أَوْ قُطِعَ إنْ أَيْسَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ
الشروح عليها
(أَوْ) (قُطِعَ) لِلسَّرِقَةِ فَيَغْرَمُ (إنْ أَيْسَرَ) أَيْ اسْتَمَرَّ يَسَارُهُ بِالْمَسْرُوقِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْقَطْعِ (مِنْ) يَوْمِ (الْأَخْذِ) ؛ لِأَنَّ الْيَسَارَ الْمُتَّصِلَ كَالْمَالِ الْقَائِمِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ بَلْ الْقَطْعُ فَقَطْ
فَلَوْ أَعْسَرَ فِيمَا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْقَطْعِ سَقَطَ الْغُرْمُ وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ قَطْعُهُ وَاتِّبَاعُ ذِمَّتِهِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا بِعَيْنِهِ وَجَبَ رَدُّهُ لِرَبِّهِ إجْمَاعًا بِلَا تَفْصِيلٍ،
وَإِنْ تَلِفَ، فَإِنْ أَيْسَرَ فَكَذَلِكَ وَيُرَدُّ مِثْلُ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُقَوَّمِ،
وَإِنْ أَعْسَرَ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُقْطَعْ وَإِلَّا فَلَا غُرْمَ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ) أَيْ وَهُمَا الْقَطْعُ وَاتِّبَاعُ ذِمَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَجَبَ رَدُّهُ لِرَبِّهِ إجْمَاعًا) أَيْ وَلَيْسَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ وَيَدْفَعَ لَهُ غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ: بِلَا تَفْصِيلٍ أَيْ سَوَاءٌ قُطِعَ السَّارِقُ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَلِفَ) أَيْ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ أَيْسَرَ أَيْ فَإِنْ اسْتَمَرَّ يَسَارُهُ مِنْ حِينِ الْأَخْذِ لِحِينِ الْقَطْعِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الرَّدُّ سَوَاءٌ قُطِعَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَعْسَرَ) أَيْ فِي كُلِّ الْمُدَّةِ بَلْ وَلَوْ فِي بَعْضِهَا.
(قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ) أَيْ يَجِبُ رَدُّهُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا يَضْمَنُ السَّارِقُ السَّرِقَةَ إذَا سَرَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَتَمَادَى يُسْرُهُ إلَى أَنْ قُطِعَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ قُطِعَ وَالسَّرِقَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا وَإِنَّ اسْتَهْلَكَهَا فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ اتَّصَلَ يُسْرُهُ بِهَا مِنْ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَقَالَةٌ عَظِيمَةٌ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي يَدِهِ عُقُوبَةً وَأَوْجَبَ الْغُرْمَ فِي مَالِهِ عُقُوبَةً أُخْرَى.
فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَغْرَمْ إذْ لَوْ أَوْجَبْنَا الْغُرْمَ فِي ذِمَّتِهِ لَكُنَّا قَدْ جَمَعْنَا بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا وُجِدَتْ السَّرِقَةُ بِعَيْنِهَا رُدَّتْ لِصَاحِبِهَا بِإِجْمَاعٍ،
وَأَمَّا إنْ تَلْفِت فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْيَسِيرِ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَمِنَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ،
وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ أَعْدَمَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَلَا غُرْمَ إذْ لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ اتِّبَاعُ ذِمَّتِهِ وَقَطْعُ يَدِهِ فِيهِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ حُرَّةً وَهُوَ مُعْدِمٌ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيُتْبَعُ بِالْمَهْرِ. قَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّ هَاتَيْنِ عُقُوبَتَانِ عَنْ سَبَبَيْنِ.
(أَوْ قُطِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ السَّارِقُ (إنْ أَيْسَرَ) السَّارِقُ أَيْ اسْتَمَرَّ يُسْرُهُ (إلَيْهِ) أَيْ قَطْعُهُ (مِنْ) حِينِ (الْأَخْذِ) لِلْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ،
فَإِنْ أَعْسَرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَقْتًا مَا سَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ قَطْعُ يَدِهِ وَشَغْلُ ذِمَّتِهِ. ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَوْ سَرَقَ مَالًا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ
إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَيُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاؤُهُ،
وَإِذَا كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَلَا يُتْبَعُ فِي عَدَمِهِ وَلَا يُتْبَعُ إلَّا فِي يُسْرٍ مُتَّصِلٍ مِنْ يَوْمٍ يَسْرِقُ إلَى يَوْمِ يُقْطَعُ وَإِلَّا فَلَا يُتْبَعُ.
وَإِنْ صَارَ مَلِيًّا بَعْدَ عَدَمٍ مُقَدَّمٍ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. ابْنُ عَرَفَةَ مُوجِبُ السَّرِقَةِ قَطْعُ السَّارِقِ وَضَمَانُ السَّرِقَةِ إنْ لَمْ يُقْطَعْ لَازِمٌ لَهُ اتِّفَاقًا،
فَإِنْ قُطِعَ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا،
وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا فَفِي ضَمَانِهِ إيَّاهَا مُطْلَقًا وَنَفْيِهِ. ثَالِثُهَا إنْ اتَّصَلَ يُسْرُهُ بِهَا مِنْ يَوْمِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. وَرَابِعُهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ السَّارِقَ الْمُعْسِرَ يَوْمَ قَطْعِهِ لَا يَضْمَنُ إلَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَقَالَ يَضْمَنُهَا وَلَوْ مُعْسِرًا.
أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ هذا مفهوم قوله: "إن لم يقطع" يعني أنه يجب على السارق رد المال أي غرمه إذا تلف بشرط أن يكون السارق موسرا من حين أخذ المسروق واستمر ذلك اليسر إلى أن قطع،
فإذا كان معسرا حين الأخذ فلا غرم عليه ولو أيسر قبل القطع،
وإذا كان موسرا حين الأخذ ولم يتصل يسره للقطع فلا غرم عليه،
وأما لو كان المال المسروق باقيا فلربه أخذه إجماعا، وليس للسارق أن يتمسك به ويدفع له غيره. وقوله: "من الأخذ" ، من: ابتداءية، وهو متعلق بأيسر وإلى للانتهاء. وتحرير المسألة أن المسروق إن كان قائما رد بعينه قطع السارق أو لم يقطع موسرا أو معسرا،
وإن لم يكن المال المسروق قائما بل فات وجب غرمه إن لم يقطع السارق بأن سقط وجوب قطعه بأي مسقط،
وإن قطع وجب الغرم على السارق إن أيسر من حين أخذ السرقة، واستمر يسره إلى أن قطع
فلو كان معسرا من حين الأخذ فلا غرم ولو أيسر بعد ذلك،
وإن أيسر من حين الأخذ وأعسر بعد ذلك قبل القطع فلا غرم ولو كان موسرا حين القطع،
ولو أيسر من حين الأخذ واستمر يسره إلى القطع ثم أعسر بعد القطع فإنه يتبع به في ذمته وفي الميسر،
فلو أعسر في أحد الوقتين -يعني وقت الأخذ ووقت القطع أو بينهما- لم يتبع بما تلف، ويلزمه رد ما بقي بعينه بلا تفصيل ولو استمر يسره حتى قطع فلم يغرم حتى أعدم اتبع عند ابن القاسم لا عند أشهب،
ولو سرق لقوم واتصل يسره تحاصوا فيما بيده وإن لم يتصل سقط من سرق ماله قبل عسره،
وقيل يتبع السارق قطع أم لا، كان موسرا أم لا؛ لأن القطع حق اللَّه والغرم حق للآدمي فلا يسقط أحدهما الآخر كذا في التوضيح. انتهى.
وقال المواق من المدونة: إنما يضمن السارق السرقة إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قطع.
ابن عرفة: وإن قطع والسرقة قائمة بعينها استحقها ربها،
وإن استهلكها فأربعة أقوال، ثالثها قول المدونة، إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع. ابن العربي: لمالك في هذه المسألة مقامة عظيمة أوجب القطع في يده عقوبة وأوجب الغرم في ماله عقوبة أخرى،
فإذا كان معسرا لم يغرم؛ إذ لو أوجبنا الغرم في ذمته لكنا قد جمعنا بين عقوبتين في محل واحد وذلك لا يجوز،
وقال ابن رشد: إذا وجدت السرقة بعينها ردت لصاحبها بإجماع،
وأما إن تلفت فذهب مالك إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن قيمة السرقة،
وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة فلا غرم إذ لا يجتمع عليه عقوبتان، اتباع ذمته وقطع يده
بخلاف ما إذا غصب حرة وهو معدم فإنه يحد ويتبع بالمهر قاله مالك. انتهى. تنبيهان: الأول: إنما لم يتبع السارق في مفهوم المنصف لخبر: (إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه) أي لا يلزم ذمته عند عسره ليلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتباع ذمته.
الثاني: قال في الميسر: لو باع ما سرقه فاستهلكه المشتري،
فإن أجاز ربه المبيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره،
وإن لم يجزه وأخذ القيمة من المشتري رجع على السارق،
فإن أعدم المشتري رجع على السارق لأنه غريمه،
فإن كانت أقل من الثمن أخذها من السارق وفضلة الثمن للمشتري،
وإن كانت القيمة أكثر أخذ الثمن من السارق لأنه الذي عليه لغريمه واتبع المشتري بفاضل القيمة. ذكره في التوضيح. انتهى. وسقط الحد إن سقط
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.