وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا كَانَ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ،
الشروح عليها
فصل: ويُكْرَهُ الحَلِفُ بالأمانَةِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَنْ حَلَفَ بالْأَمَانَةِ، فَلَيسَ مِنَّا». رَواه أبو داودَ . ورُوِيَ عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ: أنَّ رجلًا حَلَفَ عندَه بالأمانَةِ، فجعلَ يَبْكِي بُكاءً شديدًا، فقال له الرجلُ: هل كان هذا يُكْرَهُ؟ قال: نعم، كان عمرُ يَنْهَى عن الحَلِفِ بالأمانَةِ أشَدَّ النَّهي.
٤٦٨٨ - مسألة: (وإن قال، لَعَمْرُ اللهِ. كان يَمِينًا.
وقال أبو بَكْرٍ: لا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ) ظاهِرُ المذهب أنَّ ذلك يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ وإن لم يَنْو. وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أَبو بكرٍ: إن قَصَدَ اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، وإلَّا فلا. وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ يَمِينًا بتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فكأنَّه قال: لعَمْرُ اللهِ ما أُقْسِمُ به. فيكونُ مَجازًا، والمَجازُ لا يَنْصَرِفُ إليه الإِطْلاقُ. ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بصِفَةٍ من صِفَاتِ اللهِ، فكانت يَمِينًا مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ ببَقاءِ اللهِ وحَياتِه. ويُقالُ: العُمْرُ والعَمْرُ واحِدٌ.
وقيل: مَعْناه وحَقِّ اللهِ. وقد ثَبَت له عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
وقال النَّابِغَةُ :
فَلَا لعَمْرُ الذِي [قَدْ زُرْتَه] حِجَجًا ... وما أُرِيقَ على الأنْصابِ مِنْ جَسَدِ وقال آخرُ:
إذَا رَضِيَتْ كِرامُ بَنِي قُشَيرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضَاهَا وهذا في الشِّعْرِ والكلامِ كثيرٌ.
وأمَّا احْتِياجُه إلى التَّقْديرِ، فلا يَضُرُّ،
فإنَّ اللَّفْظَ إذا اشْتَهَرَ في العُرْفِ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ،
ويجبُ حَمْلُه عليه عندَ الإِطْلاقِ دُونَ مَوْضُوعِه الأصْلِيِّ، على ما عُرِفَ من سائرِ الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ،
ومتى احْتاجَ اللَّفْظُ إلى التَّقْديرِ، وَجَب التَّقْدِيرُ له، ولم يَجُزِ اطِّراحُه، ولهذا يُفْهَمُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ به من غيرِ اطِّلاعٍ على نِيَّةِ قائِلِه وقَصْدِه، كما يُفْهَمُ أنَّ مُرادَ المُتَكَلِّمِ بهذا . مِن المتقدِّمِينَ القَسَمُ،
ويُفْهَمُ من القَسَمِ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ في أشْعارِهم القَسَمُ في مثلِ قولِه :
* فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا * ويُفْهَمُ من القَسَمِ الذي حُذِفَ في جَوابِه حَرْفُ [«لا» أنّه] مُقَدَّرٌ مُرادٌ، كهذا البَيتِ، ويُفْهَمُ مِن قولِ اللهِ تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}. {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}. التَّقْديرُ، فكذا ههُنا.
وإن قال: عَمْرَكَ اللهَ.
كما في قولِه :
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيانِ؟
فقد قيل: هو مِثْلُ قولِه: نَشَدْتُكَ اللهَ. ولهذا يُنْصَبُ اسْمُ اللهِ فيه.
وإن قال: لعَمْرِي، أو لعَمْرُك، أو عَمْرُك. فليس بيَمِينٍ في قولِ أكثَرِهم.
وقال الحسنُ، في قوْلِه: لعَمْرِي: عليه الكَفَّارَةُ. ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بحَياةِ مخْلُوقٍ، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: وحَياتِي. وذلك لأنَّ هذا اللَّفْظَ يكونُ قَسَمًا بحَياةِ الذي أُضِيفَ إليه العَمْرُ،
فإنَّ التَّقْديرَ، لَعَمْرُكَ قَسَمِي، أو ما أُقْسِمُ به، والعَمْرُ الحياةُ أو البقاءُ.
٤٦٨٩ -
(وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ يَمِينٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ يَمِينًا، كَالْقَسَمِ الْمَحْضِ،
وَفِي الْمُغْنِي: لَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا نَوَاهَا، مُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا نَوَاهَا كَانَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقَسَمَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَّ،
وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، بِالرَّفْعِ، وَنَوَى الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ لَحَنَ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ،
وَقِيلَ: لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ، كَقَوْلِهِ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، رَفْعًا وَنَصْبًا، وَاللَّهِ أَصُومُ، أَوْ أُصَلِّي، وَنَحْوَهُ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي.
فَرْعٌ: هَاءُ اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَدَّهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ حَرْفَ قَسَمٍ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَالظَّاهِرُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا في جَوَابه حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ.
[الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى]
وإنْ قال: لعَمْرُ اللهِ. كانَ يَمِينًا. وهو المذهبُ مُطْلَقًا. وعليه جماهيرُ إلا أَنْ يَنْويَ.
الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. قال المُصَنِّفُ وغيرُه: هذا ظاهرُ المذهبِ.
وقال أَبُو بكْرٍ: لا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْويَ. وهو رِوايةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلامِ اللهَ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ بِكُل آيَةٍ كَفَّارَةٌ.
وإنْ قال: أعْزِمُ باللهِ. كانَ يَمِينًا. وهو أحدُ الوَجْهَين.
قال في «الفُروعِ»: قال جماعة: والعَزْمُ. وهو المذهبُ. ومال إليه الشَّارِحُ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَذْكِرَةِ بنِ عَبْدُوسٍ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو قولُ الجُمْهورِ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وذكَر أبو بَكْرٍ، في قوْلِه: أعْزِمُ باللهِ. ليسَ بيَمِينٍ مع الإطْلاقِ؛ لأنَّه لم يثْبُتُ له عُرْفُ الشَّرْعِ، ولا الاسْتِعْمالُ، فظاهِرُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه غيرُ يمينٍ؛ لأنَّ مَعْناه، أقْصِدُ باللهِ لأَفعَلَنَّ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.