وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ وَمَيْتَةً وَصَيْدًا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ، وَالصَّيْدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيْتَةَ
الشروح عليها
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ ممّا ذكَرْنا، فله أن يأكلَ منه ما يَسُدُّ رَمَقَه. وهل له الشِّبَعُ؟ على رِوايَتَين) أجْمَعَ العُلَماءُ على تحْريمِ المَيتَةِ والخِنْزيرِ حالةَ الاخْتيارِ، وعلى إباحَةِ الأكلِ منها في الاضْطِرارِ.
وكذلك سائِرُ المُحَرَّماتِ. والأصْلُ في ذلك قولُه تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ}. وقولُه:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ}.
ويُباحُ له أكلُ ما يَسُدُّ رَمَقَه، ويأمَنُ معه الموْتَ، بالإِجْماعِ.
ويَحْرُمُ ما زادَ على الشِّبَعِ، بالإِجْماعِ أيضًا.
وفي الشِّبَعِ رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُباحُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وإحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ. وأحَدُ القَوْلَين للشافعيِّ. قال الحسنُ: يأكلُ قَدْرَ ما يُقِيمُه؛ لأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ على تحريمِ المَيتَةِ، واسْتُثْنِيَ ما اضْطُرَّ إليه،
فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرورَةُ، لم يَحِلَّ له الأكلُ، كحالةِ الابتِداءِ، ولأنَّه بعدَ سَدِّ الرَّمَقِ غيرُ مُضْطَرٍّ، [فلم يَحِلَّ] له الأكلُ؛ [للآيَةِ. يُحَقِّقُه أنَّه بعدَ سَدِّ رَمَقِه، كهُوَ قبلَ أن يُضْطَرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ]، كذا ههُنا. والثانيةُ، يُباحُ له الشِّبَعُ. اختارَها أبو بكرٍ؛ لِما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رجلًا نَزَل الحَرَّةَ ، فنفَقَت عندَه ناقَةٌ، فقالت له امرأتُه: اسْلُخْها حتى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها، ونَأْكُلَه. فقال: حتى أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
فسألَه، فقال:«هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟». قال: لا. قال:«فَكُلُوهَا». ولم يُفَرِّقْ. رواه أبو داودَ . ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ منه، جازَ الشِّبَعُ منه، كالمُباحِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفرَّقَ بينَ ما إذا كانتِ [الضَّرورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وبينَ ما إذا كانت] مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فما كانت مُسْتَمِرَّةً، كحالِ الأعْرابِيِّ الذي سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، جازَ الشِّبَعُ؛ لأنَّه إذا اقْتَصَرَ على سَدِّ الرَّمَقِ، عادَتِ الضَّرورَةُ إليه عن قُرْبٍ، ولا يتَمَكّنُ مِن البُعْدِ عنِ المَيتَةِ، مَخافَةَ الضَّرورَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، ويُفْضِي إلى ضَعْفِ بَدَنِه، وربَّما أدَّى ذلك إلى تَلَفِه،
بخلافِ التي ليست مُسْتَمِرَّةً، فإنَّه يَرْجو الغِنَى عنها بما يَحِلُّ له. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الضَّرورَةَ المُبِيحَةَ، هي التي يَخافُ التَّلفَ بهما إن تَرَك الأكلَ. قال أحمدُ: إذا كان يَخْشَى على نفْسِه، سواءٌ كان مِن جُوعٍ، أو يَخافُ إن تَرَكَ الأكلَ عَجَز عن المَشْي، وانْقَطَعَ عن الرُّفْقَةِ فهَلَكَ، أو يَعْجِزُ عن الرُّكوبِ فيَهْلِكُ، ولا يتَقَيَّدُ ذلك بزمنٍ مَحْصورٍ.
فصل: وهل يجبُ الأكلُ مِن المَيتَةِ أو غيرِها مِن المحرماتِ على المُضْطَرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يجبُ. وهو قولُ مَسْرُوقٍ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ. قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ الله عن المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيتَةَ، ولم يأْكلْ؟ فذكرَ قولَ مَسْروقٍ: مَن اضْطُرَّ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، فماتَ، دخل النّارَ . وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. وتَرْكُ الأكْلِ مع إمكانِه في هذه الحالِ، إلْقاءٌ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
وقال اللهُ تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. ولأنَّه قادِرٌ على إحْياءِ نفْسِه بما أحَلَّه اللهُ له، فلَزِمَه، كما لو كان معه طَعامٌ حَلالٌ.
والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَه في بَيتٍ، وجَعَل معه خَمْرًا ممْزُوجًا بماءٍ ، ولحمَ خِنْزِيرٍ مَشْويٍّ، ثلاثةَ أيّامٍ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، حتى مال رأسُه مِن الجُوعِ والعَطَشِ، وخَشُوا مَوْتَه، فأخرَجُوه، فقال: قد كان اللهُ قد أحَلَّه لي؛ لأنَّنِي مُضْطَرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأُشْمِتَكَ بدِينِ الإِسْلامِ . ولأنَّ إباحَةَ الأكلِ رُخْصَةٌ، فلا تَجِبُ عليه، كسائِرِ الرُّخَصِ، ولأنَّ له غَرَضًا في اجْتِنابِ النَّجاسَةِ، والأخْذِ بالعَزِيمَةِ، ورُبَّما لم تَطِبْ نفْسُه بتَناوُلِ المَيتَةِ، وفارَقَ الحلال في الأصْلِ مِن هذه الوُجُوهِ.
فصل: وتُباحُ المُحَرَّماتُ عندَ الاضْطِرارِ، في الحَضَرِ والسَّفَرِ جميعًا؛ لأنَّ الآيَةَ مُطْلَقَةٌ، غيرُ مُقَيَّدَةٍ بإحْدَى الحالتَين، وقولُه سبحانه:{فَمَنِ اضْطُرَّ}. لَفْظٌ عامٌّ في كلِّ مُضْطَرٍّ، ولأنَّ الاضْطِرارَ يكونُ في الحَضَرِ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وسَبَبُ الإِباحَةِ الحاجَةُ إلى حِفْظِ النَّفْسِ عنِ الهَلاكِ؛ لكونِ هذه المصْلَحَةِ أعْظَمَ مِن مَصْلَحَةِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ، والصِّيانَةِ عن تَناوُلِ المُسْتَخْبَثاتِ، وهذا المعنى عامٌّ في الحالين. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المَيتَةَ لا تَحِلُّ لِمَن يَقْدِرُ على دَفْعِ ضَرورَتِه بالمسألةِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: أكْلُ المَيتَةِ إنَّما يكونُ في السَّفَرِ. يعني أنَّه في الحَضَرِ يُمْكِنُه السُّؤالُ. وهذا عن أحمدَ خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ،
فإنَّ الغالِبَ أنَّ الحَضَرَ يُوجَدُ فيه الطَّعامُ الحلالُ، ويُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرورَةِ بالسُّؤَالِ، ولكنَّ الضَّرُورَةَ أمْرٌ مُعْتَبَرٌ بوُجُودِ حقِيقَتِه، لا يُكْتَفَى فيه بالمَظِنَّةِ، بل متى وُجِدَتِ الضَّرورَةُ أباحَتْ، سواءٌ وُجِدَتِ المَظِنَّةُ أو لم تُوجَدْ،
ومتى انتَفَتْ، لم يُبَحِ الأكلُ لوجُودِ مَظِنَّتِها بحالٍ.
فصل: قال أصْحابُنا: ليس للمُضْطَرِّ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ الأكلُ مِن المَيتَةِ، كقاطِعِ الطَّريقِ، والآبِقِ؛ لقولِ الله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ}. قال مجاهِدٌ: غَيرَ بَاغٍ على المسلمين وَلَا عَادٍ عليهم.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: إذا خَرَج يقْطَعُ الطَّريقَ، فلا رُخْصَةَ له،
فإن تابَ وأقْلَع عن مَعْصِيَتِه، حَلَّ له الأكلُ.
فصل: وهل للمُضْطَرِّ التَّزَودُ مِن المَيتَةِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، له ذلك. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في اسْتِصْحابِها، ولا في إعْدادِها لدَفْعِ ضَرورَتِه، وقضاءِ حاجَتِه، ولا يأكلُ منها إلَّا عندَ ضَرورَتِه. والثانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه تَوَسُّعٌ فيما لم يُبَحْ إلَّا للضَّرورَةِ،
فإنِ اسْتَصْحَبَها، فلَقِيَه مُضْطَرٌ، لم يَجُزْ له بَيعُه إيّاه؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له منها ما يَدْفَعُ به الضَّرورَةَ، ولا ضَرورَةَ إلى البَيعِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، ويَلْزَمُه إعْطاءُ الآخَرِ بغيرِ عِوَضٍ، إذا لم يكنْ هو مُضْطَرًّا في الحالِ إلى [ما معه]؛ لأنَّ ضَرورَةَ الذي لَقِيَه موجودةٌ، وحامِلُها يَخافُ الضَّرَرَ في ثانِي الحالِ. ٤٦١٨ - مسألة: (فإن وَجَد طعامًا لا يَعْرِفُ مالِكَه، ومَيتَةً، أو صَيدًا، وهو مُحْرِمٌ، فقال أصْحابُنا: يَأكلُ المَيتَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له الطعامُ والصَّيدُ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ) وكقولِ أصْحابِنا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ.
وقال مالِكٌ: إن كانوا يُصَدِّقونَه أنَّه مُضْطَرٌ، أكلَ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، وشَرِب اللَّبَنَ،
وإن خافَ أن تُقْطَعَ يَدُه، أو لا يُقْبَلَ منه، أكلَ المَيتَةَ. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان؛ أحدُهما، يأكلُ الطَّعامَ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ دينارٍ ؛ لأنَّه قادِرٌ على الطَّعام الحَلالِ، فلم يَجُزْ له أكلُ المَيتَةِ، كما لو بَذَلَه له صاحِبُه. ولَنا، أنَّ أكلَ المَيتَةِ مَنْصوصٌ عليه، ومال الآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فيه، فكان العُدولُ إلى المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى، ولأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّة على المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحَقَّ الآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولأنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ تَلْزَمُه غَرامَتُه، وحَقَّ الله تعالى لا عِوَضَ له.
ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الطَّعامِ والصَّيدِ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ؛ لأنَّه قادِرٌ على الطَّعامِ الحلالِ، فأشْبَهَ ما لو بذَلَه له صاحِبُه.
فصل: إذا وَجَد المُضْطَرُّ مَن يُطْعِمُه ويَسْقِيه، لم يَحِلَّ له الامْتِناعُ مِن الأكلِ والشُّرْبِ، ولا العُدولُ إلى المَيتَةِ، إلَّا أن يَخافَ أن يَسُمَّه فيه، أو يكونَ الطَّعامُ الذي يُطْعِمُه ممّا يَضُرُّه، ويخافُ أن يُهْلِكَه أو يُمْرِضَه.
فصل: وإن وَجَد طعامًا مع صاحِبِه ، وامْتَنَع مِن بَذْلِه، أو بَيعِه منه، ووَجَد ثَمَنَه، لم يَجُزْ له مُكابَرَتُه عليه وأخْذُه منه، وعدَلَ إلى المَيتَةِ، سواءٌ كان قَويًّا لا يخافُ مِن مُكابَرَتِه التَّلَفَ أو لم يَخَفْ.
فإن بذَلَه بثَمَنِ مِثْلِه، وقَدَر على الثَّمَنِ، لم يَحِلَّ له أكلُ المَيتَةِ؛ لأنَّه قادِرٌ على طعامٍ حلالٍ.
وإن بذَلَه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤُه أيضًا؛ لِما ذكَرْناه،
وإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو في حُكْمِ العادِمِ،
وإنِ امْتَنَعَ مِن بذْلِه إلَّا بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ مِثْلِه، فاشْتَراهُ المُضْصطَرُّ بذلك، لم يَلْزَمْه أكثَرُ مِن ثَمَنِ مِثْلِه؛ لأنَّ الزِّيادَةَ أُحْوجَ إلى بَذْلِها بغيرِ حَقٍّ، فلم يَلْزَمْه، كالمُكْرَهِ.
فصل: وإن وَجَد المُحْرِمُ مَيتَةً وصَيدًا، أكلَ المَيتَةَ. وبه قال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قوْلَيه: يأكلُ الصَّيدَ، ويفْدِيه. وهو قولُ الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّ الضَّرورَةَ تُبِيحُه، ومع القُدْرَةِ عليه لا تَحِلُّ المَيتَةُ؛ لغِنَاهُ عنها. قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الصَّيدِ، إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ) ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ إباحَةَ المَيتَةِ منْصُوصٌ عليها، وإباحَةَ الصَّيدِ مُجْتَهَدٌ فيها، وتَقْدِيمُ المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى.
فإن لم يَجِدْ مَيتَةً، ذَبَح الصَّيدَ وأكَلَه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُضْطَرٌّ إليه عَينًا. وقد قيلَ: إنَّ في الصَّيدِ تحْريماتٍ ثلاثًا؛ تحْرِيمَ قَتْلِه، وتحْريمَ أكلِه، وتحْريمَ المَيتَةِ؛ لأنَّ ما ذَبَحَه المُحْرِمُ مِن الصَّيدِ يكونُ مَيتَةً، فقد ساوَى المَيتَةَ في هذا، وفَضَلَ عنها بتَحْريمِ القَتْلِ والأكلِ. لكن يُقال على هذا: إنَّ الشّارِعَ إذا أباحَ له أكلَه، لم يَصِرْ مَيتَةً، ولهذا لو لم يَجِدِ المَيتَةَ فذَبَحَه، كان ذَكِيًّا طاهِرًا، وليس بنَجِسٍ ولا مَيتَةٍ، ولهذا يَتَعَيَّنُ عليه ذَبْحُه في مَحَلِّ الذَّبْحِ، وتُعْتَبَرُ شُروطُ الذَّكاةِ فيه،
ولا يجوز قَتْلُه، ولو كان مَيتَةً، لم يتعَيَّنْ ذلك عليه.
فصل: إذا ذَبَح المحْرِمُ الصَّيدَ عندَ الضَّرورَةِ، جازَ له أن يَشْبَعَ منه؛ لأنَّه لَحْمٌ ذَكِيٌّ، ولا حَقَّ فيه لآدَمِيٍّ سِوَاهُ، فأُبِيحَ له الشِّبَعُ منه، كما لو ذَبَحَه حَلالٌ لا مِن أجْلِه.
فصل: فإن لم يَجِدِ المُضْطَرُّ شيئًا، لم يُبَحْ له أكلُ بعضِ أعْضائِه.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: له ذلك؛ لأنَّ له أن يَحْفَظَ الجُمْلَةَ بقَطْعِ عُضْوٍ، كما لو وقَعَتْ فيه الأكِلَةُ. ولَنا، أنَّ أكْلَه مِن نفْسِه ربَّما قَتَلَه، فيكونُ قاتِلًا لنَفْسِه، ولا يتَيَقَّنُ حُصولَ البَقاءِ بأكلِه.
أمّا قَطْعُ الأكِلَةِ فإنَّه يُخافُ الهَلاكُ بذلك، فأُبِيحَ له إبْعادُه، ودَفْعُ الضَّرَرِ المُتَوَجِّهِ منه بتَرْكِه، كما أُبِيحَ قَتْلُ الصّائِلِ عليه، ولم يُبَحْ له قَتْلُه ليأكلَه.
٤٦١٩ -
(وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ) أَيْ: جَهِلَهُ (وَمَيْتَةً وَصَيْدًا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ) ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ،
بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، وَالضِّيقِ، وَحَقُّهُ يُلْزِمُهُ غَرَامَتَهُ،
بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهِ،
وَفِي الْفُنُونِ قَالَ حَنْبَلِيٌّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا خِلَافَ هَذَا، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ، وَالصَّيْدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيْتَةَ) هَذَا وَجْهٌ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَذَلَهُ مَالِكُهُ،
وَفِي الْكَافِي: هِيَ أَوْلَى إِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ، وَإِلَّا أَكَلَ الطَّعَامَ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ،
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ، وَلَوْ بِقِتَالِهِ، ثُمَّ صَيْدًا، ثُمَّ مَيْتَةً،
فَلَوْ عَلِمَهُ، وَبَذَلَهُ فَفِي بَقَاءِ حِلِّهِ - كَبَذْلِ حُرَّةٍ بُضْعَهَا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا - مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ،
فَإِنْ بَذَلَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُ مُعْسِرًا عَلَى احْتِمَالٍ،
فَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَطَعَامًا أَكَلَ مِنَ الطَّعَامِ،
وَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ، وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ، قَالَهُ الْقَاضِي،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ،
فَإِنِ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ تَحَرَّى عَلَى الْأَشْهَرِ،
وَلَوْ وَجَدَ مَيْتَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَكَلَ مِنْهَا،
فإن وجَدَ طَعامًا لا يَعْرِفُ مالِكَه، ومَيتَةً، أو صَيدًا، وهو مُحْرِمٌ، فقال أصحابُنا: يَأْكُلُ المَيتَةَ. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه؛ لأنَّ في أكْلِ الصَّيدِ ثَلاثَ جِنايَاتٍ؛ صَيدُه، وذَبْحُه، وأَكْلُه، وأَكْلُ المَيتَةِ فيه جِنايَةٌ واحدةٌ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يحِلَّ له الطَّعامُ والصَّيدُ، إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ.
قال في «الفُنونِ»: قال حَنْبَلِيٌّ: الذي يقْتَضِيه مذهبُنا، خِلافَ ماقاله الأصحابُ.
وقال في «الكافِي»: المَيتَةُ أوْلَى، إنْ طابَتْ نفْسُه، وإلَّا أكَل الطَّعامَ؛ لأنَّه مُضطَرٌّ.
وفي «مُخْتَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يُقَدِّمُ الطَّعامَ ولو بقِتالِه، ثم الصَّيدَ، ثم المَيتَةَ.
فوائد؛ الأُولَى، لو وجَد لَحْمَ صَيدٍ ذبَحَه مُحْرِمٌ، ومَيتَةً، أكَل لَحْمَ الصَّيدِ، قاله القاضي في «خِلافِه»؛ لأنَّ كلُّا منهما فيه جِنايَةٌ واحدةٌ، ويتَميَّزُ الصَّيدُ بالاخْتلافِ في كَوْنِه مُذَكًّى.
قال في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةَ عشْرَةَ بعدَ المِائةِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيما قاله القاضي نظَرٌ. وعلَّلَه، ثم قال: وجَدْتُ أبا الخَطَّابِ في «انْتِصارِه»، اخْتارَ أكْلَ المَيتَةِ، وعلَّلَه بما قاله.
ولو وجَدَ بَيضَ صَيدٍ، فظاهِرُ كلامِ القاضي، أنَّه يأْكُلُ المَيتَةَ، ولا يكْسرُه ويأْكلُه؛ لأنَّ كسْرَه جِنايةٌ ، كذَبْحِ الصَّيدِ.
الثَّانيةُ، لو وجَد المُحْرِمُ صَيدًا وطَعامًا لا يعْرِفُ مالِكَه، ولم يجِدْ مَيتَةً، أكَلَ الطَّعامَ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُخَيَّرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو احْتِمالٌ في «المُحَرَّرِ». قلتُ: يتَوَجَّهُ أنْ يأْكُلَ الصَّيدَ، لأنَّ حقَّ اللهِ مَبْنِيٌّ على المُسامَحَةِ،
بخِلافِ حقِّ الآدَمِيِّ، كما في نَظائرِه.
الثَّالثةُ، لو اشْتبَهتْ مسْلُوخَتان؛ مَيتَةٌ ومُذَكَّاةٌ، ولم يجِدْ غيرَهما، تحرَّى المُضْطَرُّ فيهما. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الرِّعايتَين».
وقيل: له الأكْلُ بلا تَحَرٍّ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا طَعَامًا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ،
فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إِلَيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ،
فَإِنْ أَبَى، فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا، وَيُعْطِيهِ قِيمَتَه،
فَإِن مَنَعَه، فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ،
وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ، فَعَلَيهِ ضَمَانُهُ.
الرَّابعةُ، لو وجَد ميتَتَين، مُخْتَلَفٌ في إحْداهما، أكلَها دُونَ المُجْمَعِ عليها.
قال: (وإن وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة أو صيداً وهو مُحْرم فقال أصحابنا: يأكل الميتة. ويحتمل أن يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة) .
أما كون من وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة: يأكل الميتة دون طعام الغير على قول أصحابنا؛ فلأنه منصوص على فعله، وأكل مال الآدمي بغير إذنه مجتهد فيه.
ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحق الآدمي مبني على الشح والضيق.
وأما كون من وجد ميتة وصيداً وهو مُحْرم يأكل الميتة دون الصيد؛ فلأن في الصيد تحريمات ثلاثة: تحريم قتله، وتحريم أكله؛ لكونه صيداً، وتحريم أكله؛ لكونه ميتة؛ لأن ما ذبحه المحرم يصير ميتة.
وأما كون الأول يحتمل أن يحل له الطعام إذا لم تقبل نفسه الميتة؛ فلأن طعام الغير لم يحرم لمعنى فيه بل لحق الغير وذلك يجوز بوجوب الضمان.
بخلاف الميتة فإنها حرمت لمعنى فيها وهو موجود عند الاضطرار.
ولأن في إلزامه بأكل ما لم تقبل نفسه إضراراً به، وربما أدى حاله إلى ترك الأكل. فيحصل المحذور الذي أبيح من أجله أكل الميتة. وذلك مطلوب العدم.
وأما كون المحرم يأكل الصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة؛ فلأن الصيد يساوي طعام الغير فيما ذكر معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
لا يقال: الصيد يصير بذبح المحرم ميتة فيساوي الميتة الذي وجدها معه
بخلاف طعام الغير؛ لأن الصيد وإن صار بما ذُكر ميتة لكن حكماً، وحينئذ لم يوجد فيه ما في الميتة حقيقة من حيث المحل ونحوه.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله فيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه وصف الطعام بكونه لا يعرف واجدُه مالكَه.
وظاهره اشتراط ذلك في أكل الميتة حقيقة على قول الأصحاب،
وفي أكل الطعام والصيد على الاحتمال.
وثانيها: أن قوله: وإن وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة أو صيداً ظاهره أن الواجد تارة يجد الطعام المذكور والميتة، وتارة يجد الطعام المذكور والصيد؛ لأن "أو" العاطفة على الميتة لا الطعام.
وثالثها: أن قوله: فقال أصحابنا: يأكل الميتة فيه إشعار بتضعيف ذلك؛ لأنه العادة منه في غير موضع من كتابه.
وقوله: ويحتمل ليس بظاهر في الترجيح.
قيل: أما الأول فليس مراده من وصف الطعام بما ذكر الاشتراط المذكور، وإنما وصفه بذلك؛ لأن الطعام الذي يعرف مالكه تأتي فيه الأحكام الآتي ذكرها. ويمكن أن يقال: ما يعرف مالكه يمكن غالباً أن يستأذنه في الأكل. والظاهر من حال المسلم أنه لا يمنع المضطر إليه من أكله إذا كان مستغنياً عنه فلا يحصل التعارض بين أكل ذلك وأكل الميتة فيكون ذلك شرطاً كما ذكر.
وأما الثاني: فالعطف بـ "أو" على الطعام لا على الميتة، وذلك وإن قرب من الميتة فقوله بعد: فقال أصحابنا: يأكل الميتة يرده؛ لأنه يدل على أن الميتة موجودة في المسألتين؛ لاقتصاره على ذكرها وإلا قال: والصيد.
وقوله: ويحتمل أن يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة يرده أيضاً؛ لأنه يدل على وجود الميتة مع الطعام تارة ومع الصيد أخرى.
وأما الثالث ... .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.