وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ
الشروح عليها
(وإن تَراضَيا عليه لم يَجُزْ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما لا يجوزُ أخْذُه قِصاصًا، لا يجوزُ بتراضِيهِما؛ لأَنَّ الدِّماءَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ والبَذْلِ، ولذلك لو بَذَلَها ابْتِداءً، لم يَحِلَّ له أخْذُها، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ قَتْلُ نَفْسِه، ولا قَطْعُ طَرَفِه، فلا يَحِلُّ لغيرِه بِبَذْلِه.
٤١٤٠ - مسألة: فلو تَراضَيا على قَطْعِ إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى، فَقَطَعَها المُقْتَصُّ، سقَط القَوَدُ، لأَنَّ القَوَدَ سقَط في الأُولَى بإسْقاطِ صاحِبِها، وفى الثَّانيةِ بإذْنِ صاحِبِها في قَطعِها، ودِيَتُهما مُتَساوِيَةٌ. وهذا قولُ أبى بكرٍ.
وكذلك لو قَطَعَها تَعَدِّيًا، سقَط القِصاصُ، لأنَّهما تَساوَيا في الدِّيَةِ والأَلَمِ والاسمِ، فتَقَاصَّا وتَساقَطا، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ يُفْضِى إلى قَطْعِ يَدَىْ كلِّ واحدٍ منهما، وإذْهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وإلْحاقِ الضَّرَرِ العظيمِ بهما جميعًا. ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ لوُضُوحِه. وكلُّ واحدٍ مِن القَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بسِرَايَتِه، لأنَّه عُدْوَانٌ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان أخَذَها عُدْوانًا، فلكلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على صاحِبِه،
وإن أخَذَها بتَراضِيِهما، فلا قِصاصَ في الثَّانيةِ؛ لرِضَا صاحِبِها ببَذْلِها، وإذْنِه في قَطْعِها. وفى وُجُوبِه في الأُولَى وَجْهان، أحدُهما، يَسْقُطُ، لِما ذكَرْناه. والثانى، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه رَضِىَ بتَرْكِه بعِوَضٍ لم يَثْبُتْ له، فكان له الرُّجُوعُ إلى حَقِّه، كما لو باعَه سِلْعَةً بخمْرٍ وقَبَّضَه إيَّاه. فعلى هذا، له القِصاصُ بعدَ انْدِمالِ الأُخْرَى، وللجانِى دِيَةُ يَدِه.
فإذا وجَبَ للمَجْنِىِّ عليه دِيَةُ يَدِه وكانتِ الدِّيَتانِ واحدةً، تقَاصَّا،
وإن كانت إحْداهما أكثرَ مِن الأُخْرَى، كالرَّجُلِ مع المرأةِ، وجَب الفَضْلُ لصاحِبِه.
٤١٤١ -
(وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ قِصَاصًا، لَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا ; لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ تَراضَيا عليه، لم يَجُزْ -يعْنِى: إذا تَراضَيا على أَنْ يأْخُذَ الأصْلِيَّةَ فَإِنْ فَعَلَا، أَوْ قَطَعَهَا تَعَدِّيًا، بالزَّائِدةِ، أو عكْسِه، وهذا بلا نِزاعٍ- فإنْ فَعَلا، أو قَطَعَها تعَدِّيًا، أو قال: أَوْ قَالَ: أَخرِجْ يَمِينَكَ. فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، أجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أخْرَجَهَا عَمْدًا، لَمْ يُجْزِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ.
أَخْرِجْ يَمِينَكَ. فأخْرَجَ يَسارَه، فقَطَعَها، أَجْزَأَتْ على كلِّ حالٍ، وسقَط القِصاصُ -هذا المذهبُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ وغيرُه. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخبِ الأدَمِىِّ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ» - وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ أخْرَجَها عَمْدًا، لم يُجْزِ، ويُسْتَوْفَى مِن يَمِينِه بعدَ اندِمالِ وَإِنْ أخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ، فَعَلَى الْقَاطِعِ اليَسارِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.