وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا سَقَطَ مَهْرُهَا
الشروح عليها
مسألة: (وإن أفْسَدَتْ نِكاحَها) قَبْلَ الدُّخُولِ (فلا مَهْرَ لها) لأنَّ فَسْخَ نِكاحِها بسبَبٍ مِن جِهَتِها، فسَقَطَ صَداقُها، كما لو ارْتَدَّتْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فعلى هذا، إذا أرْضَعَتِ امرأتُه الكُبْرى الصُّغْرى، فانْفسَخَ نِكاحُ الصُّغْرَى، فعلى الزَّوْجِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، ويَرْجِعُ به على الكُبْرى؛ لِمَا ذكَرْنا. وبهذا قال الشافعيُّ. وحُكِيَ عن بعضِ أصْحابِه، أنَّه يَرْجِعُ بجميعِ صَداقِها؛ لأنَّها أتْلَفَتِ البُضْعَ، فوَجَبَ ضَمانُه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن كانَتِ المُرْضِعةُ أرادَتِ الفَسادَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ الصَّداقِ، وإلَّا فلا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وقال مالكٌ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ. ولَنا، على أنَّه يَرْجِعُ عليها بالنِّصْفِ، أنَّها قَرَّرَتْه عليه وألْزَمَتْه إيَّاه، وأتْلَفَتْ عليه ما في مُقابَلَتِه، فوَجَبَ عليها الضَّمانُ، كما لو أتْلَفَتْ عليه المَبِيعَ. ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ ما ضُمِنَ في العَمْدِ ضُمِنَ في الخَطأ، كالمالِ، ولأنَّها أفْسَدَت نِكاحَه، وقَرَّرَتْ عليه نِصْفَ الصَّداقِ، فأشْبَهَ ما لو قَصَدَتِ الإفْسادَ. ولَنا، على أنَّ الزَّوْجَ إنَّما يَرْجِعُ بالنِّصْفِ، أنَّه لم يَغْرَمْ إلَّا النِّصْفَ، فلم يَجِبْ له أكْثَرُ ممَّا غَرِمَ، ولأنَّه بالفَسْخِ رَجَعَ إليه بَدَلُ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يَجِبْ له بَدَلُ ما أخَذَ بَدَلَه مَرَّةً أُخْرَى.
ولأنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما ضَمِنَتِ المُرضِعةُ ههُنا لمَّا ألْزَمَتِ الزَّوْجَ ما كان مُعَرَّضًا للسُّقُوطِ بسَبَبٍ يُوجَدُ مِن الزَّوْجَةِ، [فلم يَرْجِعْ ها هنا بأكثرَ ممَّا ألْزَمَتْه].
فصل: والواجبُ نِصْفُ المُسَمَّى، لا نِصْفُ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ بما غَرِمَ، والذي غَرِمَ نِصْفُ ما فَرَضَ لها، فرَجَعَ به. وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فكان الاعْتِبارُ بقِيمَتِه، دون ما مَلَكَه به، كسائرِ الأعْيانِ. ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، بدليلِ ما لو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُها بإرْضاعِه، فإنَّها لا تَغْرَمُ له شيئًا، وإنَّما الرُّجُوعُ ها هنا بما غَرِمَ، فلا يَرْجِعُ بغيرِه، ولأنَّه لو رَجَعَ بقِيمَةِ المُتْلَفِ، لرَجَعَ بمَهْرِ المِثْلِ كلِّه، ولم يَخْتَصَّ بالنِّصْفِ، ولأنَّ شُهودَ الطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ إذا رَجَعُوا، لَزِمَهُم نِصْفُ المسَمَّى، كذلك ها هنا.
٣٩٣٠ - مسألة: وإن أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِهَا بعدَ الدُّخُولِ، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُها،
ويَجبُ على زَوْجها. وإن أفْسَدَه غيرُه، وَجَبَ مَهْرُها
فَصْلٌ إِفْسَادُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِرَضَاعٍ] فَصْلٌ (وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ،
فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا) لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إِذَا رَجَعُوا، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَالْفَسْخُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (سَقَطَ مَهْرُهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَعَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: تَرْجِعُ بِجَمِيعِ صَدَاقِهَا ; لِأَنَّهَا أَتْلَفَتِ الْبِضْعَ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أَرَادَتِ الْفَسَادَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ وَإِلَّا فَلَا،
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ ; لِأَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ وَأَلْزَمَتْهُ إِيَّاهُ وَأَتْلَفَتْ عَلَيْهِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الضَّمَانُ كَمَا لَوْ أَتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى، لَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبِضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا بِقَتْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا
فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ،
فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا، فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: وكُلُّ مَن أفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ برَضاعٍ قبْلَ الدُّخُولِ،
فإنَّ الزَّوجَ يَرْجِعُ عليه بنِصْفِ مَهْرِها الذي يَلزَمُه لها. بلا نِزاعٍ.
قال في «القاعِدَةِ وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، سَقَطَ مَهْرُهَا، الرَّابعَةِ والخَمْسِين بعدَ المِائَةِ»: وله ثلاثَةُ مآخِذَ؛ أحدُها، أنَّ خُروجَ البُضعِ مِنَ الزَّوْجِ مُتَقَوَّمٌ، فيَتَقَوّمُ بنِصْفِ المُسَمَّى.
وقيل: بنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ. والثَّاني، ليسَ بمُتَقَوَّمٍ، لكِنَّ المُفْسِدَ قرَّرَ على الزَّوْجِ هذا النِّصْفَ.
والثَّالِثُ، أنَّ المَهْرَ كلَّه يسْقُطُ بالفُرْقَةِ،
ويجبُ لها نِصْفُه وُجوبًا مبْتَدَأً بالفُرْقَةِ التي اسْتَقَلَّ بها الأجْنَبِيُّ. ذكَرَه القاضي في «خِلافِه»، وفيه بُعدٌ. انتهى.
الثَّانيةُ، قال في أوَّلِ القاعِدَةِ المذْكُورَةِ: خُروجُ البُضعِ مِن الزَّوْجِ، هل هو مُتَقَوَّمٌ أمْ لا؟ بمَعْنَى أنَّه هل يَلْزَمُ المُخْرِجَ له قَهْرًا ضَمانُه للزَّوْجِ بالمَهْرِ؟ فيه قوْلان في المذهبِ. ويُذْكَرانِ روايتَين عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وأكثرُ الأصحابِ -كالقاضي ومَن بعدَه- يقُولون: ليسَ بمُتَقَوَّمٍ. وخصُّوا هذا الخِلافَ بمَن عَدا الزَّوْجَةِ، فقالوا: لا يضْمَنُ الزَّوْجُ شيئًا بغيرِ خِلافٍ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه مُتَقَوَّمٌ عليها أَيضًا. وحكاه قوْلًا في «المُذْهَبِ».
ويتَخَرَّجُ على هذه المسْألَةِ جميعُ المَسائلِ التي يحْصُلُ بها الفَسْخُ. وإنْ أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِها، سَقَطَ مَهْرُها - بلا نِزاعٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مُرادُه بقوْلِه: وإنْ أفْسَدَتْ نِكاحَ نفْسِها، سَقَطَ مَهْرُها. إذا كانَ الإفْسادُ قبلَ الدُّخولِ. وهو واضِحٌ.
ومُرادُه بقوْلِه بعدَ ذلك: ولو أفْسَدَتْ نِكاحَ نفْسِها, لم يَسْقُطْ مَهْرُها، بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ. إذا كانَ الإفْسادُ بعدَ الدُّخولِ؛ بدَليلِ ما قبلَ ذلك وما بعدَه مِن كلامِ المُصَنِّفِ. وهو واضِحٌ.
وَإنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُهَا، وَلَمْ يَرْجِع بِهِ عَلَى وإنْ كانَ بعدَ الدُّخُولِ وجَبَ لها مَهْرُها -يعْنِي، إذا أفْسَدَه غيرُها- ولم يَرْجِعْ به على أحَدٍ. هذا اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والمَجْدِ في «مُحَرَّرِه»، أَحَدٍ. وَذكرَ القاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ أَيضًا. وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
وصاحبِ «الحاوي». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
قال في «القَواعِدِ»: واخْتارَه طائفةٌ مِن المُتأخرِين. وذكَر القاضي، أنَّه يرْجِعُ به أَيضًا، ورَواه عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ». واعْتَبَرَ ابنُ أبي مُوسى وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، بِغَيرِ خِلَافٍ في الْمَذْهَبِ.
للرُّجوعِ العَمْدَ والعِلْمَ بحُكْمِه. وقاسَ في «الواضِحِ» النَّائمةَ على المُكْرَهَةِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.