وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ أو سكر أو تهور
الشروح عليها
(وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ أَوْ مَكْرٍ أَوْ تَهَوُّرٍ) فِي الْكَلَامِ وَهُوَ كَثْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ إذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهْلِ أَوْ السُّكْرِ أَوْ التَّهَوُّرِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ الْمُبَالَغَةِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ دُونَ قَوْلِهِ قَبْلُ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ اهـ عبق
(قَوْلُهُ: أَوْ سُكْرٍ) أَيْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُرَدُّ قَوْلُ حَمْزَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ أُنْتَمَ إلَّا عَبِيدُ أَبِي كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرَةِ كَمَا فِي الشِّفَاءِ وَالسَّكْرَانِ إذْ ذَاكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَجْنُونِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ بِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَهَوُّرٍ) عِيَاضٌ: إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَهُ فِي جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرَ قَاصِدٍ السَّبَّ وَالِازْدِرَاءَ وَلَا مُعْتَقِدًا لَهُ وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ وَظَهَرَ بِدَلِيلِ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ
إمَّا بِجَهَالَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَةٍ أَوْ ضَبْطٍ لِلِسَانِهِ وَعَجْرَفَةٍ وَتَهَوُّرٍ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ دُونَ تَلَعْثُمٍ.
(ص) وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ تَهَوُّرٍ. (ش) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْقَتْلِ يَعْنِي أَنَّ السَّابَّ يُقْتَلُ،
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّ النَّبِيِّ لِأَجْلِ جَهْلٍ، أَوْ لِأَجْلِ سُكْرٍ، أَوْ لِأَجْلِ تَهَوُّرٍ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ كَثْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ إذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ .
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ السَّابَّ يُقْتَلُ) أَيْ: الْمُكَلَّفُ فَخَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يُقْتَلَانِ بِسَبِّهِمَا،
وَأَمَّا صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ فَرِدَّتُهُ مُعْتَبَرَةٌ وَإِسْلَامُهُ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ اُسْتُتِيبَ وَإِلَّا قُتِلَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا سَبَّ، وَهُوَ صَغِيرٌ مُمَيِّزٌ، فَلَا نَقْتُلُهُ إذَا بَلَغَ وَتَابَ، أَوْ أَنْكَرَهُ فَأَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ .
(وَإِنْ ظَهَرَ) مِنْ حَالِهِ (أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ يَقْصِدْ بِسَبِّهِ (ذَمَّهُ) وَسَبَّهُ
إمَّا (لِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ) بِحَرَامٍ، وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ بِقَتْلِ مَنْ شَتَمَ فِي سُكْرِهِ لِظَنٍّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ فِي صَحْوٍ وَلِأَنَّ قَتْلَهُ حَدٌّ وَالسُّكْرُ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ (أَوْ) سَبَّ لِ (تَهَوُّرٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَاءِ وَضَمِّ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً أَيْ تَوَسُّعٍ وَمُبَالَغَةٍ (فِي) كَثْرَةِ (كَلَامِهِ) وَقِلَّةِ مُرَاقَبَتِهِ وَعَدَمِ ضَبْطِهِ وَعَجْرَفَتِهِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ.
عِيَاضٌ مَنْ أَضَافَ إلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَذِبَ فِيمَا بَلَّغَهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ آزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ آذَاهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ،
وَكَذَا يُكَفَّرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ قَالَ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ أَوْ لَيْسَ كَانَ بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ أَوْ لَيْسَ بِقُرَشِيٍّ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ أَنْبِيَاءَهُ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ كَذَّبَهُمْ أَوْ أَنْكَرَهُمْ حُكْمُ مِنْ سَبَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَسَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُقِّقَ كَوْنَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَرِضْوَانَ وَالزَّبَانِيَةِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ،
فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتْ الْأَخْبَارُ بِتَعْيِينِهِ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ، فَلَيْسَ حُكْمُ سَابِّهِمْ وَالْكَافِرُ بِهِمْ كَحُكْمِ مَنْ ذُكِرَ، إذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنَقَّصَهُم.
وَأَمَّا مُنْكِرُ نُبُوَّتِهِمْ أَوْ مِلْكِيَّتِهِمْ،
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ، وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا، ثُمَّ قَالَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ سَبِّهِ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ أَوْ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ فَهُوَ سَابٌّ لَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ لَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، جَوَابًا لِصَلِّ؛
[منح الجليل] الْمَقْصِدِ، وَلَا نَمْتَرِي فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا،
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، فَمَشْهُورُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي هَذَا كُلِّهِ قَتْلُهُ حَدًّا لَا كُفْرًا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ اسْتِقَالَتُهُ وَفَيْئَتُهُ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ إنْكَارِهِ لِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ إظْهَارِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَالْإِقْلَاعِ عَنْهُ.
وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُ مُسْتَحِلًّا فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ،
وَكَذَا مَنْ كَانَ سَبَّهُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا كَتَكْذِيبِهِ أَوْ تَكْفِيرِهِ،
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَمَّمَ فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكِ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُقْتَلُ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ، وَالذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصْفِهِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ قَالَ عِيَاضٌ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَهُ فِي جِهَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ قَاصِدٍ السَّبِّ وَالِازْدِرَاءَ وَلَا مُعْتَقِدًا لَهُ وَتَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ، وَظَهَرَ بِدَلِيلِ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ
إمَّا لِجَهَالَةِ حَمْلَتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَتِهِ وَضَبْطِهِ لِلِسَانِهِ وَعَجْرَفَتِهِ وَتَهَوُّرِهِ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ الْقَتْلُ دُونَ تَوْقِيفٍ.
وإن ظهر أنَّه لم يُرِد ذَمَّه يعني أن قتل الساب المذكور عام في المسلم: والكافر وإن كان قد ظهر أنه أي الساب ومن في حكمه لم يرد ذمه أي من ذكر من نبي وملك لأجل جهلٍ حَمَلَهُ على ذلك، أو لأجل سكر وفي معنى السكر الغضب، وقد أفتى أبو الحسن القابسي بقتل من شتم في سكره للظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه، وأيضا هو حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود من قذف وقتل وغيرهما أو لأجل تهور في كلامه وهو الوقوع في الشيء لقلة مبالاة.
قاله الجوهري. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: "أو تهور" قلة المبالاة في كلامه أو قلة مراقبة أو ضبط للسانه وعجرفة إذ لا يعذر أحد في الكفر بجهالة ولا بدعوى زلل في اللسان. انتهى.
وقال عبد الباقي: وبالغ على قتل الساب مسلما أو كافرا بقوله: وإن ظهر أنه لم يرد ذمه أي من ذكر لجهل أو سكر أو تهور في الكلام وهو كثرة الكلام من غير ضبط؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان، وما ذكره المصنف هنا من المبالغة هو المعول عليه دون قوله قبل على طريق الذم،
فإن مفهومه غير معول عليه وتقييدي بالمكلف يعني قوله: "وإن سب مكلف" لإخراج المجنون فلا يقتل بسبه
وكذا صغير غير مميز، وأما المميز فتقدم أن ردته معتبرة
وكذا إسلامه، وتقدم أن فائدة ذلك أنه إن استمر على ردته بعد بلوغه استتيب وإلا قتل،
فإذا سب وهو صغير مميز ثم بلغ فتاب أو أنكر ما شهد به عليه فالظاهر أنه ينفعه ولا يقتل لأنه قذف من غير مكلف. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: قال في تكميل التقييد: ذكر الوانوغيُّ عن تعلقة القابسي، سئل ابن أبي ليلى عمن سب الحور العين فقال: حده ضرب السيف. انتهى. والمتبادر منه أنه لا يستتاب كمن سب نبيا، ويحتمل أنه كالمرتد كمن سب عائشة بما برأها اللَّه منه لأنه في كل خالف القرآن،
وفي المدخل: من قال عن نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر. انتهى. وقد يتبادر منه أنه مرتد ويحتمل أنه ساب. انتهى. الثاني: قال الأبي: الحديث يعني حديثا ذكره نص في أن نسبة الرجل غيره إلى عداوة اللَّه تعالى تكفير له، وهو دليل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} . الآية. وكانت نزلت مسألة سنة أربع وثمانين وسبع مائة بتونس في رجل يدعى القبطان، قال لرجل في أثناء نزاعهما: أنا عدوك وعدو نبيك فَعُمِلَ فيها مجلس على أمر خليفة الوقت الإمام الأكمل أبي العباس بن الأمراء الراشدين، فأفتى الشيخ أبو عبد اللَّه الغرياني بأنه مرتد، وأفتى ابن عرفة بأنه ساب، قال الغرياني: مطلق العداوة لا يوجب تحتم القتل وقصاراه ردة فيستتاب، والظاهر أنه إن قال قبل ذلك مظهرا لمثل هذا في عدم حفظ لسانه فهو ردة على الأظهر من المذهب،
وإن لم يظهر منه إلا في هذه المرة فهي علامة على خبث سريرته فيكون زندقة. انتهى. نقله الرهوني.
وقال: ما قاله الغرياني والأبي هو الظاهر، وما أجاب به الأبي هو في غاية الوضوح، وليس قوله هو عدو للنبي في الدلالة على التنقيص بأشد من قوله هو كاذب معلنا بذلك، بل التنقيص في قوله هو كاذب بين لا شك فيه، ومع ذلك فقد قال ابن القاسم: إن قائله يستتاب وعليه درج المصنف وغيره، وليس التنقيص في مسألة القبطان ببين كالإعلام بالتكذيب،
ولو لم يقع ذلك منه في حال محاورته لخصمه لاحتمل أن لا يكون فيه كفر ولا تنقيص أصلا لاحتمال أن يكون قصد به إخباره عن نفسه بارتكابه أنواع المعاصي والبدع وميله عن سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم؛ لأن من علامة محبته صلى اللَّه عليه وسلم اتباعه،
وإذا انتفت المحبة بانتفاء علامتها جاء ضدها،
ومن المعلوم المقرر أن الحدود تدرأ بالشبهات ولا سيما الدماء، كما أن من المعلوم المقرر في هذا الباب بعينه أن القول المحتمل لا يوجب القتل،
فإذا انضم إلى ذلك مراعاة الخلاف بين الأئمة في قبول التوبة من الساب ازداد ذلك وضوحا. وقد كتب العلامة الحافظ الثقة أبو العباس الملوي على قول المصنف هنا "قتل ولم يستتب" ما نصه: إذا أردت تحرير هذا الفرع فعليك بأواخر تأليف الإمام ابن حجر الهيثمي المسمى بالإعلام بقواطع الإسلام، فقد نقل حجج المالكية في عدم قبول توبة الساب واعترضها كلها وزيفها ورجح مذهب الشافعية بقبول توبته، قائلا: وما نسبه صاحب الشفا للشافعية مما يخالف ذلك غلط وإنما هي قولة مرجوحة فيمن سبه بصيغة القذف.
انتهى. وفيه دليل على أنه ارتضى كلام ابن حجر هذا. واللَّه أعلم. انتهى. الثالث: قال الرهوني: انظر هل يجب على من سمع أحدا يتلفظ بما يوجب ردة أو سبا من العدول رفع ذلك للقاضي؟ لم أر من تعرض لذلك والجاري على أصول المذهب وقواعده أنه إذا رأى منه ما يدل على توبته من ذلك أنه لا يجب في الردة قطعا وإنما يتردد النظر في السب،
وأما إذا لم يظهر منه ما يدل على التوبة فلا يتوقف في وجوب الرفع،
فإن تأخر رفعه لغير عذر بطلت شهادته ولا يجري في ذلك ما ذكره البرزلي في نوازله، وذكره الشيخ حلولو في اختصارها، فإنه قال: أفتى سيدي عيسى في رجل سب شريفا بلفظ شنيع أن تأخر شهادة الشهود غير قادح في شهادتهم؛ لأنه أمر انقضى فلا ينزل منزلة المستدام من الأمر، قال: وهو نص ابن عتاب في هذه المسألة. انتهى. ووجه عدم جريانه في ذلك ظاهر. فتأمله. انتهى. ويأتي آخر الباب إن شاء اللَّه جلب النص فيما توقف فيه.
واللَّه تعالى أعلم. الرابع: قال الإمام الحطاب: قال القرطبي: لا خلاف في وجوب احترام الصحابة وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل لأنه أنكر معلوما من الشرع فقد كذب اللَّه ورسوله،
وكذا الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب أو الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه،
فأما من سبهم بغير ذلك فإن كان سبا يوجب حدا كالقذف حُدَّ حَدَّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، ما خلا عائشة فإن قاذفها يقتل لأنه مكذب لما في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره. واختلف في غيرها من أزواجه صلى اللَّه عليه وسلم فقيل يقتل قاذفها لأن ذلك أذى للنبي صلى اللَّه عليه وسلم،
وقيل يحد وينكل وأما من سبهم بغير القذف فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويُخَلَّد في السجن إلى أن يموت. وقد روي عن مالك فيمن سب عائشة قتل مطلقا، ويُمْكن حمله على السب بالقذف. انتهى.
وقال في الإكمال في حديث الإفك: وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة قتل لتكذيب القرآن وكفره بذلك،
وأما غيرها من أزواجه صلى اللَّه عليه وسلم فالمشهور أنه يحد لما فيه من ذلك حد ويعاقب لغيره. وحكى ابن شعبان قولا آخر أنه يقتل على كل حال، وكأن هذا التفت إلى أذى النبي صلى اللَّه عليه وسلم حيا وميتا. انتهى.
وقال في الإكمال أيضا: وسب أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتنقيصهم أو واحد منهم من الكبانر المحرمات، وقد لعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم فاعل ذلك وذكر أنه مِنْ أذَاه وأذَى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليهم، فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه وليس له في الفيء حق،
وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر فيقتل، وحكي عن سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم. انتهى. يعني بالأئمة الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا. قال: وحكي عنه أنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى. فيفهم منه أن قول مالك: إن من
قال في أحد من الصحابة ولو كان غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر أنه يقتل، وانظر الشفا وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى. الخامس: ذكر الحطاب عن الشيخ شمس الدين الملقب بالرائق خطيب مدينة بيروت وإمامها عن السيد أحمد المصري من أهل بيروت أنه اجتمع برافضيٍّ، فقال له الرافضيُّ: نحن نبغض أبا بكر لتقدمه في الخلافة على عَلِيٍّ، ونبغض جبريل لأنه نزل بالرسالة على محمد ولم ينزل عَلَى عَلِيٍّ، ونبغض محمدا صلى اللَّه عليه وسلم لأنه قدم أبا بكر في النيابة عنه في الصلاة ولم يقدم عليا، ونبغض عليا لسكوته عن طلب حقه من أبي بكر وهو قادر عليه، ونبغض اللَّه لأنه أرسل محمدا ولم يرسل عليا وهو أقبح ما يكون من الكفر الذي ما سمع بمثله، قال وذكر ابن بشكوال بسنده إلى محمد بن عمر بن يونس، قال: كنت بصنعاء فرأيت رجلا والناس حوله يجتمعون عليه، فقلت: ما هذا؟
فقالوا: هذا رجل كان يؤمنا في رمضان وكان حسن الصوت بالقرآن، فلما بلغ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ، قال إن اللَّه وملائكته يصلون عَلَى عليّ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه: فخرس وجذم وبرص وعمي وأقعد مكانه. انتهى. السادس: سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل، قال: إن أبا النبي صلى اللَّه عليه وسلم في النار، فأجاب بأنه ملعون لأن اللَّه تعالى قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} ، قال: ولا أذى أعظم من أن يقول عن أبيه إنه في النار.
انتهى. نقله الحطاب. السابع: قال المواق: قال عياض: إن كان القائل لما قاله في جهته عليه السلام غير قاصد السب والإزراء ولا معتقد له ولكنه متكلم في حقه عليه السلام كلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه، وظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه
إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه، فحكم هذا الوجه حكم الأول القتل دون تلعثم. انتهى. قوله: حكم الأول يعني القصد لسبه؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكر إذا كان في عقله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولذا أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم في نفيه الزهد عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وأفتى القابسي بقتل من شتمه عليه الصلاة والسلام في سكره لأنه يظن به أن يعتقد هذا أو يفعله، وأيضا فقتله حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود؛
لأن من شرب الخمر عالما بزوال عقله بها وإتيانه بما ينكر كالعامد لما يكون منه ولذا لزمه طلاقه وعتقه وحدوده،
وأما إن سبه مجنون فلا يقتل
وكذا صبي لم يميز أو ميز إن تاب حين بلوغه أو أنكر أنه سبه. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.