بشرب المسلم المكلف مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ وظنه غَيْرًا وَإِنْ قَلَّ أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدٍ وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النبيذ وصحح نفيه ثمانون بعد صحوه
الشروح عليها
(بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ) أَيْ يَجِبُ بِسَبَبِ شُرْبِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ (الْمُكَلَّفِ) وَالشُّرْبُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفَمِ إذَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ لِجَوْفِهِ لَا الْأَنْفِ وَنَحْوِهِ فَلَا حَدَّ فِيهِ وَلَوْ وَصَلَ لِجَوْفِهِ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ وَبِالْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَأُدِّبَ صَبِيٌّ لِلزَّجْرِ وَذِمِّيٌّ إنْ أَظْهَرَهُ (مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ) ،
وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ لِقِلَّتِهِ مَثَلًا لَا مَا لَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ،
وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مُسْكِرًا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إثْمُ الْجَرَاءَةِ (طَوْعًا)
لَا إنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهِ فَلَا يُحَدُّ وَالْمُكْرَهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الطَّوْعِ (بِلَا عُذْرٍ) فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ غَلَطًا بِأَنْ ظَنَّهُ غَيْرًا كَمَا يَأْتِي (وَ) بِلَا (ضَرُورَةٍ)
لَا إنْ شَرِبَهُ لِإِسَاغَةِ غَصِّهِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَنَحْوَهُ،
وَإِنْ حَرُمَ عَلَى قَوْلٍ وَالرَّاجِحُ عَدَمُهَا وَالْأَوْلَى حَذْفُ بِلَا عُذْرٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِقَوْلِهِ (وَ) بِلَا (ظَنِّهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ جِنْسُهُ (غَيْرًا) أَيْ غَيْرَ مُسْكِرٍ بِأَنْ ظَنَّهُ خَلًّا مَثَلًا فَشَرِبَهُ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ كَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ وَصَدَقَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا لَا يُتَّهَمُ
وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى شَارِبِ الْمُسْكِرِ (وَإِنْ قَلَّ) جِدًّا بَلْ قَدْ قِيلَ لَوْ غَمَسَ إبْرَةً فِي خَمْرٍ وَوَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ أَيْ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ حُدَّ،
فَإِنْ لَمْ يَبْتَلِعْهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شُرْبًا (أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) مَعَ عِلْمِهِ الْحُرْمَةَ (أَوْ) جَهِلَ (الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدِ) بِإِسْلَامٍ فَيُحَدُّ (وَلَوْ) كَانَ الشَّارِبُ (حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ) أَيْ يَرَى حِلَّ شُرْبِهِ إذَا لَمْ يُسْكِرْ الْقَلِيلُ مِنْهُ وَيُسْكِرُ كَثِيرُهُ وَشَرِبَ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُسْكِرُ فَيُحَدُّ إذَا رُفِعَ لِمَالِكِيٍّ.
وَأَمَّا الْخَمْرُ وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ فَيُحَدُّ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ
وَكَذَا إذَا شَرِبَ الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ مِنْ النَّبِيذِ فَيُحَدُّ عِنْدَهُ أَيْضًا
وَقِيلَ لَا حَدَّ فِيمَا لَا يُسْكِرُ مِنْهُ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَصَحَّحَ نَفْيَهُ) أَيْ الْحَدِّ (ثَمَانُونَ) جَلْدَةً عَلَى الْحُرِّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهَذَا فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ بِشَرِبَ تَقْدِيرُهُ يَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ (بَعْدَ صَحْوِهِ) ،
فَإِنْ جُلِدَ قَبْلَهُ اعْتَدَّ بِهِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ تَمْيِيزٌ وَإِلَّا أُعِيدَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ إلَخْ) لَفْظُ شَرِبَ يُفِيدُ أَنَّ الْحَدَّ مُخْتَصٌّ بِالْمَائِعَاتِ
أَمَّا الْيَابِسَاتُ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَدَبُ كَمَا أَنَّهَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا إلَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ لَا مَا قَلَّ كَمَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا
بِخِلَافِ الْخَمْرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ اهـ بْن
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَصِلْ لِجَوْفِهِ) أَيْ بِأَنْ رَدَّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ لِحَلْقِهِ
(قَوْلُهُ: لَا الْأَنْفِ) أَيْ إنْ وَصَلَ مِنْ الْأَنْفِ وَنَحْوِهِ كَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ هَذَا إذَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ مِمَّا ذَكَرَ بَلْ وَلَوْ وَصَلَ لِجَوْفِهِ
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَسْكَرَ بِالْفِعْلِ
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ) أَيْ فَلَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا
(قَوْلُهُ: إنْ أَظْهَرَهُ) أَيْ إنْ أَظْهَرَ شُرْبَ الْمُسْكِرِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ
(قَوْلُهُ: لَا مَا لَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ) أَيْ فَإِذَا شَرِبَ شَيْئًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَمْرٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ خَمْرٍ فَلَا يُحَدُّ وَعَلَيْهِ إثْمُ الْجَرَاءَةِ
(قَوْلُهُ: طَوْعًا) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ الْمَصْدَرِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ طَائِعًا
(قَوْلُهُ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الطَّوْعِ) أَيْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْمُكَلَّفِ
(قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ غَلَطًا) هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ الْغَلَطُ أَيْ مَعَ خُلُوِّ الذِّهْنِ عَنْ ظَنِّهِ غَيْرًا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْعُذْرَ غَيْرُ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إزَالَةُ الْغُصَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ بِلَا عُذْرٍ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَبِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا ظَنِّهِ غَيْرًا فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ بِلَا عُذْرٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ فِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ الِاسْتِغْنَاءُ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ إزَالَةُ الْغُصَّةِ وَأَنَّ الضَّرُورَةَ كَذَلِكَ كَمَا حَلَّ بِهِ عبق
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَرُمَ) أَيْ شُرْبُهُ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَهُوَ لِابْنِ عَرَفَةَ
(قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ) عَدَمُهَا أَيْ عَدَمُ حُرْمَةِ شُرْبِهِ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ ظَنَّهُ خَلًّا مَثَلًا) أَيْ أَوْ لَبَنًا أَوْ مَاءً أَوْ عَسَلًا وَقَوْلُهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْ وَلَوْ سَكِرَ مِنْهُ قَالَ عبق وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ قُدُومِهِ عَلَى شُرْبِهِ مَعَ ظَنِّهِ غَيْرًا،
وَأَمَّا مَعَ شَكِّهِ فِي كَوْنِهِ غَيْرًا فَيَحْرُمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِدَرْئِهِ بِشُبْهَةِ الشَّكِّ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ وَطِئَ) أَيْ كَعُذْرِ مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً
(قَوْلُهُ: وَيُصَدَّقُ) أَيْ شَارِبُ الْخَمْرِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرٌ
وَكَذَا يُصَدَّقُ وَاطِئُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ إنْ كَانَ يَتَأَتَّى الِاشْتِبَاهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الزِّنَا بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ زَوْجَتِهِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ رَفِيعَةً أَوْ سَمِينَةً لَا إنْ اخْتَلَفَا
(قَوْلُهُ: بَلْ قَدْ قِيلَ إلَخْ) هَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ ح فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَارْتَضَاهُ عج وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: إنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُسَمَّى شُرْبًا وَالْقَوْلُ بِحَدِّهِ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ
(قَوْلُهُ أَيْ يَرَى حِلَّ شُرْبِهِ) أَيْ يَرَى حِلَّ شُرْبِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَسْكَرُ مِنْهُ وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الْخَمْرَ وَهُوَ مَا اُتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَدَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ شُرْبُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَلِرَدِّ الشَّهَادَةِ إجْمَاعًا لَا فَرْقَ بَيْنَ شُرْبِ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ،
وَأَمَّا النَّبِيذُ وَهُوَ مَا اتَّخَذَ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ أَوْ الْبَلَحِ وَدَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَشُرْبُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ كَبِيرَةٌ وَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ إجْمَاعًا
وَأَمَّا شُرْبُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَسْكَرُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ كَبِيرَةٌ وَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَلِرَدِّ الشَّهَادَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا إثْمَ فِي شُرْبِهِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فَلَا حَدَّ فِيهِ وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ،
فَإِذَا كَانَ لَا يُسْكِرُ الشَّخْصَ إلَّا أَرْبَعَةُ أَقْدَاحٍ فَلَا يَحْرُمُ عِنْدَهُ إلَّا الْقَدَحُ الرَّابِعُ وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازَ بِمَا إذَا كَانَ الشُّرْبُ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ لَا لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ
(قَوْلُهُ: فَيُحَدُّ إذَا رُفِعَ لِمَالِكِيٍّ) وَذَلِكَ لِضَعْفِ مُدْرِكِ حِلِّهِ
(قَوْلُهُ فَيُحَدُّ فِيهِ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَيْ كَمَا أَنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَنَا
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا حَدَّ إلَخْ) أَيْ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
(قَوْلُهُ: عَلَى الْحُرِّ) أَيْ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ كَمَا مَرَّ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُزَادُ مَعَ الْحَدِّ سِجْنٌ وَلَا غَيْرُهُ كَحَلْقِ رَأْسٍ أَوْ لِحْيَةٍ أَوْ طَوَافٍ بِهِ فِي السُّوقِ ابْنُ نَاجِيٍّ وَبِهِ الْعَمَلُ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يُزَادُ مَعَ الضَّرْبِ غَيْرُهُ إلَّا الْمُدْمِنُ الْمُعْتَادُ الْمَشْهُورُ بِالْفِسْقِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَادَى بِهِ وَيُشْهَرَ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُلْزَمَ السِّجْنَ اهـ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أُعِيدَ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَدُّ مِنْ أَوَّلِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إحْسَاسٌ حَالَ الضَّرْبِ أَصْلًا،
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحُسَّ فِي أَوَّلِهِ وَأَحَسَّ فِي أَثْنَائِهِ حُسِبَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا أَحَسَّ كَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَنَحْوُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ وَظَاهِرُ التَّوْضِيحِ أَنَّ تَفْصِيلَ اللَّخْمِيِّ تَقْيِيدٌ لِلْمَذْهَبِ لَا أَنَّهُ مُقَابِلٌ لَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ حُدَّ طَافِحًا أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ فَقَيَّدَهَا اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إحْسَاسٌ حَالَ الضَّرْبِ أَصْلًا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(يَجِبُ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الشُّرْبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ: شُرْبُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مُخْتَارًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ. (أَوْ ظَنِّهِ غَيْرًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سُقُوطُ حَدِّ مَنْ يَشْرَبُ مُسْكِرًا غَلَطًا وَاضِحٌ كَقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَلَا حَدَّ أَيْضًا عَلَى مَنْ شَرِبَ مُبَاحًا ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ لَكِنْ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ.
قَالَهُ عِزُّ الدِّينِ. قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: وَعَلَيْهِ دَرَكُ الْمُخَالَفَةِ. (وَإِنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. (وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ)
ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا لَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَحُدَّ قَوْلًا وَاحِدًا. (أَوْ الْحُرْمَةِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ شَرِبَهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَهُ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَعْرِفُ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِهَذَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ. (وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَصَحَّحَ نَفْيَهُ) الْبَاجِيُّ: مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ حَلَالٌ حُدَّ وَلَمْ يُعْذَرْ. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ،
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ حَدِّهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقَلِّدُ مُبِيحِهِ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. (ثَمَانُونَ) هَذَا هُوَ الْمَخْبَرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ إلَخْ " ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّهُ ثَمَانُونَ فِيهَا وَيَنْشَطِرُ بِالرِّقِّ (بَعْدَ صَحْوِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ.
زَادَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: وَلَوْ خَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَفَاعَةٍ تُبْطِلُ حَدَّهُ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: فَخُفِّفَ بَعْضُ التَّخْفِيفِ فِي الشَّرَابِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ فَانْطُلِقَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَحِكَ وَقَالَ: أَفَعَلَهَا وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ»
(ص) بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ. (ش) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَجِبُ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ لَا الْكَافِرِ حَرْبِيًّا كَانَ، أَوْ ذِمِّيًّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الْجِنْسِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ السُّكْرِ بِالْفِعْلِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ جِنْسُهُ يُسْكِرُ،
فَلَوْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْهُ حُدَّ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ مُسْكِرٌ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا شَرِبَ مَا لَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَإِذَا شَرِبَ شَيْئًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَمْرٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ خَمْرٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْمُ الْجَرَاءَةِ. وَقَوْلُهُ: طَوْعًا مُتَعَلِّقٌ بِشُرْبٍ أَيْ: شَرِبَهُ طَوْعًا أَيْ: مُخْتَارًا لَا مُكْرَهًا. وَقَوْلُهُ: بِلَا عُذْرٍ أَخْرَجَ بِهِ الْغَالِطَ. وَقَوْلُهُ: وَضَرُورَةٍ أَخْرَجَ بِهِ صَاحِبَ الْغُصَّةِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً،
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا كَمَا عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْمُبَاحِ أَنَّ شُرْبَهُ لِلْإِسَاغَةِ غَيْرُ حَرَامٍ. فَقَوْلُهُ: الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ أَيْ: الشَّخْصِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى أَيْ: الْحُرِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: بِلَا عُذْرٍ، وَضَرُورَةٍ، أَوْ ظَنَّهُ غَيْرًا تَبَعًا لِتَصْرِيحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِهَا، وَإِلَّا فَطَوْعًا يُغْنِي عَنْهَا. (ص) أَوْ ظَنَّهُ غَيْرًا وَإِنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوْ الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصَحَّحَ نَفْيَهُ.
(ش) أَيْ: وَبِلَا ظَنِّهِ لِلَّذِي يُسْكِرُ غَيْرَ الْخَمْرِ أَيْ: مُغَايِرًا كَمَا إذَا ظَنَّهُ مَاءً، أَوْ عَسَلًا، فَشَرِبَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ كَمَا عُذِرَ مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، وَيُصَدَّقُ إنْ كَانَ مَأْمُونًا لَا يُتَّهَمُ،
وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الشَّارِبِ لِمَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ،
وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ مَعَ عِلْمِهِ الْحُرْمَةَ، أَوْ جَهِلَ حُرْمَةَ الْخَمْرِ نَفْسَهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِهَذَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ،
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُعْذَرْ هُنَا، وَعُذِرَ فِي الزِّنَا كَمَا أَشَارَ لَهُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ، أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ أَيْ: فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؟ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ مَفَاسِدَ الشُّرْبِ لَمَّا كَانَتْ أَشَدَّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا، لِكَثْرَتِهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَنَى، وَسَرَقَ، وَقَتَلَ كَانَ أَشَدَّ مِنْ الزِّنَا، وَلِأَنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ غَيْرِهِ،
وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُسْكِرَ،
وَلَوْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى جَوَازَ شُرْبِهِ قَالَ مَالِكٌ: أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُهَا، وَصَوَّبَ الْبَاجِيُّ عَدَمَ الْحَدِّ، وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ . (ص) ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ وَتُشَطَّرُ بِالرِّقِّ. (ش) هَذَا مُبْتَدَأٌ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ خَبَرُهُ، أَوْ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: يَجِبُ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً عَلَى الْحُرِّ، وَأَرْبَعُونَ جَلْدَةً عَلَى الرَّقِيقِ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى بَعْدَ صَحْوِهِ لِانْعِقَادِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ عُثْمَانَ،
فَلَوْ جَلَدَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ صَحْوِهِ،
فَإِنَّ الْحَدَّ يُعَادُ عَلَيْهِ ثَانِيًا لِعَدَمِ
فَائِدَةِ الْحَدِّ وَهُوَ التَّأَلُّمُ وَالْإِحْسَاسُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَالَةِ سُكْرِهِ.
(قَوْلُهُ: بِشُرْبِ) أَيْ بِسَبَبِ وُصُولٍ مِنْ فَمٍ لِحَلْقِ الشَّخْصِ وَإِنْ رُدَّ قَبْلَ وُصُولِهِ لِلْجَوْفِ لَا مِنْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ عَيْنٍ وَإِنْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا مِنْ حُقْنَةٍ لِدَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ وَالْفِطْرُ فِي الصَّوْمِ بِهَذِهِ لِلِاحْتِيَاطِ
ثُمَّ أَنَّ عج جَعَلَ ذَلِكَ شَامِلًا لِمَا إذَا غَمَسَ إبْرَةً فِي الْخَمْرِ وَوَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ وَخَالَفَهُ اللَّقَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِشُرْبِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَلَّ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْ غَمَسَ إبْرَةً فِي الْخَمْرِ وَوَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَنْ شَيْخِهِ وَأَظُنُّهُ ابْنَ رَشِيقٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْعًا وَلِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ قَلَّ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مَحْسُوسًا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ) لَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيهَا الْفِعْلُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ تَقُولُ ثَمَانُونَ فَاعِلٌ بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ فَالْأَحْسَنُ أَنَّ قَوْلَهُ بِشُرْبِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ ثَمَانُونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا) هَذَا ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَطَوْعًا يُغْنِي عَنْهُ) فِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ قَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَضَرُورَةٍ أَوْ ظَنَّهُ غَيْرًا وَقَدْ يُقَالُ مَعْنَى قَوْلِهِ يُغْنِي عَنْهُ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفْهَمُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ الَّذِي هُوَ مُحْتَرِزٌ طَوْعًا لَا يُحَدُّ مَعَ عِلْمِهِ فَأَوْلَى الْغَالِطُ وَاَلَّذِي لَمْ يَظُنَّهُ خَمْرًا بَلْ الْغَالِطُ هُوَ عَيْنُ الَّذِي لَمْ يَظُنَّهُ خَمْرًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَنَفِيًّا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْخَمْرَ هُوَ مَا كَانَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَالنَّبِيذُ هُوَ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ وَدَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ كَالزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ الْعَجْوَةِ فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ عِنْدَنَا حَرَامٌ وَفِيهِ الْحَدُّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيِّ إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الْمُبَكِّرُ فَقَطْ كَمَا لَوْ كَانَ إنَّمَا يَسْكَرُ بِقَدَحَيْنِ مَثَلًا وَلَا يَسْكَرُ بِقَدَحٍ أَوْ يَسْكَرُ بِثَلَاثَةٍ فَالْمُحَرَّمُ الْقَدَحُ الْأَخِيرُ فَقَطْ وَمَا قَبْلَهُ جَائِزٌ وَإِذَا شَرِبَ فِي الْأَوَّلِ الْقَدَحَيْنِ حُرِّمَ عَلَيْهِ وَحُدَّ وَإِنْ شَرِبَ وَاحِدًا فَقَطْ فَلَا حَدَّ وَلَا حُرْمَةَ وَهَكَذَا فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَعِنْدَنَا يُحَدُّ بِالْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَأَمَّا نَبِيذُ الْعِنَبِ فَالْحَدُّ وَالْحُرْمَةُ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ
وَأَمَّا مَا لَا يَدْخُلُهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَلَا حَدَّ وَلَا حُرْمَةَ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْهُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّبِيذِ الَّذِي دَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ وَشَرِبَ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُسْكِرُ وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَسُمِّيَ النَّبِيذُ نَبِيذًا لِأَنَّهُ يُنْبَذُ أَيْ يُتْرَكُ وَأَفَادَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ مُسْتَحِلَّ الْخَمْرِ يَكْفُرُ دُونَ مُسْتَحِلِّ النَّبِيذِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يُعْذَرْ إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ حَدُّ حَدِيثِ الْعَهْدِ إذَا زَنَى فَسَاوَى بَابُ الزِّنَا بَابَ الشُّرْبِ.
(قَوْلُهُ: وَصَوَّبَ الْبَاجِيُّ عَدَمَ الْحَدِّ) أَيْ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ كَلَامَ الْبَاجِيِّ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ أَمْ لَا مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْبَاجِيِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ لَعَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ مِنْهُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا .
(قَوْلُهُ: بِالرِّقِّ) قِنًّا أَوْ ذَا شَائِبَةٍ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ عُثْمَانَ) أَيْ لِأَنَّ عُثْمَانَ قَالَ يُحَدُّ الْحُرُّ أَرْبَعِينَ وَحَكَمَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ صَحْوِهِ إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ
وَأَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ تَمْيِيزٌ فَيُعْتَدُّ بِهِ فَإِذَا لَمْ يُحِسَّ فِي أَوَّلِهِ بِالْأَلَمِ وَحَسَّ فِي أَثْنَائِهِ لِقَرِينَةٍ حَسَبَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَحَسَّ بِهِ
وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْإِحْسَاسَ وَلَا قَرِينَةَ تُصَدِّقُهُ وَلَا تُكَذِّبُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَأْمُونًا لَا يُتَّهَمُ وَهَذَا فِي حَدِّ السُّكْرِ
وَأَمَّا الْقَطْعُ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ وَإِنْ كَانَ طَافِحًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ النَّكَالُ وَمِثْلُ هَذَا حَدُّ الْفِرْيَةِ إنْ رَضِيَ بِذَلِكَ مَنْ لَهُ الْحَدُّ.
(بَابٌ) بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا [منح الجليل] الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا تُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ. الْحَطّ إذَا سَقَطَ حَدُّ الْحِرَابَةِ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ. الْبَاجِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمَّنَ الْمُحَارِبُ إنْ سَأَلَ الْأَمَانَ
بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ فَيَجُوزُ تَأْمِينُهُ وَيُقَرُّ عَلَى حَالِهِ وَبِيَدِهِ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ تَأْمِينُ الْمُحَارِبِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَمَانَ لَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَاب فِي بَيَان حَدّ شَارِب الْمُسْكِر وَأَشْيَاء توجب الضَّمَان ودفع الصَّائِل] (بَابٌ) فِي بَيَانِ حَدِّ شَارِبِ الْمُسْكِرِ وَأَشْيَاءُ تُوجِبُ الضَّمَانَ وَدَفْعُ الصَّائِلِ يَجِبُ (بِشُرْبِ) الشَّخْصِ (الْمُسْلِمِ) فَلَا يُحَدُّ الْكَافِرُ إنْ أَظْهَرَهُ، بَلْ يُؤَدَّبُ (الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى الْحُرِّ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي فَلَا يُحَدُّ الصَّبِيُّ وَيُؤَدَّبُ أَصْلًا حَالُهُ وَلِئَلَّا يَعْتَادَهُ فَيَشْرَبَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَا الْمَجْنُونُ (مَا) أَيْ شَيْئًا وَالشَّيْءُ الَّذِي (يُسْكِرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْكَافِ (جِنْسُهُ) أَيْ يُغَيِّبُ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ شَخَّصَهُ لِقِلَّتِهِ أَوْ اعْتِيَادِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَصِيرَ عِنَبٍ أَوْ نَقِيعَ زَبِيبٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ رُطَبٍ أَوْ بُسْرٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أَرُزٍّ أَوْ حِجَامَةِ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهَا شُرْبًا (طَوْعًا) بِلَا إكْرَاهٍ فَلَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ (بِلَا عُذْرٍ) كَنِسْيَانٍ أَوْ غَلَطٍ فَلَا يُحَدُّ النَّاسِي وَلَا الْغَالِطُ (وَ) بِ لَا (ضَرُورَةَ) فَلَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَهُ لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ الشُّرْبُ الْمُوجِبُ الْحَدَّ شُرْبُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مُخْتَارًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلَا ذِي غُصَّةٍ وَإِنْ حَرُمَتْ وَلَا غَالِطٍ (وَ) بِ لَا (ظَنِّهِ) أَيْ الْمَشْرُوبَ (غَيْرًا) لِمَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ فَلَا يُحَدُّ مَنْ ظَنَّهُ لَبَنًا أَوْ عَسَلًا أَوْ نَبِيذًا غَيْرَ مُسْكِرٍ. وَيُصَدَّقُ إنْ كَانَ مَأْمُونًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ وإنْ قَلَّ [منح الجليل] ابْنُ عَرَفَةَ سُقُوطُ حَدِّ مَنْ شَرِبَ غَلَطًا وَاضِحٌ لِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا لَا حَدَّ فِي وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ كَذَلِكَ،
وَفِي كَافِي أَبِي عُمَرَ مَنْ ظَنَّ النَّبِيذَ حَلَاوَةً وَلَمْ يَشْعُرْ بِسُكْرِهِ فَسَكِرَ مِنْهُ فَلَا يُحَدُّ إنْ كَانَ مَأْمُونًا لَا يُتَّهَمُ،
وَمِثْلُهُ مَنْ شَرِبَ مُبَاحًا ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ فَلَا يُحَدُّ وَإِنْ أَثِمَ لِاجْتِرَائِهِ وَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ قَالَهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالشُّرْبِ الْوُصُولُ لِلْحَلْقِ مِنْ الْفَمِ وَإنْ رَدَّ قَبْلَ وُصُولِهِ الْجَوْفَ فَوُصُولُهُ الْجَوْفَ مِنْ أَنْفٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُوجِبُهُ،
وَإِنْ وَصَلَ الْجَوْفَ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ الثَّانِي: الشُّرْبُ يُفِيدُ أَنَّ الْحَدَّ مُخْتَصٌّ بِالْمَائِعِ فَلَا يُحَدُّ بِالْجَامِدِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ، وَفِيهِ الْأَدَبُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ،
بِخِلَافِ الْمَائِعِ الْمُسْكِرِ.
الثَّالِثُ: الْمَازِرِيُّ وَعِيَاضٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ.
الرَّابِعُ: بِلَا عُذْرٍ يُغْنِي عَنْ الْقَيْدِ قَبْلَهُ وَالْقَيْدَيْنِ بَعْدَهُ وَيُغْنِي الْمُكَلَّفُ عَنْ قَوْلِهِ طَوْعًا لِأَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَشُرْبُ الْمُكَلَّفِ الْمُسْلِمِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الْحَدَّ إنْ كَثُرَ، بَلْ (وَإِنْ قَلَّ) فِيهَا مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى النَّسَائِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ذَكَرَهُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي إلْمَامِهِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
وَقَالَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِنْهُمْ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَأَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُد بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْفُرَاتِ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِالْمَتِينِ. وَأَخْرَجَ الثَّانِيَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ، وَزَعَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ رِجَالُهُ اهـ.
الْبُنَانِيُّ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» . اللَّخْمِيُّ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الْأَعْنَابِ إلَّا قَلِيلًا وَعَامَّةُ أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوْ الْحُرْمَةِ لِقُرْبِ عَهْدٍ وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ،
وَصُحِّحَ نَفْيُهُ:
[منح الجليل] خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي كَانَتْ،
وَأَنَّ الْعِلَّةَ الشِّدَّةُ وَمُخَامَرَةُ الْعَقْلِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ وُجُوبَ الْحَدِّ (أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْحُرْمَةَ (أَوْ) جَهِلَ (الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدٍ) مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِكَوْنِهِ بَدَوِيًّا لَمْ يَقْرَأْ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ
وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ فَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فَشَا فَلَا أَحَدَ يَجْهَلُ شَيْئًا مِنْ حُدُودِهِ. ابْنُ شَاسٍ مَنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ يُحَدُّ قَوْلًا وَاحِدًا. الشَّيْخ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ شَرِبَهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُرْمَةَ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِهَذَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ.
وَيُحَدُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ بِشُرْبِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَنَفِيًّا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (حَنَفِيًّا) أَيْ مُقَلِّدًا لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (يَشْرَبُ) الْحَنَفِيُّ (النَّبِيذَ) الْقَلِيلَ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُهَا (وَصُحِّحَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (خِلَافُهُ) أَيْ عَدَمُ حَدِّهِ مِنْ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ حَلَالٌ يُحَدُّ وَلَا يُعْذَرُ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ حَدِّهِ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ مِنْهُ، وَقَدْ جَالَسَ مَالِكٌ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُبِيحُ شُرْبَ النَّبِيذِ، فَمَا أَقَامَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدًّا وَلَا دَعَا إلَيْهِ مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِشُرْبِهِ وَمُنَاظَرَتِهِمْ فِيهِ وَقَدْ قَالَ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا مَشْرِقِيٌّ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
أَمَا إنَّهُ آخِرُ مَا فَارَقَنِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ وَتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ،
وَإِنْ قَلَّ، إنْ أَقَرَّ [منح الجليل] قُلْت وَمُقَلِّدُ مُبِيحِهِ مِثْلُهُ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَعَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ لِأَنَّ شُهْرَةَ الْخِلَافِ شُبْهَةٌ وَقَدْ أَسْقَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْحَدَّ عَمَّنْ حُلِّلَتْ لَهُ أَمَةٌ، وَحَكَاهُ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " يَحُدُّهُ، وَيَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، وَتُعُقِّبَ بِتَنَافِيهِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْحَدِّ الشُّرْبُ وَقَدْ وُجِدَ وَالْقُدُومُ عَلَى مُبَاحٍ عِنْدَ فَاعِلِهِ لَا يُوجِبُ فِسْقَهُ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُسْلِمِ بِلَا عُذْرٍ بِشُرْبِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ (ثَمَانُونَ) جَلْدَةً يُضْرَبُهَا (بَعْدَ صَحْوِهِ) مِنْ سُكْرِهِ،
فَإِنْ ضُرِبَهَا قَبْلَهُ أُعِيدَتْ بَعْدَهُ. " ق " هَذَا هُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ إلَخْ. ابْنُ عَرَفَةَ قَدْرُ حَدِّهِ ثَمَانُونَ، فِي سَرِقَتِهَا لَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ، زَادَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَلَوْ خَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَفَاعَةٍ تُبْطِلُ حَدَّهُ. اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ إنْ جُلِدَ حَالَ سُكْرِهِ اُعْتُدَّ بِهِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَيْزٌ،
وَإِنْ كَانَ طَافِحًا أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يُحِسَّ بِالْأَلَمِ فِي أَوَّلِهِ وَأَحَسَّ فِي أَثْنَائِهِ بِقَرِينَةٍ حُسِبَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَحَسَّ بِهِ،
وَإِنْ ادَّعَى إحْسَاسَهُ وَلَا قَرِينَةَ تُصَدِّقُهُ وَلَا تُكَذِّبُهُ فَالظَّاهِرُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَأْمُونًا لَا يُتَّهَمُ. وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ طَافِحًا أُعِيدَ الْحَدُّ وَاضِحٌ فِي حَدِّ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا قَطْعُ السَّارِقِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُعَادُ وَإِنْ كَانَ طَافِحًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ النَّكَالُ
وَمِثْلُهُ حَدُّ الْفِرْيَةِ إنْ رَضِيَ بِهِ مُسْتَحِقُّهُ وَمُقْتَضَى صَنِيعِ التَّوْضِيحِ أَنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ تَقْيِيدٌ لِلْمَذْهَبِ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَالشَّامِلِ وتت أَفَادَهُ شب، وَتَبِعَهُ الْعَدَوِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْحَدُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ مِنْ جَوَازِ الشَّرَابِ الْفَمَ إلَى الْحَلْقِ. قُلْت فِي الْمُوَطَّإِ اسْتَشَارَ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَرَى أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ،
وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى.
وَفِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْهَا لَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ
بشرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه قوله: "بشرب" خبر مقدم، والمبتدأ: "ثمانون" الآتية. قاله الشبراخيتي.
وقال الخرشي: قوله: "بشرب" متعلق بمحذوف تقديره: يجب "وثمانون" فاعله، أو مبتدأ وخبره: "بشرب" يعني أن الحر المسلم الكلف إذا شرب ما يسكر جنسه وإن لم يسكر الشارب بالفعل يجب أن يجلد ثمانين جلدة؛ والشرب مختص بالمائعات. واحترز بذلك من اليابسات التي تؤثر في العقل فليس فيها إلا الأدب، كما أنه لا يحرم منها إلا القدر الذي يؤثر في العقل لا ما قل، كما أنها طاهرة قليلها وكثيرها،
بخلاف الخمر في جميع ذلك. انتهى. قاله البناني. واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يحد حربيا أو غيره، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون فإنه لا حد عليهما، وأسند الفعل إلى الجنس إشارة إلى عدم اشتراط السكر بالفعل، بل الشرط أن يكون جنسه يسكر،
فلو شرب قليلا منه حد لأن جنسه مسكر،
وقد بالغ على الحد بقوله: وإن قل، وهذا يشمل ما إذا شرب لبنا مسكرا لأن جنسه وهو الحامض مسكر، ولا يقال جنسه اللبن من حيث هو وهو غير مسكر، واحترز بقوله: "ما يسكر جنسه" عما إذا شرب ما لا يسكر جنسه فإنه لا حد عليه،
ولو اعتقد أنه مسكر، فإذا شرب شيئا يعتقد أنه خمر فتبين أنه غير خمر فلا حد عليه ولكن عليه إثم الجرءة. وقوله: "بشرب" الباء سببية أي يجب ثمانون جلدة على الشخص بسبب وصول من فم لحلق الشخص الحر المسلم المكلف ذكرا أو أنثى،
وإن رُدَّ قبل وصول جوفه لا من أنف أو أذن أو عين قال عبد الباقي: وإن وصل للجوف فيما يظهر ولا من حقنة لدرء الحد بالشبهة والفطر بهذه الأمور في الصوم للاحتياط في العبادة، وقد مر أن الكافر لا يحد بشربه المسكر حربيا أو غيره، ومر في الجهاد أنه يعزر لظهور السكر ويؤدب الصبي للزجر. وقوله: "ما يسكر" "ما" مفعول شرب؛
وفي الشبراخيتي: والمراد بالشرب وصوله لحلقه إذا كان من الفم ولو رده قبل وصول جوفه،
وأما ما وصل من غير الفم كالأنف والأذن والحقنة للجوف لا حد فيه كما يفيده النقل. طوعا العامل فيه "شرب" ؛ وهو
إما حال أو مفعول مطلق؛ يعني أن الشارب المذكور إنما يحد إذا شرب ما يسكر جنسه طائعا،
وأما إن شربه مكرها فإنه لا حد عليه. قال الشبراخيتي: متعلق "بشرب" ، وخرج به المكره فلا يحد وهو مستغنى عنه بقوله: "المكلف" إذ المكره ليس بمكلف. انتهى.
وقال البناني: قال في المدونة: ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام. انتهى. وخرج أبو داوود عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: (كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام) . اللخمي:
وقال أنس: حرمت الخمر وما نجد خمر الاعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر،
وفي البخاري: (أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه خطب على المنبر، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خمر العقل) يريد أنه ليس مقصورا على هذه الخمسة التي كانت وأن العلة الشدة وما خامر العقل. انظر أبا الحسن. انتهى. بلا عذر يعني أنه إنما يحد إذا شرب الخمر طائعا بلا عذر، واحترز بذلك عما إذا شربه لإساغة غصة،
فإن شربه للغصة جائز خلافا لابن عرفة في قوله إن الإساغة بها حرام
ومثله لابن الحاجب وابن شأس؛ قال ابن الحاجب: ولا حد على مكره ولا مضطر إلى الإساغة وإن قلنا إنه حرام. وبلا ضَرُورَةٍ يعني أنه إنما يحد إذا شرب الخمر بغير ضرورة،
وأما إن شربه لضرورة فإنه لا حد عليه بأن شربها لخوف موت من جوع أو عطش، وقد تقرر للمصنف في باب المباح أن شربه لإساغة الغصة غير حرام،
وأن شربه لدفع عطش أو جوع يخاف منه الموت غير جائز، كما أشار له هناك بقوله: وللضرورة ما يسد غير آدمي وخمر إلا لغصة، قال ابن القاسم: من اضطر إلى شربها لا يشرب بها ولا يزيده الخمر إلا شرا. انتهى.
ومن العذر ما إذا شرب الخمر غلطا فلا حد عليه. كما قال: وبلا ظنه غيرا يعني أنه إنما يحد إذا لم يظن الخمر غيرها
وأما إذا ظن الخمر غيرها، فشربها فإنه لا حد عليه، كما لو وطئ أجنبية يظنها زوجته أو أمته،
فإذا ظن الخمر لبنا أو عسلا مثلا فشربها ثم ظهر أن ذلك مسكر فلا حد عليه. قال عبد الباقي: وصدق إن كان مأمونا لا يتهم، والظاهر كراهة إقدامه على شربه مع ظنه غيرا،
وأما مع شكه غيرا فيحرم والظاهر أنه لا يحد لدرئه بشبهة الشك. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "وبلا ظنه غيرا" أخرج به الغالط. انتهى. وقوله: "بلا عذر" يغني عن القيد قبله وعن القيدين يعده،
وأما طوعا فلا يغني عن القيود بعده لكن يغني عَنْهُ المكلف لإخراجه المكره. قاله البناني. وإن قل مبالغة في وجوب الحد يعني أن شارب المسكر يحد وإن قل ما شرب منه وإن لم يسكره لقلته؛ للحديث النتمهور: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) ، ويشمل ذلك ما إذا غمس ابرة في الخمر ووضعها على لسانه وابتلع ريقه فيحد على ما للحطاب على الرسالة عن الفاكهاني في شرح العمدة، ولكن لم يقل: وابتلع ريقه، وإنما زاده على الأجهوري غير معزو، قال عبد الباقي: ومثل نقل الحطاب عن الفاكهاني لا يُرَدُّ عليه بظاهر المنصف أنه لا يشمل غمس الإبرة فيه وأنه من التعمق في الدين.
انتهى المراد منه. وفي المواق: ولا حد أيضا على من شرب مباحا ظانا أنه خمر لكن تسقط عدالته. قاله عز الدين. انتهى.
وقوله: "وإن قل" ، راجع إلى قوله: "ما يسكر" ، قال التتائي: "وإن قل" ، متعلق بقوله: "ما يسكر" أي إذا أسكر جنسه حد بشرب ما قل منه.
ولا يشترط ظهور السكر منه ولا علمه بوجوب الحد فيه، ولهذا قال: أو جهل وجوب الحد مع علمه بالحرمة أو الحرمة يعني أنه لا يسقط الحد عن شارب الخمر بسبب جهله لحرمة الخمر لأجل قرب عهد منه بالإسلام، أو لكونه بدويا لم يقرأ الكتاب ولم يعلمه ويجهل مثل ذلك فلا يرفع عنه الحد بذلك، قال ملك: لأن الإسلام فشا ولا أحد يجهل شيئا من الحدود، وخالف ابن وهب،
وأما لو علم بالتحريم وجهل وجوب الحد لَحُدَّ اتفاقا. قاله التتائي.
وقال المواق: قال ابن شأس: أما لو علم التحريم وجهل وجوب الحد لحد قولا واحدا،
وقال ابن المواز: من شربه ممن لا يعلم تحريمه كالأعجمي الذي دخل دار الإسلام فلا عذر لأحد بهذا في سقوط الحد. انتهى.
تنبيه: قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: قال مطرف: وكان مالك يرى إذا أخذ السكران في الأسواق والجماعات قد سكر وتسلط بسكره وآذى الناس أو روعهم بسيف شهره أو حجارة رماها وإن لم يضرب أحدا أن تعظم عقوبته بضرب حد السكران ثم يضرب الخمسين وأكثر على قدر جرمه؛ وقد حكى مطرف عن مالك في الواضحة أنه يضرب الخمسين ومائة ومائتين ونحو ذلك، ويكون الحد منهما وفيهما. انتهى. وقوله: "أو جهل" عطف على "قل" فهو داخل في حيز المبالغة. ولو حنفيا بشرب النبيذ يعني أن من شرب النبيذ المسكر أي نبيذ غير العنب يحد ولو كان الشارب له حنفيا يرى جواز ما لا يسكر منه فيحد إذا رفع لمالكي،
وأما ما يغيب العقل منه فحرام عند الحنفي ويحد عنده،
وأما الخمر فحرام عنده أيضا وإن لم يسكر.
والحاصل أن الخمر حرام عنده ما أسكر منها وما لم يسكر كمذهبنا فيها،
وأما النبيذ المسكر فحرام عندنا ما أسكر منه وما لم يسكر ويحد عندنا في الوجهين، وعند الحنفي: يجوز منه ما لا يسكر
ويحرم ما يسكر فيحد عنده فيما يسكر دون ما لم يسكر.
قال الشبراخيتي: ولو حنفيا بشرب النبيذ أتي نبيذ غير العنب الذي دخلته الشدة المطربة فإن قليله وكثيره عندنا حرام وفيه الحد، وعند الحنفي إنما يحرم منه القدر المسكر فقط كما لو كان، إنما يسكر بعد قدحين أو يسكر بأربعه أو يسكر بثلاثة فالمحرم القدح الأخير فقط وما قبله جائز، فالمحرم في الأول قدح واحد،
فإن شرب واحدا فقط فلا حد ولا حرمة وهكذا في الثلاثة والأربعة وعندنا يحد بالواحد وغيره قليلا أو كثيرا
ويحرم، وأما نبيذ العنب فالحد والحرمة باتفاق منا ومنه. انتهى. وصحح نفيه يعني أنه صحح القول بنفي الحد عن الحنفي الشارب لنبيذ غير العنب حيث لم يشرب منه القدر المسكر، والقول بنفي الحد للباجي في المنتقى، فإنه قال: الصواب لا حد عليه حتى يسكر وصححه غير واحد من المتأخرين،
وقال عبد الباقي: ولو حنفيا بشرب النبيذ وهو ما اتخذ من زبيب ولم يسكر لجوازه عنده فيحد إذا رفع لمالكي،
وأما ما يغيب منه فيحرم ويحد عندد أيضا،
وأما الخمر فحرام عنده أيضا وإن لم يسكر، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله وإذا حد لم تقبل شهادته على المشهور،
وإن تاب قبلت في غيره كما تقدم في قوله: "أو من حد فيما حد فيه" ،
وقيل: لا يحد وتقبل شهادته، وإليه أشار بقوله: "وصحح نفيه" أي الحد. انتهى.
وقال الرهوني: رد المنصف بلو قول الباجي في المنتقى: الصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر كما في التوضيح؛
ونص المنتقى: ومن تأول في المسكر من غير الخمر أنه حلال فلا عذر له في ذلك وعليه الحد. رواه ابن المواز عن مالك وأصحابه. ولعل هذا إنما هو فيمن ليس من أهل الاجتهاد،
وأما من كان لمن أهل الاجتهاد والعلم فالصواب أن لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة ممن كان يرى النبيذ مباحا فما أقام على أحد منهم حدا ولا دعا إليه مع إقراره بشربه وتظاهرهم ومناظرتهم فيه، وقد روي عن مالك أنه قال: ما ورد علينا مشرقي مثل سفيان الثوري؛
أما إنه آخر ما فارقني على أن لا يشرب النبيذ وهذا يقتضي أنه لم يفارقه قبل ذلك علي هذا لكن لما تكررت مناظرته له فيه وتبين له وجه الصواب فيما قاله مالك اعتقد أنه لا يعاود شربه. انتهى.
ونقل في التوضيح بعضه عند قول ابن الحاجب: والصحيح أنه لا حد على المجتهد يرى حلية النبيذ ومقلده، وزاد ما نصه: وصحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إذا قلنا كل مجتهد مصيب فواضح وإن كان المصيب واحدا فلا أقل أن يكون ذلك شبهة؛ وأُورِدَ على قول مالك بحده أنه قد نفى الحد عن المتزوج بلا ولي، وَأُجِيبَ بأن مفسدة النكاح يمكن تلافيها بالإصلاح ورده إلى العقد الصحيح كغير هذه الصورة من النكاح الفاسد، ولا يحكن ذلك في الأشربة فلا بد من الزجر عنها وهو الحد وفيه نظر.
انتهى. قُلْتُ: إنما فرق الإمام وأصحابه بين النكاح بغير ولي وبين شرب النبيذ، لضعف قول أبي حنيفة جدا في الثاني
بخلاف الأول، وقد وقع للباجي نفسه ما يشهد لما قلناه ويفيد أن ما صوبه غير صواب: وأن الحق ما قاله مالك وأصحابه، فإنه قال بعد ما قدمناه عنه بيسير عند قول الموطإ: قال مالك: السنة عندنا أن كل من شرب شرابا مسكرا فسكر أو لم يسكر فقد وجب عليه الحد. انتهى. ما نصه: وهذا كما قال إن من شرب مسكرا أي نوع كان من الأنواع المسكرة من عنب كانت أو من غير عنب مطبوخا، كان أو غير مطبوخ قليلا شرب منه أو كثيرا: فقد وجب عليه الحد، سكر أو لم يسكر.
هذا مذهب أهل المدينة، مالك وغيره. وبه قال الشافعي،
وقال أبو حنيفة: ما خرج من النخل والكرم فقليله وكثيرد حرام ما لم يطبخ، وطبخه أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وما عدا ما يخرج من النخل والكرم فهو حلال من غير طبخ إلا أن المسكر منه حرام، وهذه المسألة قد كاد أصحاب أبي حنيفة يجحدونها ولا يرون المناظرة فيها، ويقولون: إن السائل عنها إنما يذهب إلى التشنيع والتوبيخ، وذلك أنه لطول الأمد ووصول الأدلة إليهم وتكررها عليهم تبين لهم ما فيها، إلا أنهم مع ذلك يدونونها في كتبهم بألفاظ ليس فيها ذلك التصريح، ويتأولونها على أوجه تخفف أمرها عندهم، ولنا في هذه المسألة طريقان: أحدهما إثبات اسم الخمر لكل مسكر،
والثاني تحريم كل شراب مسكر،
فأما الأول فإن مذهب مالك والشافعي أن اسم الخمر يقع على كل مسكر شراب من عنب كان أو من غيره.
وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور، والدليل على ما نقوله ما روي عن ابن عمر أنه قال: (خطب عمر على منبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل) . ووجه الدليل من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب، قال: إن الخمر يكون من هذه الأشياء الخمسة، وعمر بن الخطاب من أهل اللسان،
فلو انفرد بهذا القول لاحتج بقوله كيف وقد خطب بذلك بحضرة قريش والعرب؛ فلم ينكر ذلك عليه فثبت أنه إجماع، ووجه آخر وهو أنه قال: والخمر ما خامر العقل وكل ما خامر العقل فإنه يسمى الخمر وأنها بذلك تسمى خمرا، والدليل أن كل مسكر حرام، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فلنا من الآية أدلة فبينها وأنهاها إلى خمسة،
وقال متصلا بذلك ما نصه: ودليلنا من السنة ما رواه أبو داوود عن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) ودليلنا من جهة القياس أن هذا شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حراما أصله عصير العنب. واللَّه أعلم. انتهى. فانظر كيف جعل قول أبي حنيفة مخالفا للكتاب والسنة والإجماع والقياس؟ وانظر ما قاله عن أصحاب أبي حنيفة وما وَجَّهَ به ما حكاه عنهم يتبين لك صحة ما قلناه.
وقال أيضا في المنتقى عند قول الموطإ: عن عائشة رضي اللَّه عنها: سئل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر حرام) . انتهى. ما نصه: فسألوه عن البتع وهو شراب العسل وذلك لما نزل تحريم الخمر وعلموا تحريمها بنص الكتاب، فسألوه عما يقع عليه هذا الاسم ليعلموا أن الذي ورد من ذلك محمول على عمومه أو مخصوص ببعض يتناوله اللفظ،
فَإن قِيلَ: لو كان اسم الخمر يقع على البتع وغيره من الأشربة لما سألت العرب، إذ سمعت تحريم الخمر عن البتع لأن البتع هو الخمر؟ فالجواب عنه من وجهين: أَحَدُهُمَا أنه يسأل عن ذلك من لم يبلغه تحريم الخمر وإن بلغه تحريم النبيذ أو بلغه تحريم الخمر باسم خاص، مثل أن يبلغه تحريم خمر العنب أو تحريم خمر التمر، وَالْوَجَهُ الثَّانِي أن يكون نوع من الخمر غالبا على بلد من البلاد فيكون خمر التمر غالبا على بلد ما، وخمر العنب غالبا على بلد آخر، وخمر الذرة أغلب في بلد آخر فيكون لفظ الخمر إذا أطلق في ذلك البلد كان أظهر فيما هو الأغلب عندهم لكثرته وكثرة استعمال هذا الاسم فيه دون غيره مما هو معدوم عندهم، فيسأل أهل كل بلد عن غير ما هو الأغلب عندهم؟
لتجويز أن يكون الحكم مقصورا على ما هو الأغلب عندهم،
ثم ذكر وجهين آخرين، ثم قال: وقد روي عن أبي موسى أنه سأل عن ذلك، فقال: (بعثني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللَّه إن بها أشربة يقال لها البتع والمزر، قال: وما البتع؟
قلت: شراب يكون م العسل والمزر يكون من الشعير، فقال: كل مسكر حرام) . وقوله صلى اللَّه عليه وسلم: (كل شراب أسكر حرام) ، وقد سئل عن البتع دليل على أنه أجاب عن جنس الشراب لا مقدار ما حرم منه، ثم قال: فلما كان السؤال عن البتع يقتضي أن السؤال عن جميعه ثبت أنه سؤال عن جنسه وجوابه صلى اللَّه عليه وسلم: (كل شراب أسكر حرام) يقتضي الجواب عن أجناس الشراب ليكون مقابلا للسؤال؛
ولأنه صلى اللَّه عليه وسلم علق الحكم على الجنس، فقال: (كل شراب أسكر حرام) فكان ذلك جوابا عنه وعن غيره،
ولو أراد الإخبار عن أبعاضه وأن بعض مقاديره حرام وبعضها حلال لقال: كل مقدار أسكر حرام، أو لقال: كل ما أسكر منه فهو حرام، واستغنى عن إعادة لفظ الشراب لأنه لا خلاف أن اسم الشراب واقع على الجنس دون بعض مقاديره،
فإذا علق الحكم بالجنس ولم يعلقه بالقدر كان الظاهر أنه أراد به الجنس دون القدر. واللَّه أعلم. انتهى. فأنت تراد سلم أن حديث عائشة هذا حجة على أبي حنيفة،
وإذا سلم ذلك فهي حجة قوية قاطعة للنزاع لأن هذا الحديث متفق على صحته، ورد معناه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم من طُرُق صحاح، ففي الجامع الصغير: (كل مسكر حرام) . الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وابن ماجه عن ابن مسعود؛ (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) . الإمام أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر.
انتهى. قال المنوي عقب الحديث الأول ما نصه: قال المؤلف وهو متواتر،
وقال عقب قوله في الحديث الثاني: كل مسكر خمر ما نصه: أي مخامر للعقل ومغطيه؛ يعني الخمر اسم لكل ما يوجد فيه الإسكار، وللشرع أن يحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما له وضع الأحكام كذلك أو أنه كالخمر في الحرمة وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: الخمر ماء عنب أسكر فغيره حلال طاهر. انتهى. ويأتي أيضا رد الباجي على أبي حنيفة فيما طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه الذي هو مساو عنده للنبيذ وما في معناه بأنه مخالف إجماع الصحابة رضي اللَّه عنهم،
ومن تأمل ذلك كله وأنصف تبين له صحة ما قلناه وعلم صحة قول الزرقاني، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله،
وقول الزرقاني: وأما الخمر فحرام عنده وإن لم يسكر ظاهره ولو طبخ حتى ذهب ثلثاه وليس كذلك، بل هذا حكمه عنده حكم النبيذ كما مر، ويأتي كلام الباجي. وحاصل مذهب الإمام أبي حنيفة رضي اللَّه عنه أن ما يسكر من عصير العنب والنخل ولم يطبخ أو طبخ فلم يذهب منه ثلثاه فهو خمر يحرم قليله وكثيره، ويحد شاربه مطلقا قليلا كان أو كثيرا أسكر أم لا، وما كان من غير عصير العنب والنخل أو منهما وطبخ حتى ذهب ثلثاه وهو يسكر فالقليل منه الذي لا يسكر حلال فلا حد على من شربه وما يسكر حرام ويحد شاربه، حتى إنه نقل عنه أنه قال: إذا شرب منه تسعة أجزاء ولا يسكر ويسكر إذا أتم العشرة فالعاشر هو المحرم هذا لفظ الشيخ يوسف بن عمر عنه في شرح الرسالة، وقد نقل هذا في مسنده عن إبراهيم أراه النخعي حسبما نقله عنه بعض خواص الأحبة من السادات الأشراف من أعيان علماء العصر مما ناولنيه بخط يده وشافهني بأنه نقله من كتاب أبي حنيفة المسمى بمسند أبي حنيفة، ولفظه: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه
قال في الرجل يشرب النبيذ حتى يسكر منه، قال: القدح الأخير الذي سكر منه هو الحرام. من خطه. وقد ذكر عنه بعض أحاديث وبعض آثار عن بعض الصحابة وعن بعض التابعين تؤيد مذهبه، ولكن من تأملها وجدها لا تقوم له بها حجة،
فمن ذلك ما [رواه عبد اللَّه] بن شداد عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: (حرمت الخمر لعينها القليل منها والكثير [والمسكر] (٢) من كل شراب) . انتهى. وهذا الحديث على تقدير صحته معارض بأقوى منه من الأحاديث التي قدمناها وغيرهات وقد مر أنها متواترة، ومنها قوله عن علقمة: قلنا لابن مسعود: لعمرك تشرب النبيذ والأمة تقتدي بك، فقال ابن مسعود: رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يشرب النبيذ ولولا أني رأيته يشرب ما شربته.
انتهى. وهذا لا شاهد فيه أصلا، فعلى تقدير صحته ليس فيه تصريح بأن النبيذ الذي رآه يشربه يسكر كثيره؛ وعلى تقدير أنه كذلك فهو معارض بحديث ابن مسعود وغيره من الأحاديث التي قدمناها، ومنها قوله عن سيدنا عمر أنه قال: لا يقطع لحوم هذه الإبل في بطونها إلا النبيذ الشديد، وهذا لا شاهد فيه على تقدير صحته إذ ليس فيه أنه أراد النبيذ المسكر ولا يؤخذ ذلك من قوله: الشديد لاحتمال أن المراد بشدته قوته فقط؛
لأن النبيذ منه الضعيف والقوي والمتوسط لاختلافه بقلة الماء الذي نبذ فيه الزبيب مثلا وكثرته وتوسطه مع قصر مدة الزبيب مثلا في الماء وطولها وتوسطها، وعلى تسليم أنه أراد المسكر فهو معارض بحديثه الصحيح المتفق علي صحته الذي خطب به على المنبر بحضرة الناس حتى صار ذلك إجماعا كما تقدم في كلام الباجي. ومنها قوله عن حماد عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه أُتِيَ بأعرابي قد سكر فطلب له عذرات فلما أعياه قال: احبسوه فإن صحا فاجلدوه، ودعا عمر بماء فصبه عليه فكسره: ثم شرب وسقى جلساءه؛
ثم قال: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه، قال: وكان يحب الشراب الشديد. انتهى. وهذا لا شاهد فيه أيضا لأن هذا الذي سكر به لم يبين هل كان مما يسمى خمرا عند أبي حنيفة أم مما لا يسمى عنده خمرا كالنبيذ وما طبخ حتى ذهب ثلثاه من عصير العنب والنخل؟
فإن كان الأول كان حجة على أبي حنيفة فيما قاله في الخمر مما وافق فيه غيره وأجمع عليه الناس؛ إذ لا يسوغ عند أبي حنيفة ولا عند غيره شرب الخمر التي صب فيها شيء من الماء،
أما إذا بقي فيه بعد الصب النشوة المطربة فلا إشكال،
وكذا إذا زالت منه لإجماعهم على أن الخمر نجس ولا يجوز شرب النجاسة بإجماع، وإنما يبقى الكَلَامُ في حد شاربه كما يأتي للزرقاني عند قوله: "لا دواء" . وقد حكى الأئمة المالكية وغيرهم الإجماع على أن الماء إذا حلت فيه نجاسة يسيرة غيرت لونه أو طعمه أنه نجس ولو كان أكثر منها بأضعاف مضاعفة؛ فكيف إذا وضع يسير من الماء في الخمر الغالبة على الماء،
وإن كان الثاني كان مخالفا لما صح عن سيدنا عمر من أن الخمر عنده ما خامر العقل، كان من عنب أو غيره كما هو صريح حديثه الذي خطب به على الناس كما في البخاري وغيره، فالنبيذ عنده وعصير العنب الذي لم يطبخ سواء، فلا يستقيم للحنفية الاحتجاج على مذهبهم بهذا الأثر الذي رووه عنه كما لا يستقيم لهم الاستدلال بأثره، هذا على ما قالوه من أن ما طبخ حتى ذهب ثلثاه ليس بخمر؛
لأن هذا النوع داخل في حديثه المتفق على صحته الذي خطب به حتى صار إجماعا ومخالف أيضا لما ورد عنه فيما طبخ من العصير بخصوصه، ففي الموطإ ما نصه: مالك عن داوود بن الحصين عن واقد بن عمر بن سعيد بن معاذ أنه أخبره عن محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر بن الخطاب: اشربوا العسل، فقالوا: لا يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر؟
قال: نعم فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر بن الخطاب فأدخل فيه عمر إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء هذا مثل طلاء الإبل فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادة ابن الصامت: أحللتها واللَّه. فقال عمر: كلا واللَّه اللَّهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ولا أحرم عليهم شيئا أحللته لهم. انتهى.
قال في المنتقى: قوله: شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها يريد أنهم شكوا إليه من ذلك ما أحوجهم إلى شرب شراب يزيل عنهم وباء الأرض ويبعد عنهم ثقلها وأمراضها المعتادة عندهم وقد اعتادوا بشراب، وأخبروا عمر أنه لا يصلحهم إلا ذلك يريد أن أبدانهم لا تألف غيره فأمرهم عمر أن يشربوا العسل وذلك أنه لم يكن علم أن يتخذ من العصير ما يبقى ويسلم من الشدة المطربة، وعلم أن العسل يبقى المدة الطويلة فعدل بهم إليه ليقتنوه فمتى أرادوا شربه خلطوه بالماء، فقالوا إنه لا يصلحنا العسل وهذا يقتضي أنه لم يبح لهم شرب ذلك الشراب المسكر للتداوي، وقد تقدم ذكره.
ولما توقف عمر رضي اللَّه عنه عن إجابتهم إلى ما أرادوه من شرب شراب العنب لاعتقادهم أنه لا يمكن ادخاره، قال له [رجل] من أهل الأرض: -يريد ممن نشأ فيها- هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر لعلمه بذلك أنه يمكن أن يدخر ولا يتغير ويتوصل إلى ذلك يصنعة قد علمها، فقال له عمر: نعم فإنه إنما منعهم منه لما علم من التغيير وتعذر عنده من بقائه دون أن يفسد، وقوله: فطبخه حتى ذهب منه الثلثان معنى ذلك أنه ذهب منه المائية التي تحدث إفساده ويسع بها تغييره وبقيت عسيلته خالصة، وإنما خص ذلك بذهاب الثلثين وبقاء الثلث لأن هذه كانت صفة عصير ذلك العنب في ذلك البلد، وقد روى ابن المواز في طبخ العصير: لا أحُدُّ بذهاب ثلثيه وإنما أنظر إلى المسكر،
قال أشهب: وإن نقص تسعة أعشاره بذلك، قال ابن المواز: وليس ذهاب الثلثين في كل بلد ولا من كل عصير،
فأما الموضع المختص بذلك فلا بأس به، وقول ابن حبيب: من تحفظ في خاصته فعمل الطبيخ فلا يعمله إلا باجتماع وجهين؛
أن يذهب ثلثاه ويوقن أنه لا يسكر: فأما أحد الوصفين من أنه لا يسكر فصحيح ولا يحتاج إلى سواه؛ لأنه إذا لم يسكر فسواء ذهب ثلثه أو ربعه أو أكثر أو أقل؛ ثم قال: ويتحرر بتيقن سلامته من الفساد في سائر البلاد،
وإذا اعتبر السلامة من أن يسكر استغنى عن سائر الأوصاف، وجعل أبو حنيفة ذهاب الثلثين حدا في جواز شرب ما يبقى وإن كان يسكر من كثيره، والدليل على ما نقوله أن هذا شراب فيه شدة مطربة فوجب أن يكون قليله حراما. وقوله: فأتوا به عمر بن الخطاب فأدخل فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط اختبار من عمر رضي اللَّه عنه لما أخبره به وإشراف عليه بالمشاهدة والمباشرة واعتناء بأمور المسلمين ومصالح دينهم ودنياهم، فأدخل إصبعه ليختبر ثخانته وهي التي تمنع التغيير، ثم رفع أصبعه التي أدخلها في الطلاء فتبعها الطلاء يتمطط لثخانته ولو كان رقيقا في حكم الشراب لم يتبع يده ولا إصبعه منه شيء ويجعل يقطر ما يتعلق بإصبعه منه إن كان تعلق منه شيء.
انتهى. وقوله: يتمطط أي يتمدد، وقول عمر: هذا الطلاء يريد أنه يسمى بالطلاء على معنى التشبيه بذلك، ولذلك قال: هذا مثل طلاء الإبل في ثخانته وبعده عن التغيير ثم أمرهم بشربه ولو راعى أبو حنيفة أن يعود إلى مثل هذا من القوام والثخانة لما أباح للناس إلا شرب ما يؤمن فساده،
فإن هذا في قوام العسل ولا يمكن شرب مثله إلا أن يمزج بالماء فلا يخاف على مثل هذا التغييرُ أبدا،
وأما ما كان من عصير يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه رقيقا يسرع إليه التغيير ويطرأ عليه الفساد فليس له حكم هذا الذي قد صار في قوام العسل الذي لا يتغير ولو أمسك أعواما،
ولو كان ذهاب الثلثين منه يجزئ على كل حال لما احتاج عمر إلى أن يراه ويختبره ويدخل إصبعه فيه ويرفعه ليعلم بذلك ثخانته؛ ولقال للذي قال له: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب مالا يسكر؟ أنا أعلم بذلك منك أطبخه حتى يذهب منه الثلثان، ولا يراعى أيسكر أم لا.
ولما قال له افعل علم أنه إنما أمره أن يعمل منه ما لا يسكر وأنه اختبر صدقه وعلم صحة قوله بما شاهد من ثخانته وأنه في قوام طلاء الإبل ثم أظهر تصديق قول الصانع وإجابته إلى ما سأل بأن يكون على مثل هذد الصفة التي ادعى أنها لا تسكر،
فمن أباح شرعا ما يسكر من ذلك بذهاب الثلثين فقد خالف إجماع الصحابة لأنهم بين قائلين، قائل يقول بمثل قول عمر إنها إذا لم تسكر لما عادت إليه من القوام أنه مباح عملها واتخاذها، وقائل أنكر على عمر رضي اللَّه عنه إباحتها مع ذلك كله خوفا من الذريعة بإباحته إلى شرب المسكر منها،
فمن أباح شرب المسكر منها على ما أفتى به أبو حنيفة فقد خالف إجماعهم. وقد روي أن علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه كان يرزق الناس طلاء يقع فيه الذباب فلا يستطيع أن يخرج منه. انتهى. وبتأمل كلام الموطإ والباجي يعلم أنَّ مَا شاع على ألسنة كثير من الناس أنَّ ما اشتد طبخه من العصير إنما في شربه الضرر ولا نفع فيه للأبدان غير صحيح، وبتأمل ذلك يعلم ما في مدحهم لما خفَّ طبخه فلم تذهب مائيته، ويتنافسون في ذلك جدا حتى أدى ذلك إلى فساد عظيم وضرر في الذين جسيم، فعظمت رغبة النساء في ذلك والرجال وآل إلى شربهم المسكر مع اعتقادهم أنه حلال، وقد شاع على ألسنة كثير أن مستندهم في ذلك ومعتمدهم على فتوى شيخنا الجنوي، فإنه سُئِلَ بما نصه: جوابكم عن شرب الصامت المطبوخ الذي فيه قوة يحس بها من شربه بحيث يجد في نفسه سرورا وكثرة الكلام وسخانة في جوفه فقط، هل ذلك مما يوجب تحريمه أم لا؟
فَأَجَابَ بقوله: حقيقة المسكر هو ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح كما في التوضيح وغيره، وعليه إن كان العصير المذكور إن ترك بلا ماء وشرب يفعل ما يفعله الخمر فلا إشكال في كونه خمرا،
وإن كان إنما يسخن ويحصل فرحا إلا أنه لما يغيب العقل فليس بمسكر وكثير من المعاجين تفرح
وكذا الزعفران، وعند الفرح يحدث كثرة الكلام لأن المهموم كثير الصمت،
فإذا لم يقع تغييب للعقك فليس بمسكر. واللَّه أعلم. وكتب محمد بن الحسن الجنوي الحسني لطف اللَّه به آمين انتهى: فتأمل كيف يكون هذا حجة لهم وهو قد صرح أولا ووسطا وآخرا بأن ما يسكر منه خمر فلا يحل شربه؛ فأعرضوا عن ذلك وتمسكوا بقوله: وكثير من المعاجين تفرح الخ، وليس في السؤال ولا في الجواب أن كثرة الكلام الذي يحدث عند شربه من الكلام الساقط الذي يشبه الهذيان، ومع ذلك فقد حدثني الثقة عن الفقيه المحدث الصالح سيدي الصادق بن ريسون الحسني أنه كان ينكر هذا الجواب عن شيخنا ولا يقول به، وما ذلك واللَّه أعلم إلا لأنه رأى أنه ينافي ما بني عليه مذهب مالك رضي اللَّه عنه من سد الذرائع مع أنه عالم كبير، فتكون فتواه شبا لإباحة شرب المسكر، فهو كقول عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه لسيدنا عمر رضي اللَّه عنه: أحللتها واللَّه،
ومن تأمل جميع ما قدمناه من الأحاديث وكلام الأئمة وكان معه قلامة ظفر من الإنصاف تبين له صحة جميع ما قلناه، والعلم كله للَّه. انتهى كلام الرهوني. والصامت: الخاثر. واللَّه تعالى أعلم. ثمانون مبتدأ أو فاعل كما مر، وتمييزه محذوف يعني أنه يجب على الحر المسلم المكلف بسبب شربه المار ثمانون جلدة، ذكرا كان أو أنثى، بعد صحره يعني أن الجلد المذكور إنما يكون بعد الصحو والصحو نقيض المسكر،
قال عبد الباقي: فإن جلد قبل صحوه اعتد بذلك إن كان عنده ميز وإن كان طافحا أعيد عليه الحد،
وإن لم يحس في أوله وحس في أثنائه حسب له من أول ما حس. نقله أحمد عن اللخمي. ونحوه لأبي الحسن، وصنيع التوضيح يقتضي أن تفصيله تقييد للمذهب خلافا لما للشارح في شرحه وشامله والتتائي من اقتضاء ضعفه، زاد اللخمي: وحد الزنى في البكر كذلك. انتهى. أي في التفصيل [وإن كان] مائة وينبغي أن التعزير كذلك؛ وهذا
بخلاف قطع السارق وهو طافح فإنه يكتفى به لأن القصد نكاله وهو حاصل، وأيضا ألم القطع وأثره يبقيان بعد صحوه،
بخلاف الجلد للسكران قبل صحوه. وظاهر كلام المنصف كالمدونة أنه لا يزاد مع الحد سِجْنٌ ولا غيره. ابن ناجي: وبه العمل،
وفي أحمد: ابن عرفة: الشيخ عن ابن حبيب: ليس مع الضرب سواه من حلاق أي لرأس أو لحية ولا سجن ولا طواف إلا المؤذي المعتاد المشهور بالفسق، فلا بأس أن ينادى به ويشهر، واستحب مالك أن يلزم السجن. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "بعد صحوه" ،
فإن كان قبله، فقال اللخمي وصاحب البيان: فإن جلد في حال سكره اعتد بذلك إن كان عنده ميز،
وإن كان طافحا أعيد عليه الحد،
وإن لم يحس في أوله بالألم وأحس في أثنائه لقرينة حسب من أول ما أحس به،
وأما لو ادعى الإحساس ولا قرينة تصدقه ولا تكذبه فالظاهر أنه يعمل به حيث كان مأمونا لما يتهم.
وقوله: وإن كان طافحا أعيد عليه الحد هذا واضح في حد السكر،
وأما القطع فإنه يجزئه ولو كان طافحا لأن المقصود منه النكال، ومثل هذا حد الفرية إن رضي من له الحد. انتهى المراد منه.
وقال التتائي: بعد صحوه اتفاقا لما قبله،
فإن أخطأ الإمام فحَدَّه قبله أعاده بعده،
وقيل إن حس بألمه أجزأ أو في أثنائه حسب من أول ما حس. انتهى.
وقال: الخرشي: أي يجب بشرب المسلم ما يسكر جنسه ثمانون جلدة على الحر وأربعون جلدة على الرقيق؛ ذكرا كان أو أنثى بعد صحوه لانعقاد إجماع الصحابة على ذلك بعد عثمان رضي اللَّه عنه،
فلو جلده الإمام قبل صحوه فإن الحد يعاد عليه ثانيا، لعدم
فائدة الحد وهو التألم والإحساس وهو منتف في حال سكره. انتهى.
وقال المواق من المدونة: لا يحد السكران حتى يصحُوَ،
زاد في سماع أبي زيد: ولو خاف أن يأتيه بشفاعة تبطل حده، ونقل ابن سلمون يخفف بعض التخفيف في الشارب، (روى أن رجلا شرب فانطُلِقَ به إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخلها فذكر ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فضحك فقال: (أفعلها) ؟ ولم يأمر فيه بشيء) . انتهى. وقد مر عن المازري وعياض أنه أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.