وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ أَوْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ
الشروح عليها
مسألة: (ولا) يُقْطَعُ (مُسْلِمٌ بالسَّرِقَةِ من بَيْتِ المالِ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال حَمَّادٌ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ : يُقْطَعُ؛ لظاهرِ الكِتابِ. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجَه بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عبدًا من رَقِيقِ الخُمْسِ، سَرَق من الخُمْسَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَقْطَعْه، وقال:«مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا». ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وسألَ ابنُ مسعودٍ عمرَ عمَّن سَرَق من بيتِ المالِ، فقال: أرْسِلْه، فما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ .
وقال سعيدٌ: ثَنا هُشَيْمٌ، ثنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِىِّ ، عن علىٍّ، أنَّه كان يقولُ: ليس على مَن سَرَق من بيتِ المالِ قَطْعٌ ، ولأَنَّ له في المالِ حَقًّا، فيكونُ شُبْهَةً تَمْنَعُ وُجوبَ القَطْعِ، كما لو سَرَقَ من مالٍ له فيه شَرِكَةٌ.
٤٥١٦ - مسألة: (ولا) يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ (من مَالٍ له فيه شِرْكٌ، أو لأحَدٍ ممَّن لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منه) كالأبِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ ابْنِه، والعبدِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ سَيِّدِه، فكذلك إذا سَرَق من مالٍ لإبْنِه فيه شَرِكَةٌ أو لسَيِّدِه، فلا قَطْعَ عليه لذلك.
فصل: ومَنْ سَرَق مِن الوَقْفِ، أو من غَلَّتِه، وكان من المَوْقُوفِ عليهم، كالمِسْكِينِ يَسْرِقُ من وَقْفِ المساكينِ، أو من قوم مُعَيِّنِين عليهم وَقْفٌ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه شَرِيكٌ.
وإن كان من غيرِهم، قُطِعَ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه.
فإن قيل: فقد قلتُمِ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منِ بيتِ المالِ من غيرِ تَفْريقٍ بينَ غَنِىٍّ وفقيرٍ، فَلِمَ فرَّقْتُمْ ههُنا؟ قُلْنا: لأَنَّ للغَنِىِّ في بيتِ المالِ حَقًّا، بدليلِ قولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ.
بخِلافِ وَقْفِ المساكينِ، فإنَّه لا حَقَّ للغَنِىِّ فيه.
٤٥١٧ -
(وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ: »«مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا قَطْعَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ،
وَكَذَا لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ،
فَلَوْ سَرَقَ ذِمِّيٌّ، أَوْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قُطِعَ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "،
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ) كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْطَعِ الْأَبُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ، لِكَوْنِ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، فَلَأَنْ لَا يُقْطَعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (أَوْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ) كَمَالٍ مُشْتَرَكٍ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً لَكُوْنِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ
ولا مُسْلِمٌ بالسَّرِقَةِ مِن بَيْتِ المالِ، ولا مِن مالٍ له فيه شَرِكَةٌ، أو لأَحَدٍ وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، أَو لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ.
ممَّن لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منه. لا خِلافَ فى ذلك، إذا كان حُرًّا.
وأمَّا إذا سرَق العَبْدُ المُسْلِمُ من بَيْتِ المالِ، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّه لا يُقْطَعُ. وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الشَّرْحِ». وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ قبلَ ذلك، وهو قولُه: ولا العَبْدُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ سيِّدِه. أنَّه يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ مِن غيرِ مالِ سيِّدِه، فدخَل فيه بَيْتُ المالِ. [أو يُقالُ: للسَّيِّدِ شُبْهَةٌ فى بَيْتِ المالِ، وهذا عَبْدُه]. وقد قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: يُقْطَعُ عَبْدٌ مسْلِمٌ بسَرِقَتِه مِن بَيْتِ المالِ. نصَّ عليه.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «القَواعِدِ الأُصولِيَّةِ».
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ»: عبْدٌ مُسلمٌ سرَق مِن بَيْتِ المالِ، يَنْبَغِى أَنْ لا يجِبَ وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَو لِوَلَدِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ.
عليه القَطْعُ؛ لأَنَّ عَبْدَ المسلمِ له شُبْهَةٌ؛ وهو أنَّ سيِّدَه لو افْتقَرَ عن نفَقَتِه، ولم يكُنْ للعَبْدِ كمسَبٌ فى نفْسِه، كانتْ نفقَتُه فى بَيْتِ المالِ. انتهى. وجعَل فى «المُحَرَّرِ»،
ومَن تَبِعَه، سَرِقَةَ عَبْدِ الوالدِ والوَلَدِ، ونحوِهما، مِثْلَ سِرقَةِ العَبْدِ مِن بَيْتِ المالِ فى وُجوبِ القَطْعِ. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وكلامُ غيرِه مُخالِفٌ.
تنبيه: دخَل فى كلامِه، لو سرَق مِن مالِ وَقْفٍ له فيه اسْتِحْقاقٌ. [وهو صحيحٌ، فلا قَطْعَ بذلك، بلا نِزاعٍ.
ولو سرَق مِن غَلَّةِ وَقْفٍ ليسَ له فيه اسْتِحْقاقٌ] ، قُطِعَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا قَطْعَ عليه بذلك. وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.