قذف المكلف حرا مسلما بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ لَا أم ولا إن نبذ أَوْ زِنًا إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ وَبَلَغَ كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ أو محمولا وإن ملاعنة وابنها أو عرض غير أب إن أفهم يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
الشروح عليها
(قَذْفُ) أَيْ رَمْيُ (الْمُكَلَّفِ) وَلَوْ كَافِرًا أَوْ سَكْرَانَ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَخَرَجَ بِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا قَذَفَا غَيْرَهُمَا وَذَكَرَ مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْمَقْذُوفُ بِقَوْلِهِ (حُرًّا مُسْلِمًا) لِوَقْتِ إقَامَةِ الْحَدِّ،
فَإِنْ ارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَوْ تَابَ كَمَا لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ وَكَافِرٍ أَصْلِيٍّ (بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ) ،
وَإِنْ عَلَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالنَّفْيُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا كَقَوْلِهِ لَهُ أَنَا مَعْرُوفٌ بِأَنِّي ابْنُ فُلَانٍ أَوْ إشَارَةً كَمَا يَأْتِي (لَا) عَنْ (أُمٍّ) ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ لَا تَنْتَفِي وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ لِلْإِيذَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ
وَأَمَّا الْأُبُوَّةُ فَثَابِتَةٌ بِالظَّنِّ وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ الْمَعَرَّةُ (وَلَا إنْ نُبِذَ) يَعْنِي الْمَنْبُوذَ إذَا نَفَى مُكَلَّفٌ نِسْبَةً لِأَبٍ أَوْ جَدٍّ مُعَيَّنٍ كَلَسْت ابْنَ زَيْدٍ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ بِذَلِكَ،
وَأَمَّا لَوْ نَفَى نَسَبَهُ مُطْلَقًا كَابْنِ الزَّانِيَةِ أَوْ الزَّانِي أَوْ ابْنِ الزِّنَا فَيُحَدُّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَنْبُوذًا أَنْ يَكُونَ ابْنَ زِنًا وَقَوْلُ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ لِمَنْبُوذٍ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَمْ تُعْرَفْ ضَعِيفٌ،
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزِّنَا حُدَّ قَطْعًا،
وَإِنْ قَالَ لَهُ يَا ابْن الزَّانِيَةِ أَوْ الزَّانِي لَمْ يُحَدَّ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَوْلُهُ: إنْ نُبِذَ أَيْ مَا دَامَ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَحَدٌ،
فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَحَدٌ لَحِقَ بِهِ وَحُدَّ قَاذِفُهُ حِينَئِذٍ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَذْفَ نَوْعَانِ قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ وَقَذْفٌ بِزِنًا وَأَنَّ الشُّرُوطَ ثَمَانِيَةٌ اثْنَانِ فِي الْقَاذِفِ مُطْلَقًا وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لَهُمَا بِقَوْلِهِ قَذْفُ الْمُكَلَّفِ، وَاثْنَانِ فِي الْمَقْذُوفِ مُطْلَقًا قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ أَوْ زِنًا وَهُمَا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، وَأَرْبَعَةٌ تَخُصُّ الثَّانِيَ أَيْ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَا وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى النَّوْعِ الثَّانِي وَالشُّرُوطِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ زِنًا) عَطْفٌ عَلَى نَفْيِ أَيْ قَذْفِ الْمُكَلَّفِ حُرًّا مُسْلِمًا بِنَفْيِ نَسَبٍ أَوْ بِزِنًا (إنْ كُلِّفَ) الْمَقْذُوفُ أَيْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا أَيْ بِزِيَادَةٍ عَلَى شَرْطَيْ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ (وَعَفَّ) أَيْ كَانَ عَفِيفًا عَنْ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ) وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ يُوجِبُ الْحَدَّ عَنْ وَطْءٍ لَا يُوجِبُهُ،
وَإِنْ أَوْجَبَ الْأَدَبَ كَوَطْءِ بَهِيمَةٍ أَوْ وَطْءٍ بَيْنَ فَخِذَيْنِ أَوْ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ فَشَمِلَ كَلَامُهُ صُورَتَيْنِ عَدَمَ وَطْءٍ أَصْلًا وَارْتِكَابَ وَطْءٍ لَا يُوجِبُ حَدًّا فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ إذْ هُوَ عَفِيفٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ وَطْئًا يُوجِبُ الْحَدَّ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ
فَلَوْ قَالَ وَعَفَّ عَنْ زِنًا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ (بِآلَةٍ) حَالٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ كُلِّفَ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْمَقْذُوفِ مُلْتَبِسًا بِآلَةِ الزِّنَا فَمَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا أَوْ مَقْطُوعَ ذَكَرٍ بِالزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا قُطِعَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ وَرَمَاهُ بِوَقْتٍ كَانَ فِيهِ مَجْبُوبًا،
فَإِنْ رَمَاهُ بِالزِّنَا قَبْلَ الْجَبِّ حُدَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَبَلَغَ) الْمَقْذُوفُ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا بِهِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: كُلِّفَ لَكِنَّهُ أَتَى بِهِ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (كَأَنْ بَلَغَتْ) الْمَقْذُوفَةُ (الْوَطْءَ) ،
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْحَيْضَ فَيُحَدُّ قَاذِفُهَا لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا كَالْكَبِيرَةِ وَالذَّكَرُ الْمُطِيقُ كَهِيَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ شَرْطُهُ إطَاقَةُ الْوَطْءِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ (أَوْ) كَانَ الْمَقْذُوفُ (مَحْمُولًا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمِيمٌ وَالْمَحْمُولُونَ جَمَاعَةٌ يُرْسِلُهُمْ السُّلْطَانُ لِحِرَاسَةِ مَحَلِّ كَذَا قِيلَ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ الْمَسْبِيُّونَ فَمَنْ قَذَفَ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِزِنًا أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ حُدَّ فَالْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " كَانَ " مَعْطُوفٌ عَلَى بَلَغَتْ (وَإِنْ) (مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا) فَمَنْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا أَوْ قَذَفَ ابْنَهَا بِنَفْيِ نَسَبٍ حُدَّ فَقَوْلُهُ: مُلَاعَنَةً رَاجِعٌ لِقَذْفِ الزِّنَا وَقَوْلُهُ: وَوَلَدَهَا رَاجِعٌ لِنَفْيِ النَّسَبِ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ وَلَمْ يَجْعَلُوا اللِّعَانَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ (أَوْ) (عَرَّضَ) بِالْقَذْفِ (غَيْرُ أَبٍ) فَيُحَدُّ (إنْ أَفْهَمَ) تَعْرِيضُهُ الْقَذْفَ بِالْقَرَائِنِ كَالْخِصَامِ كَأَنْ يَقُولَ
أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ أَوْ أَنَا مَعْرُوفُ الْأَبِ
وَأَمَّا تَعْرِيضُ الْأَبِ لِابْنِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْجَدِّ فَلَا حَدَّ فِيهِ
وَأَمَّا تَصْرِيحُهُ بِالْقَذْفِ لِابْنِهِ فَيُحَدُّ عَلَى مَا سَيَأْتِي لَلْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفَسَقَ
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا. (يُوجِبُ) الْقَذْفُ الْمَذْكُورُ (ثَمَانِينَ جَلْدَةً) هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ قَذْفُ الْمُكَلَّفِ قَالَ تَعَالَى {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
(قَوْلُهُ: الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَالشَّرْطُ فِي حَدِّ الْقَاذِفِ التَّكْلِيفُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) أَيْ إذَا كَانَ الْقَذْفُ صَادِرًا مِنْهُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ
وَأَمَّا الْكَافِرُ بِبِلَادِ الْحَرْبِ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا فِيهَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَكْرَانَ) أَيْ بِسُكْرٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَابَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَقْذُوفُ بِأَنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ
(قَوْلُهُ: كَمَا لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ) أَيْ بِزِنًا أَوْ بِنَفْيِ نَسَبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَيُحَدُّ لَهُمَا اتِّفَاقًا،
وَكَذَا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ لَسْت ابْنًا لِفُلَانٍ فَقَطْ قَذَفَ فُلَانًا بِأَنَّهُ أَحْبَلَ أُمَّهُ فِي الزِّنَا قَبْلَ نِكَاحِهَا فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا، وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي الْحَدِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَظَرًا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ أَنَّ أُمَّ ذَلِكَ الْمَقْذُوفِ حَمَلَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ فُلَانٍ فَيَكُونُ الْقَاذِفُ قَذَفَ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً
(قَوْلُهُ: أَوْ جَدٍّ) أَيْ فَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ الَّذِي هُوَ جَدُّهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ
وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ لَسْت ابْنَهُ مِنْ صُلْبِهِ؛ لِأَنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَبًا فَلَا يُصَدَّقُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، إلَّا لِقَرِينَةٍ تُعَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي المج.
(قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الْأَبِ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْجَدِّ كَائِنًا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ،
فَإِنْ نَفَاهُ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ) أَيْ فَقَوْلُ خَشٍ قَوْلُهُ: حُرًّا مُسْلِمًا مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ مُخَالِفٌ لِلْمُدَوَّنَةِ قَالَ بْن وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: صَرِيحًا) أَيْ كَقَوْلِهِ لَهُ لَسْت ابْنًا لِفُلَانٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَلْوِيحًا) أَيْ مُفْهِمًا لِنَفْيِ النَّسَبِ بِالْقَرَائِنِ كَالْخِصَامِ،
وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْ إشَارَةً أَيْ بِعَيْنٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ يَدٍ
(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) رَاجِعٌ لِلتَّصْرِيحِ وَالتَّلْوِيحِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ لَا تَنْتَفِي) أَيْ فَقَوْلُ الْقَاذِفِ لَهُ لَسْت ابْنًا لِفُلَانَةَ مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ فَلَا يَلْحَقُ الْمَقْذُوفَ مَعَرَّةٌ بِذَلِكَ فَلِذَا لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ
(قَوْلُهُ: فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ) أَيْ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ كَاذِبٌ فِي نَفْيِهِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ لَيْسَ بِكَاذِبٍ فِي نَفْيِهِ عَنْهُ فَيَلْحَقُهُ بِذَلِكَ الْمَعَرَّةُ فَلِذَا حُدَّ الْقَاذِفُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا إنْ نُبِذَ) أَيْ وَلَا إنْ نُفِيَ نَسَبُ مَنْ نُبِذَ أَيْ طُرِحَ فَلَمْ يَدْرِ لَهُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ فَلَا يُحَدُّ وَفِيهِ صُورَتَانِ الْأُولَى أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَلَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ اتِّفَاقًا الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَا ابْنَ الزِّنَا وَفِيهَا قَوْلَانِ قَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَنْبُوذِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زِنًا وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نُبِذَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ الْمُقَدَّمُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ خِلَافُهُ فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ،
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ فَهَذَا قَذْفٌ بِزِنَا أَبَوَيْهِ لَا يَنْفِي النَّسَبَ فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ اتِّفَاقًا وَعَلَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِجَهْلِ أَبَوَيْهِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذْ لَيْسَ فِيهَا قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ وَكَلَامُنَا فِيهِ وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ شَارِحِنَا تَبَعًا لعبق وخش،
وَأَمَّا لَوْ نَفَى نَسَبَهُ مُطْلَقًا كَابْنِ الزَّانِيَةِ أَوْ الزَّانِي أَوْ ابْنِ الزِّنَا فَيُحَدُّ مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ قَوْلِهِ كَابْنِ الزَّانِيَةِ أَوْ الزَّانِي وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ ابْنِ الزِّنَا وَتَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمَنْفِيِّ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَخْ) أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يُنْبَذَ وَهُوَ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ
(قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ هُوَ النَّقْلُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: حُدَّ قَطْعًا) لِأُولَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ وَأَنَّ الْقَائِلَ بِالْحَدِّ ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ قَائِلٌ بِعَدَمِ الْحَدِّ
وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ عج قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش الَّذِي فِي عج وَهُوَ الْحَقُّ عَدَمُ الْحَدِّ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِكَوْنِ أَبَوَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ وَفِي الثَّالِثِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ ابْنُ زِنًا أَوْ عَدَمُ لُزُومِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَحُدَّ قَاذِفُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ بِنَفْيِ نَسَبِهِ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ الشُّرُوطَ) أَيْ الْمُعْتَبَرَةَ فِي لُزُومِ حَدِّ الْقَاذِفِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ قُذِفَ بِنَفْيِ نَسَبِهِ أَوْ زِنًا
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَا) أَيْ دُونَ الْمَقْذُوفِ بِنَفْيِ النَّسَبِ
(قَوْلُهُ: أَيْ كَانَ عَفِيفًا عَنْ الزِّنَا) أَيْ سَالِمًا مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَفَافُ الْمَقْذُوفِ الْمُوجِبُ لِحَدِّ قَاذِفِهِ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرُهَا وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ السَّلَامَةُ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ وَمِنْ ثُبُوتِ حَدِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي ح وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا وَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِفَّةِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالزِّنَا أَوْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ عُدُولٍ أَوْ ظُهُورِ حَمْلٍ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إذْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا فَالْمُطَالَبُ بِإِثْبَاتِ الزِّنَا وَعَدَمِ الْعِفَّةِ هُوَ الْقَاذِفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الْآيَةَ
وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فَلَا يُطَالَبُ بِإِثْبَاتِ الْعَفَافِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَفَافِ حَتَّى يُثْبِتَ الْقَاذِفُ خِلَافَهُ، وَمَا فِي عبق مِنْ أَنَّ عَلَى الْمَقْذُوفِ أَنْ يُثْبِتَ الْعَفَافَ فَفِيهِ نَظَرٌ وَفِي النَّفْرَاوِيِّ لَا يَنْفَعُ الْقَاذِفَ عَدْلَانِ بَلْ يُحَدُّ هُوَ وَالشَّاهِدَانِ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ أَرْبَعَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى الْفِعْلِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ قَذَفَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَآخَرُ بِأَنَّهُ قَذَفَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ لُفِّقَ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ اُنْظُرْ المج
(قَوْلُهُ: لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ) أَيْ فَإِنْ زَنَى الشَّخْصُ بَعْدَ أَنْ قُذِفَ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ.
(قَوْلُهُ: عَنْ وَطْءٍ لَا يُوجِبُهُ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ الْعِفَّةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: كَوَطْءِ بَهِيمَةٍ) أَيْ قَبْلَ الْقَذْفِ أَوْ بَعْدَهُ وَقِيلَ الْحَدُّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ) أَيْ وَإِذَا أَقَرَّ شَخْصٌ بِالزِّنَا فَقَذَفَهُ آخَرُ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ فَيُحَدُّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَمَاهُ بِالزِّنَا قَبْلَ الْجَبِّ حُدَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) قَالَ عج وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَذْفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ تَابِعٌ لِحَدِّهِ كَمَا سَبَقَ فَإِذَا رَمَاهُ شَخْصٌ بِالزِّنَا بِفَرْجِهِ الذَّكَرِ أَوْ فِي فَرْجِهِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِمَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ رَمَاهُ بِأَنَّهُ أُتِيَ فِي دُبُرِهِ حُدَّ رَامِيهِ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِ حُدَّ حَدَّ الزِّنَا لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُقَدَّرُ أُنْثَى فَيَكُونُ إتْيَانُهُ كَإِتْيَانِ أَجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ لِأَجْلِ دَرْءِ حَدِّ اللِّوَاطِ وَهُوَ الرَّجْمُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا يُحَدُّ حَدَّ اللِّوَاطِ بِتَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا بِهِ) الْأَوْلَى حَذَفَ قَوْلِهِ أَوْ مَفْعُولًا بِهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ إذَا كَانَ فَاعِلًا؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ إذَا كَانَ مَفْعُولًا فَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بَلْ إطَاقَتُهُ الْوَطْءَ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ عَنْ قُرْبٍ.
(قَوْلُهُ: يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: كُلِّفَ) أَيْ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ.
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ) أَيْ الْمَقْذُوفَ بِكَوْنِهِ مَفْعُولًا بِهِ وَقَوْلُهُ: شَرْطُهُ أَيْ شَرْطُ حَدِّ قَاذِفِهِ إطَاقَةُ ذَلِكَ الْمَقْذُوفِ لِلْوَطْءِ سَوَاءٌ قُذِفَ بِزِنًا أَوْ لِوَاطٍ فِيهِ أَيْ
وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ بِكَوْنِهِ فَاعِلًا فَشَرْطُ حَدِّ قَاذِفِهِ بُلُوغُ ذَلِكَ الْمَقْذُوفِ سَوَاءٌ قُذِفَ بِكَوْنِهِ فَاعِلًا لِلزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ) أَيْ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ حَيْثُ قَالَ الْمَحْمُولُ هُوَ الْمَسْبِيُّ
وَأَمَّا الْمَجْهُولُ النَّسَبُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَيَشْمَلُ الْمَسْبِيَّ وَالْمَنْبُوذَ وَالْغَرِيبَ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْجَمِيعِ مِنْ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ إنْ نَفَى شَخْصٌ وَاحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ نَفَاهُ عَنْ أَبٍ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزِّنَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا؛ لِأَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَاهُمْ مِنْ التَّوَارُثِ بِالنَّسَبِ لِجَهْلِنَا بِآبَائِهِمْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ زِنًا وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَنْسَابَهُمْ لَمْ تَثْبُتْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِهَا
وَأَمَّا إذَا رَمَى وَاحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ بِالزِّنَا فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ اتِّفَاقًا إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ أَيْ عَنْ أَبٍ مُطْلَقًا لَا عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ قَذَفَ وَاحِدًا مِنْهُمْ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا لِأَنَّ شَرْطَ حَدِّ الْقَاذِفِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مُلَاعَنَةً) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا أَوْ زِنًا فَالْمَعْنَى قَذَفَ الْمُكَلَّفُ حُرًّا مُسْلِمًا بِزِنًا يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ بِالزِّنَا غَيْرَ مُلَاعَنَةٍ بَلْ وَإِنْ كَانَتْ مُلَاعَنَةً.
(قَوْلُهُ: وَابْنَهَا) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ بِنَفْيِ نَسَبٍ وَالْمَعْنَى هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ بِنَفْيِ النَّسَبِ لَيْسَ ابْنَ مُلَاعَنَةٍ بَلْ، وَإِنْ كَانَ ابْنَهَا.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا حُدَّ) مَحَلُّ حَدِّ قَاذِفِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا كَانَ غَيْرَ زَوْجٍ أَوْ كَانَ زَوْجًا وَقَذَفَهَا بِغَيْرِ مَا لَاعَنَهَا بِهِ
وَأَمَّا لَوْ قَذَفَهَا وَلَوْ بَعْدَ اللِّعَانِ بِمَا لَاعَنَهَا بِهِ فَلَا يُحَدُّ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ
(قَوْلُهُ: أَوْ قَذَفَ ابْنَهَا بِنَفْيِ النَّسَبِ) أَيْ عَنْ أَبِيهِ الَّذِي لَاعَنَهَا فِيهِ وَإِنَّمَا حُدَّ الْقَاذِفُ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِنَفْيِ نَسَبِهِ لِصِحَّةِ اسْتِلْحَاقِ أَبِيهِ الَّذِي لَاعَنَ فِيهِ لَهُ،
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لِابْنِ الْمُلَاعَنَةِ يَا مَنْفِيُّ أَوْ يَا ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ أَوْ يَا ابْنَ مَنْ لُوعِنَتْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ح عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ،
فَإِنْ قَالَ لَهُ: لَا أَبَ لَك، حُدَّ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ لَا الْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ أَبُوك نَفَاك إلَى لِعَانِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشَرْحِهَا،
وَإِنْ قَالَ لِغَيْرِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ يَا مَنْفِيَّ حُدَّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَرَّضَ بِالْقَذْفِ) أَيْ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَنَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ
(قَوْلُهُ: غَيْرُ أَبٍ) أَيْ وَلَوْ زَوْجًا عَرَّضَ بِزَوْجَتِهِ
(قَوْلُهُ: أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ) أَيْ أَوْ لَسْت بِلَائِطٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْأَبِ الْجِنْسُ أَيْ جِنْسُ الْوَالِدِ.
(قَوْلُهُ: الشَّامِلُ لِلْجَدِّ) أَيْ وَلِلْجَدَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ فِيهِ) أَيْ وَلَا أَدَبَ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ فِي التَّصْرِيحِ وَقَوْلُهُ: أَيْضًا أَيْ كَمَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيضِ
ص (وَلَا إنْ نُبِذَ) ش: قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ التَّنْبِيهَاتِ اللَّقِيطُ هُوَ الْمُلْتَقَطُ حَيْثُ وُجِدَ وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ وُجِدَ فِي صِغَرِهِ وَالْمَنْبُوذُ الَّذِي وُجِدَ مَنْبُوذًا لِأَوَّلِ مَا يُولَدُ
وَقِيلَ اللَّقِيطُ هُوَ مَا اُلْتُقِطَ مِنْ الصِّغَارِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْغَلَاءِ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ وَعَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بِأَبِيهِ حُدَّ وَمَنْ قَذَفَ بِذَلِكَ الْمَنْبُوذَ لَمْ يُحَدَّ وَقَالَ مَالِكٌ مَا نَعْلَمُ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَى وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ وَأَرَادَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ يُخَرِّجَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الَّذِي اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا فِي النَّادِرِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَوَّلًا فِي هَذِهِ عَلَى نَازِلَةٍ وَقَعَتْ شَهِدَتْ لَهَا دَلَائِلُ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا مَنْبُوذُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَعَلَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اللَّقِيطِ
وَأَمَّا نَسَبُهُ فَإِنَّ مَحْمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ وَإِنَّهُ لِرَشْدَةٍ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَإِنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ لَا أَبَ لَكَ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَى حُدَّ لَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ رَجُلٌ فَقَالَ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ حُكْمُ الْمَنْبُوذِ حُكْمُ الْمَلْقُوطِ اللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ وَاخْتُلِفَ فِي النَّسَبِ فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِلزَّنْيَةِ لَا نَسَبَ لَهُ وَقَالَ مَنْ قَذَفَ الْمَنْبُوذَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ لَمْ يُحَدَّ وَقَدْ قِيلَ الْمَنْبُوذُ مَنْ نُبِذَ عِنْدَمَا وُلِدَ وَالشَّأْنُ إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ وُلِدَ عَنْ زِنًى وَاللَّقِيطُ مَا طُرِحَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْجَدْبِ وَلَيْسَ عِنْدَمَا يُولَدُ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَنْبُوذُ قَالَ مَا نَعْلَمُ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَى وَأَرَى عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ وَكُلُّ هَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ بَابِ اللُّقَطَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اللَّقِيطِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ابْنُ شَعْبَانَ لَفْظَ مَنْبُوذٍ وَتَرْجَمَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْمُوَطَّإِ بِالْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الْمَنْبُوذُ: اللَّقِيطُ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَنْبُوذَ هُوَ مَنْ طُرِحَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَأَنَّ اللَّقِيطَ مَنْ طُرِحَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى اللَّقِيطِ أَنَّهُ مَنْبُوذٌ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا إنْ نُبِذَ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مَنْبُوذًا عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ إذْ لَا نَسَبَ لَهُ هَذَا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ
وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَبَ لَكَ أَوْ يَا وَلَدَ زِنَى فَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُحَشِّي فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا قَالَ لِلْمَنْبُوذِ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ فَبَعِيدٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي النَّفْيِ عَنْ النَّسَبِ لَا فِي قَذْفِ أَبِي الْمَنْبُوذِ أَوْ أُمِّهِ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِلْمَنْبُوذِ لَيْسَ لَكَ أَبٌ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَى فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ وَلَدَ زَانِيَةٍ لِأَنَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي اللَّقِيطِ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي وَيَا ابْنَ الزَّانِيَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَا نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْمَحْمُولَيْنِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَلَا فِي اللَّقِيطِ وَلَا غَيْرِهِ فَانْظُرْهُ. ص (أَوْ زَنَى) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
[فَرْعٌ قَذَفَهُ بِالزِّنَى ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ الصِّبَا أَوْ فِي حَالِ الْكُفْرِ] (فَرْعٌ) لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَى ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ الصِّبَا أَوْ فِي حَالِ الْكُفْرِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ اسْمُ زِنَى
بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّ اسْمَ الزَّانِي لَازِمٌ لَهُ. نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَ (عَفَّ عَنْ وَطْءٍ) يُوجِبُ الْحَدَّ وَيَخْرُجُ بِهِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ بَهِيمَةً.
[فَرْعٌ قَذَفَ رَجُلًا فَارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ] (فَرْعٌ)
فَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ وَلَوْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَى فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عَلَى الْمَقْذُوفِ زِنًى فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَوْ قَذَفَهُ بِزِنَى غَيْرِ الزِّنَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ. ص (وَعَفَّ) ش: أَيْ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ عَفِيفًا وَلَمْ يُفَسِّرْ الشَّارِحُ الْعَفَافَ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَفَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِيَانِ وَمَوَاضِعِ الْفَسَادِ وَالزِّنَى،
بِخِلَافِ السَّارِقِ وَالشَّارِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَكَذَا نَقَلَ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْأُسْتَاذِ فَقَالَ وَمَعْنَى الْعَفَافِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِيَانِ وَمَوَاضِعِ الْفَسَاد وَالزِّنَى،
فَلَوْ قَذَفَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَالْقَذْفِ يُحَدُّ لَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا رَمَى بِهِ فَإِنْ ثَبَتَ أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَمُقْتَضَى مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حُدَّ فِي الزِّنَى أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ لَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِشَاهِدَيْنِ أَمْ لَا انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَفَافُ الْمَقْذُوفِ الْمُوجِبُ حَدَّ قَاذِفِهِ فِي مَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ فِعْلِ الزِّنَى قَبْلَ قَذْفِهِ وَبَعْدَهُ وَمِنْ ثُبُوتِ حَدِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَظَاهِرُ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَسْقُطُ الْإِحْصَانُ بِثُبُوتِ كُلِّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ الْإِحْصَانُ الْمُشْتَرَطُ هُنَا لَا فِي الرَّجْمِ (بِثُبُوتِ كُلِّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ) فَيَخْرُجُ وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَوَطْءُ الشُّبْهَةِ قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ أَيْ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَعُودُ إلَيْهِ الْإِحْصَانُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَعُودُ الْعَفَافُ أَبَدًا وَلَوْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ وَقَوْلُهُ (بِثُبُوتِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْعَفَافَ فَانْظُرْهُ انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّخْصَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَفَافِ حَتَّى يُثْبِتَ عَلَيْهِ الْقَاذِفُ أَنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ فِي تَعْرِيفِ الْعَفَافِ مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَقْذُوفَ إذَا حُدَّ فِي زِنَى أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ زِنَى لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَوْ قَذَفَهُ بِغَيْرِ الزِّنَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ الْمَقْذُوفِ يُرَدُّ الْجَوَابُ عَلَى الْقَاذِفِ وَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَذَفَ مَنْ جُلِدَ فِي زِنَى لَمْ يُحَدَّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُؤَدَّبُ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ حُدَّ فَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَبِهِ لِإِذَايَتِهِ لِلْمَقْذُوفِ انْتَهَى ص (وَإِنْ مُلَاعَنَةً)
ش: قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَمَنْ قَالَ لِابْنِ مُلَاعَنَةٍ: لَسْت لِأَبِيك الَّذِي لَاعَنَ أُمَّك. فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ يَا مَنْفِيُّ يَا ابْنَ مُلَاعَنَةٍ يَا ابْنَ مَنْ لُوعِنَتْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهَى. وَقَالَهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مِنْ النَّوَادِرِ وَقَالَ: إنَّهُ يُعَزَّرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (أَوْ كَيَا قَحْبَةُ)
ش: قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْقَحْبُ الْمُسِنُّ وَالْعَجُوزُ قَحْبَةٌ وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ السُّعَالُ وَقَدْ قَحَبَ يَقْحُبُ كَنَصَرَ قَحْبًا أَوْ قُحَابًا وَقَحَّبَ تَقْحِيبًا وَسُعَالٌ قَاحِبٌ شَدِيدٌ وَالْقَحْبَةُ الْفَاسِدَةُ الْجَوْفِ مِنْ دَاءٍ وَالْفَاجِرَةُ لِأَنَّهَا تَسْعُلُ وَتَتَنَحْنَحَ أَيْ تَرْمُزُ بِهِ وَبِهِ قَحْبَةٌ أَيْ سُعَالٌ انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ الْقُحَابُ سُعَالُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَرُبَّمَا جُعِلَ لِلنَّاسِ وَالْقَحْبَةُ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ انْتَهَى وَفِي كِتَابِ الْأَفْعَالِ لِأَبِي مَرْوَانَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ طَرِيفٍ الْقُرْطُبِيِّ الْمَشْهُورُ: قَحَبَ الشَّيْءُ قُحَابًا سَعَلَ وَمِنْهُ سُعَالٌ قَاحِبٌ وَقَحَبَ الْكَلْبُ وَالْبَعِيرُ سَعَلَا وَأَصْلُ الْقُحَابِ فَسَادُ الْجَوْفِ فَقَدْ يَكُونُ اشْتِقَاقُ الْقَحْبَةِ مِنْ الْقُحَابِ الَّذِي هُوَ فَسَادُ الْجَوْفِ وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا مِنْ الْقُحَابِ الَّذِي هُوَ السُّعَالُ كَأَنَّهَا تَسْتَعْمِلُ السُّعَالَ عَلَامَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّذِي يُسَافِحُهَا، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَرْأَةَ الْمُسِنَّةَ قَحْبَةً انْتَهَى.
(قَذْفُ الْمُكَلَّفِ) ابْنُ رُشْدٍ: حَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِوَصْفَيْنِ فِي الْقَاذِفِ وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ (حُرًّا مُسْلِمًا بِنَفْيِ نَسَبٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًى أَوْ قَطْعِ نَسَبٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا زُجِرَ،
وَمَنْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً زَوْجَةَ مُسْلِمٍ نُكِّلَ،
وَإِذَا افْتَرَى ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ حُدَّ ثَمَانِينَ وَلَا يُحَدُّ إذَا زَنَى وَيُقْطَعُ إذَا سَرَقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ لَسْتَ لِأَبِيكَ وَأَبَوَاهُ نَصْرَانِيَّانِ حُدَّ قَدْ كَانَ آبَاءُ الصَّحَابَةِ مُشْرِكِينَ (عَنْ أَبٍ وَجَدٍّ لَا أُمٍّ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْقَذْفُ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ وَالنَّفْيُ عَنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَسْت ابْنَ فُلَانَةَ لَمْ يُحَدَّ. (وَلَا إنْ نُبِذَ) اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ مَجْهُولًا ". (أَوْ زَنَى) ابْنُ رُشْدٍ: يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْمِيَهُ بِالزِّنَا،
وَالثَّانِي أَنْ يَنْفِيَهُ مِنْ نَسَبِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً. (إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ وَبَلَغَ) ابْنُ رُشْدٍ: حَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِخَمْسَةِ أَوْصَافٍ فِي الْمَقْذُوفِ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَفَافُ وَالْبُلُوغُ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَتَاعُ الزِّنَا لَيْسَ بِحَصُورٍ وَلَا مَجْبُوبٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَادَ {الْعَقْلُ} وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعَفَافِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْمَقْذُوفِ وَحُرِّيَّتُهُ وَعَفَافُهُ وَعَقْلُهُ حِينَ رُمِيَ بِالْفَاحِشَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهَا: كُلُّ مَا لَا يُقَامُ فِيهِ الْحَدُّ لَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ رَجُلًا حَدُّ الْفِرْيَةِ. (كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ صَبِيَّةً لَمْ تَبْلُغْ الْوَطْءَ
وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. (أَوْ مَجْهُولًا) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ قَذَفَ مَجْهُولًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. الْبَاجِيُّ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَرُوِيَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ أَوْ ابْنُ زَانِيَةٍ فَلَا يُحَدُّ إذْ لَا يُعْرَفُ مَنْ أَرَادَ،
فَإِنْ قَامَ بِهِ جَمِيعُهُمْ فَقَدْ قِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ قَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ لِجَدِّهِ حُدَّ كَانَ جَدُّهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. أَشْهَبُ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ وِلَادَةُ جَدِّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ مَجْهُولًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يُحَدَّ إنْ كَانَ مَوْلًى.
وَكَذَلِكَ إنْ نَفَاهُ مِنْ أَبِيهِ دَنِيَّةً لِأَنَّ الْمَجْهُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِهَا،
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ حُدَّ.
وَإِنْ كَانَتْ وِلَادَةُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَوُلِدَ الْمَنْفِيُّ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُولًا مَعَ أَبِيهِ لَمْ يُحَدَّ مَنْ نَفَاهُ.
وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ يَا ابْنَ الزَّانِي حُدَّ،
وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا وَأُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً فَقَدْ وَقَفَ فِيهَا مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ وَقَدْ نَصُّوا أَنَّ الْمَجْهُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ. (وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: عَلَى قَاذِفِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَقَاذِفِ أُمِّهِ الْحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ الْمُلَاعَنَةُ وَابْنُهَا كَغَيْرِهِمَا وَاضِحٌ فِي نِسْبَتِهِمَا إلَى الزِّنَا بِعَدَمِ نَفْيِ عِتْقِهِمَا بِمَا اتَّصَفَا بِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَمَنْ قَالَ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: لَا أَبَا لَكَ حُدَّ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ. (أَوْ عَرَّضَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الصِّيغَةُ صَرِيحَةٌ وَتَعْرِيضٌ وَالتَّعْرِيضُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: كَقَوْلِهِ: أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ (غَيْرُ أَبٍ) ابْنُ مُحْرِزٍ: مَنْ عَرَّضَ لِوَلَدِهِ بِالْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهَمِ فِي وَلَدِهِ (إنْ أَفْهَمَ) ابْنُ شَاسٍ: حُكْمُ التَّعْرِيضِ حُكْمُ التَّصْرِيحِ إذَا فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ أَوْ النَّفْيُ. (يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) هَذَا خَبَرُ قَوْلِهِ: " قَذْفٌ ".
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْرُ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْحُرِّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَشَطْرُهَا عَلَى ذَوِي رِقٍّ مِنْهُمَا.
وَحَدَّ الْمُؤَلِّفُ الْقَذْفَ بِقَوْلِهِ: (ص) قَذْفُ الْمُكَلَّفِ. (ش) هُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَقَطْ، فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا قَذَفَا غَيْرَهُمَا، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ. (ص) حُرًّا مُسْلِمًا. (ش) هَذَا هُوَ الْمَقْذُوفُ أَيْ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ حَيْثُ كَانَ الْمَقْذُوفُ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ، فَالْكَافِرُ وَالْعَبْدُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَإِلَّا حُدَّ لَهُمَا، وَقَوْلُهُ: حُرًّا مُسْلِمًا مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، وَقَوْلُهُ: حُرًّا مَفْعُولُ قَذَفَ،
ثُمَّ إنَّ الشُّرُوطَ عَشْرَةٌ اثْنَانِ فِي الْقَاذِفِ، وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَاثْنَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَهُمَا نَفْيُ النَّسَبِ وَالزِّنَا، وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ لَكِنْ إنْ كَانَ بِنَفْيِ نَسَبٍ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ، وَيُزَادُ عَلَيْهِمَا فِي الْقَذْفِ بِزِنًا أَرْبَعَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ. (ص) بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ، أَوْ جَدٍّ لَا أُمٍّ. (ش) هَذَا شَرْطٌ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ كَانَ صَرِيحًا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ فَمَنْ نَفَى إنْسَانًا عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ إذَا كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا،
وَأَمَّا إنْ نَفَى نَسَبَهُ عَنْ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ،
وَأَمَّا الْأُبُوَّةُ فَثَابِتَةٌ بِالْحُكْمِ، وَالظَّنِّ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ،
وَكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَهُ إلَى الْكُفْرِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ. قَوْلُهُ: عَنْ أَبٍ أَيْ: دَنِيَّةٍ بِدَلِيلِ عَطْفِ الْجَدِّ عَلَيْهِ،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا وَهُوَ كَذَلِكَ . (ص) وَلَا إنْ نَبَذَ. (ش) أَيْ: إذَا نَفَى نَسَبَهُ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ فَلَا يُحَدُّ،
وَأَمَّا لَوْ نَفَى نَسَبَهُ مُطْلَقًا كَيَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِي، أَوْ يَا وَلَدَ زِنًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَنْبُوذًا أَنْ يَكُونَ ابْنَ الزِّنَا، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إذَا قَالَ لِلْمَنْبُوذِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَمْ تُعْرَفْ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: وَلَا إنْ نَبَذَ أَيْ: مَا دَامَ مَنْبُوذًا فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَحَدٌ، وَلَحِقَ بِهِ انْتَفَى أَنَّهُ مَنْبُوذٌ وَحُدَّ قَاذِفُهُ حِينَئِذٍ . (ص) أَوْ زِنًا إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ، وَبَلَغَ كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ.
(ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى بِنَفْيِ نَسَبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مُكَلَّفًا بِآلَةٍ حَالَةَ تَكْلِيفِهِ،
فَمَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا، أَوْ حَصُورًا بِالزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَأَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهُوَ الزِّنَا، وَاللِّوَاطُ فَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا، ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ إنْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حُدَّ فِيهِ أَيْ: وَإِنْ تَابَ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ. الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْوَطْءِ رَأْسًا، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِوَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ هُوَ فِيهَا عَفِيفٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ أَنْ يُثْبِتَ الْعَفَافَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَعَفَّ،
وَلَوْ قَالَ: وَعَفَّ عَنْ زِنًا لَكَانَ أَخْصَرَ،
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا أَنْ يَكُونَ بَالِغًا يُرِيدُ إذَا كَانَ فَاعِلًا،
وَأَمَّا إذَا كَانَ مَفْعُولًا فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ، بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: إنْ كُلِّفَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، أَوْ هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: كُلِّفَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأُنْثَى الْبُلُوغُ بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ. (ص) أَوْ مَحْمُولًا. (ش) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ وَالْمَحْمُولُونَ هُمْ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ السُّلْطَانُ لِحِيَاطَةٍ أَيْ: حِرَاسَةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَوْ مَجْهُولًا بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ أَيْ: مَسْبِيًّا، وَعَلَى كُلٍّ إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى نَبَذَ أَيْ: فَلَا حَدَّ،
وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِزِنًا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ أَيْ: أَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ مَحْمُولًا . (ص) وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ بِالزِّنَا، أَوْ قَذَفَ وَلَدَهَا بِنَفْيِ النَّسَبِ بِأَنْ قَالَ: لَا أَبَ لَك حُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ قَطْعُهُ،
وَلَوْ ثَبَتَ لَرُجِمَتْ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوِّشِ،
فَقَوْلُهُ: وَإِنْ مُلَاعَنَةً رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ زِنًا وَقَوْلُهُ: وَابْنَهَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: بِنَفْيِ نَسَبٍ، وَمَحَلُّ حَدِّ قَاذِفِ الْمُلَاعَنَةِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ زَوْجٍ، أَوْ زَوْجًا، ثُمَّ قَذَفَهَا بِغَيْرِ مَا لَاعَنَهَا بِهِ،
وَأَمَّا لَوْ قَذَفَهَا بِهِ، فَلَا يُحَدُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. (ص) أَوْ عَرَّضَ غَيْرُ أَبٍ إنْ أَفْهَمَ. (ش) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيضَ الْمُفْهِمَ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَنَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ كَالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فَإِذَا قَالَ لَهُ: مَا أَنَا بِزَانٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا زَانِي،
أَوْ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِلَائِطٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا لَائِطُ،
أَوْ قَالَ لَهُ: أَمَّا أَنَا فَأَبِي مَعْرُوفٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَبُوك لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّعْرِيضِ بَيْنَ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ،
وَأَمَّا الْأَبُ إذَا عَرَّضَ لِوَلَدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِذَلِكَ؛ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ وَلَا أَدَبَ،
وَأَمَّا إنْ صَرَّحَ فَيُحَدُّ لِلْوَلَدِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ،
وَلَوْ صَرَّحَ لِوَلَدِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبِ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، أَوْ الْأُمِّ . (ص) يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَإِنْ كُرِّرَ لِوَاحِدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ. (ش) هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ أَيْ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِذَا كُرِّرَ الْقَذْفُ لِوَاحِدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ سَوَاءٌ قَامُوا كُلُّهُمْ، أَوْ بَعْضُهُمْ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ لِلْجَمَاعَةِ: يَا زُنَاةُ،
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْذِفْ الْجَمِيعَ بَلْ قَذَفَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَا بِعَيْنِهِ، فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: أَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ.
(قَوْلُهُ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ) وَلَوْ حَرْبِيًّا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ أُسِرَ، أَوْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ) أَيْ: بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ مَتَى أَطْلَقَ فَالْمَعْنَى سَكْرَانُ بِحَرَامٍ فَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَاءٌ فَسَكِرَ فَهَذَا غَيْرُ حَرَامٍ فَقَذْفُهُ لَا يُوجِبُ حَدًّا.
(قَوْلُهُ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا) أَيْ: بِنَفْيِ النَّسَبِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ)
أَيْ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَيُحَدُّ قَاذِفُهُمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَبُوهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأُمُّهُ أَمَةً.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ)
أَيْ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ بِنَفْيِ النَّسَبِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ وَهُمَا تَقْرِيرَانِ،
وَالْآتِي هُوَ مَا لعج فَإِنَّهُ قَالَ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ
وَكَذَا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُفَادُ تَقْرِيرِ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَنْبِيهٌ) شَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَذْفَ أَمَةٍ حَامِلٍ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ وَضْعِهَا بِأَنَّهَا حَامِلَةٌ مِنْ زِنًا فَيُحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ لَا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِاحْتِمَالِ انْفِشَاشِ الْحَمْلِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْحَدِّ حَيْثُ لَمْ يُنْفَشْ.
(قَوْلُهُ: الْبُلُوغُ) فَقَاذِفُ الصَّبِيِّ بِأَنَّهُ فَاعِلٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ
وَكَذَا يُقَالُ: فِيمَا بَعْدُ فَحِينَئِذٍ مَنْ قَذَفَ مَجْنُونًا أَوْ مَجْبُوبًا بِالْفِعْلِ فِيهِ فَيُحَدُّ وَلَوْ رَقِيقًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ) كَقَوْلِهِ: لَسْتُ ابْنَهُ أَيْ: الْجَدِّ فَيُحَدُّ
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ لَسْتُ ابْنَهُ مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَبًا فَلَا يُصَدَّقُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ)
أَيْ: وَأَمَّا لَوْ نَفَاهُ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ فَلَا حَدَّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ.
(قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ عج ذَكَرَهُ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ
وَكَذَا الْبَدْرُ لَكِنْ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ: بِآلَةٍ) أَيْ: وَيَشْتَهِي.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا) أَيْ: أَوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بَعْدَ إزَالَةِ الْآلَةِ فَإِنْ قَيَّدَ زِنَاهُ بِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا حُدَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ،
وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَالظَّاهِرُ لَا حَدَّ،
وَإِذَا قُذِفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ بِالزِّنَا بِفَرْجِهِ الذَّكَرِ، أَوْ فِي فَرْجِهِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِمَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ رَمَاهُ بِالْفِعْلِ فِي دُبُرِهِ حُدَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِ حُدَّ حَدَّ الزِّنَا لَا حَدَّ اللِّوَاطِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَجْنَبِيَّةً، وَقَوْلُهُ: أَوْ حَصُورًا أَيْ: لَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَصُورَ لَهُ آلَةٌ، وَلَكِنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ فَلِذَلِكَ قُلْت أَوَّلًا: أَيْ: وَيَشْتَهِي.
(قَوْلُهُ: بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ) أَيْ: لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ إلَخْ أَيْ: وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ أَيْ: بِقَوْلِهِ: إنْ كُلِّفَ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَيْثُ أَتَى بِهِ لِلتَّوْطِئَةِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً.
(قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ كُلِّفَ) أَيْ: تَبْيِينٌ لَهُ ثُمَّ أَقُولُ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ لَا مُجَرَّدُ الْبُلُوغِ نَعَمْ هُوَ بَعْضُ التَّفْصِيلِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: تَفْصِيلٌ بَعْضَ تَفْصِيلٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: مَسْبِيًّا) أَيْ: حُرًّا مُسْلِمًا وَفَسَّرَهُ بِمَسْبِيًّا هُرُوبًا مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْغَرِيبِ الْمَجْهُولِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ مَنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ مَثَلًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكِ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا بَيِّنٌ لِحَمْلِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ مُحَشِّي تت كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَجْهُولَ وَالْمَسْبِيَّ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ يُحَدُّ .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مُلَاعَنَةً) يَصِحُّ كَسْرُ الْعَيْنِ وَفَتْحُهَا لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ لَا تَقَعُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَرَّضَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَوْ عَرَّضَ.
(قَوْلُهُ إنْ أَفْهَمَ) أَيْ: أَفْهَمَ الْقَذْفَ بِتَعْرِيضِهِ بِالْقَرَائِنِ كَخِصَامٍ وَلَوْ زَوْجًا لِزَوْجَتِهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ حَدِّهِ إنْ لَمْ يُفْهِمُ التَّعْرِيضُ قَذْفًا كَقَوْلِهِ: وَجَدْتُهَا فِي لِحَافٍ مَعَ رَجُلٍ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الزَّوْجِ حِفْظُ فِرَاشِهِ فَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ: إنْ أَفْهَمَ، نَعَمْ إنْ قَالَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ حُدَّ،
وَكَذَا لَوْ عَرَّضَ لِلزَّوْجِ عَلَى وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ حُدَّ كَذَا أَفَادَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَتَأَمَّلْ قَالَ تت، وَالظَّاهِرُ لَا حَدَّ إنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ هَلْ أَرَادَ الْقَذْفَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْأَبِ الْجِنْسُ) قَالَ مُحَشِّي تت: وَانْظُرْ مَا يُسَاعِدُهُ مِنْ النَّقْلِ فَإِنَّ الَّذِي فِي عِبَارَةِ الْأَئِمَّةِ كَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ الْأَبَ ابْنٌ مُحْرِزٍ مَنْ عَرَّضَ لِوَلَدِهِ بِالْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ لِبُعْدِهِ مِنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ التَّعْرِيضُ مِنْ الْأَبِ لِوَلَدِهِ لَمْ يُحَدَّ .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَرَّرَ) أَيْ: قَبْلَ الْحَدِّ، أَوْ أَثْنَاءَهُ وَيُبْتَدَأُ لَهُمَا الْحَدُّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَهُ بَعْدَ أَكْثَرِهِ كُمِّلَ الْأَوَّلُ وَابْتُدِئَ لِلثَّانِي وَإِنْ كَرَّرَهُ قَبْلَ مُضِيِّ أَكْثَرِهِ أُلْغِيَ مَا مَضَى وَابْتُدِئَ لَهُمَا كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُمْ) أَيْ: فَإِذَا قَامَ بِهِ أَحَدُهُمْ وَضَرَبَ لَهُ كَانَ ذَلِكَ الضَّرْبُ لِكُلِّ قَذْفٍ كَانَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ لِمَنْ قَامَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَالَ لِلْجَمَاعَةِ: يَا زُنَاةُ) بَقِيَ مَا لَوْ خَاطَبَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ قَائِلًا لَهُ أَنْتِ زَانٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ أَوْ قَالَ لَهُمْ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ: كُلٌّ مِنْكُمْ زَنَى وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ أَيْ: مَا هُنَاكَ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
بَابٌ فِي بَيَان أَحْكَامِ الْقَذْفِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَذْفِ (قَذْفُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٌ فِي التَّوْضِيحِ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الرَّمْيُ إلَى بُعْدٍ، ثُمَّ نُقِلَ شَرْعًا إلَى مَا يَأْتِي لِأَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا يَبْعُدُ وَلَا يَصِحُّ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَمْيًا فَقَالَ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} . وَيُسَمَّى فِرْيَةً أَيْضًا مِنْ الِافْتِرَاءِ أَيْ الْكَذِبِ وَهِيَ كَبِيرَةٌ إجْمَاعًا. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ سَبَّهُ بِهِ حُبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى جِسْرٍ مِنْ جُسُورِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَهُ» ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْقَذْفُ الْأَعَمُّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ غَيْرَهُ بِالزِّنَا أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ، وَالْأَخَصُّ لِإِيجَابِ الْحَدِّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًا أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ، فَيَخْرُجُ قَذْفُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ.
الْحَطّ حَدُّهُ الْأَخَصَّ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ قَذْفِ الْمَجْنُونِ فِيهِ،
وَفِي التَّوْضِيحِ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَجْنُونًا إذَا كَانَ جُنُونُهُ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ إلَى حِينِ قَذْفِهِ لَمْ تَتَخَلَّلْهُ إفَاقَةٌ. اللَّخْمِيُّ لِأَنَّهُ لَا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ لَوْ صَحَّ فِعْلُهُ مِنْهُ،
وَأَمَّا إنْ بَلَغَ صَحِيحًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنَّ قَاذِفَهُ يُحَدُّ
وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُ قَاذِفِهِ فَلَا تَلْحَقُهُ مَعَرَّةٌ بِهِ، الْمُكَلَّفِ حُرًّا مُسْلِمًا، [منح الجليل] وَإِنْ جُبَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ حُدَّ قَاذِفُهُ،
وَكَذَلِكَ الْحَصُورُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ آلَةُ النِّسَاءِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا فِي أَوَائِلِ الرَّجْمِ يُحَدُّ قَاذِفُ الْمَجْنُونِ وَكَانَ يَجْرِي لَنَا مُنَاقَضَتُهَا فِي الْقَذْفِ كُلُّ مَا لَا يَقُومُ فِيهِ الْحَدُّ لَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ رَجُلًا حَدُّ الْفِرْيَةِ، وَيُجَابُ بِحَمْلِ قَوْلِهَا فِي الرَّجْمِ عَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا اهـ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ يُحَدُّ قَاذِفُ الْمَجْنُونِ مَعْنَاهُ إنْ بَلَغَ صَحِيحًا ثُمَّ جُنَّ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَذْفَ بِقَطْعِ النَّسَبِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ اهـ.
قُلْت قَوْلُهُ يَقْتَضِي إلَخْ مَمْنُوعٌ، إذْ قَوْلُهُ أَوْ قَطْعُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ نِسْبَةُ لَا عَلَى زِنًا.
وَإِضَافَةُ قَذْفِ (الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْمُلْزَمِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلَةِ فَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ الصَّبِيُّ وَلَا الْمَجْنُونُ. طفي لَوْ قَالَ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ كَمَا
قَالَ فِي الدِّمَاءِ لَوَافَقَ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ، إذْ قَذْفُ حَرْبِيٍّ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا أَوْ أُسِرَ فَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا
وَأَمَّا وَإِنْ أَتَى حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ فَقَذَفَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
وَشَرْطُ الْمَقْذُوفِ كَوْنُهُ (حُرًّا) فَلَا يُحَدُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي قَذَفَ رِقًّا. الْحَطّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " أَنَّ مَنْ نَفَى نَسَبَ عَبْدٍ لَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَفِيهَا مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ لَسْت لِأَبِيك ضُرِبَ الْحَدَّ،
فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْعَبْدِ مَاتَا وَلَا وَارِثَ لَهُمَا فَلِلْعَبْدِ حَدُّ سَيِّدِهِ،
وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ اخْتِلَافٌ. فِيهَا إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَسْت لِأَبِيك وَأَبُوهُ مُسْلِمٌ وَأُمُّهُ كَافِرَةٌ أَوْ أَمَةٌ فَوَقَفَ فِيهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ لِحَمْلِ أَبِيهِ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ، وَكَوْنُهُ (مُسْلِمًا) فَلَا يُحَدُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي قَذَفَ حُرًّا كَافِرًا سَوَاءٌ كَانَ كُفْرُهُ أَصْلِيًّا أَوْ بِارْتِدَادٍ، فِيهَا مَنْ قَذَفَ رَجُلًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ أَوْ قَذَفَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَلَوْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ.
الْحَطّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إذَا قَذَفَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَطَلَبَ الْعَبْدُ تَعْزِيرَ قَاذِفِهِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي مِثْلِ هَذَا تَعْزِيرٌ، وَنُهِيَ قَاذِفُهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ،
فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَاحِشًا مَعْرُوفًا بِالْأَذَى عُزِّرَ وَأُدِّبَ عَنْ أَذَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَفِي النَّوَادِرِ يُؤَدَّبُ قَاذِفُ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ لِإِذَايَتِهِ لَهُ. بِنَفْيِ نَسَبٍ؛ عَنْ أَبٍ، أَوْ جَدٍّ، لَا أُمٍّ وَلَا إنْ نُبِذَ، [منح الجليل] وَصِلَةُ قَذْفٍ (بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ) عَنْ (جَدٍّ لِأَبٍ) صَرِيحًا كَلَسْت ابْنَ أَبِيك أَوْ جَدِّك لِأَبِيك أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَإِشَارَةِ أَخْرَسَ أَوْ قَوْلِهِ أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ وَهُوَ غَيْرُ أَبِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُهُ فِي الْمَنْفِيِّ إسْلَامُهُ لِقَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ لَسْت لِأَبِيكَ وَأَبَوَاهُ نَصْرَانِيَّانِ جُلِدَ الْحَدَّ،
وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ عَبْدًا مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ نَفَاهُ،
وَكَذَا إنْ قَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَهُوَ جَدُّهُ وَهُوَ كَافِرٌ، وَإِسْلَامُ أَبَوَيْهِ وَحُرِّيَّتُهُمَا لِقَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ لَسْت لِأَبِيك ضُرِبَ الْحَدَّ،
فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْعَبْدِ قَدْ مَاتَا وَلَا وَارِثَ لَهُمَا أَوْ لَهُمَا وَارِثٌ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحُدَّ سَيِّدَهُ فِي ذَلِكَ،
وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَحُرِّيَّتِهِ دُونَ أُمِّهِ اخْتِلَافٌ.
فِيهَا إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَسْتَ لِأَبِيك وَأَبُوهُ مُسْلِمٌ وَأُمُّهُ كَافِرَةٌ أَوْ أَمَةٌ فَوَقَفَ فِيهَا مَالِكٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ حَمَلَ أَبَاهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَخْتَصُّ الْبُلُوغُ وَالْعَفَافُ بِغَيْرِ الْمَنْفِيِّ صَوَابٌ لِوُضُوحِ الْمَنْصُوصِ فِيهَا،
وَفِي غَيْرِهَا يُحَدُّ مَنْ قَطَعَ نَسَبَ مُسْلِمٍ مُطْلَقًا لَا يُقَيَّدُ بُلُوغُهُ وَلَا عَفَافُهُ، كَقَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ لَيْسَ أَبُوك الْكَافِرُ، ابْنَ أَبِيهِ فَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَقُولَ لِلْوَلَدِ الْمُسْلِمِ لَسْتَ مِنْ وَلَدِ فُلَانٍ وَنَحْوَهُ فِي غَيْرِهَا. (لَا) بِنَفْيٍ عَنْ (أُمٍّ) فِيهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَسْت ابْنَ فُلَانَةَ وَهِيَ أُمُّهُ فَلَا يُحَدُّ. الْخَرَشِيُّ لِأَنَّ أُمُومَتَهَا لَهُ مُحَقَّقَةٌ مُشَاهَدَةٌ فَنَفْيُهَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ لَا تَلْحَقُهُ بِهِ مَعَرَّةٌ وَأُبُوَّةُ أَبِيهِ لَهُ مَظْنُونَةٌ خَفِيَّةٌ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُ نَافِيهَا فَتَلْحَقُ الْمَعَرَّةُ الْمَنْفِيَّ (وَلَا) يُحَدُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ مُعَيَّنٍ (إنْ) كَانَ الْمَقْذُوفُ قَدْ (نُبِذَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِعْجَامِ الذَّالِ، أَيْ طُرِحَ عَقِبَ وِلَادَتِهِ مَا دَامَ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَحَدٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ نَعْلَمْ مَنْبُوذًا، إلَّا وَلَدَ زِنًا فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَحَدٌ وَلَحِقَ بِهِ ثُمَّ قَذَفَهُ مُكَلَّفٌ بِنَفْيِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
الْبُنَانِيُّ فِي نَفْيِ الْمَنْبُوذِ صُورَتَانِ الْأُولَى نَفْيُهُ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَلَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَلَا حَدَّ بِهَذَا اتِّفَاقًا، وَالثَّانِيَةُ رَمْيُهُ بِأَنَّهُ ابْنُ زِنًا، وَفِيهَا قَوْلَانِ اللَّخْمِيُّ لَا يُحَدُّ. ابْنُ رُشْدٍ يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لِرِشْدَةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ خِلَافُ الزَّانِيَةِ، أَيْ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ وَالْأَمْرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
[منح الجليل] إذَا احْتَمَلَ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَمَعْلُومٌ تَقْدِيمُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ خِلَافُهُ، فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ مِنْ كَلَامِهِ،
وَإِنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ الزَّانِيَةِ فَهَذَا قَذْفٌ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ بِالزِّنَا لَا لَهُ بِنَفْيِ نَسَبٍ فَلَا يُحَدُّ اتِّفَاقًا وَعَلَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِجَهْلِ أَبَوَيْهِ وَابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ الْمَنْبُوذَ لَا يَكُونُ إلَّا ابْنَ زِنًا قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ جَهْلَ أَبَوَيْهِ لِأَنَّ اللَّقِيطَ كَذَلِكَ وَالنَّصُّ حَدُّ قَاذِفِهِ بِذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ وَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَيْسَ فِيهَا قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ وَكَلَامُهُ فِيهِ.
الْحَطّ فِي التَّنْبِيهَاتِ اللَّقِيطُ حَيْثُ وُجِدَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ وُجِدَ فِي صِغَرِهِ وَالْمَنْبُوذُ الَّذِي وُجِدَ مَنْبُوذًا أَوَّلَ مَا وُلِدَ،
وَقِيلَ اللَّقِيطُ مَا اُلْتُقِطَ مِنْ الصِّغَارِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْجَلَاءِ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بِأَبِيهِ يُحَدُّ،
وَمَنْ قَذَفَ الْمَنْبُوذَ بِهِ فَلَا يُحَدُّ،
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا نَعْلَمُ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَا، وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ وَأَرَادَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ يُخَرِّجَ خِلَافَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا، أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ مَنْ يُطْرَحْ يَعِشْ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي النَّادِرِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ أَوَّلًا عَلَى الْمُعْتَادِ،
وَفِي هَذِهِ نَازِلَةٌ وَقَعَتْ شَاذَّةً لَهَا دَلَائِلُ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا اهـ.
قَوْلُهُ وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ يَعْنِي مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا مَنْبُوذُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِبَعْضِ الْمَشَايِخِ لِلَّخْمِيِّ إذْ
قَالَ فِي اللَّقِيطِ وَأَمَّا نَسَبُهُ فَإِنَّ مَحْمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ، وَأَنَّهُ لِرِشْدَةٍ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْأَبِ،
فَإِنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ لَا أَبَا لَهُ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَا حُدَّ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ رَجُلٌ، فَفِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، ثُمَّ قَالَ حُكْمُ الْمَنْبُوذِ حُكْمُ اللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ. وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِلزَّانِيَةِ لَا نَسَبَ لَهُ،
وَقَالَ مَنْ قَذَفَ الْمَنْبُوذَ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَلَا يُحَدُّ، وَقَدْ قِيلَ الْمَنْبُوذُ مَنْ نُبِذَ عِنْدَمَا وُلِدَ وَالشَّأْنُ إنَّمَا يُفْعَلُ هَذَا بِمَا وُلِدَ عَنْ زِنًا وَاللَّقِيطُ مَا طُرِحَ أَوْ زِنًا، إنْ كُلِّفَ، وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ [منح الجليل] عِنْدَ شِدَّةٍ وَجَدْبٍ لَا عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمَبْسُوطَةِ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَنْبُوذُ، قَالَ لَمْ نَعْلَمْ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَا، وَأَرَى عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ، وَكُلُّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعِشْ لَهُ وَلَدٌ، وَسَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ إذَا طُرِحَ عَاشَ، وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ اهـ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ أَطْلَقَ ابْنُ شَعْبَانَ عَلَى اللَّقِيطِ لَفْظَ مَنْبُوذٍ، وَتَرْجَمَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْمُوَطَّإِ بِالْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ اللَّقِيطِ،
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَنْبُوذَ هُوَ مَنْ طُرِحَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَأَنَّ اللَّقِيطَ مَنْ طُرِحَ بَعْدَهَا لِشِدَّةٍ، وَأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى اللَّقِيطِ اسْمُ الْمَنْبُوذِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ وَلَا إنْ نُبِذَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَاهُ،
وَأَنَّ مَنْ نَفَى مَنْبُوذًا عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ مُعَيَّنٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ إذْ لَا أَبَ لَهُ مُعَيَّنٌ وَلَا جَدَّ فَلَا نَسَبَ لَهُ، هَذَا إذَا كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ،
وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَا أَبَا لَهُ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَا فَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمَبْسُوطِ، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَا فِي الْبَيَانِ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِح وَالْمُحَشِّي مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْبُوذٍ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ الزَّانِيَةِ فَبَعِيدٌ، لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي نَفْيِ النَّسَبِ لَا فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِمَنْبُوذٍ يَا وَلَدَ الزَّانِي أَوْ الزَّانِيَةِ، وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا كَوْنُهُ وَلَدَ زَانِيَةٍ لَا كَوْنُ أَبِيهِ وَأُمِّهِ غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ لِأَنَّ هَذَا فِي اللَّقِيطِ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى حَدِّ مَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ. (أَوْ) قَذَفَ الْمُكَلَّفُ حُرًّا مُسْلِمًا بِ (زِنًا) بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الشَّامِلِ لِلِّوَاطِ (إنْ كُلِّفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أُلْزِمَ الْمَقْذُوفُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَهُوَ الْبَالِغُ فَلَا يُحَدُّ مَنْ قَذَفَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ بِزِنًا (وَ) إنْ (عَفَّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُثَقَّلًا، أَيْ صَانَ الْمَقْذُوفُ نَفْسَهُ عَنْ الزِّنَا فَلَا يُحَدُّ مَنْ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا،
وَلَوْ حُدَّ فِيهِ وَتَابَ مِنْهُ وَصِلَةُ عَفَّ (عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ) أَيْ الرَّجْمَ أَوْ الْجَلْدَ،
وَإِنْ لَمْ يَعِفَّ عَمَّا دُونَهُ كَمُقَدِّمَاتٍ وَإِتْيَانِ بَهِيمَةٍ. بِآلَةٍ، وَبَلَغَ كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ، [منح الجليل] الْبُنَانِيُّ الْعَفَافُ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ حُدَّ فِي الزِّنَا وَلَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا هَذَا ظَاهِرُ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفِ،
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الْأُسْتَاذِ: الْعَفَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِمَوَاضِعِ الزِّنَا، فَفِي النَّوَادِرِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ قَذَفَ مَنْ جُلِدَ فِي زِنًا فَلَا يُحَدُّ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُؤَدَّبُ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِ،
وَقَالَ مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ حُدَّ فَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَذِيَّةٍ لِإِذَايَتِهِ لِلْمَقْذُوفِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ مُقْتَضَى مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ حُدَّ فِي الزِّنَا أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ فِيهِ. الْمُوَضَّحُ لَا يَعُودُ الْعَفَافُ أَبَدًا وَلَوْ تَابَ وَحَسُنَ حَالُهُ وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَعَفَافُ الْمَقْذُوفِ الْمُوجِبُ حَدَّ قَاذِفِهِ مَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِأَنَّهُ السَّلَامَةُ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا قَبْلَ قَذْفِهِ وَبَعْدَهُ.
وَمِنْ ثُبُوتِ حَدِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ حَالَ كَوْنِهِ (بِآلَةٍ) لِلْوَطْءِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الْمَجْبُوبِ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَالْعِنِّينِ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فَلَا مَعَرَّةَ عَلَى الْمَقْذُوفِ (وَ) إنْ (بَلَغَ) الْمَقْذُوفُ بِأَنَّهُ فَاعِلُ الْحُلُمَ وَصَرَّحَ بِهِ وَإِنْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ كُلِّفَ لِيُشَبِّهَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (بَلَغَتْ) الْأُنْثَى (الْوَطْءَ) أَيْ إطَاقَتَهُ وَلَمْ تَبْلُغْ الْحُلُمَ فَيُحَدُّ قَاذِفُهَا بِالزِّنَا لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا بِهِ
وَمِثْلُهَا الذَّكَرُ الْمُطِيقُ الْمَقْذُوفُ بِاللِّوَاطِ فِيهِ، فَفِي التَّوْضِيحِ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ فِي الْقَذْفِ بِاللِّوَاطِ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ بِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْبِنْتِ بِذَلِكَ لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُطِيقَةٌ لِوَطْءٍ كَالْبَالِغَةِ لِقَوْلِهَا مَنْ قَذَفَ صَبِيَّةً لَمْ تَبْلُغْ الْحَيْضَ
وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ يُجَامَعُ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - " يُحَدُّ لَهَا،
وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُحَدُّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ وُجُوبِهِ أَيْ حَدِّ الْقَذْفِ تَكْلِيفُ الْقَاذِفِ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِذَلِكَ، وَشَرْطُ الْمَقْذُوفِ بِفِعْلِهِ بُلُوغُهُ وَإِسْلَامُهُ وَعَفَافُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَعَقْلُهُ حِينَ رَمْيِهِ بِالْفَاحِشَةِ لِقَوْلِهَا كُلُّ مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ رَجُلًا حَدُّ الْفِرْيَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ رَمَى امْرَأَةً بِبَهِيمَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ،
وَكَذَا أَوْ مَحْمُولًا، [منح الجليل] مَنْ رَمَى بِهِ بَرِيئًا مِنْ الرِّجَالِ وَقَالَ رَبِيعَةُ فِيهِ النَّكَالُ. (أَوْ مَحْمُولًا) " غ " كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ نُبِذَ، أَيْ أَوْ كَانَ مَحْمُولًا وَلَا يَخْفَاك مَا فِيهِ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَأَنَّ صَوَابَهُ أَوْ مَفْعُولًا كَأَنَّهُ قَالَ كَأَنْ بَلَغَتْ الصَّبِيَّةُ الْوَطْءَ أَوْ سَمَّى الْقَاذِفَ الصَّبِيَّ مَفْعُولًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ فِي اللِّوَاطِ إذَا كَانَ فَاعِلًا،
وَأَمَّا إذَا كَانَ مَفْعُولًا بِهِ فَلَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الصَّبِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ. اهـ. وَهُوَ مِمَّا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ تَقَايِيدِ أَئِمَّتِنَا الْفَاسِيِّينَ. طفى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَحْمُولُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ لِأَنَّ الْمَحْمُولِينَ لَا تُعْلَمُ صِحَّةُ أَنْسَابِهِمْ لِآبَائِهِمْ الْمُعَيَّنِينَ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ،
فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ آبَاؤُهُمْ فَمَنْ نَفَى أَحَدَهُمْ عَنْ بُنُوَّةِ فُلَانٍ مَثَلًا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ قَطَعَهُ عَنْ نَسَبِهِ فَلَمْ يَقْذِفْهُ، ثُمَّ قَالَ وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ فَسَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا بِأَنَّهُ أَرَادَ الْمَجْهُولَ النَّسَبِ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ نَفْيَ الْمَحْمُولِ عَنْ الْأَبِ مُطْلَقًا بِأَنْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ زِنًا أَنَّهُ يُحَدُّ قَائِلُ ذَلِكَ لِأَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَاهُمْ التَّوَارُثَ بِالنَّسَبِ لِجَهْلِنَا آبَاءَهُمْ لَا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ زِنًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ إذَايَةَ الْمَحْمُولِينَ بِنَفْيِ أَنْسَابِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ دُونَ إذَايَةِ غَيْرِهِمْ بِذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ مُسَاوَاتُهُمْ.
" غ " انْتَحَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ نَفْيُ الْمَحْمُولِ عَنْ الْأَبِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ لِأَحَدِهِمْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ابْنُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ لِأَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَاهُمْ التَّوَارُثَ بِالنَّسَبِ بِجَهْلِنَا آبَاءَهُمْ لَا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ زِنًا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ تَوْأَمَيْ الْمُحْتَمِلَةِ شَقِيقَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ إذَايَةَ الْمَحْمُولِينَ بِنَفْيِ أَنْسَابِهِمْ دُونَ إذَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهِ، فَامْتَنَعَتْ مُسَاوَاتُهُمْ فِي الْحُكْمِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ الْمَحْمُولُونَ بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ الْمَسْبِيُّونَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ قَالَ لَهُ يَا وَلَدَ الزِّنَا قَالَهُ أَشْهَبُ اهـ.
طفي مَا قَالُوهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْمَحْمُولُ يُحَدُّ مَنْ قَذَفَهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ فَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَحْمُولِ فِي نَفْيِ نَسَبِهِ،
فَلَوْ قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ عِنْدَ الْمَنْبُوذِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَفِي التَّوْضِيحِ فِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ يُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا، أَوْ عَرَّضَ غَيْرُ أَبٍ، [منح الجليل] الزَّانِيَةِ وَهُوَ لَا تُعْرَفُ أُمُّهُ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَرَى أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ إذَا كَانَ رَجُلًا مُسْلِمًا وَقَدْ يَقْدَمُ الرَّجُلُ الْبَلَدَ فَيُقِيمُ فِيهِ سِنِينَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَيَقْذِفُهُ رَجُلٌ أَيُقَالُ لَهُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أُمَّك حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَرَى أَنْ يُضْرَبَ مَنْ قَذَفَهُ وَالظَّالِمُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ أُمَّ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُ ذَلِكَ، ثُمَّ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ نَسْخَهُ مَجْهُولٌ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ تَصْحِيفٌ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ. اهـ. أَيْ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْغَرِيبِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْمَجْهُولَ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَمَا يَأْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحَدُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَفِيفًا بِآلَةٍ بَالِغًا أَوْ مُطِيقًا إنْ كَانَ غَيْرَ مُلَاعَنَةٍ وَابْنَهَا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمَقْذُوفُ مَرْأَةً (مُلَاعَنَةً) مِنْ زَوْجِهَا لِرُؤْيَتِهَا تَزْنِي أَوْ ظُهُورِ حَمْلٍ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَابْنَهَا) أَيْ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ فَمَنْ رَمَاهَا بِالزِّنَا الَّذِي لَاعَنَهَا زَوْجُهَا بِهِ، أَوْ قَالَ لِابْنِهَا، يَا ابْنَ الزِّنَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ،
وَلَوْ ثَبَتَ لَرُجِمَتْ وَلَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُ الْمَلَاعِنِ وَلَدَهَا. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى قَاذِفِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَقَاذِفِ أُمِّهِ الْحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ الْمُلَاعَنَةُ وَابْنُهَا كَغَيْرِهِمَا وَاضِحٌ فِي نِسْبَتِهَا إلَى الزِّنَا لِعَدَمِ انْتِفَاءِ عِفَّتِهِمَا بِمَا اتَّصَفَا بِهِ. وَفِيهَا مَنْ قَذَفَ مُلَاعَنَةً الْتَعَنَتْ بِوَلَدٍ أَوْ بِغَيْرِ وَلَدٍ حُدَّ. ابْنُ يُونُسَ مَنْ قَالَ لِابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لَا أَبَا لَهُ حُدَّ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ، وَسَوَاءٌ صَرَّحَ الْمُكَلَّفُ بِالْقَذْفِ (أَوْ عَرَّضَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا مُعْجَمًا الضَّادُ بِهِ، وَفَاعِلُ عَرَّضَ (غَيْرُ أَبٍ) لِلْمَقْذُوفِ بِتَعْرِيضِ الْأَبِ بِقَذْفِ ابْنِهِ لَا يُوجِبُ حَدَّهُ.
عج أَرَادَ بِالْأَبِ الْجِنْسَ الشَّامِلَ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمَّهَاتِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ،
فَلَوْ قَالَ عَرَّضَ غَيْرُ أَصْلٍ لَوَفَى بِهَذَا. طفي اُنْظُرْ مُسْتَنَدَهُ مِنْ النَّقْلِ،
فَإِنَّ الَّذِي فِي عِبَارَاتِ الْأَئِمَّةِ كَالْمُوَضِّحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ الْأَبُ. ابْنُ مُحْرِزٍ مَنْ عَرَّضَ لِوَلَدِهِ فَلَا يُحَدُّ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ التَّعْرِيضُ مِنْ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَلَا يُحَدُّ. الْبُنَانِيُّ التَّعْلِيلُ بِالْبُعْدِ عَنْ التُّهْمَةِ يُفِيدُ مَا قَالَهُ عج لِوُجُودِهِ فِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ.
قُلْت وَيُفِيدُهُ أَيْضًا تَعْبِيرُ ابْنِ مُحْرِزٍ بِمَنْ. إنْ أَفْهَمَ يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً،
وَإِنْ كَرَّرَ لِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ [منح الجليل] وَشَرْطُ حَدِّ غَيْرِهِ بِالتَّعْرِيضِ بِهِ (إنْ أَفْهَمَ) التَّعْرِيضُ الْقَذْفَ بِقَرِينَةٍ نَحْوِ خِصَامٍ
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ زَوْجًا لِزَوْجَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ صَرِيحَةٌ وَهِيَ مَا دَلَّ بِذَاتِهِ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى إرَادَةِ غَيْرِهِ. الْبَاجِيَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَانِي وَقَالَ أَرَدْت أَنَّهُ زَانٍ فِي الْجَبَلِ يُقَالُ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ إذَا صَعِدْت، قَالَ أَصْبَغُ يُحَدُّ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا فِي تِلْكَ الْحَالِ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَهُ وَلَمْ يَقُلْهُ فِي مُسَابَّةٍ. ابْنُ حَبِيبٍ يُرِيدُ وَيَحْلِفُ وَتَعْرِيضٌ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ بَيِّنَةٍ. ابْنُ شَاسٍ كَقَوْلِهِ
أَمَا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ قُلْت إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ فِي مُشَاتَمَةٍ إنِّي لَعَفِيفُ الْفَرْجِ وَمَا أَنَا بِزَانٍ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُحَدُّ فَقَيَّدَ الْحَدَّ بِقَوْلِهِ مَا أَنَا بِزَانٍ بِكَوْنِهِ فِي مُشَاتَمَةٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شَاسٍ بِقَوْلِهِ
أَمَّا أَنَا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا أَنَا بِزَانٍ أَوْ أُخْبِرْت أَنَّك زَانٍ حُدَّ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الصِّقِلِّيُّ بِشَيْءٍ،
وَفِي الْمُوَطَّإِ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسَابَّةِ وَخَبَرُ قَذْفُ الْمُكَلَّفِ إلَخْ (يُوجِبُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ الْقَذْفَ عَلَى الْقَاذِفِ (ثَمَانِينَ جَلْدَةً) إنْ قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا وَاحِدًا وَلَمْ يُكَرِّرْهُ، بَلْ
بنفي نسب متعلق بقذف يعني أنه إذا قذف أي رمى مكلفا حرا مسلما بنفي نسبه فإنه يحد أي يجلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حرا،
وإن كان رقيقا جلد القاذف أربعين بشرط أن يكون نفيه لنسبه عن أب دنية أو جد لأب وإن علا، كقوله: لست ابن فلان أو ليس فلان جدك، واحترز بذلك عما إذا نفى نسبه لأمه فإنه لا حد عليه،
كما قال: لا إن نفى نسبه عن أم لأن الأمومة محققة وإنما عليه الأدب فقط،
وأما الأبوة فثابتة بالحكم والظن فلا يعلم كذبه في نفيه فتلحقه بذلك معرة، ولذلك لو نسبه إلى الكفر فإنما عليه الأدب فقط، وقولي: أو جد لأب ظاهر لأن نفي النسب عن الأم إذا كان غير معتبر فنفيه عن أبيها أولى بعدم الاعتبار،
وأما لو قال: لست ابن فلان وهو جده لأبيه فإنه يحد،
ولو قال: أردت لست ابنه من الصلب لأن بينك وبينه أبا فلا يصدق. قاله في المدونة. ومحل حد القاذف بنفي النسب عن أب أو جد إذا كان نسب المقذوف معلوما، كما قال: ولا إن نبذ يعني أنه إذا قذف المنبوذ أي المطروح أي الذي طرح فلم يدر له أب ولا أم، ونفى نسبه عن أب معين كلست ابن فلان أو نفى نسبه مطلقا كيا ولد زنى فإنه لا يحد كما قال اللخمي،
وقال ابن رشد في هذه الأخيرة: يحد
بخلاف الأولى لأنه لا يلزم من كونه منبوذا كونه ولد زنى، وَقَوْلُ مالك في العتبية إذا قال للمنبوذ: يا ابن الزانية لا حد عليه ويؤدب لأن أمه لم تعرف. انتهى. هو ليس من القذف بنفي النسب، ومحل قوله: "ولا إن نبذ" ما دام منبوذا،
فإن استلحقه أحد ولحق به انتفى أنه منبوذ وحد قاذفه حينئذ. أو زثى عطف على "نفي" أي قذف المكلف حرا مسلما بزنى يوجب على القاذف المكلف ثمانين جلدة إن كان القاذف حرا، وأربعين إن كان القاذف عبدا بهذه الشروط: إن كلف المقذوف يعني أن القذف إنما يوجب الحد على القاذف بشرط أن يكون المقذوف مكلفا حيث كان المقذوف ذكرا، وعف أي
ويشترط في حد القاذف بالزنى أن يكون المقذوف قد عف أي كف عن وطء يوجب الحد أي عفَّ عن زنى أو لواط قبل أن يقذف وبعده، لإقامة الحد على قاذفه كما في ابن عرفة،
فإن زنى بعد أن قذف وقبل إقامة الحد لم يحد قاذفه، والعفاف هو أن لا يكون قد حُد هو في الزنى ولا يثبت عليه الزنى، وشمل الحد صورتين: الأولى أن يكون تاركا للوطء رأسا، الثانية أن يكون مرتكبا لوطء لا يوجب الحد كوطء بهيمة؛ إذ هو فيها عفيف عما يوجب الحد. قال مقيده عفا اللَّه عنه: ومما يدخل في منطوق المصنف فيحد القاذف ما إذا كان المقذوف بالزنى يطأ الأجنبية بين الفخذين، ومفهوم المصنف صورة واحدة وهي ما إذا كان المقذوف لا يعف عن الوطء الموجب للحد كالزنى واللواط.
بآلة متعلق "بكلف" كما للشبراخيتي؛ يعني أن القاذف إنما يحد إذا رمى شخصا بالزنى حيث كان المقذوف ذا آلة حالة التكليف يطأ بها احترازا عن المجبوب أو مقطوع الذكر، فإنه لا حد على قاذفه بالزنى إن قيد ذلك بما بعد إزالة الآلة،
فإن قيد زناه بما قبل قطعها حد على ما يظهر. قاله عبد الباقي.
الرهوني: قال اللخمي: وإن كان جبابه بعد بلوغه حد. انتهى. تأمله تجده نصا فيما توقف فيه عبد الباقي، والباء في قوله: "بآلة" للملابسة. وبلغ أي إنما يحد القاذف حيث كان المقذوف بالغا، وأتى بهذا بعد استفادته من "كلف" ليفيد أنه أي التكليف خاص بالذكر، فقوله: "وبلغ" أي المقذوف الذكر، بدليل قوله: كإن بلغت الوطء يعني أن المقذوف إذا كان أنثى لا يشترط في حد قاذفه بالزنى أن يكون مكلفا، وإنما يشترط في ذلك أن تكون المقذوفة قد بلغت أن توطأ بمعنى أطاقته فيحد قاذفها،
وإن لم تبلغ بثمان عشرة أو الحلم إلى آخره، وقوله: "كإن بلغت الوطء" هو المشهور،
بخلاف من لم تطق الوطء فلا حد على راميها.
وفي التوضيح: والظاهر أن اشتراط البلوغ في اللواط إنما هو في حق الفاعل،
وأما المفعول فلا يشترط ذلك في حقه وهو أولى من البنت في ذلك، يريد للحوق المعرة. انتهى. ولعل وجه الأولوية أنه ليس محلا للفعل شرعا، فالمعرة فيه أقوى
بخلاف المطيقة. وأما قوله: للحوق المعرة فمشترك. أو محمولا بالحاء المهملة واليم عطف على "كإن بلغت الوطء" يعني أن قاذف المحمول يحد والمحمولون هم المسبيُّون وهذا ظاهر حيث نفى نسبه مطلقا، بأن قال له: يا ولد زنى وفي بعض النسخ أو مجهولا بالجيم والهاء أعم من المحمول، فيشمل المسبي والغريب وهذا ظاهر إن نَّفاه مطلقا.
وقال عبد الباقي: أو محمولا بحاء مهملة فميم، والمحمولون هم الذين يرسلهم السلطان لحراسة،
وفي بعض النسخ: أو مجهولا بجيم وهاء أي مسبيا: وعلى كل إن حمل على أنه قذفه بنفي نسب عن أب معين كان معطوفا على "إن نبذ" ، فلا حد وإن حمل على أنه قذف بنفي نسب مطلقا كان معطوفا على: "كإن بلغت الوطء" أي أو كان المقذوف محمولا فيحد قاذفه، كإن قال له يا ولد زنى على قول ابن رشد في المنبوذ لا على قول اللخمي فيه، فلا يحد في المحمول أيضا حيث قذف كلا بنفي النسب ويحد إن رماه بالزنى.
انتهى. ويأتي الكلام إن شاء اللَّه على تحقيق هذا الكلام وعلى تحقيق قوله إن نبذ عند قول المصنف يوجب ثمانين في التنبيه الثامن. وإن ملاعنة يعني أن القاذف بالزنى يحد،
وإن كان المقذوف ملاعنة يصح فتح العين وكسرها، وابنها الواو بمعنى أو؛ يعني أن القاذف بنفي النسب يحد وإن كان المقذوف بذلك الملاعنة؛ بأن قال له يا ابن زنى،
قال عبد الباقي: وإن قذف ملاعنة وابنها، الواو بمعنى أو مبالغة في الحد أي يحد من قذف ملاعنة بأنها زانية أو ابنها بأنه ليس لأبيه الذي لاعن لصحة استلحاقه، وإنما حد قاذف الملاعنة بأنها زانية ولم يحد قاذف المحدود في الزنى لأنها لم يثبت عليها الزنى إذ قابلت شهادته بشهادتها، ألا ترى أن توأميها يتوارثان على أنهما شقيقان؟ وأنه لو استلحقه لحق به، وحد من حد في الزنى لا يقابل شهادة الرجل عليها بالزنى، ثم الإشارة من الأخرس قائمة مقام التصريح في الأمرين: نفى النسب والزنى.
انتهى. أو عَرَّضَ عطف على المبالغة، لرد قول أبي حنيفة والشافعي، أو على قذف من عطف الفعل على الاسم؛ يعني أن التعريض بالقذف كالتصريح به فإنه يوجب الحد على القاذف بأحد الأمرين،
كقوله: أما أنا فلست بزان أو لست بلائط،
وكقوله: أما أنا فمعروف النسب. غير أب فاعل "عرض" ؛ يعني أن التعريض إنما يحد به غير الأب،
فإذا عرض الأب بقذف ولده ولم يصرح فإنه لا حد عليه، وإنما يكون التعريض بالقذف كالتصريح به. إن أفهم العرض القذف بتعريضه بالقرائن،
وأما إن صرح الأب بقذف ولده فله حده على ما مشى عليه المصنف فيما يأتي من قوله: "وله حد أبيه وفسق" ، واحترز بقوله: "إن أفهم" عما إذا لم يفهم. عبد الوهاب. واختلف في اللفظ المحتمل للقذف والشتم إلى أيهما، قوله على قولين. اللخمي: إن صرح بالقذف أو عرض به حد، ولابن رشد بلفظ القذف أو عرض عوقب وإن أشكل الأمر حلف وعوقب، واختلف إن نكل هل يحد أو لا؟
يوجب خبر عن قوله: "قذف" كما مر، ثمانين مفعول يوجب، جلدة تمييز، وإيضاح معنى المصنف على سبيل الاختصار أن تقول: قذف المكلف ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا للحر المسلم، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، فاسقا أو غير فاسق بنفي نسب عن أبيه أو جده المعلوم ثبوت نسبه يوجب على القاذف ثمانين جلدة حيث كان القاذف حرا،
ولو نفى نسبه عن أمه لم يحد لأن الأمومة محققة، ودليل قولي: المعلوم ثبوت نسبه، قوله: "ولا إن نبذ" فإن المنبوذ لا يحد قاذفه بنفي نسبه عن أب معين، ولا بنفيه عن أب مطلقا على ما للخمي.
وقال ابن رشد: يحد إذا نفى نسبه مطلقا،
وكذا يحد القاذف المكلف، ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا إذا قذف بالزنى حرا مسلما ذكرا، بشرط أن يكون المقذوف بالغا ذا آلة عفيفا عن وطء يوجب عليه الحد، لا مجبوبا ولا مقطوع الذكر أو أنثى بشرط أن تكون مطيقة للوطء عفيفة عن وطء يوجب الحد، ولا بد أيضا أن تكون حرة مسلمة، ويحد القاذف بالزنى وإن كان المقذوف به ملاعنة، ويحد القاذف بنفي النسب وإن كان المقذوف به ابن الملاعنة، وسواء في جميع هذا كان القذف تصريحا أو تعريضا، بشرط أن يفهم من التعريض القذف، وبشرط أن يكون العرض غير أب ويحد الأب في التصريح على ما للمصنف.
وقولي: المعلوم ثبوت نسبه مُخرج للمحمول والمجهول كالمسبي فلا حد على قاذفه بنفي نسب عن أب معين، ويحد إن قذفه بنفي نسب عن أب مطلقا على ما لابن رشد لا على ما للخمي. واللَّه تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: قذف المكلف ولو سكران أو حربيا ببلد الإسلام عند ابن القاسم،
وقال أشهب: لا حد عليه. قاله في التوضيح. وانظر هذا، وقد قال ابن عرفة في باب الردة: وكان يَجْرِي لنا في التدريس مناقضة قولها في الكتابين بقولها في كتاب القذف:
وإذا قذف حربي في بلاد الحرب مسلما ثم أسلم الحربي بعد ذلك أو أسر فصار عبدا لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟ انظر أحمد. انتهى. قوله: أو حربيا ببلد الإسلام الخ، قال البناني: ليس في التوضيح تقييد محل الخلاف بكون القذف وقع في بلد الإسلام، وعلى عدم التقييد تأتي المعارضة ويجاب عنها بتقييد الخلاف ببلد الإسلام: قال العوفي: الفرق بين الحربي يقذف أو يسرق أو يفعل شيئا ببلد الحرب، وبين المستأمن يفعل ذلك ببلد الإسلام أن دار الحرب قد ثبت من حيث الجملة أن شبهتها قوية، بل شبهة عدم الاستيمان قوية ألا ترى أن العدو يملك ما يكسب منا حتى لو أسلم عليه كان مالكا له، والمستأمن بخلافه وأقوى الاحتجاج ما احتج به في الكتاب من إجماع الأمة.
انتهى. نقله الطخيخي. الثاني: قال عبد الباقي: "قذف المكلف" مصدر مضاف لفاعله، ومفعوله وهو المقذوف قوله: "حرا مسلما" لوقت إقامة الحد،
فإن ارتد لم يحد قاذفه ولو رجع للإسلام، ودخل في كلامه قاذف نفسه على ما يأتي في قوله: "وكإن قال أنا نَغِلٌ" فإذا قذف نفسه بقطع نسبه حد،
وأما بالزنى فإقرار به يؤخذ به،
فإن رجع لم يحد. انتهى. قوله: ودخل في كلامه قاذف نفسه الخ، قال البناني: الصواب إخراجه من التعريف كما أخرجه منه ابن عرفة؛ لأن قاذف نفسه بقطع النسب لم يحد لأجل قذفه نفسه، إنما حد لأجل أمه،
وأما إخباره عن نفسه بالزنى فقال ابن عبد السلام: إنه لا يسمى في العرف قذفا،
قال: وإن كان قد جاء عن بعض المخالفين أن المقر بالزنى إذا رجع عن إقراره يحد لقذفه نفسه ولكنه شذوذ عند الفقهاء لا يعرج عليه. انتهى.
وقال عبد الباقي: وخرج بقوله: "حرا" قاذف عبد مسلم بنفي نسبه فلا حد عليه، إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين فيحد لهما،
وكذا إن كان أبوه حرا مسلما وأمه كافرة، أو أمة عند ابن القاسم، قال: لأنه حمل أباه على غير أمه. انتهى. وتوقف فيه مالك لاحتمال أنه حمل غير أبيه على أمه، فإنما قذف كافرة أو أمة، ووجه قول ابن القاسم أنه قذف حرا مسلما وهو الأب، وشمل كلام المصنف قذف أمة حاملة من سيدها الحر بعد موته قبل وضعها بأنها حاملة من زنى فيحد في مذهب مالك، وعند ابن القاسم لا حد لاحتمال انفشاش الحمل.
قاله في تكميل التقييد. ويفهم منه اتفاقهما على الحد حيث لم ينفش. انتهى. قوله: إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين الخ، هو المعتمد، ومقابله عزاه اللخمي لأشهب،
وقوله: وكذا إن كان أبوه حرا مسلما وأمه كافرة أو أمة عند ابن القاسم الخ، قال البناني: هذا مذهب المدونة،
وفي ذلك قولان آخران أحدهما قول أشهب في الموازية: إنه قذف للأم بأنها زنت وأتت به من غير الأب: يعني فلا حد، والآخر لسحنون عن أشهب أنه ليس قذفا لواحد منهما لاحتمال أنها لقطته. قال اللخمي: وأحسن الأقوال قول من قال إن انقطاعه من قبل الأم لأنه مقصد الناس. انتهى. وقد مر قول الرهوني بعد جلب أنقال ما نصه: فَتَحَصَّلَ أن المعتمد فيما إذا كان أبواه. -يعني العبد- حرين مسلمين هو الحد، وتعارض الترجيحان فيما إذا كان أبوه فقط حرا مسلما فيترجح حده إلى آخر ما مر.
الثالث: قوله: "حرا مسلما بنفي نسب عن أب أو جد" ولو كان الأب عبدا أو كافرا كما في المدونة،
وأما لو قذف أباه النصراني أو العبد فلا حد عليه، فقولُ بعض: قوله حرا مسلما ما لم يكن أبواه رقيقين أو كافرين. انتهى. مخالف لما في المدونة، مع أنه صرح بما يوافقها بعد. انتهى. قال البناني: مراده بالبعض هنا هو الخرشي لأنه هو الذي قال ذلك ولم أره لغيره. انتهى.
وكذا هو في الشبراخيتي وهو جدير بالرد. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: ولا إن نبذ أي طرح فلم يدر له أب ولا أم، ونفى نَسَبَه عن أب معين كلست ابن فلان،
وأما لو نفى نسبه مطلقا كيا ابن الزانية ويا ابن الزاني ويا ولد زنى فإنه يحد لأنه لا يلزم من كونه منبوذا كونه وَلَدَ زنى وَقولُ مالك في العتبية: إذا قال للمنبوذ يا ابن الزانية فلا حد عليه ويؤدب لأن أمه لم تعرف: ضعيفٌ. انتهى. قال البناني: ولا إن نبذ أي فلا يحد قاذفه بنفي النسب، وفيه صورتان: الأولى أن ينفيه عن أب معين كلست ابن فلان ولا حد عليه في هذا اتفاقا، الثَّانِيَةُ أن يقول له يا ولد زنى وفيها قولان.
قال اللخمي: لا يحد، وقال ابن رشد: يحد لاحتمال أن يكون نبذ [لشدة] ومعلوم أن قول ابن رشد هو المقدم وظاهر المصنف خلافه، فينبغي استثناء هذه من كلام المصنف،
وأما لو قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فهو قذف بزِنًى أبويه لا بنفي النسب فلا حد عليه اتفاقا، وعلله ابن رشد بجهل أبويه،
وقال ابن عاشر: والعلة أن المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى كما قال مالك، وليست العلة الجهل بأبيه وأمه لأن اللقيط كذلك، والنص أنه يحد قاذفه بذلك. انتهى. لكن هذا يقتضي ترجيح قول اللخمي من القولين السابقين، ولا تدخل هذه الصورة في كلام المصنف؛ إذ ليس فيها قذف بنفي النسب وكلامنا فيه خلافا لما في التوضيح ومن تبعه، وبه تعلم ما في كلام الزرقاني والخرشي هنا. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني.
وقال الرهوني: قول الزرقاني وقول مالك في العتبية إذا قال للمنبوذ يا ابن الزانية الخ غير صحيح، وقد أشار البناني إلى رده بقوله آخرا، وبه تعلم ما في الزرقاني الخ، وبحكاية الاتفاق على أنه لا حد عليه في قول القائل له يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فتأمله، وقول البناني: ومعلوم أن قول ابن رشد هو المقدم الخ نحوه للتاودي،
ونصه: ومن قواعدهم إذا تعارض كلام ابن رشد واللخمي قدم الأول. انتهى. يعني بالأول ابن رشد، وفيما قالاه نظر لأن تلك القاعدة إنما هي في قوليهما لا نقليهما كما هو معلوم مع علته،
وأما في نقليهما فلا، والدرك على التاودي أشد لأنه صرح قبل بأن ما للخمي منقول لا من رأيه؛ إذ قال ما نصه: واعلم أن من قال للمنبوذ يا ابن زنى أو لا أب لك، فنقل اللخمي عن مالك في المبسوط وعن ابن حبيب في الواضحة وعياض عن ابن القاسم أن لا حد عليه وعلى هذا جرى المؤلف، وقول ابن رشد: عليه الحد لاحتمال أن يكون [من شدة] وإن كان قد نبذ.
انتهى. فكيف يقال بعد هذا ما قيل؟ فقول البناني بعد لكن هذا يقتضي ترجيح قول اللخمي من القولين السابقين يقال عليه وهو كذلك مع أنه ليس من قوله فقط، وانظر الحطاب فإنه يفيد أن ما للخمي هو مراد المصنف وأنه الراجح. انتهى. الرابع: الناس محمولون على العفاف حتى يثبت القاذف خلافه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لم يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} . الآية. انظر الحطاب. وقول عبد الباقي: وعلى المقذوف إثبات العفاف الخ غير صحيح.
قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. الخامس: لو أقر شخص بالزنى فقذفه آخر ثم رجع لم يحد قاذفه فإقراره يواخذ به وينفعه رجوعه فيما يتعلق به من نفي حد الزنى لا فيما يتعلق بغيره بسببه، كحد قاذفه فإنه منفي. انتهى. فاله عبد الباقي.
وقال: والظاهر أنه إذا قذف خنثى مشكلا بالزنى بفرجه الذكر أو في فرجه الذي للنساء فلا حد عليه؛ لأنه إذا زنى بهما فلا حد عليه،
وإن رماه بأنه أُتِيَ في دبره حد راميه لأنه إذا زنى به حُدَّ حَدَّ الزنى لا حد اللواط. قاله علي الأجهوري. وقوله: "حد الزنى" أي لأنه يقدر أنثى فيكون، كقوله: "أو إتيان أجنبية بدبر" لِدَرْءِ الحد بالشبهة لا حد اللواط بتقدير ذكورته. انتهى. قوله: والظاهر أنه إذا قذف خُنثى مشكلا الخ اقتصر ابن يونس وعبد الحق على أنه إن زنى بذكره لا يحد وإن وُطئ في فرجه كان عليه الحد، ونقله أبو الحسن ولم يحك غيره.
انظر البناني. السادس: قد مر أن العفاف هو أن لا يكون قد حد في الزنى ولا ثبت عليه الزنى. قاله البناني.
وقال: هذا هو ظاهر نصوص المذهب عند ابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة، خلاف ما قاله ابن الحاجب وابن شأس من أن العفاف أن لا يكون معروفا بمواضع الزنى. انظر التوضيح. والحطاب. ونص ابن عرفة: وعفاف المقذوف الوجب حد قاذفه مسائل المدونة وغيرها واضحة بأنه السلامة من فعل الزنى قبل قذفه وبعده ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه. انتهى. السابع: قال عبد الباقي: وانظر من رمى مطيقة بالزنى ومطيقا بلواط، وكان قد حصل ذلك من كل منهما قبل القذف، هل يحد لأن كلا منهما لم يحصل منه وطء يوجب الحد وهو الظاهر أو لا يحد؟.
انتهى. وفي الميسر: وإن زنت مطيقة أو فعل بمطيق فالظاهر عند علي الأجهوري أن من رماهما بذلك حدت وما قاله غير ظاهر لأنه لم يفتر عليهما ودَرْء الحد أولى.
وفي الحديث: (إذا وجدتم للمسلم مخرجا فادرءوا عنه الحد) ، وقد جعل ابن رشد القذف قسما من ذِكْرِ المسلم يما ليس فيه، ويأتي في قوله: "زنيت مكرهة" أنه إن أثبت الإكراه لم يحد. انتهى. وتعقبه علي الأجهوري ظاهر لا مرية فيه، فقول عبد الباقي: هل يحد وهو الظاهر غير ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. الثامن: قد مر للمصنف أن المنبوذ لا يحد قاذفه بنفي نسب،
وأن المحمول يحد قاذفه بنفي النسب
وكذا المجهول ولا بد من الكلام على تحقيق ذلك، فأقول معترفا بالتقصير معتصما باللطيف الخبير: المنبوذ هو الذي طرح عند ولادته فلم يعلم له أب ولا أم ولم يستلحقه أحد، فإنه لا يحد من نفاه عن أب بأن قال له: لا أب لك أو يا ولد زنى لقول مالك: ما يعلم منبوذ إلا ولد زنى، ولابن حبيب مثله نقله اللخمي عنهما. وهذا هو المعتمد كما مر.
وقال ابن رشدة إن من قذفه بأبيه وأمه لا يحد،
وأما إن قال له يا ولد زنى فإنه يحد لاحتمال أنه لرشدة أي لغير زنى وهو خلاف المعتمد كما عرفت. قال الحطاب: قال ابن حبيب: من قذف المنبوذ بأبيه وأمه لم يحدد، وقد قيل: المنبوذ من نبذ عند ما ولد، والشأن إنما يفعل بما ولد عن زنى، ولمالك في المبسوط مثله فيمن قال لرجل يا منبوذ، قال: ما نعلم منبوذا إلا ولد زنى، وأرى على من قال ذلك الحد. فقول المصنف: "ولا إن نبذ" الذي يظهر من معناه أن من نفى منبوذا عن أب أو جد لا حد عليه، ولا إشكال في ذلك لأنه لا أب له ولا جد إذ لا نسب له، هذا إن كان معناه أنه قال لست ابن فلان،
وأما إن كان معناه أنه قال له لا أب لك أو يا ولد زنى فهذا يأتي على ما ذكره اللخمي عن مالك في المبسوط وعن ابن حبيب، وما حكاه عياض عن ابن القاسم وإن كان خلاف ما ذكره ابن رشد في البيان وحكاه عنه ابن غازي،
وأما ما ذكره الشارح والمحشي في تفسير كلام المصنف وأن معناه إذا قال لمنبوذ يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فَبَعِيدٌ لأن كلام المصنف في النفي عن النسب لا في قذف أبي المنبوذ أو أمه. انتهى.
وأما لو نفى المنبوذ عن أب معين كلست ابن فلان: أو قال له يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فلا حد على القاذف في المسألتين اتفاقا، وعلله ابن رشد بجهل أبويه أي قوله: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، وتُعُقِبَ بأن العلة كون المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى كما قال مالك؛ لأن اللقيط كذلك. والنص أنه يحد قاذفه بذلك؛ أي من قال للقيط يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية حد كما نص عليه ابن رشد، فظهر من هذا أن العلة كون المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى لا الجهل بأبويه لمساواته للقيط في ذلك،
فلو كان الأمر كما قال لَسَقط الحد عن من قال للقيط يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، مع أنه لا يسقط عنه، واللقيط هو من التقط من الصغار في الشدائد والجلاء، وقد يطلق على اللقيط أنه منبوذ،
وأما المحمول وهو السبي فقال في التوضيح: المحمول بالحاء والميم المسبي لا حد على من نفاه من أبيه أو قال له يا ولد زنى. قاله أشهب. لأن المحمولين لا تثبت أنسابهم ولا يتوارثون بها. انتهى. وهو خلاف قول ابن رشد: يحد من قذفه بأبيه وأمه. قاله ابن حبيب في الواضحة. نقله ابن غازي. انتهى.
قال الرهوني: قول البناني: وفي التوضيح: المحمول بالحاء والميم المسبيّ لا حد على من نفاة الخ كلامه يوهم أنه في التوضيح اقتصر على قول أشهب أو رجحه، وأنه لم يذكر كلام ابن رشد وليس كذلك،
ونص التوضيح: وفي بعض النسخ المحمول بالحاء والميم ليحترز به من المسْبيِّين فإنه لا حد على من نفاة من أبيه، أو قال يا ولد زنى. قاله أشهب. قال: لأن المحمولين لا تثبت أنسابهم ولا يتوارثون، وَسُئِلَ في العتبية عن الرجل الغريب يقال له يا ابن الزانية وهو لا يرى، قال مالك: أرى أن يضرب الحد إذا كان رجلا مسلما وقد يقدم الرجل البلد فيقيم بها سنين من أهل خراسان فيقذفه الرجل ويقال أقم البينة على أن أمك حرة مسلمة.
مالك: ما أرى ذلك عليه ولكن أرى أن يضرب من قذفه والظالم أحق بالحمل عليه،
قال في البيان: وهذا أبين لأن أم الحر المسلم محمولة على الإسلام والحرية حتى يعلم خلاف ذلك. انتهى.
وفي الرهوني عقب هذا ما معناه: وإنما يحد إذا قال له يا ابن الزانية إذا كانت أمه ماتت أو كاتبة بعيدة الغيبة،
فإن كانت قريبة الغيبة فلا يحد لها إلا بعد الإعذار وهو خلاف ظاهر المدونة،
ففيها: وإذا قذفت ميتة أو غائبة فقام بحدها ولد أو أخ أو أخت أو جد أو عم أو أب،
فأما في الموت فيمكن من ذلك
وأما في الغيبة فلا. انتهى. محمد بن يونس: قال ابن القاسم: لا يقوم بذلك ولد ولا غيره وإن طالت الغيبة وقاله أصبغ، وقد قيل للولد القيام في الغيبة البعيدة ويحد لهم وليس لهم ذلك في القريبة، ويكتب إلى المقذوف. انتهى المراد منه.
وقال البناني: وأما المجهول فهو أعم من المحمول فيشمل المسبيَّ والغريب. انتهى.
والحاصل أن المجهول من لقيط وغريب ومسبي ومنبوذ من نفى نسبه عن أب معين لا حد عليه،
فإن نفى نسبه مطلقا لم يحد في المنبوذ على الراجح، ومقابله لابن رشد: عليه الحد وحد في اللقيط والمسبي والغريب،
وكذا يحد في قذف واحد من الثلاثة بأبيه وأمه بأن قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، ولا حد على من قال للمنبوذ يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية اتفاقا،
وقال أشهب: لا حد على من نفى المحمول من أبيه أو قال له يا ولد زنى،
وقال الشبراخيتي: لا حد على من قذف الذين يرسلهم السلطان لحياطة أي حراسة أو لسد ثغر أو لنحو ذلك، ولا على من قذف لقيطا أو مسبيا بنفي نسب عن أب معين،
وأما عن أب غير معين فالحد في الثلاثة كما لو قذفهم بالزنى. انتهى.
ثم قال عن ابن غازي: وأما اللقيط والمحمول فيحد من قذفه بأبيه وأمه أي بسبب أبيه وأمه، بأن قال له، يا ابن الزاني والزانية، والفرق بين اللقيط والمنبوذ أن المنبوذ من وجد بفور ولادته لا بزمن شدة ونحوها، وإنما يفعل ذلك فيمن ولد من زنى وأن اللقيط من وجد صغيرا لا بفور ولادته، والغالب أنه إنما يكون كذلك في زمن شدة ونحوها وأن رميه لذلك. واللَّه ولي التوفيق. والهادي إلى سواء الطريق.
التاسع: من أمر عبده أو أجنبيا أن يقذف رجلا أو يبلغه القذف ففيه ست صور: الأُولَى والثّانِيَةُ أن يقول لعبده أو لأجنبي اذهب إلى فلان وقل له فلان يقول لك كذا يا ابن الفاعلة،
وقال له ذلك فإن قامت له بينة أنه أمر بذلك حد الآمر وإلا حد البلغ. قاله الْوَانُوغِيُّ. الثالثة والرابعة أن يقول لعبده اقذف فلانا أو قل له يا ابن الفاعلة،
فإن قامت بذلك بينة حدا وإلا حد العبد وحْدَه، الخامسة أن يقول لأجنبي اقذف فلانا فقذفه فالحد على الأمور وعلى الآمر النكال، السَّادِسَة أن يقول لأجنبي قل له يا ابن الفاعلة فقال له ذلك فالحد عليهما إن ثبت أن الآمر قال له ذلك وإلا حد القاذف فقط. انتهى. قال جميعه الشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم. العاشر: قال عبد الباقي: ومحل حد قاذف الملاعنة حيث كان القاذف غير زوج أو زوجا ثم قذفها بغير ما لاعنها به،
وأما لو قذفها بما لاعنها به فلا يحد،
وإذا قال لابنها يا منفي أو يا ابن الملاعنة أو يا ابن من لوعنت فلا حد عليه،
فإن قال له: لا أبالك، حد إن كان على وجه المشاتمة لا الإخبار، كقوله: أبوك نفاك إلى لعان.
وإن قال لابن غير الملاعنة: يا منفي، حد. انتهى. وقد مر قول المصنف: "أو عرض غير أب" قال عبد الباقي: والمراد بالأب الجنس الشامل للأجداد والجدات، سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم، فالجد من قبل الأم كالجد من قبل الأب. انتهى. تبع الأجهوري في هذا، قال الرماصي: وانظر ما يساعده من النقل فإن الذي في عبارة الأئمة التوضيح وابن عرفة وغير واحد: الأب.
ابن محرز: ومن عرض لولده بالقذف لم يحد لبعده عن التهمة في ولده. انتهى.
قال البناني: قلت: التعليل بالبعد عن التهمة يفيد ما قاله الأجهوري لوجود العلة في الأجداد والجدات. انتهى. الرهوني: قلت ما قاله الأجهوري صحيح لا يتوقف فيه ويشهد له تصريح غير واحد بالاحتجاج بسقوط القصاص، ففي المنتقى بعد ذكره سقوط الحد في تعريض الأب ما نصه: قال ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك: وهذا كما قلنا إنه لا يقتل به على وجه لو قتل به الأجنبي لقتل. انتهى.
وفي ابن عرفة: قال ابن محرز في كتاب اللعان: من عرض لولده بالقذف لم يحد لبعده عن التهمة في ولده، ولذا لم يقتل به إلا أن يتبين عمدا، وعزاه الشيخ في القذف لابن الماجشون ومرة لمالك، والجد مساو للأب في سقوط القصاص كما هو مصرح به في المدونة وغيرها، فتعليلهم المذكور يفيد أن مرادهم بالولد ما يشمل الولد دنية وولد الولد، ومما يقطع النزاع كلام المدونة وأبي الحسن عليها في صريح القذف،
ونصها: ومن قذف ولده أو ولد ابنه أو ولد ابنته فقد استشكل مالك أن يحد لولده،
وقال: ليس ذلك من البر. قال ابن القاسم: وأنا أرى إن قام على حقه أن يحد له
ويجوز في ذلك عفوه عند الإمام
وكذلك وَلَدُ الْوَلَدِ، ولا يقاد من أب أو جد في نفس أو جارحة وتغلظ عليهم الدية إلا في العمد البين، مثل أن يضجعه فيذبحه أو يشق جوفه. انتهى. أبو الحسن: انظر قوله: أو ولد ابنته، جعل الجد من قبل الأم كالجد من قبل الأب؛ لأنه كالأب يحرم عليه ما نكح إلى آخر ما جلب،
ثم قال: فلو وقف مصطفى على هذا لما اعترض عَلَى عَلِيٍّ الأجهوري. واللَّه أعلم. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله "أو عرض" ما نصه: أو عرض بالقذف بأحد الأمور الثلاثة المتقدمة وهي الزنى واللواط ونفي النسب عن الأب أو الجد غير جنس أب كالصريح إن أفهم القذف بتعريضه بالقرائن كخصام ولو زوجا لزوجته، كإن قال: ما أنا بزان، فكأنه قال: يا زاني أو قال
أما أنا فلست بلائط، فكأنه قال يا لائط أو قال
أما أنا فإني معروف النسب، فكأنه قال له: أبوك ليس بمعروف فيترتب على ذلك وجوب الحد ولا فرق في التعريض بين النظم والنثر. انتهى.
فرع: قال الحطاب: قال في التوضيح: لا حد على من قذف مجنونا إذا كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخللَّه إفاقة. اللخمي: لأنه لا معرة عليه لو صح فعل ذلك منه،
وأما إن بلغ صحيحا ثم جن أو كان يُجَنُّ ويُفِيقُ فإن قاذفه يُحَدُّ،
وكذلك المجبوب إذا كان جبه قبل بلوغه لأنه يعلم كذب قاذفه فلم تلحقه معرة،
وإن كان جبه بعد بلوغه حُدَّ
وكذلك الحصور الذي ليس معه آلة النساء، وقول المدونة في الرجم: يحد قاذف المجنون، يحمل على المجنون الذي يُفيق أحيانا. انتهى.
فرع: قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: إذا قذف حر عبدا أو نصرانيا، فطلب العبد تعزير قاذفه فليس للعبد في مثل هذا تعزير، وَيُنْهيَ قاذفه أن يؤذيه،
فإن كان رجلا فاحشا معروفا بالأذى عزر وأدب عن أذى العبد وغيره. انتهى.
وقال في النوادر: يؤدب قاذف العبد والكافر لإذايته له. انتهى.
فرع: إذا قال شخص لولده: لست بولدي،
فإن أراد أنه في قلة طاعته له ليس كالأولاد حلف على ذلك وأنه لم يرد النفي عن النسب ولا شيء عليه،
وإن نكل أو أراد نفي نسبه كان في كلامه قطع نسب الولد وقذف لأمه: فأما قطع نسب الولد فالراجح أنه لا يحد لولده، ويظهر ذلك من مسألة كتاب القذف من المدونة فيمن قال لبنيه ليسوا بولدي، ويدل له أيضا أنه لم يجعل على اْلأَبِ أَحَدٌ حَدًّا فيما إذا انتفى من حمل أمته ثم استلحقه، وسيأتي في الكلام على قول المصنف وله حد أبيه وَفُسِّقَ أنه مشى على القول الضعيف، وعلى القول بأنه يحد لقذف ولده ويفسق فإنه يجوز عفوه عنه ولو بلغ الإمام، قال اللخمي: ولا خلاف في ذلك،
وأما قذف الأم فإن كانت حية كان لها القيام بذلك،
وإن كانت ميتة كان لولدها القيام به،
فإذا قام به الولد لم يجز عفوه بعد بلوغ الإمام. انتهى.
فرع: فإذا كانت الأم حية لم يكن للولد القيام إلا بطلب من الأم،
وكذلك كل من وجب له حد من قذف وهذا
بخلاف الأب. انتهى. فرع: لو قذفه بالزنى ثم أثبت أنه زنى في حال الصبا أو في حال الكفر لم ينفعه؛ لأن هذا لا يثبت عليه اسم زنى،
بخلاف ما إذا ثبت عليه أنه زنى في حال رقه فإن اسم الزنى لازم له، وهذا مستفاد من قول المصنف: "وعَفَّ عن وطء يوجب الحد" ولو قذف رجلا فارتد المقذوف لم يحد قاذفه ولو رجع إلى الإسلام، كمن قذف رجلا بالزنى فلم يحد له حتى زنى المقذوف فلا يحد قاذفه. نقله ابن عرفة عن المدونة. ومنه يعلم أنه إذا ثبت على المقذوف زنى فلا حد على قاذفه،
ولو قذفه بزنى غير الزنى الذي ثبت عليه. قاله الحطاب.
فرع: لو قذف معروفا بالظلم والغصب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربى والقذف لحُدَّ له إذا كان غير معروف بوطء يوجب الحد.
فرع: قد علمت أنه إذا قال لحر مسلم وهو ابن كافرين أو رقيقين يا ابن الزاني أو الزانية لا حد عليه، ويحد إذا قال له يا ابن زنية ويستثنى من هذا الصحابي،
فإن من قذف أم أحدهم وهي كافرة حُدَّ حَدَّ الفرية؛ لأنه سب له فمن قام به من المسلمين فعلى الإمام قبول قيامه. قاله ابن شعبان.
وقال: وإن قال في واحد منهم يا ابن زانية وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين؛ حَدًّا له وحدًّا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره.
فرع: قال في النوادر: قال مالك: ومن قذف من جُلِدَ في زنى لم يحد. قاله ابن القاسم. ويؤدب بإيذائه للمسلمين. انتهى.
وقال أيضا: من قذف إنسانا ثم أثبت أنه حد فسقط الحد عن القاذف فلا بد من أدبه لإذايته للقاذف. انتهى. نقله الحطاب.
وقال الشبراخيتي عند قول المصنف: "أو عرَّض غير أب إن أفهم" ما نصه: ويدخل فيه الشاعر إذا عَرَّض في شعره. انتهى. وقوله: "عرَّض" ، قال الشبراخيتي: معطوف على المصدر الصريح وهو قذف أي قذفه أو تعريضه، وهذا أنسب من عطفه على "ملاعنةٍ" ، ووجه عطفه على ما في حيِّزها الإشارة لرد قول الشافعي وأبي حنيفة بعدم الحد، والأحسن عطفه على مقدر أي قذفه بأن صرح أو عرض، وعلى هذا فيكون كلامه مفيدا لكون القذف على قسمين،
وأما على الأول فربما يفهم أن التعريض غير القذف لأن العطف يقتضي المغايرة. انتهى المراد منه.
ولو كرره لواحد يعني أنه إذا قذف شخص شخصا مرة أو مرتين أو مرارا فإنما عليه حد واحد، قال المواق: أبو عمر: من قذف إنسانا واحدا مرارا حد له حدا واحدا،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.