الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَمَا أُجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ إِلَّا أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ
الشروح عليها
كِتابُ الجِناياتِ الجِناياتُ كلُّ فِعْل عُدْوانٍ على نَفْسٍ أو مالٍ. لكنَّها في العُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بما يَحْصُلُ فيه التَّعَدِّى على الأبْدانِ، وسَمَّوُا الجِناياتِ على الأمْوالِ غَصْبًا، ونَهْبًا ، وسَرِقَة، وخِيانَةً ، وإِتْلافًا. وأجْمَعَ المسلمون على تَحْرِيمِ القَتْلِ بغيرِ حَقٍّ، والأَصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛
أما الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}. وقال:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}. وقال:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}. الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئً مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنِّى رسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينه المُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ». مُتَّفَقٌ عليه . وروَى عُثْمانُ وعائشةُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثْلَه . في آىٍ وأخْبارٍ كثيرةٍ. ولا خِلافَ بينَ الأُمَّةِ فِى تَحْرِيمِه.
فإن فَعَلَه إنسانٌ مُتَعَمِّدًا، فسَقَ، وأمْرُه إلى اللَّهِ، إن شاء عَذَّبَه،
وإن شاء غَفَر له، وتَوْبَتُه مَقْبُولَةٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ عباسٍ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه . للآيةِ التى ذَكَرْناها، وهى مِن آخِرِ ما نَزَلَ [ولم يَنْسَخْها] شئٌ. ولأَنَّ لَفْظَ الآيةِ لَفْظُ الخَبَرِ، والأخبارُ لا يَدْخُلُها نسْخٌ ولا تَغْييرٌ؛ لأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى لا يكونُ إلَّا صِدْقًا. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. فجعَلَه داخِلًا في المَشِيئَةِ.
وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. وفى الحديثِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رَجُلًا قَتَلَ مائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، ثُمَّ سَألَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَألَهُ،
فقالَ: ومَن يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ التَّوْبَةِ، ولَكِنِ اخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السُّوءِ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فاعْبُدِ اللَّه فِيهَا. فخَرَجَ تَائِبًا، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ في الطَّرِيقِ، فاخْتَصَمَتْ فِيه مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاِئكَةُ العَذَابِ، فبَعَثَ اللَّه مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ، فإلَى أيِّهِمَا كان أقْرَبَ، فَاجْعَلُوه مِنْ أهْلِهَا. فوَجَدُوه أقْرَبَ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بشِبْرٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أهْلِهَا. أخْرَجَه مسلمٌ . ولأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِن الكُفْرِ،
فمِن القَتْلِ أولَى. والآية مَحْمولَةٌ على مَن قَتَلَه مُسْتَحِلًّا ولم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤه إن جازَاه اللَّهُ، وله العَفْوُ إن شاء. وقولُه: لا يَدْخُلُها النَّسْخُ. قُلْنا: يَدْخُلُها التَّخْصِيصُ والتَّأْوِيلُ.
٤٠٤٣ - (*) مسألة: و (القَتْلُ على أربعةِ أضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وشِبْهُ عمدٍ، وخَطَأٌ، وما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ القَتْلَ مُنْقَسِمًا إلى عمدٍ، وشِبْهِ عمدٍ، وخَطَأً. رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وحَمَّادٌ، وأهلُ العراقِ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وأنْكَرَ مالِكٌ شِبْهَ العمدِ،
وقال: ليس في كِتابِ اللَّه إِلَّا العمدُ والخَطَأُ،
فأمَّا شِبْهُ العمدِ، فلا يُعْمَلُ به عندَنا . وجَعَلَه مِنْ قِسْمِ العمدِ. وحُكِىَ عنه مِثْلُ قول الجماعةِ. وهو الصَّوابُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، [أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-]، قال: «أَلَا إنَّ دَيَةَ الخَطَأَ شِبْهِ العَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا، مائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنْهَا أرْبَعُونَ فِى بُطُونِهَا أوْلَادُهَا». رَواه أبو داودَ . وفى لفْظٍ:«قَتِيلِ خَطَأَ الْعَمْدِ». وهذا نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما ذَكَره. وقَسَّمَه شيخُنا في هذا الكتابِ أربعةَ أقْسام، فزاد ما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأَ على ما ذَكَرْناه،
وكذلك قَسَّمَه [أبو الخَطَّابِ]، وهو أن يَنْقَلِبَ النائِمُ على شَخْصٍ فيَقتُلَه،
ومَن يَقْتُلُ بالسَّبَب، كحَفرِ البِئرِ ونحوِه،
وكذلك قَتْلُ غيرِ المُكَلَّفِ. وهذه الصُّوَرُ عندَ الأكثَرِين مِن قِسْمِ الخَطَأ، أعْطَوْه حُكْمَه.
٤٠٤٤ - مسألة: (فالعمدُ أن يَقْتُلَه بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ موتُه به، عالِمًا بكونِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وهو تِسْعَةُ أقْسَامٍ؛ أحدُها، أن يَجْرَحَهُ بما له مَوْرٌ (١) في البَدَنِ، مِن حَدِيدٍ أو غيرِه، مِثْلَ أن يَجْرَحَه بسِكِّينٍ، أو يَغْرِزَه بمِسَلَّةٍ، أو ما في مَعْناه) ممّا يُحَدِّدُ ويَجْرَحُ؛ مِن الحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والزُّجاجِ، والحَجَرِ، والخشبِ، والقَصَبِ، والعَظْمِ، فهذا كلُّه إذا جَرَح به جُرْحًا كَبيرًا، فمات، فهو قَتْلٌ عَمْدٌ، لا اخْتِلافَ فيه بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْناه.
فأَمّا إن جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا، كشَرْطَةِ الحَجّامِ (أو غَرَزَه بإبْرَةٍ، أو شَوْكةٍ) أو جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا (في غيرِ مَقْتَلٍ، فمات في الحالِ، ففى كونِه عَمْدًا وجَهْان) أحَدُهما، لا قِصاصَ فيه. قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، ولأنَّه لا يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ العَصا والسَّوْطَ. والثانى، فيه القِصاصُ؛ لأنَّ المُحَدَّدَ لا يُعْتَبَرُ فيه غَلَبَةُ الظَّنِّ في حُصُولِ القَتْلِ به، بدليلِ ما لو قَطَع شَحْمَةَ أُذُنِه، أو أنْمُلَتَه، ولأنَّه لمَّا لم يُمْكِنْ إدارَةُ الحُكْمِ وضَبْطُه بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَجَب رَبْطُه بكوْنِه مُحَدَّدًا، ولا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الحُكْمِ في آحادِ صُوَرِ المَظنةِ، بل يَكْفِى احْتِمالُ الحُكْمِ ، ولذلك ثَبَت الحُكْمُ به فيما إذا بَقِىَ ضَمِنًا ، مع أنَّ العَمْدَ لا يَخْتَلِفُ مع اتِّحادِ الآلَةِ والفِعْلِ، بسُرْعَةِ الإِفْضاءِ وإبْطائِه، ولأَنَّ في البَدَنِ مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرايَة ومَوْرٌ، فأشْبَهَ الجُرْحَ الكَبِيرَ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ الصغيرِ والكبيرِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وللشافعىِّ مِن التَّفْصِيلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
٤٠٤٥ - مسألة: (فإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، أَوْ كان الغَرْزُ بها في مَقْتَل، كالفُؤادِ وَالخُصْيَتَيْن فهو عمدٌ مَحْضٌ)
أمّا إذا كان الجُرْحُ في مَقْتَلٍ؛ كالعَيْنِ، والفُؤادِ، والخاصِرَةِ، والصُّدْغِ، أو أصْلِ الأُذُنِ، فمات، فهو عمدٌ محضٌ يَجِبُ به القِصاصُ.
وكذلك إن بالَغَ في إدْخالِ الإِبْرَةِ ونحوِها في البَدَنِ؛ لأنَّه يَشْتَدُّ ألمُه ويُفْضِى إلى القَتْلِ، كالكَبِيرِ.
وإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، ففيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مات به. قاله أصحابُنا.
وقِيلَ: لا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ حُصُولُ الموتِ بغيرِه ظاهِرًا، كان شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ،
ولو كانتِ العِلَّة أنَّ القَتْلَ لا يَحْصُلُ به غالِبًا، لمَا فُرِّقَ بينَ موتِه في الحالِ، وموتِه مُتَراخِيًا، [كسائرِ ما] لا يَجِبُ به القِصاصُ.
٤٠٤٦ -
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ][أَنْوَاعُ الْقَتْلِ][النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْعَمْدُ وَهُوَ أَقْسَامٌ][الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَجْرَحُهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ] ِ وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ وَجُمِعَتْ،
وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرًا لِتَنَوُّعِهَا إِلَى عَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا جِنَايَاتُ الْجِرَاحَةِ، وَنَحْوُهَا، وَهِيَ كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا، أَوْ نَحْوَهُ وَسَمَّوُا الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا وَنَهْبًا وَسَرِقَةً وَإِتْلَافًا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ،
فَإِذَا فَعَلَ، ثُمَّ تَابَ قُبِلَتْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِلْآيَةِ، وَالْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَكَالْكَافِرِ،
وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ، ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " انْتِصَارِهِ "، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ، وَحُمِلَتْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُسْتَحِلًّا، وَلَمْ يَتُبْ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. (الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَمَا أُجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ) كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ قَتْلَهُ بِمَا يَصْلُحُ غَالِبًا عُرْفًا، فَهُوَ عَمْدٌ،
وَإِنْ كَانَ بِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْقَتْلِ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ،
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ، فَهُوَ خَطَأٌ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَالْقَتْلِ بِالسَّبَبِ وَكَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ. صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَالْمُجِدُّ فِي " مُحَرَّرِهِ "، وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " ; لِأَنَّ مَا أُجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ خَطَأٌ ; لِأَنَّ فَاعِلَهُ لَمْ يَقْصِدْهُ إِذْ هُوَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ. (فَالْعَمْدُ) يَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِهِ (أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا) هَذَا بَيَانٌ لِلْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ شَرْعًا، فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ،
وَالثَّانِي احْتِرَازٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ " مَعْصُومًا " احْتِرَازٌ مِنَ الْحَرْبِيِّ، وَنَحْوَهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ (وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا (أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ) أَيْ: نُفُوذٌ (فِي الْبَدَنِ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ) كَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَهَذَا كُلُّهُ إِذَا جَرَحَهُ جَرْحًا كَبِيرًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ،
وَلَوْ طَالَتْ عِلَّتُهُ مِنْهُ (مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ) فَهَذَا عَمْدٌ مَحْضٌ،
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَقَالَ (إِلَّا أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا) كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ (فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا جَرَحَهُ جَرْحًا صَغِيرًا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَمَاتَ فِي الْحَالِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا قَوَدَ فِيهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ كَالْعَصِيِّ،
وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَشْهَرُ: فِيهِ الْقِصَاصُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، أَوْ أُنْمُلَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إِدَارَةُ الْحُكْمِ وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ - وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً، وَهَذَا لَهُ سَرَايَةٌ وَمَوْرٌ، أَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ
القَتْلُ على أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ، وما أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأِ. اعلمْ أنَّ المُصَنِّفَ، رَحِمَه اللَّهُ، قسم القَتْلَ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ.
وكذلك فعَل أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ»، وصاحِبُ «المُذهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»، و «إِدْراكِ الغايةِ»، وغيرُهم، فزادُوا ما أُجْرِىَ مَجْرَى الخَطَأِ؛ كالنَّائمِ ينْقَلِبُ على إنْسانٍ فيَقْتُلُه، أو يَقْتُلُ بالسبَبِ -مثْلَ أَنْ يَحْفِرَ بئْرًا، أو ينْصِبَ سِكينًا أو حجَرًا فيَئُولَ إلى إتْلافِ إنْسانٍ- وعَمْدِ الصَّبِىِّ والمَجْنونِ، وما أشْبَهَ ذلك، كما مثَّلَه المُصَنِّفُ فى آخِرِ الفَصْلِ الثانى مِن هذا الكتابِ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهذه الصُّوَرُ عندَ الأكْثرينَ مِن قِسْمِ فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وَهُوَ تسْعَةُ أَقْسَامٍ، أحَدُهَا، أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِى الْبَدَنِ، مِنْ حَدِيدٍ أو غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ الخَطَأِ، أعْطَوْه حُكْمَه. انتهى.
قلتُ: كثيرٌ مِنَ الأصحابِ قسَّمُوا القَتْلَ ثلَاثَةَ أقْسامٍ؛ منهم الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «العُمْدَةِ»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم. قال الزَّرْكَشِىُّ: بعضُ المتأخِّرين -كأبى الخَطَّابِ ومَن تَبِعَه- زادُوا قِسْمًا رابِعًا. قال: ولا نِزاعَ أنَّه باعْتِبارِ الحُكْمِ الشَّرْعِىِّ لا يزيدُ على ثَلَاثةِ أوْجُهٍ؛ عَمْدٌ، وهو ما فيه القِصاصُ أو الدِّيَةُ، وشِبْهُ العَمْدِ، وهو ما فيه دِيَة مُغَلَّظَة مِن غيرِ قَوَدٍ، وخَطَأٌ، وهو ما فيه دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ. انتهى. ويأْتِى تَفاصِيلُ ذلك فى أولِ كِتابِ الدِّياتِ.
قلتُ: الذى نظَر إلى الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ على القَتْلِ جعَل الأقْسامَ ثلَاثَةً، والذى نظَر إلى الصُّوَرِ، فهى أرْبعَةٌ بلا شكٍّ،
وأمَّا الأحْكامُ فمُتَّفَقٌ عليها.
تنبيه: ظاهرُ قوْله: أَحَدُها، أَنْ يَجْرَحَه بما له مَوْرٌ -أىْ دخُولٌ وتَرَدُّدٌ- فى بِمِسَلَّةٍ، فَيَمُوتَ، إِلَّا أَنْ يَغْرِزَه بِإبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا فِى غيْرِ مَقْتَلٍ، فيَمُوتَ فِى الْحَالِ، فَفِى كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ.
البَدَنِ، مِن حَديدٍ أو غيرِه، مِثْلَ أَنْ يجْرَحَه بسكِّين، أو يَغْرِزَه بمِسَلَّةٍ.
ولو لم يُداوِ المَجْروحُ القادِرُ على الدَّواءِ جُرْحَه، حتى ماتَ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ.
قال فى «الفُروعِ»: والأصحُّ، ولو لم يُداوِ مَجْروحٌ قادِرٌ جُرْحَه.
وقيل: ليس بعَمْدٍ. نقَل جَعْفَرٌ، الشَّهادَةُ على القَتْلِ أَنْ يَرَوه وَجَأَه، وأنَّه ماتَ مِن ذلك.
وقال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: لو جَرَحَه فترَك مُداوَاةَ الجُرْحِ، أو فصَدَه فتَرَك شدَّ فِصَادِه، لم يسْقُطِ الضَّمانُ. ذكَرَه فى «المُغْنِى» محَلَّ وِفاقٍ. وذكَر بعضُ المُتأَخِّرين، لا ضَمانَ فى تَرْكِ شدِّ الفِصادِ. ذكَرَه محَلَّ وِفاقٍ. وذكَر فى تَرْكِ تَداوى الجُرْحِ مِن قادِر على التَّداوِى وَجْهَيْن، وصحَّح الضَّمانَ. انتهى. وأرادَ ببعضِ المُتأَخِّرين صاحِبَ «الفُروعِ».
فائدة: وكذا الحُكْمُ لو طالَ به المَرَضُ، ولا عِلَّةَ به غيرُه. قال ابنُ عَقِيلٍ فى «الواضِحِ»: أو جرَحَه وتعَقَّبَه سِرايَةٌ بمرَضٍ ودامَ جُرْحُه حتى ماتَ، فلا يَعْلَقُ بفِعْلِ اللَّهِ شئ. إلَّا أَنْ يَغْرِزَه بإِبْرَةٍ، أو شَوْكَةٍ، ونحوِهما فى غيرِ مَقْتَلٍ، فيَمُوتَ فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحالِ، ففى كَوْنِه عَمْدًا وَجْهَان.
وأطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يكونُ عَمْدًا. وهو المذهبُ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ الصَّغيرِ والكَبيرِ. وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، إلَّا أَنْ تكونَ النُّسْخَةُ مغْلُوطَةً. قال فى «الهِدايَةِ»: هو قولُ غيرِ ابنِ حامِدٍ. وصحَّحه النَّاظِمُ. والوَجْهُ الثَّانى، لا يكونُ عَمْدًا، بل شِبْهَ عَمْدٍ.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى وَإِنْ بَقِىَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ، أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِى مَقْتَلٍ؛ كَالْفُؤَادِ وَالْخُصْيَتَيْنِ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ.
«المُنَوِّرِ». واخْتارَه ابنُ حامِدٍ. وقدَّمه فى «تَجْريدِ العِنايةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
(القتل على أربعة أضرب: عمد وشبه عمد وخطأ وما أجري مجرى الخطأ. فالعمد: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً) .
أما كون] القتل على أربعة أضرب؛ فلأن منه ما يوجب القصاص وهو العمد، ومنه ما يوجب الدية مغلظة وهو شبه العمد، ومنه ما يوجبها غير مغلظة، وذلك تارة يكون الخطأ فيه محضاً وهو الخطأ، وتارة يكون غير محض وهو ما أجري مجرى الخطأ. وسيأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الخرقي: هو على ثلاثة أوجه: عمد وشبهه وخطأ لأن ما أجري مجرى الخطأ خطأ؛ لأن فاعله لم يقصده، أو هو من فعل من لا يصح قصده. فوجب كونه خطأ.
وأما قول المصنف: فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً؛ فبيان لمعنى العمد الموجب للقصاص شرعاً.
وفي قولنا:"أن يقتله بما يغلب على الظن موته" احتراز من شبه العمد؛ مثل: أن يضربه بما لا يغلب على ظنه موته كالعصا والسوط وأشباه ذلك.
وفي قوله:"عالماً بكونه آدمياً" احتراز عن الخطأ؛ مثل: أن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
وفي قوله:"معصوماً" احتراز عن الحربي وما أشبهه؛ لأنه غير معصوم. قال: (وهو تسعة أقسام: أحدها: أن يجرحه بما له مَوْر في البدن من حديد أو غيره؛ مثل: أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلة فيموت؛ إلا أن يغرزه بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل فيموت في الحال ففي كونه عمداً وجهان.
وإن بقي من ذلك ضَمِنًا حتى مات، أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين: فهو عمد محض).
أما كون القتل العمد تسعة أقسام؛ فلأنه ينقسم إلى الأقسام الآتي ذكرها وهي تسعة.
وأما كون أحدها أن يجرحه بما له مَوْر في البدن. أي بما له نفوذ في البدن؛ كالمحدد من الحديد أو الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الزجاج أو الحجر أو القصب؛ فلأنه قتل بما يغلب على الظن موته به فيدخل تحت ما تقدم ذكره.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة فيموت؛ فتمثيل للقتل بما له مَوْر في البدن.
وأما كون الغرز بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل عمداً إذا مات في الحال في وجهٍ؛ فلأن الموت حصل بعد فعله. أشبه ما لو بقي ضمناً حتى مات.
وأما كونه غير عمد في وجهٍ؛ فلأن الظاهر أنه لم يمت منه؛ لأنه لا يقتل في الغالب. أشبه العصا.
وأما كون الغرز بذلك في غير مقتل عمداً محضاً [إذا بقي ضَمِناً حتى مات؛ فلأن الظاهر أنه مات منه.
ومعنى قوله: بقي ضَمِناً] أنه بقي متألماً بما أصابه.
ومنه قول الشاعر:
ما خلتني زلت بعدكم ضَمِناً ... أشكو إليكم حموة الألم
وأما كون الغرز بذلك في مقتل كما مثل المصنف رحمه الله عمداً محضاً؛ فلأن الإصابة بذلك في مقتل كالإصابة بالسكين في غير مقتل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.