اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْت وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْت وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثَنَيْت عَلَى نَفْسِك
الشروح عليها
(اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت) أَيْ: ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَة، أَوْ زِدْنَا مِنْهَا وَهِيَ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ قَالَ تَعَالَى:{وَإِنَّك لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}"
وَأَمَّا قَوْلُهُ {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: ٥٦] " فَهِيَ مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَاءِ.
وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ، وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْت) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلِيتُ الشَّيْءَ إذَا اعْتَنَيْتُ بِهِ، كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ حَالَ الْيَتِيمِ لِأَنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَيْت الشَّيْءَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَاسِطَة، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ، أَوْ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْت) أَيْ: أَنْعَمْت بِهِ وَالْعَطِيَّةُ الْهِبَةُ. (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك) لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
قَالَ «: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي - إلَى - وَتَعَالَيْتَ»" وَلَيْسَ فِيهِ «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَجَمَعَ، وَالرِّوَايَةُ بِالْإِفْرَادِ لِيُشَارِكَ الْإِمَامَ الْمَأْمُومُ فِي الدُّعَاءِ (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك) أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ وَفَزِعَ إلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ. (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) أَيْ: لَا نُطِيقُهُ (أَنْتَ كَمَا أَثَنَيْت عَلَى نَفْسِك) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الثَّنَاءِ، وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، رَوَى الْخَمْسَةُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك»" وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ مِمَّا يَجُوزُ بِهِ الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ،.
قَالَ الْمَجْدُ: فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ " (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّابِقِ وَفِي آخِرِهِ " وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عُمَرَ " الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّك " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(اللهم! اهدنا فيمن هديت) أصل الهداية الرسالة والبيان؛ لقوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
فأما قوله تعالى:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} فهي من الله سبحانه وتعالى التوفيق والإرشاد، وطلب الهداية من جهة المؤمنين مع كونهم مهتدين بمعنى طلب التثبيت عليها، أو بمعنى المزيد منها. (وعافنا فيمن عافيت) المراد بها العافية من الأسقام والبلايا،
والمعافاة:
أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك. (وتولنا فيمن توليت) الولي ضد العدو. وهو فعيل من تليت الشيء إذا اعتنيت به ونظرت فيه كما ينظر الولي في حال اليتيم؛ لأنه سبحانه وتعالى ينظر في أمر مواليه بالعناية،
ويجوز أن يكون من وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة بمعنى: أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين الله سبحانه وتعالى حتى يصير في مقام المراقبة والمشاهدة. وهو مقام الإحسان. (وبارك لنا فيما أعطيت) البركة: الزيادة.
وقيل: هو حلول الخير الإلهي في الشيء. والعطيه الهبة. والمراد بها هنا: ما أنعم به. (وقنا شر ما قضيت. إنك تقضي ولا يقضى عليك) سبحانه وتعالى، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. (إنه لا يذل من واليت ولايعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) .
رواه أحمد ولفظه له، وتكلم فيه ابو داود.
ورواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي قال:" علمني النبي صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم! اهدني- إلى: - وتعاليت " ، وليس فيه:" ولا يعز من عاديت " ورواه البيهقي وأثبتها فيه ، والرواية إفراد الضمير. وجمعها المصنفون؛ لأن الإمام يستحب له أن يشارك المأموم في الدعاء.
وفي " الرعاية ": " لك الحمد على ما قضيت نستغفرك اللهم ونتوب إليك، لا لجاء ولا ملجأ (٤) ولا منجا ولا ملتجاً منك إلا إليك ". (اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك) .
قال الخطابي: في هذا معنى لطيف. وذلك أنه ساًل الله سبحانه وتعالى أن يجيره برضاه من سخطه وهما ضدان ومتقابلان.
وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة لجأ إلى ما لا ضد له وهو الله سبحانه وتعالى، أظهر العجز والانقطاع وفزع منه إليه واستعاذ به منه. (لانحصي ثناء عليك) أي: لا نطيقه ولا نبلغه ولاتنتهى غايته؛ لقوله تعا لى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي: تطيقوه. (أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء ورد إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلا، كما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته لا نهاية للثناء عليه؛
لأن الثناء تابع للمثنى عليه. روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره:" اللهم! إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " . رواه الخمسة ورواته ثقات.
وقال الترمذي: لا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئاً أحسن من هذا.
وله أن يزيد على هذا الدعاء ما شاء مما يجوزالدعاء به في الصلاة.
قال المجد: فقد صح عن عمر عليه السلام " أنه كان يقنت بقدر مائة آية" .
(ثم يصلي على النبى صلى الله عليه وسلم. نص عليه. وقد روي ذلك عن جماعة من السلف ". وروي عن الحسن بن علي قال: " علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر. قال: قل: اللهم! اهدنى فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت. فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت. تباركت ربنا وتعاليت. وصلى الله على النبي " (١) .
رواه النسائي.
وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلى على نبيك " (٢) . رواه التر مذي.
* قوله: (وبك منك) قال الخطابي : "في هذا معنى لطيف، وذلك أنه سأل اللَّه -سبحانه وتعالى- أن يجيره برضاه من سخطه، وهذان ضدان ومتقابلان،
وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، ثم لما لجأ إلى ما لا ضد له، وهو اللَّه -سبحانه وتعالى- أظهرَ العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، واستعاذ به منه".
ويؤمِّن مأمومٌ، ويفرد منفردٌ الضميرَ، ثم يمسح وجهه بيديه هنا وخارج الصلاة، ويرفعُ يديه إذا أراد السجود.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.