فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ) أَيْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (خَالَفَتْ الْإِمَامَ) الَّذِي ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لَمْ تَثْبُتْ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ الْإِمَامَةَ لِظُلْمِهِ وَنَائِبُ الْإِمَامِ مِثْلُهُ. (لِمَنْعِ حَقٍّ) لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ وَجَبَ عَلَيْهَا كَزَكَاةٍ وَكَأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (أَوْ لِخَلْعِهِ) أَيْ، أَوْ خَالَفَتْهُ لِإِرَادَتِهَا خَلْعَهُ أَيْ عَزْلَهُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ،

٤٬٨٤٣

وَإِنْ جَارٍ؛ إذْ لَا يُعْزَلُ السُّلْطَانُ بِالظُّلْمِ، وَالْفِسْقِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ بَعْدَ انْعِقَادِ إمَامَتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ وَعْظُهُ وَقَوْلُهُ فِرْقَةٌ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا، فَالْوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ بَاغِيًا وَقَوْلُهُ خَالَفَتْ الْإِمَامَ يُفِيدُ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ كَاللُّصُوصِ لَا يَكُونُ بَاغِيًا

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ: خَالَفَتْ الْإِمَامَ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى تَثْبُتُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ

١٤٬٠٤٥

إمَّا بِإِيصَاءِ الْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ لِمُتَأَهِّلٍ لَهَا،

١٤٬٠٤٦

وَإِمَّا بِالتَّغَلُّبِ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ مَنْ اشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ بِالتَّغَلُّبِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَلَا يُرَاعَى فِي هَذَا شُرُوطُ الْإِمَامَةِ؛ إذْ الْمَدَارُ عَلَى دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.

١٤٬٠٤٧

وَأَمَّا بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ، وَالْعَقْدِ، وَهُمْ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ الْعِلْمُ بِشُرُوطِ الْإِمَامِ، وَالْعَدَالَةُ، وَالرَّأْيُ وَشُرُوطُ الْإِمَامِ الْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْفَطَانَةُ وَكَوْنُهُ قُرَيْشِيًّا وَكَوْنُهُ ذَا نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ فِي الْمُعْضِلَاتِ اُنْظُرْ بْن وَبَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ كَمَا فِي ح بِالْحُضُورِ، وَالْمُبَاشَرَةِ بِصَفْقَةِ الْيَدِ، وَإِشْهَادِ الْغَائِبِ مِنْهُمْ وَيَكْفِي الْعَامِّيَّ اعْتِقَادُ أَنَّهُ تَحْتَ أَمْرِهِ فَإِنْ أَضْمَرَ خِلَافَ ذَلِكَ فَسَقَ وَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»

(قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ الْإِمَامَ الْحُسَيْنَ خَالَفَ الْيَزِيدَ وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْيَزِيدَ هُوَ الْإِمَامُ فِي وَقْتِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الْحُسَيْنُ وَأَتْبَاعُهُ بُغَاةً، وَهُوَ بَاطِلٌ

(قَوْلُهُ: وَنَائِبُ الْإِمَامِ مِثْلُهُ) أَيْ فِي كَوْنِ مُخَالَفَتِهِ تُعَدُّ بَغْيًا

(قَوْلُهُ: كَزَكَاةٍ) أَيْ أَمَرَهُمْ بِأَدَائِهَا فَامْتَنَعُوا (قَوْلُهُ: مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ وَكَأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الدَّيْنِ فَيَمْتَنِعُونَ

(قَوْلُهُ: كَخَرَاجِ الْأَرْضِ) أَيْ الْعَنْوِيَّةِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِدَفْعِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَامْتَنَعُوا وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَلَّفَ النَّاسَ بِمَالٍ ظُلْمًا فَامْتَنَعُوا مِنْ إعْطَائِهِ فَأَتَى لِقِتَالِهِمْ فَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَكُونُونَ بُغَاةً بِمُقَاتَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا حَقًّا وَلَا أَرَادُوا خَلْعَهُ.

(قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) أَيْ، وَإِنَّمَا كَانُوا بُغَاةً إذَا خَالَفُوهُ لِأَجْلِ إرَادَةِ خَلْعِهِ لِحُرْمَةِ خَلْعِهِ، وَإِنْ جَارَ

(قَوْلُهُ: إذْ لَا يُعْزَلْ إلَخْ) بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ تَقْدِيمًا لِأَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ إمَامٌ عَدْلٌ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَإِعَانَةُ ذَلِكَ الْقَائِمِ

(قَوْلُهُ: وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ) هَذَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا إظْهَارُ الْقَهْرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ،

١٤٬٠٤٨

وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضٌ.

(قَوْلُهُ: لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ كَاللُّصُوصِ) أَيْ وَكَمَنْ يَعْتَزِلُوا الْأَئِمَّةَ وَلَا يُبَايِعُهُمْ وَلَا يُعَانِدُهُمْ كَمَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ مَكَثَ شَهْرًا لَمْ يُبَايِعْ الْخَلِيفَةَ، ثُمَّ بَايَعَهُ

مواهب الجليلالحطاب

[بَابٌ الْبَاغِيَةُ] ص (بَابٌ الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ لِخَلْعِهِ) ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقَتْلِ وَالْجُرْحِ اللَّذَيْنِ يَكُونُ عَنْهُمَا إذْهَابُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْجِنَايَاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَفْكَ الدِّمَاءِ أَوْ مَا دُونَهُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالْجِنَايَةِ هُوَ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَضُرُّ حَالًا أَوْ مَالًا.

وَالْجِنَايَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَاتِ سَبْعٌ: الْبَغْيُ وَالرِّدَّةُ وَالزِّنَا وَالْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ وَالْحِرَابَةُ وَالشُّرْبُ. وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْبَغْيِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا مَفْسَدَةً إذْ فِيهِ إذْهَابُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ غَالِبًا فَقَالَ: بَابٌ. أَيْ هَذَا بَابٌ أَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبَغْيِ وَالْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ التَّعَدِّي وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: إنَّ مَادَّةَ (ب غ ي) لِلطَّلَبِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ مَقْصُورٌ عَلَى طَلَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ ابْتِغَاءُ مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ انْتَهَى.

٣٠٬٦٦٥

وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَغْيُ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوَّلَا انْتَهَى.

وَعَرَّفَهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ الْبَاغِيَةُ أَيْ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ هِيَ فِرْقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِشَيْئَيْنِ

٣٠٬٦٦٦

إمَّا لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لِدُخُولٍ فِي طَاعَتِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ أَوْ خَالَفَتْهُ لِخَلْعِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ هُنَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ انْتَهَى.

٣٠٬٦٦٧

وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَخَرَجَ. الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى بَغْيًا اهـ. يُرِيدُ أَوْ نَائِبُهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَتْ لَا لِمَنْعِ حَقٍّ بَلْ لِمَنْعِ ظُلْمٍ كَأَمْرِهِ بِمَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِبَاغِيَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ كَوْنُ الْخُرُوجِ مُغَالَبَةً وَلَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَفْظَةُ مُغَالَبَةً كَالْفَصْلِ أَوْ كَالْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَصَى الْإِمَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ لَا يَكُونُ مِنْ الْبُغَاةِ انْتَهَى.

وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ وَإِخْرَاجُ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَغْيًا اهـ. وَكَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْمُغَالَبَةِ الْمُقَاتَلَةِ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ لَا يَكُونُ بَاغِيًا. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَسُنَّتِهِمْ أَنَّهُ مَكَثَ أَشْهُرًا لَمْ يُبَايِعْ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ وَلِابْنِ عَرَفَةَ فِي آخِرِ الْجِهَادِ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ وَقَتْلِ الْخَوَارِجِ

٣٠٬٦٦٨

وَكَذَا لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الْجِهَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٠٬٦٦٩

(فَائِدَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْبَيْعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَيْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبَايِعَ لِلْإِمَامِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَكَأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِالْجَنَّةِ فَكَأَنَّهُ حَصَلَتْ مُعَاوَضَةٌ، ثُمَّ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» غَيْرَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالشُّهْرَةِ فَبَيْعَتُهُ بِالْقَوْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَبِالْقَوْلِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَيَكْفِي مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَعْتَقِدَ دُخُولَهُ تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَيَسْمَعَ وَيُطِيعَ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ وَلَا يَعْتَقِدَ خِلَافًا لِذَلِكَ فَإِنْ أَضْمَرَهُ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةً انْتَهَى.

٣٠٬٦٧٠

وَقَالَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ الْوَرَقَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَيَعْنِي بِهِ مَا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّاعَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبُ إلَيْهَا وَالْأُمُورُ الْجَائِزَةُ شَرْعًا

٣٠٬٦٧١

فَلَوْ أَمَرَ بِجَائِزٍ صَارَتْ طَاعَتُهُ فِيهِ وَاجِبَةً

تعليق

وَلَمَا حَلَّتْ مُخَالَفَتُهُ فَلَوْ أَمَرَ بِمَا زَجَرَ الشَّرْعُ عَنْهُ زَجْرَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَهَذَا مُشْكِلٌ.

٣٠٬٦٧٢

وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» .

وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَتِلَ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.

التاج والإكليلالمواق

(الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ لِخَلْعِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَغْيُ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا. قَالَ: وَحُكْمُ ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ. وَخَتَمَ أَبُو الْمَعَالِي كِتَابَ اللُّمَعِ بِمَا نَصُّهُ: فَصْلٌ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُسْتَجْمِعًا لِشَرَائِطِ الْفَتْوَى.

الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ.

الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَا نَخْوَةٍ وَكَفَاءَةٍ فِي الْمُعْضِلَاتِ وَنُزُولِ الدَّوَاهِي وَالْمُلِمَّاتِ.

فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ تَلَقَّاهَا الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ

١٢٬٧٦٢

أَمَّا فِيمَا تَكْمُلُ بِهِ هِدَايَةُ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَيَقَعُ بِهِ الْإِقْنَاعُ فِي أُصُولِ الدِّينِ انْتَهَى الْفَصْلُ.

١٢٬٧٦٣

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ اُنْظُرْهُ بَعْدَ هَذَا.

١٢٬٧٦٤

وَقَالَ فِي إرْشَادِهِ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُهْتَدِيًا إلَى مَصَالِحِ الْأُمُورِ وَضَبْطِهَا، ذَا نَجْدَةٍ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَسَدِّ الثُّغُورِ، ذَا رَأْيٍ مُصِيبٍ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا تُزَعْزِعُهُ هَوَاءَةُ نَفْسٍ وَلَا خَوْرُ طَبِيعَةٍ عَنْ ضَرْبِ الرِّقَابِ وَالتَّنْكِيلِ لِلْمُسْتَوْجِبَيْنِ الْحُدُودَ، وَيَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ الْكَفَاءَةَ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ إجْمَاعًا.

قَالَ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ الْوَرَعُ وَالْعَدَالَةُ وَكَيْفَ يَتَصَدَّرُ لَهَا مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ،

١٢٬٧٦٥

وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: افْتَرَضَ اللَّهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِنْ كَانُوا يَظْلِمُونَ الْوَالِيَ الظَّالِمَ فَلَا يَجُوزُ لَك الدَّفْعُ عَنْهُ وَلَا الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسَعُك الْوُقُوفُ عَنْ الْعَدْلِ كَانَ هُوَ الْقَائِمَ أَوْ الْمُقَامَ عَلَيْهِ.

قَالَ عِيَاضٌ: انْحَدَرَ الْمَأْمُونُ إلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِ بِلَادِ مِصْرَ وَقَالَ لِلْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ: مَا تَقُولُ فِي خُرُوجِنَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ دَمِكَ فَقَالَ: إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ فَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ،

١٢٬٧٦٦

وَمِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} لَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُسَارِعُوا إلَى نُصْرَةِ مُظْهِرِ الْعَدْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ الْمُلْكَ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّلَاحَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ فَيَعُودَ

١٢٬٧٦٧

بِخِلَافِ مَا أَظْهَرَ. وَسَأَلَ ابْنُ نَصْرٍ مَالِكًا عَنْ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ وَكَيْفِيَّةِ الْمَخْرَجِ مِنْهَا إذَا خَافَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ

١٢٬٧٦٨

فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا أَتَكَلَّمُ فِي هَذَا بِشَيْءٍ فَأَعَادَ الرَّجُلُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنِّي رَسُولُ مَنْ خَلْفِي إلَيْك فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: كُفَّ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا

١٢٬٧٦٩

وَمِثْلِهِ وَأَنَا لَك نَاصِحٌ وَلَا تُجِبْ فِيهِ.

وَلِابْنِ مُحْرِزٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَنْ شَارَكَ فِي عَزْلِ إنْسَانٍ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَأْمَنْ سَفْكَ دَمِ مُسْلِمٍ فَقَدْ شَارَكَ فِي سَفْكِ دَمِهِ إنْ سُفِكَ، رَاجِعْهُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.

وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُمَا: مَنْ شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ:" وَلَا تُنَازِعْ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " يَعْنِي مَنْ مَلَكَهُ لَا مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيمَنْ يَمْلِكُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَالطَّاعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجَمِيعِ، فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّعَرُّضِ لِإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ.

١٢٬٧٧٠

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا» قَالَ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ إذَا وَلَّاهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَتَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ بِشَوْكَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ.

١٢٬٧٧١

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَامَّةِ الْخَوَارِجِ إلَى مُنَازَعَةِ الْجَائِرِ قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَالُوا: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْجَائِرِ أَوْلَى. قَالَ: وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَكْرُوهَيْنِ أَوْلَاهُمَا بِالتَّرْكِ. قَالَ: وَكَتَبَ ابْنُ مَرْوَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يُبَايِعَ الْحَجَّاجَ قَالَ: لِأَنَّ فِيك خِصَالًا لَا تَصِحُّ مَعَهَا الْخِلَافَةُ وَهِيَ الْبُخْلُ وَالْغَيْرَةُ وَالْعِيُّ. فَجَاوَبَهُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ. اللَّهُمَّ إنَّ ابْنَ مَرْوَانَ يُعَيِّرُنِي بِالْبُخْلِ وَالْغَيْرَةِ وَالْعِيِّ،

١٢٬٧٧٢

فَلَوْ وُلِّيتُ وَأَعْطَيْت النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَقَسَمْتُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي مَالِي يَعْنِي فَيُبْخِلُونِي،

١٢٬٧٧٣

وَلَوْ جَلَسْت إلَيْهِمْ مَجَالِسَهُمْ فَقَضَيْت حَوَائِجَهُمْ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ فَيَعْرِفُونَ غَيْرَتِي، وَمَا مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَوُعِظَ بِهِ بِعِيٍّ.

١٢٬٧٧٤

وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَعَادَ أَبَدًا.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلَا يُعِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَلَاتِهِ سَكْرَانَ.

قَالَهُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ قَاضٍ أَوْ خَلِيفَةٍ أَوْ صَاحِبِ شُرْطَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُمْ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا إذْ مَنْعُ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ دَاعِيَةٌ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ. وَقَدْ صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ: أَحَادِيثُ مُسْلِمٍ كُلُّهَا حُجَّةٌ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْجَوَرَةِ وَفِي لُزُومِ طَاعَتِهِمْ.

١٢٬٧٧٥

وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يُخْلَعُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ.

١٢٬٧٧٦

وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ وَعْظُهُ وَتَخْوِيفُهُ.

زَادَ أَبُو حَامِدٍ: وَتَضْيِيقُ صُدُورِهِمْ.

١٢٬٧٧٧

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ إلَيَّ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ: أَوْجَبُ مَا يَكُونُ هَذَا عَلَى مَنْ وَاكَلَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَكُلِّ مَنْ أَمْكَنَهُ نُصْحُ السُّلْطَانِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.

قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا رَجَا أَنْ يَسْمَعَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالدُّعَاءُ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ ثُمَّ نَقَلَ بِسَنَدِهِ: كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا ".

شرح الخرشيالخرشي

(ص) : الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبَاغِيَةَ هِيَ فِرْقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَتْ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، أَوْ نَائِبَهُ لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْعِبَادِ، أَوْ لِخَلْعِ الْإِمَامِ مِنْ مَنْصِبِهِ فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَيُوَافِقَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ سَحْنُونَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ، وَالْقِتَالُ مَعَهُ،

١٠٬٦١٨

وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا؛ دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا، وَعَبَّرَ الْمُؤَلِّفُ بِفِرْقَةٍ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، وَقَدْ يَكُونُ الْبَاغِي وَاحِدًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُغَالَبَةً فَمَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْبُغَاةِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُغَالَبَةِ إظْهَارُ الْقَهْرِ،

١٠٬٦١٩

وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمُقَاتَلَةُ وَقَوْلُهُ: فَلِلْعَدْلِ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ: فَعَلَى الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ لَا غَيْرُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ فِسْقَهُ وَجَوْرَهُ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ:(وَإِنْ تَأَوَّلُوا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ إلَخْ وَلِقَوْلِهِ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ

تعليق

وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (كَالْكُفَّارِ) إلَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُدْعَوْا،

تعليق

وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَنْصِبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتِ أَيْ: الْمَجَانِيقَ خِلَافَ مَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

(قَوْلُهُ: لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ: كَالزَّكَاةِ.

(قَوْلُهُ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَلِلْعَدْلِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ إلَخْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ الشَّارِحِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُغَالَبَةً إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ لِخَلْعِهِ يَتَضَمَّنُ الْمُغَالَبَةَ، فَدَعْوَى أَنَّ قَيْدَ الْمُغَالَبَةِ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمُخَالَفَتِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ.

(قَوْلُهُ: لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ) أَيْ: كَامْتِنَاعٍ مِنْ عَيْنِهِ لِجِهَادٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْخُرُوجِ لَهُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَوَّلُوا) أَيْ: بِأَنْ امْتَنَعُوا مِنْ الزَّكَاةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَيْ: مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} قَاصِرٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ لِعَلِيٍّ لَا لِأَبِي بَكْرٍ فَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ لِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَحَتَّى يُدْعَوْا) أَيْ: إلَى طَاعَتِهِ.

(قَوْلُهُ: وَيَنْصِبُ عَلَيْهِمْ إلَخْ) أَيْ: وَيُقَاتَلُونَ بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ الذُّرِّيَّةُ.

(قَوْلُهُ: خِلَافَ مَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ) وَنَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ: يَمْتَازُ قِتَالُ الْبُغَاةِ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِمْ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ، وَيَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ، وَلَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ، وَلَا يُقَسِّمَ أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَسْبِيَ ذَرَارِيَّهُمْ، وَلَا يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ، وَلَا يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ، الرَّعَّادَاتِ، وَلَا يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنَ، وَلَا يَقْطَعَ شَجَرَهُمْ انْتَهَى.

لا زيادة له على هذه المسألة.

منح الجليلعليش

(بَابٌ) الْبَاغِيَةُ: فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ: لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ، فَلِلْعَدْلِ [منح الجليل] [بَاب فِي بَيَان حَدّ وَأَحْكَام الْبَاغِيَة] (الْبَاغِيَةُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا عُرْفًا (فِرْقَةٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ جَمَاعَةٌ مُسْلِمُونَ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا جِنْسٌ فِي التَّعْرِيفِ شَمِلَ الْمُعَرَّفَ وَغَيْرَهُ (خَالَفَتْ) الْفِرْقَةُ (الْإِمَامَ) الْأَعْظَمَ الْمُسْتَخْلَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَيْ خَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصْلٌ مُخْرِجُ مَا عَدَا الْمُعَرَّفِ إذَا خَالَفَتْهُ (لِمَنْعِ حَقٍّ) عَلَيْهَا كَزَكَاةٍ وَدِيَّةٍ وَخَرَاجِ أَرْضٍ (أَوْ لِخَلْعِهِ) أَيْ عَزْلِهِ مِنْ الْخِلَافَةِ.

ابْنُ عَرَفَةَ الْبَغْيُ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُتَأَوَّلُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ حَقِّيَّتَهُ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِمُغَالَبَةٍ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُقَاتَلَةُ،

٢١٬٠٣٧

فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ لَمْ يَكُنْ بَاغِيًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ سَهَا فَلَمْ يُبَايِعْ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ، اُنْظُرْ إذَا كَلَّفَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ قَوْمًا بِمَالٍ ظُلْمًا فَامْتَنَعُوا فَجَاءَ لِقِتَالِهِمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ،

٢١٬٠٣٨

فَإِنَّ تَعْرِيفَ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ بُغَاةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِمَعْصِيَةٍ وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ لِأَنَّهُ جَائِزٌ، وَتَعْرِيفُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُ بُغَاةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعُوا حَقًّا وَلَمْ يُرِيدُوا خَلْعَهُ،

٢١٬٠٣٩

وَإِذَا بَغَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَا) كَرَّتَهُمْ (الْعَدْلِ) سَحْنُونٌ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ،

٢١٬٠٤٠

فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ عَدْلٌ وَجَبَ الْخُرُوجُ مَعَهُ لِيَظْهَرَ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا وَسِعَك الْوُقُوفُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْسَك أَوْ مَالَكَ فَادْفَعْهُ عَنْهُمَا،

٢١٬٠٤١

وَلَا يَجُوزُ لَك دَفْعُهُ عَنْ الظَّالِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ قَامَ عَلَى الْإِمَامِ مَنْ أَرَادَ إزَالَةَ مَا بِيَدِهِ فَقَالَ الصِّقِلِّيُّ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنْ كَانَ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ وَالْقِيَامُ مَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَدَعْهُ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ظَالِمٍ بِظَالِمٍ ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا.

١ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل] تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْبُنَانِيُّ تَثْبُتُ الْإِمَامَةُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ

٢١٬٠٤٢

إمَّا بِبَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ

٢١٬٠٤٣

وَإِمَّا بِعَهْدِ الْإِمَامِ الَّذِي قَبْلَهُ لَهُ بِهَا،

٢١٬٠٤٤

وَإِمَّا بِتَغَلُّبِهِ عَلَى النَّاسِ وَحِينَئِذٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطٌ لِأَنَّ مَنْ اشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَوْنُهُ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَكَوْنُهُ قُرَشِيًّا وَكَوْنُهُ ذَا نَجْدَةٍ وَكِفَايَةِ الْمُعْضِلَاتِ وَنُزُولِ الدَّوَاهِي وَالْمُلِمَّاتِ، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . .

[منح الجليل] الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ تَقَوُّلٍ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مَنْعُ إمَامَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ مُطْلَقًا،

٢١٬٠٤٥

وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِسْقُ الْأَئِمَّةِ يَتَفَاوَتُ كَكَوْنِ فِسْقِ أَحَدِهِمْ بِالْقَتْلِ وَفِسْقِ الْآخَرِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ وَفِسْقِ آخَرَ بِالتَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَعَرِّضِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ،

٢١٬٠٤٦

فَإِنْ تَعَذَّرَ قُدِّمَ الْمُتَعَرِّضُ لِلْأَبْضَاعِ عَلَى الْمُتَعَرِّضِ لِلدِّمَاءِ،

٢١٬٠٤٧

فَإِنْ قِيلَ أَيَجُوزُ الْقِتَالُ مَعَ أَحَدِ هَؤُلَاءِ لِإِقَامَةِ وِلَايَتِهِ وَإِدَامَةِ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، قُلْنَا نَعَمْ دَفْعًا لِمَا بَيْنَ مَفْسَدَتِي الْفُسُوقَيْنِ.

٢١٬٠٤٨

وَفِي هَذَا وَقْفَةٌ وَإِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إعَانَةً فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَكِنَّ دَرْءَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ يُجَوِّزُهُ. قُلْت وَنَحْوُهُ خُرُوجُ فُقَهَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِ عَلَى الثَّالِثِ قِتَالُهُمْ،

٢١٬٠٤٩

وَإِنْ تَأَوَّلُوا:

[منح الجليل] مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ لِكُفْرِهِ وَفِسْقِ أَبِي يَزِيدَ وَالْكُفْرُ أَشَدُّ.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

وعرف المصنف الفرقة الباغية وذلك يستلزم تعريف البغي بقوله: الباغية فرقة خالفت الإمام يعني أن الجماعة الباغية هم فرقة من المسلمين خالفوا الإمام الأعظم أو نائبه لأحد شيئين،

٦٨٬٦٤٧

إما لمنع حق وجب عليها للَّه أو للعباد.

٦٨٬٦٤٨

وقال الشبراخيتي عند قوله: "فرقة" عبر بها جريا على الغالب؛ لأن الغالب أن الباغية فرقة، وقد يكون الباغي واحدا، "خالفت الإمام" المراد به الإمام الأعظم أو نائبه: وزاد ابن عرفة وابن الحاجب. قيدا لابد منه وهو: كون الخروج مغالبة،

٦٨٬٦٤٩

فمن خرج عليه لا على سبيل الغالبة فلا يكون من البغاة. انتهى. ذكره الحطاب. وزاد عقبه: وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة،

٦٨٬٦٥٠

فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه. انتهى. واستفيد من ذلك أن الامتناع من طاعة الإمام لا على وجه المغالبة كامتناع من عينه لجهاد ونحوه عن الخروج له لا يكون بغيا. وقوله: "الإمام" أي من ثبتت إمامته وانعقدت بيعته وإن لم يجمع شروطها، بدليل قوله: "فللعدل قتالهم" ، وقوله: "خالفت الإمام" أي في غير معصية أمرهم بها، بدليل قوله: "لمنع حق" عليها للَّه، كالزكاة أو العباد كحقوق الناس.

أو خلعه أي الباغية فرقة خالفت الإمام

٦٨٬٦٥١

إما منع حق وإما لخلعه أي عزله عن الإمامة، فقد قاتل علي البغاة الذين امتنعوا من بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النَّهْروان. قاله التتائي.

٦٨٬٦٥٢

وقال عبد الباقي: الباغية فرقة من المسلمين خالفت الإمام الأعظم أو نائبَه لأحد شيئين،

٦٨٬٦٥٣

إما لمنع حق وجب عليها أو حكم من أحكام الشريعة المتعلق باللَّه تعالى أو بآدمي، أو الدخول تحت طاعته بالقول أو المباشرة باليد لحاضره والإشهاد على الدخول لمن غاب عنه إن كان كل منهما من أهل الحل والعقد واعتقاد ذلك لمن لا يعبأ به ولا يعرف، فإنه يعني الدخول تحت طاعته. واللَّه أعلم. حق، لخبر: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ، أو خالفته لخلعه أي إرادتها خلعه أي عزله لحرمة ذلك عليهم،

٦٨٬٦٥٤

وإن جار. كما قال عياض: جمهور أهل العلم من الحديث والفقه، والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه. انتهى. أي إلا أن يقوم عليه عدل فيجوز كما روى ابن القاسم عن مالك: من قام على إمام يريد إزالة ما بيده، إن كان -أي المقوم عليه- مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقيام معه،

٦٨٬٦٥٥

وأما غيره فلا، فدعه وما يراد منه ينتقم اللَّه من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. انتهى. ومقتضى الظاهر أن يقول: ثم ينتقم من الآخر إلا أن يريد ثم ينتقم من كليهما في الآخرة، وعبر المصنف: "بفرقة" جريا على الغالب، وإلا فالواحد قد يكون باغيا، ولا بد أن يكون الخروج مغالبة،

٦٨٬٦٥٦

فمن خرج على الإمام لا على سبيل المغالبة فلا يكون من الباغية، والمراد بالمغالبة إظهار القهر وإن لم يقاتل كما استظهره بعض،

٦٨٬٦٥٧

وقيل المراد بها: المقاتلة. واللام في قوله: فللعدل قتالهم بمعنى على أو للاختصاص، فقوله: "الباغية فرقة خالفت الإمام" أي مطلقا، كان عدلا أولا، والعدالة إنما هي شَرْطٌ في جواز قتالهم فحيث خالفوه فهم بغاة كان عدلا أولا،

٦٨٬٦٥٨

وإن أراد قتالهم فإنما يقاتلهم إن كان عدلا،

٦٨٬٦٥٩

فإن لم يكن عدلا لم يجز له أن يقاتلهم وإن كان باقيا على إمامته. تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع وفسق الآخر بالتعرض للأموال، فيقدم هذا على المتعرض للدماء والأبضاع، وقدم المتعرض للأبضاع على المتعرض للدماء.

٦٨٬٦٦٠

قال: فإن قيل أيجوز القتال مع أحد هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة نصرته وهو في معصية؟ قلنا: نعم، دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين،

٦٨٬٦٦١

وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه،

٦٨٬٦٦٢

قلت: ونحوه خروج فقهاء [القيروان] مع أبي يزيد الخارجي على الثالث من بني عبيد وهو إسماعيل لكفره وفسق أبي يزيد، والكفر أشد. انتهى. الثاني: قال الرهوني في سنن المهتدين للمواق: وسئل سهل بن عبد اللَّه التستري أي الناس خير؟ قال: السلطان، قيل: كنا نرى أن شر الناس السلطان، قال سهل: إن للَّه في كل يوم نظرتين؛ نظرة إلى سلامة أموال الناس ونظرة إلى سلامة أفكارهم، فيطلع اللَّه في صحيفة السلطان فيغفر له والخشبات المعلقات على أبوابهم خير من سبعين واعظا يعظون،

٦٨٬٦٦٣

ومن سراج ابن العربي: روى عن الفضيل وابن المبارك كلمة بديعة من الجود والإيثار على أنفسهم للأمة؛ لأنهما قالا: لو كانت لنا دعوة مستجابة لجعلناها في السلطان؛ يعنيان لا فيها من صلاح العامة واستقامة الأمر وسلامة ذات البين.

٦٨٬٦٦٤

ومن الطرطوشي عن الفضيل: لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله وصنعت منه أطيب طعام ودعوت الصالحين وأهل الفضل من الأخيار والأبرار،

٦٨٬٦٦٥

فإذا فرغوا قلت لهم تعالوا ندع ربنا أن يوفّق ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمورنا.

٦٨٬٦٦٦

وفي الديباج لما عَرَّفَ بقرعوس بن عباس بن قرعوس الثَّقفي، القرطبي ما نصه: قال قرعوس هذا: سمعت مالكا والثوري يقولان: سلطان جائر سبعين سنة خير من سائبة ساعة من نهار، وقرعوس بالقاف والعين والسين المهملتين بينهما واو وبالراء. انتهى. الثالث: قال المواق: وكتب ابن مروان إلى عبد اللَّه بن عمر أن يبايع الحجاج، قال: لأن فيك خصالا لا تصلح معها للخلافة، وهي: البخل والغيرة والعِيُّ: فجاوبه ابن عمر سمعنا وأطعنا غُفْرَانَكَ ربنا وإليك المصير.

اللَّهم إن ابن مروان يعيرني بالبخل والغيرة والعي

٦٨٬٦٦٧

فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم وقسمت بينهم فَيْنَهُمْ أي حاجة لهم حينئذ إلى مالي فيُبَخِّلُونِي،

٦٨٬٦٦٨

ولو جلست إليهم مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تبق لهم حاجة إلى شيء فيعرفون غيرتي، وما من قرأ كتاب اللَّه ووعظ به بعَيي. انتهى. قال الرهوني بعد أن أشار إلى كلام ابن مروان في سيدنا عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: وهذا الكلام باطل لا يسع أهل الفضل ذكره بلسانهم فأحرى أن يسطره أحد منهم في الكتب ببنانه، إلا أن يفعل ذلك لينبه على بطلانه، وليس في جواب ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنه المذكور هنا في المواق تقرير لما قاله عبد الملك بن مروان، بل ذلك لتواضعه رضي اللَّه عنه، وإلا فسخاؤه وزهده في الدنيا وإعراضه عنها أشهر من أن يستدل عليه بدليل.

وها أنا أذكر نبذة من ذلك، ففي رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الجامع فيما يحكى من فضائل عبد اللَّه بن عمر: وذكرهن حفص بن عمر أيضا أن عبد اللَّه بن عمر كان له غلام وبرذون يحطب عليه ويسقي عليه الماء ويركب عليه ابن عمر في حاجة إن نابته، قال: فدخل الغلام يوما، فقال: يا فلان كيف أصبحت؟ فقال: أصبح الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت وهذا البرذون، قال.

فقال له اذهب فأنت حر؟ فأعتقه، قال القاضي: هذا لما جاء عنه أنه كاتب غلاما بأربعين ألف درهم: فخرج إلى الكوفة فكان يعمل على حمولة حتى أدى خمسة عشر ألفا، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت وأنت ههنا تعذب نفسك وعبد اللَّه بن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ويعتقهم؟ ارجع إليه فقل: قد عجزت فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال لا واللَّه، ولكن أمحها أنت إن شئت فمحاها ففاضت عينا عبد اللَّه بن عمر، ثم قال: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك اللَّه أحْسِن إلى ابْنَيَّ، قال: هما حران، قال أصلحك، اللَّه أحسن إلى أُمَّيْ وَلَدَيَّ، قال: هما حرتان فأعتقهم خمستهم جميعا في مقعده.

ووقعت هذه الحكاية عنه في المكاتب من المدونة: وروى أنه انتهى عدد من أعتق من العبيد إلى ألف رأس، وأنه حَبَّسَ ألف فرس، واعتمر ألف عمرة وحج ستين حجة،

٦٨٬٦٦٩

وقال الحافظ بن حجر في الإصابة: أخرج السراج في تاريخه وأبو نعيم من طريقه بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: مر أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر فاستاقوها، فجاء الراعي فقال: يا أبا عبد الرحمن احْتَسِبِ الإبل وأخبره الخبر، قال: فكيف تركوك؟ قال: انفَلَتُّ لأنك أحب إلي منهم فاستحلفه فحلف، فقال: إني أحتسبك معها فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تباع في السوق، فأراد أن يذهب إليها ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل فَلأيّ فعل أطلب الناقة.

٦٨٬٦٧٠

ومن طريق عبد اللَّه بن أبي عثمان، قال: أعتق عبد اللَّه بن عمر جارية كان يحبها، فقال: سمعت اللَّه يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، ثم قال: وأخرج البيهقي من طريق عاصم بن محمد العمري عن أبيه، قال أعطى عبد اللَّه بن جعفر في نافع لعبد اللَّه بن عمر سبعة آلاف درهم أو ألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ فقال: ما هو خير من ذلك هو حر،

٦٨٬٦٧١

ثم قال: وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، قال: لو أن طعاما كثيرا كان عند ابن عمر لما شبع منه بعد أن يجد له أهلا، ثم قال: وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم أن عبد اللَّه بن عمر مر براعي غنم، فاشترى الراعي والغنم وأعتق الراعي ووهب له الغنم،

٦٨٬٦٧٢

وقال في الإصابة أيضا: وفي الزهد لأحمد من طريق إبراهيم النخعي، قال: قال عبد اللَّه يعني ابن مسعود: أمْلكُ شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد اللَّه بن عمر، وأخرجه أبو الطاهر والذهلي، ثم قال الرهوني: فواعجبا كيف ينسب إلى البخل مَن هَذه نبذة يسيرة من مآثره الحسنة!؟. الرابع: قال المواق: ابن عرفة: لو قام على إمام من أراد إزالة ما بيده، قال مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه،

٦٨٬٦٧٣

وأما غيره فلا. قال ابن بطال: دعا علي رضي اللَّه عنه بعضهم إلى القتال معه فأبوا أن يجيبوه فعذرهم،

٦٨٬٦٧٤

وكذا يجب على الإمام أن لا يعيب على من تخلف عنه في قتال البغاة. القرافي: الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، وقد لا يكون المزجور آثما كالصبيان والمجانين والبهائم،

٦٨٬٦٧٥

وكذا البغاة إنما قتالهم درء لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم لأنهم متأولون. قال: ويفترق قتالهم من قتال الكفار بأحد عشر وجها، منها أنه يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ويكف عن مُدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع أشجارهم ولا يوادعهم على مال، ويفترق أيضا قتالهم من قتال المحاربين بأن البغاة لا يطلبون بما استهلكوا من دم وما أخذوه من خراج وزكاة سقط عمن كان عليه

تعليق

ولما ذكر عز المدين مُثُلَ الزواجر، قال المثال الثاني: الزجر عن مفسدة البغي،

٦٨٬٦٧٦

فإن رجعوا إلى الطاعة كففنا عن قتلهم وقتالهم وهذا زجر عن مفسدة لا إثم فيها. انتهى.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.