وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ فِي الْقَصَبَةِ وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالْأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ تُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ
الشروح عليها
مسألة: وفى قَطْعِ حَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُما. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ نَحْوُ هذا عن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ: إن ذَهَبَ اللَّبَنُ، وَجَبَتْ دِيَتُهما، وإلَّا وجَبَتْ حُكومةٌ بقَدْرِ شَيْنِه. ونحوَه قال قَتادةُ: إذا ذهبَ الرَّضاعُ بقَطْعِهما، ففيهما الدِّيَةُ. ولَنا، أنَّه ذهبَ منهما ما تذْهَبُ المَنْفَعَةُ بذهابِه، فوجَبَتْ دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وبيانُ ذَهابِ المَنْفَعَةِ أنَّ بهما يشْرَبُ الصَّبِىُّ ويرْتَضِعُ، فهما كالأصابعِ في الكَفِّ.
وإن قَطَعَ الثَّدْيَيْن كِلَيْهما، فليس فيهما إلَّا دِيَةٌ, كما لو قَطَعَ الذَّكَر كُلَّه.
وإنْ حَصَلَ مع قَطْعِهما جائِفَةٌ، وجَبَ فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ مع دِيَتِهما.
وإن ضَرَبَهُما فأَشَلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ, كما لو أشَلَّ يَدَيْه.
وإن جَنَى عليهما مِن صغيرةٍ ثم وَلَدَتْ، فلم يَنْزِلْ لها لَبَنٌ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرَةِ،
فإن قالوا: إنَّ الجِنايةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ. فعليه ما على مَن ذهَبَ باللَّبَنِ بعدَ وُجُودِه.
وإن قالوا: يَنْقَطِعُ بغيرِ الجنايةِ. لم يجبْ عليه. أَرْشُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا يجبُ فيها شئٌ بالشَّكِّ.
وإن جَنَى عليهما فنَقَصَ لبَنُهما، أو جَنَى على ثَدْيَيْن ناهِدَيْنِ فكسَرَهما، أو صارَ بهما مَرَضٌ، ففيه حُكومةٌ لنَقْصِه الذى نَقَصَهما.
٤٢٣٤ - مسألة: وفى ثَدْيَىِ الرَّجُلِ -وهما الثَّنْدُوَتان- الدِّيَةُ. وبه قال إسْحاقُ. وحَكَى ذلك قَوْلًا للشافعىِّ.
[وقال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما حُكُومةٌ. وهو ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ]؛ لأنَّه ذَهَبَ بالجَمال مِن غيرِ مَنْفَعَةٍ، فلم تَجبْ دِيَةٌ, كما لو أتْلَفَ العَيْنَ القائمةَ واليَدَ الشَّلَّاءَ.
وقال الزُّهْرِىُّ: في حَلَمةِ الرَّجُلِ خمسٌ مِن الإِبلِ . وعن زيدِ بنِ ثابتٍ: فيه ثُمْنُ الدِّيَةِ . ولَنا، أنَّ ما وجبَ فيه الدِّيَةُ مِن المرأةِ، وجبَ فيه مِن الرَّجُلِ، كسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما عُضْوان في البَدَنِ، يحْصُلُ بهما الجَمالُ، وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فوَجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْن، ولأنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمالِ، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كالشُّعورِ الأرْبَعةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكأُذُنَىِ الأصَمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ عندَ الجميعِ، ويُفارِقُ العَيْنَ القائمةَ؛
لأنَّه ليس فيها جمالٌ كاملٌ، ولأنَّهما عُضْوٌ قد ذهبَ منه ما تجِبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كاليَدَيْنِ إذا شَلَّتا،
بخلافِ مَسْأَلَتِنا.
٤٢٣٥ - مسألة: وفى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وعلى أنَّ في العَيْنِ الواحدةِ نِصْفَها؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفِى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ». ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال:«وفِى العَيْنِ الواحِدَةِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ». رواه مالكٌ في «المُوَطَّأَ». ولأَنَّ العَيْنَيْن مِن أعْظَمِ الجَوارِحِ نَفْعًا، فكانتْ فيهما الدِّيَةُ، وفى إحداهما نِصْفُها كاليَدَيْن. إذا ثَبَتَ هذا، فيَسْتَوِى في ذلك الصَّغِيرَتان والكَبِيرَتان، والمَلِيحَتان والقَبِيحَتان، والصَّحِيحَتان والمَرِيضَتان، والحَوْلاءُ وِالرَّمْضَاءُ.
فإن كان فيهما بَياضٌ لا يَنْقُصُ البَصَرَ، لم تَنْقُصِ الدِّيَةُ،
وإن نقَصَ مِن البَصَرِ، نقَصَ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِه.
فصل: وفى أجْفانِ العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وفى أحدِها رُبْعُ الدِّيَةِ، لأَنَّ كلَّ عَدَدٍ تجبُ في جمِيعِه الدِّيَةُ، يجبُ في الواحدِ منها بحِصَّتِه، كالأصابعِ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وعن مالكٍ، أنَّه لا مُقَدَّرَ فيها، بلِ يُرجعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ. ولَنا، أنَّها أعْضاءٌ فيها جَمالٌ ظاهرٌ، ونفْعٌ كاملٌ، فإنَّها تُكِنُّ العَيْنَ وتَقِيها، وتَحْفَظُها مِن الحَرِّ والبَرْدِ، ولولاها لقَبُحَ مَنْظَرُها، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ كاليَدَيْن. وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه يجبُ في الأعْلَى ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الأسْفَلِ ثُلُثُها؛
لأنَّه أكْثَرُ نَفْعًا. ولَنا، أنَّ كُلَّ ذى عَدَدٍ تَجِبُ الدِّيَة في جَميعِه، تجبُ بالحِصَّةِ في الواحدِ منه، كالأصابعِ.
فإن قَلَعَ العَيْنَيْنِ بأشْفارِهما، وجَبَتْ دِيَتان؛ لأنَّهُما جِنْسان تجبُ الدِّيَةُ بكلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فوجبَتْ بإتْلافِهِما جُمْلَةً دِيَتان، كاليدَيْن والرِّجْلَيْن. وتجبُ الدِّيَةُ في أشْفارِ عَيْنِ الأعْمَى، وهى الأجْفانُ؛ لأَنَّ ذَهابَ بصَرِه عَيْبٌ في غيرِ الأجْفانِ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الدِّيَةِ فيهما، كذَهابِ الشَّمِّ، لا يَمْنَعُ وُجوبَ الدِّيَةِ في الأنْفِ.
٤٢٣٦ - مسألة: وفى الأُذُنَيْن الدِّيَةُ. رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايتَيْن عنه.
وقال في الأُخْرَى: فيهما حُكومةٌ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقْديرٍ، ولا يَثْبُتُ التَّقْدِيرُ بالقِياسِ. ولَنا، أنَّ في كتاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«وفى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ». ولأَنَّ عُمرَ وعَلِيًّا قَضَيَا فيهما بالدِّيَةِ.
فإن قيل: فقد رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّه قَضَى في الأُذُنِ بخَمْسةَ عَشَرَ بَعيرًا . قُلْنا: لم يَثْبُتْ ذلك. قالَه ابنُ المُنْذِرِ . ولأَنَّ ما كان في البَدَنِ منه عُضْوان، كان فيهما [الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُ الدِّيَةِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائلينَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ فيهما]. ٤٢٣٧ - مسألة: وفى اللَّحْيَيْن الدِّيَةُ. وهما العَظْمان اللَّذانِ فيهما الأسْنانُ السُّفلى؛ لأَنَّ فيهما نَفْعًا وجَمالًا، وليس في البَدَنِ مِثْلُهما، فكانت فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شَيْئان، وفى أحَدِهما نِصْفُها، كإحْدَى اليَدَيْن والرِّجْلَيْن، ونحوِهما ممَّا في البَدَنِ منه شَيْئانِ.
٤٢٣٨ - مسألة: وفى الألْيَتَيْن الدِّيَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ : كلُّ مَن نَحْفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ يقولون: في الألْيَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفى كُلِّ واحدةٍ منهما نِصْفُها؛ منهم عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ولأنَّهما عُضْوانِ مِن جِنْسٍ، فيهما جَمالٌ ظاهِرٌ، ومَنْفَعَةٌ كاملةٌ، فإنَّه يُجْلَسُ عليهما كالوِسادَتَيْن، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، وفى إحْداهُما نِصْفُها، كاليَدَيْن. والألْيَتانِ: هما ما عَلَا وأشْرَفَ عن الظَّهْرِ وعن اسْتِواءِ الفَخِذَيْن. وفيهما الدِّيَةُ إذا أُخِذَتا إلى العَظْمِ الذى تحتَهما، وفى ذَهابِ بَعْضِها بقَدْرِه؛
لأَنَّ ما [وَجَبَتِ الدِّيَةُ في جميعِه وَجَبَتْ] في بعْضِه بقَدْرِه،
فإن جُهِلَ المِقْدارُ، وجَبَتْ حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ لم يُعْرَفْ قَدْرُه. ٤٢٣٩ - مسألة: وفِى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ. لا نعْلَمُ في هذا خِلافًا. وفِى كِتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«وفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ». ولأَنَّ فيهما الجَمالَ والمنْفَعَةَ،
فإنَّ النَّسْلَ يكونُ بهما ، فأشْبَها اليَدَيْن. وروَى الزُّهْرِىُّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وفى الأُنْثَيَيْن الدِّيَةَ . وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ في اليُسْرَى ثُلُثَى الدِّيَةِ, وفى اليُمْنَى ثُلُثَها؛ لأَنَّ نَفْعَ اليُسْرَى أكْثَرُ؛ لأَنَّ النَّسْلَ يكونُ بها . ولَنا، أنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في شَيْئَيْن منه، وَجَبَ في أحَدِهما نِصْفُها، كاليَدَيْن، وسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فاسْتَوَتْ دِيَتهما، كالأصابِعِ، وما ذَكَروه يَنْتَقِضُ بالأصابعِ،
وكذلك الأجْفانُ تسْتَوِى دِيَتُها مع اخْتِلافِ نَفْعِها ، ثم يحْتاجُ إلى إثْباتِ الذى ذكَرَه.
وإن رَضَّ أُنْثَيَيْه، أو أشَلَّهما ، كَمَلَتْ دِيَتُهما كما لو أشَلَّ يَدَيْه أو ذكَرَه.
[وإن] قَطَعَ أُنْثَيَيْه، فذهبَ نَسْلُه، لم يجبْ أكثرُ مِن دِيَةٍ؛ لأَنَّ ذلك نَفْعُهما، فلم تَزْدَدِ الدِّيَةُ بذَهَابِه معهما، كالبَصَرِ مع ذهابِ العَيْنَيْن،
وإن قَطَعَ إحْداهُما، فذهبَ النَّسْلُ، لم يجبْ أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ذهابَه غيرُ مُتَحَقِّقٍ.
٤٢٤٠ - مسألة: (وفى إسْكَتَىِ المَرْأَةِ) الدِّيَةُ. والإِسْكتَان؛ هما اللَّحْمُ المُحِيطُ بالفَرْجِ مِن جَانِبَيْه، إحاطةَ الشَّفَتَيْن بالفَمِ. وأهلُ اللُّغةِ يقولُونَ: الشَّفْران حاشِيَتا الإِسْكَتَين, كما أنَّ أشْفارَ العَينيْن أهْدابُهما. وفيهما دِيَةُ المرأَةِ إذا قُطِعا. وبهذا قال الشافعىُّ. وقاله الثَّوْرِىُّ، إذا لم يَقْدِرْ على جِماعِها. وقَضَى به محمدُ ابنُ سُفْيانَ إذا بَلَغا العَظْمَ؛ وذلك لأَنَّ فيهما جَمالًا ومَنْفَعَةً، وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهِما، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شيئان.
وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ، كما ذكَرْنا في غيرِهما.
وإن جَنَى عليهما فأشَلَّهما، وجَبَتْ دِيَتُهما، كما لو جَنَى على شَفَتَيْه فأشَلَّهما. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِهما غَلِيظَتَيْن أو دَقِيقَتَيْن، قصيرتَيْن أو طَوِيلتَيْن، مِن بكرٍ أو ثَيِّبٍ، أو صغيرةٍ أو كبيرةٍ ، مَخْفُوضةٍ أو غيرِ مَخْفُوضةٍ ؛ لأنُّهما عُضْوان فيهما الدِّيَةُ، فاسْتَوى فيه جميعُ ما ذكَرْنا، كسائرِ أعْضائِها. ولا فَرْقَ بينَ الرَّتْقاءِ وغيرِها؛ لأَنَّ الرَّتْقَ عَيْبٌ في غيرِهِما، فلم يَنْقُصْ ذلك مِن دِيَتِهما, كما أنَّ الصَّمَمَ لم يَنْقُصْ دِيَةَ الأُذُنَيْنِ. والخَفْضُ ؛
هو الخِتانُ في حَقِّ المرأةِ.
فصل: وفى رَكَبِ المَرْأَةِ حُكُومَةٌ، وهو عانَةُ المَرْأةِ،
وكذلكَ في عانَةِ الرَّجُلِ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لِمَا قُدِّرَ فيه.
فإن أُخِذَ منه شئٌ مع فَرْجِ المرأةِ وذكرِ الرَّجُلِ، ففِيه الحُكومةُ مع الدِّيَةِ, كما لو أُخِذَ مع الأنْفِ أو الشَّفَتَيْن مِن اللَّحْمِ الذى حَوْلَهما.
٤٢٤١ - مسألة: وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ إذا كان ناطِقًا. أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ الدِّيَةَ في لسانِ النَّاطِقِ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأهلُ الحديثِ، وغيرُهم. وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنَ حَزْمٍ:«وفِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ». ولأَنَّ فيه جَمالًا ومَنْفَعةً، فأشْبَهَ الأنْفَ؛
فأمَّا الجَمالُ، فقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه سُئِلَ عن الجمالِ، فقال:«في اللِّسَانِ». ويُقال: جَمالُ الرَّجُلِ في لسانِه، والمرءُ بأصْغَرَيْه قلبِه ولسانِه. ويُقال: ما الإِنْسانُ لولا اللِّسانُ إلَّا صورةٌ مُمَثَّلَةٌ، أو بَهيمةٌ مُهْمَلَةٌ.
وأمَّا النَّفْعُ، فإنَّ به تُبْلَغُ الأغْراضُ، وتُسْتَخْلَصُ الحُقوقُ، وتُدْفَعُ الآفاتُ، وتُقْضَى الحاجاتُ، وتَتِمُّ العِباداتُ؛ في القراءةِ والذِّكْرِ، والشُّكْرِ، والأمْرِ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْىِ عن المُنْكَرِ، والتَّعْلِيمِ، والدَّلالةِ على الحقِّ المُبِينِ والصِّراطِ المُسْتقيمِ، وبه يَذوقُ الطَّعامَ، ويَسْتَعِينُ في مَضْغِه وتَقْلِيبِه، وتَنْقِيَةِ الفَمِ، وتنْظِيفِه، فهو أعْظَمُ الأعْضاءِ نَفْعًا، وأتَمُّها جَمالًا، فإيجابُ الدِّيَةِ في غيرِه
تَنْبِيهٌ على إيجابِها فيه. وإنَّما تجِبُ الدِّيَةُ في اللِّسانِ النَّاطِقِ،
فأمَّا الأخْرَسُ، فسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: فإن قطَعَ لِسانَ صغيرٍ لم يتكَلَّمْ لطُفولِيَّتِه، وجَبَتْ دِيَتُه. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأنَّه لِسانٌ لا كلامَ فيه، فأشْبَهَ الأخْرَسَ. ولَنا، أنَّ ظاهرَه السَّلامةُ، وإنَّما لم يتكَلَّمْ لأنَّه لا يُحْسِنُ الكلامَ، فوجَبَتْ به الدِّيَةُ كالكبيرِ، ويُخالفُ الأخْرَسَ، فإنَّه عُلِمَ أنَّ لِسانَه أَشَلُّ، أَلَّا تَرى أنَّ أعْضَاءَه لا يَبْطِشُ بها، وتَجِبُ فيها الدِّيَةُ.
فإن بَلَغَ حدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُه، فلم يَتَكَلَّمْ، فقَطَعَ لِسانَه، لم تَجِبْ فيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَقْدِرُ على الكَلامِ، فهو كلسانِ الأخْرَسِ.
وإن كَبرَ فنَطَقَ ببعضِ الحُروفِ، وجَبَتْ فيه بقَدْرِ ما ذهبَ مِن الحُروفِ؛ لأَنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه كان ناطِقًا.
وإن كان قد بَلَغَ إلى حدٍّ يتَحَرَّكُ بالبُكاءِ وغيرِه، فلم يتحرَّكْ، فقَطَعَه قاطِعٌ، فلا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو كان صَحِيحًا لتحرَّكَ.
وإن لم يَبْلُغْ إلى حَدٍّ يتحرَّكُ، ففيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ سَلامتُه.
وإن قَطَعَ لِسانَ كبيرٍ، وادَّعَى أنَّه كان أخْرَسَ، ففيه ما ذكَرْنا فيما إذا اخْتلَفا في شَلَلِ العُضْوِ بعدَ قَطْعِه مِن الخِلافِ.
٤٢٤٢ -
مسألة: (وفى كَسْرِ ظاهرِ السِّنِّ دِيَتُها) وهو ما ظَهَر مِن اللِّثَةِ؛ لأَنَّ ذلك هو المُسَمَّى سِنًّا، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّصِّ] . وما في اللِّثَةِ منها يُسَمَّى سِنْخًا،
فإذا كسِرَ السِّنُّ، ثم جاءَ آخَرُ فَقَلَعَ السِّنْخَ، ففى السِّنِّ دِيَتُها، وفى السِّنْخِ حُكومةٌ, كما لو قطعَ إنْسانٌ أصابعَ رجلٍ، ثم قطَعَ آخَرُ كَفَّه.
وإن قَلَعَها الأَوَّلُ بسِنْخِها، لمِ يجبْ فيها أكثرُ مِن دِيَتِها، كما لو قطَعَ اليَدَ مِن كُوعِها.
وإن فَعَل ذلك في مَرَّتيْن، فكَسَرَ السِّنَّ، ثم عادَ فقَلَعَ السِّنْخَ، ففيه دِيَتُها وحُكومةٌ؛ لأَنَّ دِيَتَها وجبَت بالأوَّلِ، ثم وجَبَ عليه بالثانى حُكُومةٌ, كما لو فعَلَه غيرُه.
وكذلك لو قَطَعَ الأصابعَ، ثم قطَعَ الكَفَّ.
وإن كسَرَ بعضَ الظاهرِ، ففِيه مِن دِيَةِ السِّنِّ بقَدْرِه؛ إن كان ذهبَ النِّصْفُ، وجبَ نِصْفُ الأَرْشِ،
وإن كان الذَّاهبُ الثُّلُثَ، وجبَ الثُّلُثُ.
وإن جاءَ آخَرُ، فكَسَرَ بقِيتَّهَا، فعليه بقِيَّةُ الأَرْشِ.
فإن قَلَعَ الثَّانى سِنْخَها، نَظَرْنا؛
فإن كان الأَوَّلُ كَسَرَها عَرْضًا، فليس على الثَّانى للسِّنْخِ شئٌ؛ لأنَّه تابعٌ لِمَا قلَعَه مِن ظاهرِ السِّنِّ، فصار كما لو قطعَ الأَوَّلُ مِن كلِّ إِصْبَعٍ مِن أصابِعِه أُنْمُلَةً، ثم قَطَعَ الثَّانى يَدَه مِن الكُوعِ.
وإن كان الأَوَّلُ كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِه، فجاء الثَّانى فقَلَعَ الباقىَ بالسِّنْخِ كلِّه، فعليه دِيَةُ النِّصْفِ الباقى، وحُكومةٌ لنِصْفِ السِّنْخِ الذى بَقِىَ مِن كَسْرِ الأَوَّلِ, كما لو قَطَعَ الأَوَّلُ إِصْبَعَيْنِ مِن يَدٍ، ثم جاء الثَّانى فقَطَعَ الكَفَّ كلَّه.
فإنِ اخْتَلَفَ الثَّانى والمَجْنِىُّ عليه فيما قلَعه الأَوَّلُ، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ السِّنِّ.
وإنِ انْكَشَفَتِ اللِّثَةُ عن بعْضِ السِّنِّ، فالدِّيَةُ في قَدْرِ الظاهرِ عادةً، دُونَ ما انْكَشَفَ على خلافِ العادةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الظَّاهرِ، اعْتُبِرَ ذلك بأخَواتِها،
فإن لم يَكُنْ لها شئٌ تُعْتَبَرُ به، ولم يُمْكِنْ أن يُعْرَفَ ذلك مِن أهلِ الخِبْرَةِ، فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ على مَن اسْتَوْعَبَ جَدْعًا دِيَةٌ وحُكومةٌ في القَصَبَةِ. [وهذا] مذهبُ الشافعىِّ، وقد ذُكِرَ، كقَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ السَّاعدِ.
٤٢٥٣ - مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ مَن اسْتَوْعَبَ الأنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وحُكُومَةٌ في القَصَبَةِ) [إذا قَطَعَ المارِنَ مع القَصَبَةِ، ففيه الدِّيَةُ، في قِياسِ المذْهَبِ، ويَحْتَمِلُ أن يجبَ في المارِنِ الدِّيَةُ، وحُكومةٌ في القَصَبةِ]. وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المارِنَ وحدَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ، فوَجَبَتِ الحُكومةُ في الزَّائدِ, كما لو قَطَع القَصبةَ وحدَها مع قَطْعِ لِسانِه. ولَنا، قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:«في الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ». ولأنَّه عُضْوٌ واحدٌ، فلم يجبْ فيه أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كالذَّكَرِ إذا قُطِعَ مِن أصْلِه.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويُفارِقُ إذا قُطِعَ لِسانُه وقَصبَتُه؛ لأنَّهُما عُضْوان، فلا تَدْخُلُ دِيَةُ أحَدِهما في الآخَرِ.
أمَّا العُضْوُ الواحدُ، فلا يَبْعُدُ أن يجبَ في جميعِه ما يجبُ في بعْضِه، كالذَّكَرِ تجبُ في حَشَفَتِه الدِّيَةُ التى تجبُ في جميعِه، وفى الثَّدْىِ كلِّه ما في حَلَمَتِه .
فأمَّا إن قَلَعَ الأنْفَ وما تحْتَه مِن اللَّحْمِ، ففى اللَّحْمِ حُكومةٌ؛ لأنَّه ليس مِن الأنْفِ، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ الذَّكَرَ واللَّحْمَ الذى تحتَه.
٤٢٥٤ - مسألة: (وفى قَطْعِ بَعْضِ المارِنِ، والأُذُنِ، والحَلَمَةِ، واللِّسانِ، والشَّفَةِ، والحَشَفَةِ، والأُنمُلَةِ، وَشَقِّ الحَشَفَةِ طُولًا، بِالحِسابِ مِن دِيَتِه، يُقَدَّرُ بالأجْزاءِ) كَالثُّلُثِ والرُّبْعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِثْلُه مِن الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في جَميعِه، وجَبَتْ في بعْضِه،
فإن كان الذَّاهِبُ النِّصْفَ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ،
وإن كان الثُّلُثَ، وجَبَ ثُلُثُها،
وإن كان أقَلَّ أو أكثرَ، وجَبَتْ بحِسابِ ذلك, كما تُقَسَّطُ دِيَةُ اليَدِ على الأصابعِ. ٤٢٥٥ -
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ فِي الْقَصَبَةِ) لِمَا رَوَى طَاوُسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«فِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحُكُومَةُ فِي الْقَصَبَةِ لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ،
فَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ، وَمَا تَحْتَهُ مِنَ اللَّحْمِ فَفِي اللَّحْمِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَنْفِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَاللَّحْمَ الَّذِي تَحْتَهُ (وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالْأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ تُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ) كَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ مَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي جَمِيعِهِ وَجَبَتْ فِي بَعْضِهِ وَكَمَا تُقَسَّطُ دِيَةُ الْيَدِ عَلَى الْأَصَابِعِ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ: تَجِبُ ثُلُثُ دِيَةٍ كَشَحْمَةِ أُذُنٍ،
وَفِي " الْوَاضِحِ ": فِيمَا بَقِيَ مِنْ أُذُنٍ بِلَا نَفْعٍ الدِّيَةُ وَإِلَّا حُكُومَةٌ.
[دِيَةُ شَلَلِ الْعُضْوِ أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ]
وفى قَطْعِ بعضِ المارِنِ، والأُذُنِ، والحَلَمَةِ، واللِّسَانِ، والشَّفَةِ، والحَشَفَةِ، والأُنْمُلَةِ، والسِّنِّ، وشَقِّ الحَشَفَةِ طُولًا، بالحِسابِ مِن دِيَتِه يُقدَّرُ بالأَجْزاءِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. ولم يذكُرْ فى «المُحَرَّرِ»، وَفِى شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْأَسْنَانِ, و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم هنا شَقَّ الحَشَفَةِ طُولًا. وذكَر فى «التَّرْغيبِ»، فى شَحْمَةِ الأُذُنِ رِوايةً، أنَّ فيها ثُلُثَ الدِّيَةِ، وذكَر فى «الواضِحِ»، فيما بَقِىَ مِنَ الأُذُنِ بلا نَفْعٍ الدِّيَةُ، وإلَّا فحُكومَةٌ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قال: (وفي قطع بعض المارن والأذن والحلمة واللسان والشفة والحشفة والأنملة والسن وشق الحشفة طولاً بالحساب من ديته [يقدر بالأجزاء) .
أما كون قطع ما ذكر فيه بالحساب من ديته] ؛ فلأن من تجب الدية في جميعه يجب أن تجب في بعضه بالحساب.
وأما كون ذلك يقدر بالأجزاء؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بمقدار الجناية، وهو مطلوب؛ لما فيه من تحصيل العلم بمقدار الواجب.
وأما كون شق الحشفة طولاً بالحساب؛ فلأنه نقص. فيجب أن يجب بحسابه؛ كالقطع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.