فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ
الشروح عليها
فصل: فإن أوْضَحَه رَجُلٌ، ثم هَشَمَه الثَّانِى، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثم جعَلها الرَّابعُ مَأْمُومَةً، فعلى الأَوَّلِ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، وعلى الثَّانِى خَمْسٌ، تمامُ أَرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثالثِ خَمْسٌ، تَمامُ أَرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عَشَرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أَرْشِ المَأْمُومَةِ.
فصل: (وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وهى التى تَصِلُ إلى باطِنِ الجَوْفِ مِن بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْى، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في العَمْدِ ثُلُثا الدِّيَةِ ولنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كتابِ عمرِو بنِ حَزْمٍ:«وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ». وعن ابنِ عمرَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ ذلك . ولأنَّها جِراحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَأ، كالمُوضِحَةِ.
ولا نعلمُ في جِراحِ البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مُقَدَّرًا غيرَ الجائفةِ. وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ، أنَّ مالكًا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعىَّ، [والبَتِّىَّ]، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أنَّ الجائفة لا تكونُ إلَّا في الجَوْفِ.
وقال ابنُ القاسِمِ: الجائِفَةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ.
فصل: وإن أجافَه جائِفَتَيْنِ بينَهما حاجِزٌ، فعليه ثُلُثا الدِّيَةِ،
وإن خرَق الجانِى ما بينَهما، أو ذهَب بالسِّرايَةِ، صارا جائفةً واحدةً، فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ لا غيرُه،
وإن خرَق ما بينَهما أجْنَبِىٌّ، أو المَجْنِىُّ عليه، فعلى الأَوَّلِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وعلىِ الأجْنَبِىِّ الثانى ثُلُثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه.
وإنِ احْتاجَ إلى خرْقِ ما بينَهما للمُداواةِ، فخَرَقَها المَجْنِىُّ عليه أو غيرُه بأَمرِه، أو خرَقَها وَلِىُّ المَجْنِىِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأَمْرِه، فلا شئَ في خَرْقِ الحاجِزِ، وعلى الأَوَّلِ ثُلُثا الدِّيَةِ.
٤٣١٩ - مسألة: (فإن خَرَقَه مِن جانبٍ فخَرَجَ مِن الجَانبِ الآخَرِ، فهى جائِفَتانِ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادةُ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ وأصْحابُ الرَّأْى. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : لا أعلمُهم يخْتلِفون في ذلك. وحُكِىَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعىِّ أنَّه قال: هى جَائفةٌ واحدةٌ. وحُكِىَ أيضًا عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الجائفةَ هى التى تَنْفُذُ مِن ظاهرِ البَدَنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثَّانيةُ إنَّما نفَذَتْ مِن الباطنٍ إلى الظاهرِ. ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلَا بسَهْمٍ، فأنْفَذَه، فقَضَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بثُلُثَىِ الدِّيَةِ.
ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا. أخْرجَه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه». ورُوِىَ عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضى في الجائفةِ إذا نفذَتِ الجَوْفَ بأَرْشِ جائِفَتَيْنِ . ولأنَّه أنْفذَه مِن مَوْضِعَيْن، فكانَ جائِفَتَيْنِ، كما لو أنْفَذَه بضَرْبَتَيْنِ. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ،
فإنَّ الاعْتِبارَ بوُصولِ الجُرْحِ إلى الجَوْفِ، لا بكَيْفِيَّةِ إيصالِه، إذْ لا أثَرَ لصورَةِ الفِعْل مع التَّساوِى في المعنَى، ولأَنَّ ما ذكَرُوه مِن الكَيْفِيَّةِ ليس بمَذْكورٍ في خبَرٍ، وإنَّما الغالبُ والعادةُ وُقوعُ الجائفةِ. هكذا، فلا يُعْتَبَرُ، كما أنَّ العادةَ والغالبَ حُصولُها بالحديدِ،
ولو حصَلَتْ بغيرِه لكانت جائفةً، ثم ينْتَقِضُ ما ذكَروه بما لو أدْخَلَ يدَهُ في جائفةِ إنْسانٍ، فخَرَقَ بَطْنَه مِن مَوْضِعٍ آخرَ، فإنَّه يَلْزَمُه أَرْشُ جائفةٍ بغيرِ خِلافٍ نعْلَمُه.
وكذلك يُخرَّجُ في مَن أوْضَحَ إنْسانًا في رَأْسِه، ثم أخْرَجِ رَأْسَ السِّكِّينِ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فهى مُوضِحَتان.
وإن هَشَمه هاشِمَةً لها مَخْرَجان، فهى هاشِمَتانِ.
وكذلك ما أشْبَهَه.
فصل: فإن أدْخَلَ إصْبَعَه في فَرْجِ بِكْرٍ، فأَذْهَبَ بَكارَتَها، فليس بجائِفَةٍ؛ لأَنَّ ذلك ليس بجَوْفٍ.
٤٣٢٠ -
(فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إِذَا نَفَذَتْ بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ. وَكَمَا لَوْ طَعَنَهُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَالْتَقَيَا، وَلِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ بِضَرْبَتَيْنِ،
وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ أَيِ: الثَّانِيَةُ إِنَّمَا نَفَذَتْ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إِلَى الْجَوْفِ لَا بِكَيْفِيَّةِ إِيصَالِهِ، إِذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.