وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك.
الشروح عليها
(وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك) الحمل،
ولا يجب أن تسأل، لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة الفاحشة، وذلك منهي عنه،
وإن سئلت وادعت أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا أربعا لم تحد، لأن الحد يدرأ بالشبهة.
[
لها ولا سيد، لم تحد بمجرد ذلك) الحمل لأنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة،
وعنه: تحد إن لم تدع شبهة، اختاره الشيخ؛
وقال: هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بالأصول الشرعية، ومذهب أهل المدينة،
فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها،
وقال ابن القيم: وحكم عمر برجم الحامل، بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك، وأصح الروايتين عن أحمد، اعتمادا على القرينة الظاهرة.
منهي عنه . وإن سئلت وادعت أنها مكرهة لم تحد لأن عمر أتى بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت، فقال: خل سبيلها ورفعت إليه امرأة، فقالت: إنها ثقيلة الرأس، لم تستيقظ حتى فرغ، فدرأ عنها الحد، وروي عن ابن مسعود وغيره: أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد، فادرأ ما استطعت.
وإن سئلت وادعت أنها مكرهة أو وطئت بشبهة لإمكان صدقها.
لأن الحد يدرأ بالشبهة . باب حد القذف القذف في الأصل: رمي الشيء بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه، من المكروهات، والقذف محرم بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الآية وقوله صلى الله عليه وسلم «اجتنبوا السبع الموبقات» وعد منها قذف المحصنات، وأجمع المسلمون على تحريمه، بل عدوه من الكبائر.
«وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بمجَرَّدِ ذَلِكَ»«امرأة» نكرة في سياق الشرط فتعم، سواء كانت حرة أم أمة، صغيرة أم كبيرة «لا زوج لها ولا سيد»، والتي ليس لها زوج، ولا سيد لا تحمل إلا من وطء محرم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *﴾ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ، ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ هذه ذات الزوج، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ذات السيد،
فإذا حملت امرأة ليس لها زوج، وليس لها سيد، فإننا لا نتعرض لها، ولا نقول: من أين جاءك الحمل؟ ولا نسألها؛ لأن في سؤالها إشاعة للفاحشة، وقد قال الله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ،
فإذا كان هذا الوعيد فيمن يحب أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن تسبب لشيوع الفاحشة؟!
ولأن النبي ﷺ يقول:«ادرؤوا الحدود بالشبهات»، وهذا الحديث كما سبق حديث ضعيف.
فعلى هذا فلا تُسأل، ولا تُحد، حتى لو كانت تحمل كل سنة، وتأتي بولد وصار لها عشرة أولاد بدون زوج، ولا سيد، فإننا لا نتعرض لها!! وهذا الذي ذكر المؤلف هو المذهب، وهو أحد أقوال ثلاثة. القول الثاني: أنه يجب عليها الحد ما لم تدعِ شبهة، مثل أن تدعي أنها اغتصبت، أو تدعي أنها وجدت شيئاً فأدخلته في فرجها، فكان مَنِيَّ رَجُلٍ فحملت به، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تُعذر فيها فإذا ادعت شبهة ممكنة فلا تحد.
القول الثالث: يجب عليها الحد وإن ادعت شبهة.
وحجة القول الثاني، يقولون: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ،
وقال فيما قال:«إن الرجم حق ثابت على من زنا إذا أَحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف»،
فذكر لثبوته ثلاثة أشياء:
الأول: أن تقوم البينة، أربعة رجال بالشروط المعروفة.
الثاني: الحبل.
الثالث: الاعتراف.
وهذا قاله أمير المؤمنين عمر على منبر الرسول ﷺ، وبمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يذكر أن أحداً نازعه في ذلك، أو خالفه، ومثل هذا يكون من أقوى الأدلة إن لم يُدَّعَ فيه الإجماع فهو كالإجماع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الحق بلا ريب.
فالولد في الأصل من الجماع،
وأما كون المرأة ربما وجدت شيئاً فيه ماء رجل فأدخلته في فرجها، ثم دبت هذه النطفة إلى رحمها، وحبلت، فهذا شيء بعيد!!
ولو أننا قلنا بعدم الحد لانتشر الشر والفساد، ولكانت كل امرأة بغي تلد كل سنة، ويقال: لا تسألوها ودعوها، حتى تأتي هي وتقر بالزنا، وحينئذٍ أقيموا عليها الحد.
وأما قول الفقهاء رحمهم الله : إن هذا من باب الشبهات، والحدود تدرأ بالشبهات،
فنقول:
أولاً: نمنع المقدمة الأولى، وهي أنه من الشبهات، فنقول: أين الشبهة في امرأة حملت؟! الأصل أنها ما حملت إلا من جماع،
وإذا لم تكن ذات زوج ولا سيد، فليس عندنا إلا الجماع المحرَّم، إلا إذا ادعت الشبهة.
ثانياً: الحديث الذي استدلوا به ضعيف،
ولو أننا أخذنا بكل شبهة ـ ولو كانت شبهة ضئيلة كالشررة في وسط الرماد ـ لَكُنَّا وافقنا قول من يقول: إن الرجل إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها فلا حد عليه، وهذا قول لبعض العلماء، قالوا: لأن الاستئجار شبهة لإباحة جماعها في مقابل الأجرة.
وما من إنسان يريد الزنا إلا توصل إلى الزنا بمثل هذه الطريقة، بكل سهولة، فالقصد أن مجرد الشبهة ولو كشرارة في وسط الرماد ليس بصحيح، ولا يمكن أن ترتفع بها الأحكام، وإلا فسدت أحوال الناس.
وأما القول الثالث الذي يقول: إنها تحد ولو ادعت الشبهة، فيقولون: إنها بحملها ثبت زناها بمقتضى حديث عمر رضي الله عنه، والأصل عدم الإكراه فلتأتِ ببينة على ما ادعته من الشبهة، وإلا وجب الأخذ بظاهر الحال، وهذا تعليله أقوى من تعليل القول الأول، الذي يقول بأنها لا تحد، ومع ذلك فهو تعليل عليل لا تقوم به الحجة، ولا يمكن أن نتلف به الأنفس، ولا سيما إذا كانت ثيباً فإنها سترجم بمجرد ذلك.
بقي أن يقال: إن تعليل الفقهاء بأن سؤالها من باب إشاعة الفاحشة، نقول: إننا لن نسألها، بل نقيم عليها الحد بدون سؤال، حتى تدعي ما يرتفع به الحد.
إذاً طرق ثبوت الزنا بهذا التقرير أربعة:
أولاً: الشهادة.
ثانياً: الإقرار.
ثالثاً: حمل من لا زوج لها ولا سيد.
رابعاً: اللعان بين الزوجين، فإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.