ويتعلق بحجره أَحْكَامٌ أَحَدُهَا تَعَلُّقُ حَقِّ غُرَمَائِهِ بِمَالِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ بِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ تَدْبِيرٍ
الشروح عليها
(أَحْكَامٌ) أَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا تَعَلُّقُ حَقِّ غُرَمَائِهِ) مَنْ سَأَلَ الْحَجْرَ وَغَيْرُهُ (بِمَالِهِ) الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ بِنَحْوِ إرْثٍ ; لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ، فَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ كَالرَّهْنِ (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ بِهِ) الْمُفْلِسُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ الْغُرَمَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمُفْلِسُ صَانِعًا كَقَصَّارٍ وَحَائِكٍ وَأَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَتَاعِ لِأَرْبَابِهِ لَمْ يُقْبَلْ وَيُبَاعُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ (يَتَصَرَّفَ فِيهِ) الْمُفْلِسُ (بِغَيْرِ تَدْبِيرٍ) وَوَصِيَّةٍ ;
لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَخُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَصَدَقَةٍ بِيَسِيرٍ.
وَالْمُرَادُ تَصَرُّفًا مُسْتَأْنَفًا كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَعِتْقٍ وَإِصْدَاقٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ أَشْبَهَ الرَّاهِنَ يَتَصَرَّفُ فِي الرَّهْنِ ; وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ غَيْرَ مُسْتَأْنَفٍ كَالْفَسْخِ لِعَيْبٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ الْإِمْضَاءِ أَوْ الْفَسْخِ فِيمَا اشْتَرَاهُ قَبْلَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ صَحَّ ; لِأَنَّهُ إتْمَامٌ لِتَصَرُّفِ سَابِقِ حَجْرِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَاسْتِرْدَادِ وَدِيعَةٍ أَوْدَعَهَا قَبْلَ حَجْرِهِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَحَظِّ، وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ نَصًّا،
وَلَوْ اسْتَغْرَقَ دَيْنُهُ جَمِيعَ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ فَلَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ
وَيَحْرُمُ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ، ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ.
[فصل: في أحكام الحجر] (فصل. ويتعلق بحجره) أي: المفلس
(أحكام) أربعة: (أحدها: تعلق حق غرمائه بماله) ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر عليه
فائدة.
ولأنه يباع في ديونهم. فكانت حقوقهم متعلقة به؛ كالرهن.
إذا ثبت هذا (فلا يصح أن يقر به) المفلس (عليهم) أي: على الغرماء، (أو) أن (يتصرف فيه بغير تدبير) .
وفي " المستوعب ": وصدقة بيسير.
أما كونه يصح بالتدبير؛ فلأن تأثير ذلك بعد زوال الحجر بالموت.
قلت: وقياس التدبير الوصية. لكن إنما يظهر أثر صحة ذلك إذا مات عن مال يخرج المدبر أو الموصى به من ثلثه بعد وفاء دينه. والله أعلم.
والمراد تصرفا مستأنفا؛ كالبيع والهبة والوقف والإصداق وجعله عوضا في طلاق أو خلع أو عتق ونحو ذلك.
أما كون المفلس لا يصح إقراره بماله؛ فلأنه محجور عليه فيه. أشبه الراهن يقر بالرهن؛ لأن في ثبوته إبطالا لحق غير المقر له. فلم يقبل.
ولأنه متهم في ذلك. فيكون كالإقرار على غيره.
وإن أقر بعين قبل على نفسه.
ونقل موسى بن سعيد: إن تصرف قبل طلب رب العين بها جاز لا بعده.
ذكره في " الفروع ".
قال المجد في " شرج الهداية ": فإن أفاد مالا غير ما في يده فقال في التفريع: قضي من ذلك المال ما أقر به. وهذا بظاهره يشمل ما قبل ذلك الحجر وبعده، وهو متوجه يحتمله مذهبنا ؛ لأنه غير متهم بالنسبة إليه. وصرح به في "التهذيب " وبسط القول فيه. انتهى.
وأما كونه لا يصح تصرفه فيه؛ فلأنه محجور عليه بحكم حاكم. أشبه السفيه.
وأما كونه يصح إذا لم يكن مستأنفا؛ كما لو اشترى معيبا قبل الحجر ثم اطلع على عيبه بعده، واختار الفسخ، أو اشترى أو باع واشترط الخيار إلى وقت معين ثم حجر عليه قبل مضيه واختار إمضاء البيع أو فسخه؛ فلأن ذلك إتمام لتصرف سابق حجره. فلم يمنع منه؛ كاسترداد وديعة له أودعها قبل الحجر. ولا يتقيد هذا التصرف بالأحظ في أصح أو جهين. قاله في " البلغة ".
وأما كون تدبير المفلس صحيحا؛ فلأنه وصية ولا ضرر على الغرماء بذلك؛ لأن المدبر يصح بيعه فلا يفوت عليهم بذلك شيء.
وظاهر ما تقدم أن عتق المفلس لا ينفذ. وهو المذهب؛ لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء. فلم ينفذ عتقه؛ كالمريض الذي يستغرق دينه ماله.
وفيه رواية: ينفذ لقوته بسرايته إلى ملك الغير.
بخلاف سائر التصرفات. وأجيب عن ذلك: بأن شرط السرايه: أن يكون المعتق موسرا ليأخذ منه قيمة نصيب شريكه فلا يتضرر بذلك،
ولو كان معسرا لم ينفذ إلا فيما يملك ؛ صيانة لحق الغير حفظا له عن الضياع. كذا هنا.
وعلم مما تقدم أن تصرفه في ماله قبل الحجر عليه صحيح. نص عليه؛ لأنه رشيد غير محجور عليه.
ولأن سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه.
وفيه وجه: لا ينفذ. واختاره الشيخ تقي الدين.
وعلى المذهب: يحرم إن أضر بغريمه. ذكره الآمدي البغدادي.
* قوله: (بماله) أثبت له مالًا بالنظر إلى تعريفه عندى الفقهاء -كما سبق -.
* قوله: (فلا يصح أن يقر. . . إلخ) ؛ أيْ: فلا يصح إقراره بماله بحيث يسري عليهم،
وأما الإقرار في نفسه، فصحيح على ما يأتي بعده بأسطر، ويتبع به بعد فك الحجر عنه -على ما يأتي أيضًا-، وعبر في الإقناع بـ "عليه"؛ أيْ: على ماله بدل "عليهم"، والمراد: لا يلزم في حق غرمائه إقراره بماله،
ويؤخذ ذلك من قول صاحب الإقناع : "وإن توجهت على المفلس يمين فنكل عنها، فَقُضِيَ عليه فكإقراره، يلزم في حقه دون الغرماء". * قوله: (أو يتصرف فيه) ؛ أيْ: تصرفًا مستأنفًا،
أما التصرف في ذمته فلا يمنع منه،
ولا يلزم عليه مزاحمة الغرماء، لأنه يُطَالَب به بعد فك الحجر عنه ولو حلَّ قبله -على ما سيأتي في كلام المص-.
* قوله: (بغير تدبير) أو وصية على ما في المستوعب ، وكأن المصنف لم يطلع على كلام المستوعب فيها، فأبداها بحثًا منه بطريق القياس على التدبير ، بجامع أن التأثير بزوال الحجر عنه بالموت.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.