فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ.
الشروح عليها
(فَلَوْ) (قَالَتْ) امْرَأَةٌ حَامِلٌ (دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ) وَمَاتَتْ (فَفِيهَا الْقَسَامَةُ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ (وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ،
وَإِنْ اسْتَهَلَّ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا قَتَلَنِي فُلَانٌ وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي وَذَلِكَ مُلْغًى فِي فُلَانٍ.
. (بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) ، وَهُوَ لُغَةً التَّعَدِّي وَبَغَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ اسْتَطَالَ عَلَيْهِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا اهـ وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِطَاعَةٍ
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ طَاعَتِهِ فِي مَكْرُوهٍ يَكُونُ بَاغِيًا
وَقِيلَ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَكْرُوهِ أَيْ الْمُجْمَعِ عَلَى كَرَاهَتِهِ، فَالْمُمْتَنِعُ لَا يَكُونُ بَاغِيًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ رَدٌّ فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الصُّبْحِ لَمْ يُتْبَعْ وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ تَعْرِيفِهِ شَرْعًا بِتَعْرِيفِ الْبَاغِيَةِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَعْرِيفَهُ فَقَالَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَهَلَّ) أَيْ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مُلْغًى فِي فُلَانٍ) أَيْ وَذَلِكَ الْقَوْلُ مُلْغًى مِنْ الْمَرْأَةِ فِي فُلَانٍ
بِخِلَافِ الْعَدْلِ الْمُعَايِنِ لِلضَّرْبِ إذَا قَالَ دَمُهَا وَدَمُ جَنِينِهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَلَا يَكُونُ لَغْوًا بَلْ إنْ كَانَ خَطَأً كَانَتْ الْقَسَامَةُ مُتَعَدِّدَةً فِي النَّفْسِ، وَالْجَنِينِ وَتُؤْخَذُ دِيَةُ الْمَرْأَةِ، وَالْجَنِينِ.
[بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] (بَابٌ ذُكِرَ فِي الْبَغْيِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقَتْلِ، وَالْجُرْحِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَالْعُقُوبَةَ بِسَفْكِ الدَّمِ مَا دُونَهُ، وَهِيَ سَبْعٌ الْبَغْيُ، وَالرِّدَّةُ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفُ، وَالسَّرِقَةُ، وَالْحِرَابَةُ، وَالشُّرْبُ وَبَدَأَ بِالْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا مَفْسَدَةً؛ إذْ فِيهِ؛ إذْهَابُ النَّفْسِ، وَالْأَمْوَالِ غَالِبًا.
(قَوْلُهُ وَبَغَى فُلَانٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ بَغَى فُلَانٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ اسْتَطَالَ عَلَيْهِ أَيْ تَعَدَّى عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَأَوُّلًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الِامْتِنَاعُ غَيْرَ مُتَأَوَّلٍ فِيهِ بَلْ وَلَوْ كَانَ مُتَأَوَّلًا فِيهِ
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِطَاعَةٍ) أَيْ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِمُغَالَبَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِامْتِنَاعِ
(قَوْلُهُ يَكُونُ بَاغِيًا) أَيْ؛ لِأَنَّ طَاعَتَهُ فِيمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مَنْدُوبٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ وَاجِبَةٌ
(قَوْلُهُ: فَالْمُمْتَنِعُ) أَيْ مِنْ إطَاعَتِهِ فِي الْمَكْرُوهِ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمَكْرُوهَ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ) أَيْ مِنْ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ عَلَى الدِّينِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْهُ وَقَوْلُهُ، وَهُوَ رَدٌّ أَيْ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَعْرِيفِهِ) أَيْ تَعْرِيفِ الْبَغْيِ وَقَوْلُهُ لِاسْتِلْزَامِهِ أَيْ لِاسْتِلْزَامِ تَعْرِيفِ الْبَاغِيَةِ تَعْرِيفَ الْبَغْيِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَاغِي مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَغْيِ وَمَعْرِفَةُ الْمُشْتَقِّ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا الْمُشْتَقُّ مِنْهُ، فَالْمُشْتَقُّ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ وَمَعْرِفَةُ الْكُلِّ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ الْجُزْءِ
ص (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي) ش لَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَلَيْسَتْ بِمُعَارَضَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ)
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ وَمَاتَتْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْأُمِّ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ،
وَلَوْ ثَبَتَ الْأَمْرَانِ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ فَالْقَسَامَةُ فِي الْأُمِّ وَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنِينِ. (وَلَوْ اسْتَهَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ] [بَاب فِي الْبَغْيُ] [صِفَاتُ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ] بَابٌ ابْنُ شَاسٍ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ.
وَهِيَ سَبْعٌ: الْبَغْيُ، وَالرِّدَّةُ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفُ، وَالسَّرِقَةُ، وَالْحِرَابَةُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِنَايَةُ. الْأُولَى الْبَغْيُ وَالنَّظَرُ فِي صِفَاتِ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ
(ص) فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَنِينَ كَالْجُرْحِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ فَلِهَذَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ وَمَاتَتْ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ وَالْجَنِينُ لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ لَا يَثْبُتُ بِاللَّوْثِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَوْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ فُلَانٌ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ قَالَتْ لَوْ ثَبَتَ مَوْتُهَا وَخُرُوجُ جَنِينِهَا مَيِّتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عَدْلٍ لَكَانَ فِيهَا الْقَسَامَةُ لِأَنَّهَا نَفْسٌ وَيَحْلِفُ وَلِيُّ الْجَنِينِ وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّ دِيَتَهُ لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ (الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) وَهُوَ التَّعَدِّي، وَبَغَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتَطَالَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ الطَّلَبُ إلَّا أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى طَلَبٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يَبْغِيَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ شَرْعًا.
وَشَرْعًا: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ،
وَلَوْ تَأَوُّلًا فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَنْ ثَبَتَتْ إلَخْ مَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ إمَامَةٌ، وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ
إمَّا حَالٌ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالِامْتِنَاعِ، وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ فِي مَكْرُوهٍ يَكُونُ بَغْيًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ خِلَافَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَكْرُوهِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَتَّى الْمُبَاحِ فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمُؤَلِّفُ الْفِرْقَةَ الْبَاغِيَةَ الْمُسْتَلْزِمَةَ لِتَعْرِيفِ الْبَغْيِ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَتْ دَمِي إلَخْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهَا بَلْ بِإِقْرَارِهَا فَقَطْ وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا عَدْلَانِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ
(قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) أَيْ لَا قِيمَةَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ كَالْعَدَمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ
(قَوْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ عَدْلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ثَبَتَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ وَقَوْلُهُ أَوْ عَدْلٍ أَيْ شَهِدَ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ عَلَى الْقَتْلِ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ وَلِيُّ الْجَنِينِ وَاحِدَةً) أَقُولُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَحْلِفُ كُلُّ وَارِثٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَالَتْ إلَخْ أَيْ وَلَا شَاهِدَ
قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَهَلَّ أَيْ لِأَنَّهَا نَفْسٌ أُخْرَى وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً فِي ذَلِكَ
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ دَمِي وَدَمُ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يُقْسِمُ عَلَى قَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ وَيَكُونُ فِي غَيْرِهِ شَاهِدًا [بَاب الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] (بَابُ الْبَاغِيَةِ) .
(قَوْلُهُ: هُوَ الطَّلَبُ) أَيْ: مُطْلَقُ الطَّلَبِ الشَّامِلِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يَبْغِيَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ شَرْعًا كَذَا فِي نُسْخَتِهِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ اصْطِلَاحِيٌّ، وَعَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ ابْنِ عَرَفَةَ ثُمَّ اطَّلَعْتُ عَلَى بَعْضِ الشُّرَّاحِ، فَوَجَدْته ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ شَرْعًا، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفُهُ جَارِيًا عَلَى اللُّغَةِ، وَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مُطْلَقٌ، ثُمَّ خُصَّ عُرْفًا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَأَمَّلْ هَذَا مَا ظَهَرَ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ إلَخْ) قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ فَقَالَ إذَا أَمَرَك بِمَكْرُوهٍ فَالْأَظْهَرُ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ الْمُجْمَعَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْقُرْطُبِيِّ، وَغَيْرِهِ لَا فِي الْمُخْتَلَفِ فِي كَرَاهَتِهِ وَجَوَازِهِ،
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ، وَالْحُرْمَةِ، وَكَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْآمِرِ بِهِ الْكَرَاهَةَ، وَمَذْهَبُ الْمَأْمُورِ الْحُرْمَةَ، فَهَلْ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، أَوْ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ فِيهِ نَظَرًا لِمَذْهَبِ الْمَأْمُورِ؟ .
(قَوْلُهُ: الْمُسْتَلْزِمَةُ لِتَعْرِيفِ الْبَغْيِ) أَيْ: فَيُقَالُ: الْبَغْيُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ لِمَنْعِ حَقٍّ إلَخْ.
(فَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُسْقِطَةً جَنِينَهَا بِهَا أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ (دَمِي وَ) إسْقَاطُ (جَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ) وَمَاتَتْ (فَفِيهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (الْقَسَامَةُ) لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ (وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ لَا يَثْبُتُ بِاللَّوْثِ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، بَلْ (وَلَوْ اسْتَهَلَّ) أَيْ نَزَلَ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ضَرَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ، لِأَنَّهُ كَجُرْحٍ مِنْ جِرَاحِهَا وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدٍ عَدْلٍ فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ.
الصِّقِلِّيُّ يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ.
وَفِيهَا إنْ قَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي فَلَا يَكُونُ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ. الصِّقِلِّيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا لِنَفْسِهَا وَلَا لِزَوْجِهَا إنْ كَانَ أَبَاهُ وَلَا لِإِخْوَانِهِ إنْ كَانُوا أَوْلَادَهَا،
وَفِي الْقَسَامَةِ فِي فُلَانٍ بِقَوْلِهَا وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي قَوْلَا أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ لَوْثٌ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فلو قالت دمي وجنيني عند فلان ففيها القسامة يعني أن الجنين لا قسامة فيه كما مر، فلذلك لو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان فماتت المرأة ففي المرأة القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم معه الأولياء، ولا شيء في الجنين لأنه بمنزلة الجرح حيث لم يستهل والجرح لا قسامة فيه،
وإن استهل أي لا شيء في الجنين استهل أم لا، لما علمت أنه إن لم يستهل فهو كالجرح،
وأما إن استهل فهو بمنزلة قولها: قتلني وقتل فلانا معي، وقولها: وقتل فلانا معي، ملغى، قال المواق من المدونة: إن قالت: دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد لأنها لو قالت: قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى.
وقال ابن الحاجب: ولذلك لو ألقت جنينا ميتا وقالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، كانت القسامة في الأم ولا شيء في الجنين،
ولو ثبت الأمران بعدل واحد فالقسامة في الأم ويمين واحدة في الجنين. انتهى. وقد بان من هذا أن القسامة في الأم تثبت بقولها وبالشهادة،
وأما في الجنين فلا تثبت القسامة إلا بالشهادة، ومحلها حيث نزل حيا. واللَّه تعالى أعلم.
ولما فرغ رحمه اللَّه من الكلام على القتل والجرح الذين يكون عنهما إذهاب النفس الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب سفك الدماء وما دونه من العقوبات، والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالا أو مآلا، والجنايات الموجبة للعقوبة سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه إذهاب الأنفس والأموال غالبا، فقال: [باب: أي هذا باب ذكر فيه أحكام البغي] والبغي في اللغة قال الجوهري: هو المتعدي،
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: إن مادة: ب، غ، ي، للطلب، إلا أنه في العرف مقصور على طلب خاص وهو ابتغاء ما لا ينبغي ابتغاؤه. انتهى.
وفي الاصطلاح، قال ابن عرفة: البغي هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. والباغية هي فرقة من المسلمين خالفت الإمام لشيئين،
إما لمنع حق وجب عليها من زكاة أو حكم من أحكام الشريعة أو الدخول في طاعته فإنه حق أو مخالفة لخلعه، قال ابن عبد السلام: والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم أو نائبه. انتهى.
وقال في التوضيح: فخرج الخروج من طاعة غير الإمام فإنه لا يسمى بغيا يريد أو نائبه، وعلم أنها لو خرجت لا لمنع حق بل لمنع ظلم كأمر بمعصية ليست بباغية، كما يفهم من كلام ابن عرفة، ولا بد من كون الخروج مغالبة.
وقال ابن عبد السلام: ولفظ مغالبة كالفصل؛ لأن من عصى الإمام لا على سبيل المغالبة لا يكون من البغاة ونحوه في التوضيح، وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة،
فمن خرج من طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثل ذلك ما وقع لبعض الصحابة رضي اللَّه عنهم وحشرنا في زمرتهم وأماتنا على محبتهم وسنتهم أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه رضي اللَّه عنهم أجمعين.
فائدة: قال القرطبي في شرح مسلم: البيعة مأخوذة من المبيع، وذلك لأن البائع يلزمه أن يقي الإمام بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله للَّه تعالى، وقد وعد اللَّه تعالى بالجنة فكأنه حصلت معاوضة، ثم هي واجبة على كل مسلم، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ، غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرا وبالقول والإشهاد عليه إن كان غائبا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السر والجهر ولا يعتقد خلاف ذلك،
فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى.
وقال في شرح قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف) ، إنما للحصر ويعني به ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعا،
فلو أمر بجائز صارت طاعته فيه واجبة،
ولما حلت مخالفته فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه فهذا مشكل،
والأظهر جواز المخالفة تمسكا بقوله: إنما الطاعة في المعروف، وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه فله أن يمتثل. انتهى. انظر الحطاب.
وقال الشبراخيتي: هذا شروع منه في الجنايات التي توجب سفك الدماء فما دونه وهي سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه ذهاب الأنفس والأموال غالبا وإثارة الفتن، وعقبه بالردة لأنها وإن عظم ضررها لخسارة الدنيا والآخرة لكنها تخص صاحبها ولا تتعداه لغيره، ثم بالزنى لأنه تارة يقتل فاعله وتارة يجلد وفيه اختلاط الأنساب، ثم بالقذف لتعلقه بالأعراض، ثم بالسرقة والحرابة لأنهما لإتلاف المال وهو أضعف، وقدمهما على الشرب لأن الحد غير منصوص للشارع بل مقيس على القذف.
وقال ابن عرفة في تعريف البغي: الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا، وتعقب قول ابن الحاجب: هو الخروج عن طاعة الإمام مغالبة بأنه يختص بمن دخل في طاعته دون من امتنع منها وهم بغاة، ولهذا قاتل علي أهل الشام، وبإطلاق طاعته في المعصية وغيرها وليس هو في المعصية بغيا، قال: ويجاب بأن مراده بالخروج عدم التلبس، كقوله تعالى: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} ، وبأنه من حيث أمره بمعصية غير إمام، ونظر حلولو في الجوابين بأن إطلاق الخروج على عدم التلبس مجاز،
ولا يصح إدخاله في الحدود دون قرينة،
وفي الثانية بأن أمرد بالمعصية لا ينعزل به من الإمامة. انتهى. وقول ابن عرفة: في غير معصية يقتضي أن من خرج عن طاعته في مكروه فإن خروجه في ذلك يكون بغيا، وهو خلاف ما ذكره القرطبي من أنه ليس ببغي؛ لأنه قال: إذا أمر بمكروه فالأظهر مخالفته فيه. انتهى كلام الشبراخيتي.
وقال الخرشي: وقوله -يعني ابن عرفة- في غير معصية
إما حال أو متعلق بالامتناع. انتهى المراد منه.
وقال البناني: لما فرغ من الكلام على القتل والجرح، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب العقوبة بسفك الدماء أو ما دونه، وهي سبع: البغي والردة الخ، وعرفه ابن عرفة، فقال: هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. وقوله: بمغالبة نحوه لابن الحاجب وهو قيد زائد على المصنف، ولابد منه وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة،
فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لم يكن باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة رضي اللَّه عنهم أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه، وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا من إعطائه فجاء لقتالهم، فهل يجوز لهم أن يدفعوا عن أنفسهم -بأن تريف ابن عرفة يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية وإن حرم عليه قتالهم- لأنه جائر؟ وتعريف المصنف يقتضي أنهم غير بغاة الخ؛
لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه، وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون.
واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة: إما ببيعة أهل الحل والعقد
وإما بعهد الإمام الذي قبله،
وإما بتغلبه على الناس، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وأهل الحل والعقد من اجتمعت فيه ثلاث صفات: العدالة والعلم بشروط الإمامة والرأي، وشروط الإمامة: كونه مستجمعا شروط الفتوى، وكونه قرشيا، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات. انظر المواق. انتهى. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما الخ فيه أمور، أحَدُهَا أن ما توقف فيه منصوص عليه لغير واحد، ثَانِيهَا أن ما استظهره خلاف المنصوص، ثَالِثُها أن ما استدل به.
وقوله: إنه صريح لخ لا دليل له فيه، ويظهر لك دليل الأولين بجلب كلام الناس، قال الإمام القرطبي في التذكرة: قال ابن المنذر: ثبت الإخبار عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم. هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان. قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم: إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما للأخبار التي جاءت عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ولم يخص منها وقتا من وقت ولا حالا من الأحوال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج عن السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالصبر على ما يكون منهم من الجور، وقد تقدم ذلك.
انتهى. وقال الحافظ بن حجر، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع كما ذكر إذا أريد ظلما من غير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. انتهى.
وقال المواق في سنن المهتدين: قال ابن العربي في سراجه في حديث (الدين النصيحة) : أما النصح لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم،
فمن أوجه منها تعظيمه وطاعته والرضى بحكمه،
وأما النصح للسلطان فهو نائب عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تسليما يجب له ما يجب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من التعظيم والحرمة والطاعة، ويزيد على النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا بحرمة زائدة بل لعلة حادثة، بوجوه منها: الصبر على أذاه ويدعو له عند فساده بصلاحه، ويُنَبَّهُ إذا غفل.
وقال الطرطوشي في سراجه: يعطى السلطان ما طلب من الظلم ولا ينازع في ذلك،
وقال أبو عمر في تمهيده: ذهبت طائفة من المعتزلة وعامة الخوارج إلى منازعته في ذلك،
قال: وأما أهل الحق وهم أهل السنة والأثر فقالوا: الصبر على طاعته أولى وأوجب وأحرى، قال عياض: وأحاديث مسلم كلها حجة على ذلك، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: (أطعهم وإن أخذوا مالك وضربوا ظهرك) ،
وكذلك نقل ابن المناصف عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماعة من أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلمه، قال ابن المنذر: إلا السلطان إن لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان، فإنه لا يخرج للأخبار التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم. انتهى.
وأما قوله: وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون، فأشار به إلى ما نقله عنه عند قوله: فللعدل قتالهم، من قوله: إلا أن يريد نفسك ومالك فادفعه عنهما الخ، فهو غفلة منه رحمه اللَّه لأن الضمير في قول سحنون فادفعه للظالم القائم على الإمام الظالم لا للإمام الظالم نفسه، وذلك ظاهر بأدنى تأمل. واللَّه الموفق. انتهى كارم الرهوني. قول الرهوني: ما استظهره البناني خلاف المنصوص، لم يستظهر البناني شيئا.
واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: وختم أبو المعالي كتاب اللمع بما نصه: فصل: شرائط الإمامة ثلاثة؛ أحدها أن يكون الإمام مستجمعا لشرائط الفتوى، الثاني أن يكون قرشي النسب، الثالث أن يكون ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة تلقاها الخلف عن السلف،
وقال النووي: من شرائط الإمامة أن يكون الإمام مهتديا إلى مصالح الأمور وضبطها، ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسد الثغور، وذا رأى مصيب في النظر للمسلمين، لا تروعه هداءة نفس وخور طبيعة عن ضرب الرقاب والتنكيل المستوجبين، ويجمع ما ذكرناه الكفاية وهي مشروطة إجماعا،
قال: ومن شرائط الإمامة الورع والعدالة، وكيف يتصدى لها من ترد شهادته.
وقال ابن يونس: افترض اللَّه قتال الخوارج،
ثم قال بعد كلام: وإن كانوا يظلمون الوالي الظالم فلا يجوز لك الدفع عنه ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل، كان هو القائم أو المقوم عليه. قال عياض: انحدر المأمون إلى محاربة بعض بلاد مصر،
وقال للحارث بن مسكين: ما تقول في خروجنا؟ فقال: أخبرني ابن القاسم عن مالك، وسأله الرشيد عن قتال أهل دهلك، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم السلطان فلا يحل قتالهم.
ومن تفسير القرطبي عند قوله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : لا ينبغي للناس أن يتسارعوا إلى نصر مظهر للعدل،
وإن كان الأول فاسقا لأن كل من طلب الملك يظهر من نفسه الصلاح حتى يتمكن فيعود لخلاف ما أظهره. ولابن محرز في تبصرته: من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم، فقد شارك في سفك دمه إن سفك. ابن العربي: قوله وأن لا تنازع الأمر أهله يعني من ملكه لا من يستحقه،
فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه والطاعة واجبة في الجميع، فالصبر على ذلك أولى من التعرض لإفساد ذات البين.
وقال النووي في منهاجه: قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (اسمع وأطع وإن كان عبدا) قال: تتصور إمامة العبد إذا ولاه بعض الأئمة أو كان تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، فيسمع له ويطاع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.