةِ وَالْبَغْيِ الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي ذَلِكَ،
فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاغِيًا وَالْآخَرُ مَظْلُومًا أَوْ مُتَأَوِّلًا طُلِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَيْسَ الْقَتِيلُ مِنْهُمْ بِعَقْلِهِ،
وَلَوْ كَانَ مِنْ صَفِّ الْبَاغِينَ كَانَ هَدَرًا،
وَلَوْ تَعَيَّنَ قَاتِلُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُونَ مُتَأَوِّلِينَ أَوْ كِلَا الصَّفَّيْنِ مُتَأَوِّلًا فَمَنْ قَتَلَ الْآخَرَ مِنْهُمَا هَدَرَ
(ص) وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ أَوْ عَنْ شَاهِدٍ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ (ش) الْمُرَادُ بِالْبَغْيِ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ أَوْ غَارَةٍ فَيَخْرُجُ قِتَالُ الْكُفَّارِ وَالْمُحَارِبِينَ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ انْفَصَلَتْ الْبُغَاةُ عَنْ الْقَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ يَكُونُ الْمَقْتُولُ هَدَرًا وَلَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ سَوَاءٌ ادَّعَى الْمَقْتُولُ أَنَّ دَمَهُ عِنْدَ أَحَدٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ أَمْ لَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ مَحَلُّ عَدَمِ الْقَسَامَةِ وَالْقَوَدِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ تَدْمِيَةٌ وَلَا شَاهِدٌ وَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ هُنَاكَ تَدْمِيَةٌ أَيْ بِأَنْ قَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ فَالْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ ثَابِتَانِ وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَوْ مَحَلُّ عَدَمِ الْقَسَامَةِ وَالْقَوَدِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ تَدْمِيَةٌ إذَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ لَوَجَبَتْ الْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ الْمُدَوَّنَةَ فَهِيَ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ
وَالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ بِبَيِّنَةٍ لَاقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ
(قَوْلُهُ عَنْ قَتْلَى) أَيْ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا
(قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْبَغْيِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبُغَاةِ هُنَا مَنْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَوْ كَانُوا مُلْتَزِمِينَ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ قُرَى مِصْرَ
(قَوْلُهُ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ) أَيْ أَنَّ الْقِتَالَ
إمَّا لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ لِأَجْلِ غَارَةٍ أَيْ غَارَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْغَارَةَ تَسْتَلْزِمُ الْعَدَاوَةَ وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ)
وَأَمَّا مِنْ الْبُغَاةِ فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ لِحُصُولِ الْبَغْيِ
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ اللَّقَانِيِّ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ لِلْأُخْرَى إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ اهـ.
وَقَرَّرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَقَالَ كَانَ الْقِيَاسُ قَتْلَ الْجَمِيعِ فِي إحْدَاهُمَا بِقَتْلِ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ لَكِنْ لَمْ يُنْظَرْ لِذَلِكَ هُنَا كَمَا حَكَمَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) قَالَ مُحَشِّي تت قَوْلُهُ أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ الْأَخَوَانِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ فَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ اهـ.
(وَإِنْ) اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِغَارَةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمْ (وَانْفَصَلَتْ بُغَاةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِعْجَامِ الْغَيْنِ جَمْعُ بَاغٍ، أَيْ مُتَعَدٍّ عَلَى غَيْرِهِ خَارِجٌ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَدْلِ أَوْ لَا عَنْ قَتْلَى، وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ؛ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ؟ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلَاتٌ.
[منح الجليل] عَنْ قَتْلَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ التَّاءِ، جَمْعُ قَتِيلٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (وَلَمْ يُعْلَمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (الْقَاتِلُ) مِنْ الْفَرِيقَيْنِ (فَهَلْ لَا قَسَامَةَ) فِيهِمْ (وَلَا قَوَدَ) أَيْ قِصَاصَ وَفِيهِمْ الدِّيَةُ عَلَى الْفِئَةِ الْمُنَازِعَةِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَدِيَتُهُمْ عَلَيْهِمَا، هَذَا هُوَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَالْأَبِيُّ قَوْلَهَا لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ، وَهَذَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِعَدَمِ قَوْلِ الْقَتْلَى دَمُنَا عِنْدَ فُلَانٍ، وَعَدَمُ قِيَامِ شَاهِدٍ بِالْقَتْلِ عَلَى مُعَيَّنٍ. (أَوْ) لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ (إنْ تَجَرَّدَ) الْقَتْلُ (عَنْ تَدْمِيَةٍ) مِنْ الْقَتْلَى، أَيْ قَوْلِهِمْ دَمُنَا عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ قَتَلَنَا فُلَانٌ (وَ) تَجَرَّدَ أَيْضًا (عَنْ شَاهِدٍ) عَلَى مُعَيَّنٍ بِالْقَتْلِ،
فَإِنْ وُجِدَتْ تَدْمِيَةٌ أَوْ شَاهِدٌ بِالْقَتْلِ فَالْقَسَامَةُ وَالْقِصَاصُ، وَبِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَيَّدَ فِي الْبَيَانِ الشَّاهِدَ بِكَوْنِهِ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ،
فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُمَا فَلَوْثٌ بِلَا خِلَافٍ، كَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ، وَالْخِلَافُ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِاتِّحَادِ الشَّاهِدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ،
فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ فَالْقَوَدُ بِلَا خِلَافٍ. (أَوْ) لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ إنْ تَجَرَّدَ الْقَتْلُ (عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ تَجَرُّدُهُ عَنْ التَّدْمِيَةِ فَيُهْدَرُ دَمُهُ، لَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ لِأَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى قَتْلِهِ فَلَا يُسْتَنْكَرُ كَذِبُهُ عَلَيْهِ لِيُقْتَلَ بَعْدَهُ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِهَذَا فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَاتٌ) وَمَفْهُومُ وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَصَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى كُلِّ فِرْقَةٍ لِقَتْلَى الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فَعَقْلُهُ عَلَيْهِمَا فِي أَمْوَالِهِمَا.
الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قَتْلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ مُقَابِلَتِهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَتْلَهُ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِنْ تَأَوَّلُوا: فَهَدَرٌ:
[منح الجليل] مَعًا وَيُحْتَمَلُ مِنْ إحْدَاهُمَا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَإِلَّا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَيْسَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَسَامَةٌ. الْجَلَّابُ إنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ ثُمَّ افْتَرَقَتَا عَنْ قَتِيلٍ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا قَوَدَ فِيهِ وَدِيَتُهُ عَلَى الْفِئَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ إنْ كَانَ مِنْ الْفِئَةِ الْأُخْرَى،
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ وُجُودَهُ بَيْنَهُمَا لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِوُلَاتِهِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى مَنْ ادَّعَوْا قَتْلَهُ عَلَيْهِ، وَيَقْتُلُونَهُ بِهِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ قِيلَ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ بِحَالٍ لَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا قَسَامَةَ بَيْنَهُمْ بِدَعْوَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ وَلَوْ دَمَى الْقَتِيلُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَجَبَتْ بِذَلِكَ الْقَسَامَةُ، وَهُوَ سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَقَوْلُ أَشْهَبَ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يَزِدْ دَعْوَاهُ إلَّا قُوَّةً.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِدَعْوَى الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَلَا بِشَاهِدٍ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ
وَأَمَّا مَعَ شَاهِدٍ مِنْ طَائِفَةِ الْقَاتِلِ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَسَامَةِ بِشَاهِدٍ غَيْرِ عَدْلٍ،
وَأَمَّا مَعَ شَاهِدٍ مِنْ طَائِفَةِ الْمَقْتُولِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ الْقَسَامَةِ مَعَهُ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً لِحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ،
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَتِهِ. الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ فَعَقْلُهُ فِي أَمْوَالِهِمَا وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ
وإن انفصلت بغاة عن قتلى ولم يعلم القاتل المراد بالبغاة هنا قتال المسلمين بعضهم لبعض لأجل عداوة أو عادة ولو كان تحت طاعة إمام، وقول التتائي: خرجوا عن طاعة الإمام ليس بلازم؛ يعني أنه إذا انفصل بغاة أي انصرفوا وتكشفوا عن قتلى ولم يعلم القاتل لهم أي لم يدر من هو،
فإنَّ الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة هل لا قسامة في تلك القتلى ولا قود؟ أي لا قصاص، وأصل هذا لمالك، وأبقاه بعضهم على ظاهره، وإبقاؤه على ظاهره تأويل وإبقاؤه على ظاهره هو معنى قول المصنف: مطلقا سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أم لا، قام له شاهد من غير البغاة أم لا،
وإذا قلنا بأنه لا قسامة ولا قود، قال عبد الباقي والخرشي: يكون هدرا، قال البناني: ونقله بعضهم عن أبي الحسن في شرح الرسالة، ونقله مصطفى عن الفاكهاني، واعترضه مصطفى قائلا: لم أقف على من صرح به من أهل المذهب ممن يعتمد عليه، والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة: لا قسامة في قتيل الصفين أن فيه الدية على الفئة التي نازعته وإن كان من غير الفئتين فديته عليهما، فقول المصنف: "لا قسامة ولا قود" يعني وتكون الدية على الفئة التي نازعته، كما حملت المدونة على ذلك لا أنه هدر.
انتهى قول البناني عن مصطفى. والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة الخ، قال الرهوني: هذا هو الذي يجب التعويل عليه لأنه المصرح به في الموطإ وسلمه الباجيُّ ولم يحك فيه خلافا، وهو الذي نقله ابن يونس نصا ولم يحك خلافه، ونص الموطإ قال مالك في جماعة من الناس اقتتلوا وانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سَمِع في ذلك أن فيه العقل،
وأن عقله على القوم الذين نازعوه،
وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين جميعا.
قال في المنتقى: وهذا كما قال أن من قتل بين الجيش في النائرة تكون بينهم،
فإن كل فرقة تضمن ما أصيب من الأخرى، وذلك إذا لم يعلم من قتله. ووجه ذلك أن الظاهر أن قتيل كل فرقة إنما قتلته الفئة الأخرى ولا قصاص فيه لتعذر معرفة قاتله وعدم اتفاق الطائفة الأخرى على قتله فلم يبق إلا الدية، ولم يحتج في ذلك إلى قسامة لأن القاتل لا يتعين. انتهى. أو لا قسامة ولا قود إن تجرد القتل عن تدمية وعن شاهد أي انتفيا جميعا،
وأما إن دَمَّى فالقسامة والقود ثابتان
وكذا لو قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان، وهذا تأويل الأكثر وهو قول الأخوين وأصبغ وأشهب، ورجع إليه ابن القاسم فكان ينبغي للمؤلف الاقتصار عليه. قاله مصطفى. قاله البناني.
وقال الرهوني: صرح الرجراجي بأنه المشهور، وبه أفتى العلامة الأبي حين سأله الخليفة أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة أبي العباس الحفصي حسبما في إكمال الإكمال، وقد نقل كلامه في الدر النثير فانظره إن شئت. انتهى.
وقال التتائي: وأما إن دمى أو قام له شاهد فالقسامة، وبه فسر ابن القاسم قول مالك في العتبية والمجموعة، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وأطلق المصنف في الشاهد وقيده في البيان بأن يكون من غير الطائفتين. انتهى.
وقال عبد الباقي: وأما إن قال دمي عند فلان أو شهد بالقتل شاهد فالقسامة والقود ثابتان، وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما،
ولو من طائفة المدعى عليهم بالقتل لعدم عدالته بحصول البغي. انتهى.
وقال البناني: وإن تجرد عن تدمية وشاهد أي سواء شهد الشاهد على رجل بعينه أو على صف أنه قتله. صرح به عياض في التنبيهات. وقول الزرقاني: وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما فيه نظر، بل غير صحيح؛ إذ الذي في البيان ولم يجزم به تقييد الخلاف بكون الشاهد من طائفة المدمى أو من إحدى الطائفتين،
وأما إن كان أجنبيا منهما فلوث من غير كلام. هكذا في التوضيح وابن عرفة عنه. انتهى المراد من كلام البناني. قوله: فيه نظر بل غير صحيح إذ الذي في البيان ولم يجزم به الخ، فيه نظر ظاهر بل ما قاله الزرقاني هو الصحيح؛ لأن كلام ابن رشد صريح في أن الشاهد إن كان من طائفة المقتول فلا قسامة معه قطعا،
وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، وهذا عين ما نسب له الزرقاني في المعنى، وكيف يعقل ما قاله البناني من أن الشاهد إن كان من طائفة القتيل أو طائفة القاتل فهو محل الخلاف،
وإن كان من غيرهما فلوث من غير كلام. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهذا ظاهر؛ إذ كيف تصح شهادة العدو على عدوه. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال البناني: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف
وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف، وبه تعلم أن ما وقع في المواق عن ابن رشد أنه لا يعمل بالشاهدين سبق قلم؛ إذ كل من نقله عن ابن رشد كابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة وغيرهم إنما نقله بالإفراد وهو المتعين. انظر مصطفى. انتهى. قوله: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف،
وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف،
وقال قبلُ: إن تأويل الأكثر أنه لوث،
وقال بعد عند قوله: "تأويلات" : إنه المذهب، فما هذا إلا وهم منه رحمه اللَّه؛ إذ كيف يعقل أن يقال إن المذهب أن شهادة الشاهد من طائفة المقتول لوث يوجب القسامة والقود بعدها وشهادة الشاهدين منها توجب القود بلا خلاف،
ومن المعلوم ضرورة أن العداوة بأضعف من هذه بمراتب مانعة من صحة الشهادة وقبولها، فكيف بهذه؟ وليس في التوضيح ولا في ابن عرفة ما عزاه لهما. انتهى.
تنبيه: قول ابن رشد: وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، قال فيه الرهوني: نقل ابن مرزوق كلام ابن رشد،
وقال بعده: وهو كلام حسن على عادته رحمه اللَّه في الإتيان بمحاسن التحريرات، وكلامه هذا كله ملخص مما جلب الشيخ في النوادر من الروايات، إلا أن في تخريجه القسامة مع شاهد من طائفة القاتل على القسامة مع الشاهد غير العدل نظرا،
فإن في غير العدل المقيس عليه مانعا وهو الفسق،
وفي الفرع المقيس ذلك وزيادة الدفع عن نفسه لا سيما على أن ديته على الفئة التي نازعته، وفيه شيء آخر وهو أن التخريج إنما يكون مع اتحاد القائل في الفرعين، وابن القاسم لا يقول بالقسامة مع غير العدل. انتهى. وهو كلام حسن. وعلم منه أنه فهم كلام ابن رشد أنه لا خلاف في الغاء شهادة الشاهد من طائفة المقتول
وكذا من طائفة القاتل، إلا تخريجا على قول شاذ مع كون القياس غير مسلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. أو لا قسامة ولا قود إن تجرد عن الشاهد فقط دون التدمية،
فلو لم يشهد شاهد بالقتل وقال دمي عند فلان وأحرى لو لم يدم فلا قسامة ولا قود؛ لأنه لما قدم لقتله لا يستنكر كذبه عليه
وكذا لو لم يكن هناك إلا قول الأولياء،
وأما إن شهد شاهد بمعاينة القتل فلوث يوجب القسامة والقود، وهذا تأويل بعض الأشياخ للمدونة. وقوله: تأويلات مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلات ثلاث، أحدها: لا قسامة ولا قود مطلقا تجرد عن تدمية أم لا، قام بالقتل شاهد أم لا وعلى هذا فالدية على الفئة التي نازعته،
وإن كان القتيل من غير الفئتين فالدية عليهما معا. ثانيهما: إن قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان،
وكذا لو دمى لا إن تجرد القتل عنهما بأن انتفيا بالكلية، وهذا التأويل هو المشهور. ثالثها: إن تجرد عن الشاهد فلا قسامة ولا قود كان هناك تدمية أم لا،
وإن لم يتجرد عن الشاهد فالقسامة والقود ثابتان. واللَّه تعالى أعلم. وفهم من قوله: ولم يعلم القاتل أنه لو علم ببينة لاقتص منه وهو كذلك. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وعلم مما مر أن النفي إنما هو القود لا الدية. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: وإن انفصلت بغاة عن قتلى الخ محله حيث لم يتأولوا.
وأما إن تأولوا أي اعتقد كل طائفة أنها على الحق باجتهادها وحينئذ فالمراد بالتأويل الشبهة؛ أي يكون لكل منهما شبهة يعذر بها؛ أي وإن قامت لكل شبهة بأن ظنت كل طائفة أنه يجوز لها قتال الأخرى لكونها أخذت مالها أو أولادها أو هتكت حرمتها، فدم المقتول أو المجروح هدر أي لا قود فيه ولا دية وفهم منه أنه لو كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة لكان دم الباغية هدرا ودم المتأولة غير هدر، ففيه القود أو الدية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.