وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ
الشروح عليها
باب القَسامَةِ (وهى الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ) والقَسامةُ مصدرُ أَقْسَمَ قَسامَةً. ومعناه حَلَفَ حَلِفًا. والمرادُ بالقَسامَةِ ههنا الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ.
وقال القاضى: هى الأيْمانُ إذا كَثُرَتْ على وَجْهِ المُبالَغَةِ. قال: وأهلُ اللُّغَةِ يذْهبون إلى أنَّها القومُ الذين يحْلِفون، سُمُّوا باسْمِ المَصْدَرِ، كما يقالُ: رَجلٌ عَدْلٌ ورِضًا. وأىُّ الأمْرَيْنِ كان، فهو مِن القَسَمِ الذى هو الحَلِفُ. والأَصْلُ في القَسامةِ ما رَوَى أبو سعيدٍ الأنصارىُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عن سَهْلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ، ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، أنَّ مُحَيِّصَةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ انْطلَقا إلى خَيْبَرَ، فتَفَرَّقَا في النَّخِيلِ، فقُتِلَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، فاتَّهَمُوا اليَهُودَ، فجاءَ أخُوه عبدُ الرحمنِ، وأبْناءُ عَمِّه حُوَيَّصَةُ ومُحَيِّصَةُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ في أمْرِ أَخِيه، وهو أصْغَرُهم، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كَبِّرِ الكُبْرَ ».
أو قال: «لِيَبْدَأ الأَكْبَرُ». فتَكَلَّما في أمْرِ صاحِبِهما، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فيُدْفَعُ إلَيْكُمْ برُمَّتِه». فقَالُوا: أمْرٌ لم نشْهَدْه، كيف نَحْلِفُ؟ قال:«فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟». قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قومٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ. قال: فوَداهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ قِبَلِه. قال سهلٌ: فدخلْتُ مِرْبَدًا لهم، فرَكَضَتْنِى نَاقةٌ مِن تلك الإِبلِ. مُتَّفَقٌ عليه .
٤٣٥٩ -
بَابُ الْقَسَامَةِ] [تَعْرِيفُ القسامة وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا] بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسَامَةُ اسْمٌ لِلْقَسَمِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ مِنْ: أَقْسَمَ إِقْسَامًا وَقَسَامَةً، هِيَ الْحَلِفُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ، سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَيْمَانُ إِذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ (وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ) أَيْ: فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ:«أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ بِهِ، فَجَاءَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، قَالَ: فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» .
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فِي الْمَعَارِفِ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ.
[شُرُوطُ ثُبُوتِ الْقَسَامَةِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ دَعْوَى الْقَتْلِ]
لا زيادة له على هذه المسألة.
بَابُ الْقَسَامَةِ وَهِىَ الأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِى دَعْوَى الْقَتْلِ.
بابُ القَسامَةِ وهى الأَيْمَانُ المُكَرَّرَةُ فى دَعْوَى القَتْلِ. مُرادُه، قَتْلُ معْصُومٍ.
وظاهِرُه؛ سواءٌ كان القَتْلُ عَمْدًا أو خَطَأً، مَّا العَمْدُ، فلا نِزاعَ فيه بشُروطِه،
وأمَّا الخطَأُ، فيَأْتى فى كلامَ المُصَنِّفِ كلامُ الخِرَقِىِّ وغيرِه. وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ؛ أحَدُهَا، دَعْوَى الْقَتْلِ، ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.
باب القسامة] والأصل في القسامة ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج «أن مُحيّصة بن مسعود وعبدالله بن سهل انطلقا إلى خيبر. فتفرقا في النخيل. فقُتل عبدالله بن سهل. فاتهموا اليهود. فجاءَ أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حويصةَ ومحيصةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغرُهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كبّر كبّر. فتكلما في أمر صاحبهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُقسم خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفع إليكم برمّته. فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهودُ بأيمان خمسين منهم. قالوا: يا رسول الله! قومٌ كفارٌ ضلال. قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَلِه» متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأيمان المكررة في دعوى القتل. ولا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: دعوى القتل. ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً. فأما الجراح فلا قسامة فيه) .
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل؛ فبيان لمعنى القسامة شرعاً.
قال القاضي: الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة هي القسامة.
وفي اللغة: هي القوم الذين يحلفون. سُموا باسم المصدر، وذلك أن القسامة مصدر أقسم قسامة وقسماً. والمصدر قد يسمى به ومنه رجل عدل ورضي.
وأما كون القسامة لا تثبت إلا بشروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره في كل واحد منها.
وأما كون أحد الشروط دعوى القتل؛ فلأن الأصل فيها حديث محيصة وحويصة، وذلك فيه دعوى القتل.
ولأن كل حق لآدمي لا يثبت لشخص إلا بعد دعواه أنه له، والقتل من الحقوق. فوجب أن يندرج تحت ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً،
مسلماً أو ذمياً فراجع إلى أصل القسامة ليعلم أن القسامة تجري في ذلك كله: أما كونها تجري في الذكر؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في الأنثى؛ فلأن القصاص يجري فيها. فشرعت القسامة فيها؛ كالذكر.
وأما كونها تجري في الحر والمسلم؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في العبد والذمي؛ فلأن قتل العبد والذمي يوجب القصاص في المماثل له. فأوجب القسامة في ذلك؛ كالحر والمسلم.
فإن قيل: ظاهر إطلاق المصنف رحمه الله القسامة في قتل العبد والذمي من غير تقييد بكون المدعى عليه القتل مماثلاً أو غير مماثل يدل على القسامة مطلقاً.
قيل: قال في المغني: إن كان مماثلاً له شرعت القسامة وقد تقدم دليله،
وإن كان غير مماثل له فلا قسامة [فيه في ظاهر كلام الخرقي؛ لأن القسامة تكون فيما يوجب القود.
وقال القاضي: تشرع القسامة] ؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة. فشرعت القسامة فيه؛ كقتل الحر المسلم.
ولأن ما كان حجة في قتل [الحر المسلم كان حجة في قتل] العبد والذمي؛ كالبينة. ثم قال: على الوجه الصحيح الأول. ولنا أنه قتل لا يوجب القصاص. [أشبه البهيمة.
ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص] شرعها مع عدمه. بدليل أن العبد لو اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجباً للقصاص، ولم يشرع إذا لم يكن كذلك.
وأما كون الجراح لا قسامة فيها ؛ فلأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها. فاختصت؛ كالكفارة.
ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه ولا عن قاتله، وهذا مفقود في الجراح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.