ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتُهُ، وَأَنْفُهُ وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ إِلَّا الْأَنْفَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مَسألة: (والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجِبٌ، إلَّا الأنفَ، على إحْدَى الروايتين) السُّجُودُ على الأعْضاءِ السَّبْعَةِ واجِبٌ، في قَوْلِ طاوُسٍ، وإسحاقَ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ الآخَرِ: لا يَجِبُ السُّجُودُ على غيرِ الجَبْهَةِ. ورَواه الآمِدِيُّ، عن أحمدَ.
وقال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَرِيضِ يَرْفَعُ شيئًا يَسْجُدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه. ومَعْلُوم أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجُودِ على يَدَيْه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «سَجَدَ وَجْهِي». وهذا يَدُل على أنَّ السُّجُودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ السَّاجِدَ على الوَجْهِ يُسَمى ساجدًا، ووَضْعَ غيرِه على الأرْضِ لا يُسَمى به ساجِدًا، فالأمْرُ بالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمِّي به ساجِدًا دُونَ غيرِه، ولأنَّه لو وَجَب السُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ، لوَجَبَ كَشْفُها، كالجَبْهَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ». مُتَّفَق عليه. وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: قال رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَواه مسلمٌ . وسُجُودُ الوَجْهِ لا يَنْفِي سُجُودَ ما عَداه، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، [فإنَّا نَمْنَعُ] في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ،
ولو سُلِّمَ فالجَبْهَةُ هي الأصْلُ في السُّجُودِ، وهي مَكشُوفَةٌ عادَةً،
بخِلافِ غيرِها، فإن أخَلُّ بالسُّجُودِ على عُضْوٍ مِن هذه الأعْضاءِ، لم تَصِح صَلاُتَه عندَ مَن أوْجَبَه،
وإن قَدَر على السُّجُودِ على الجَبْهَةِ، وعَجَز عن السُّجُودِ على بَعْضِ هذه الأعضاء، سَجَد على بَقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المَرِيضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يُمْكِنُه،
ولا يَجِبُ عليه أن يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأَنَّ السُّجُودِ هو الهُبُوطُ، ولا يَحْصُلُ بالرفْعِ،
وإن سَقَط السُّجُودُ على الجَبْهَةِ؛ لعارِضٍ مِن مَرَض أو غيرِه، سَقَط عنه السُّجُودُ على غيرِه، لأنَّه الأصْلُ، وغيرَه تَبَعٌ له،
فإذا سَقَط الأصْلُ سَقَط التبعُ، ولهذا قال أحمدُ في المَرِيضِ يَرْفَعُ إلى جَبْهَتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: أنَّه يُجْزِئُه.
فصل: وفي الأنْفِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجبُ السُّجودُ عليه. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعةِ أعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ».
وأشار بيَدِه إلى أنفِه. «وَالْيَدَيْنِ، وَالركْبَتَيْنِ، وأطْرافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَق عليه . وإشارَتُه إلى أنْفِه تَدُل على إرادَتِه. وللنَّسائِيِّ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَالأنْفِ، وَالْيَديْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» . والرِّوِايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَجبُ. وهو قولُ عَطاء، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:«أمِرْتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم». ولم يَذْكُرِ الأنفَ فيها، ورُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: رَأيتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بأعْلى جَبْهَتِه على قُصاصِ الشَّعَرِ .
رَواه تَمَّامٌ في «فَوائِدِ»، وغيرُه.
وإذا سَجَد بأعْلَى الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ: إن سَجَد على [أنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهْ]، أجْزَأه . ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ الجَبْهَةَ والأَنْفَ عُضْو واحِدٌ؛ لإشارَةِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إليه حينَ ذَكرَ الجَبْهَةَ. والسُّجُودُ على بعضِ العُضْوِ يُجْزِئُ. وهذا قَوْل يُخالِفُ الحديثَ الصَّحِيحَ والعُلَماءَ قبلَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَقَه إلى هذا القَوْلِ. واللهُ أعلمُ.
٤١١ -
(ثُمَّ جَبْهَتُهُ، وَأَنْفُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَيَثْنِيهِمَا إِلَى الْقِبْلَةِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ،
وَفِي الصَّحِيحِ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» ،
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ» وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " أَنَّهُ يُقِيمُ قَدَمَهُ، وَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ،
وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَجِبُ جَعْلُ بَاطِنِ أَطْرَافِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا نِعَالٌ أَوْ خُفٌّ،
وَقِيلَ: يَجِبُ فَتْحُهَا إِنْ أَمْكَنَ،
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ كَعْبَيْهِ فِي سُجُودِهِ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ".
١ - فَرْعٌ: إِذَا سَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْقَلَبَ سَاجِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ سُجُودُهُ حَتَّى يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتِهَا،
وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ سَاجِدًا أَجْزَأَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهَا
فَلَوْ قَطَعَ النِّيَّةَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
١ - (وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ) أَيْ: رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا،
وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَجَدَ وَجْهِي» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْوَجْهِ، وَبِهِ يُسَمَّى سَاجِدًا لَا بِوَضْعِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَوَجَبَ كَشْفُهَا كَالْجَبْهَةِ، قَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَدْ نُصَّ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " فَعَلَى هَذِهِ فَيَكُونُ السُّجُودُ عَلَى الْبَقِيَّةِ سُنَّةً، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:«أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ:«إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنَّ سُجُودَ الْوَجْهِ لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ، وَسُقُوطَ الْكَشْفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، فَإِنَّا نَمْنَعُ فِي الْجَبْهَةِ عَلَى رِوَايَةٍ،
وَلَوْ سَلِمَ فَالْجَبْهَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي السُّجُودِ، وَهِيَ تُكْشَفُ عَادَةً
بِخِلَافِ غَيْرِهَا (إِلَّا الْأَنْفَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي قَالَهُ فِي الْوَسِيلَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرِ الْأَنْفَ مِنْهَا، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قُصَاصِ الشَّعْرِ» رَوَاهُ تَمَّامُ فِي " فَوَائِدِهِ " وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى الْجَبْهَةِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَنْفِ، وَالثَّانِيَةُ:" رُكْنٌ " ذَكرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا وَغَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، فَمَتَى أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ لَمْ تَصِحَّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ السُّجُودِ بِغَيْرِ الْجَبْهَةِ سَجَدَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ،
وَلَا يَجِبُ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْهُبُوطُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالرَّفْعِ،
وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْجَبْهَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ إِلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُ، حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ،
وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُهُ بِدُونِ بَعْضِهَا، وَيُمْكِنُ رَفْعُهُ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَيُجْزِئُهُ بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَجِبُ سُجُودُهُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ بَعْضِهِ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: وَأَصَابِعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُهُ عَلَى أنفه عَنْ جَبْهَتِهِ وِفَاقًا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْزَاءَ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا،
قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ، لِإِشَارَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَيْهِ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهِ.
ويكونُ على أطْرافِ أصَابِعه. الصَّحيحُ مِن المذهبِ؛ أنَّ هذه الصِّفَةَ هي المُستَحَبَّةُ، وتكونُ أصابِعه مفَرقَةً موَجهةً إلى القِبْلَةِ.
وقيل: يجْعَلُ بطُونَها على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأرْضِ. وقيل: يُخَيَّرُ في ذلك.
وقَال في «التَّلْخِيصِ»: وهل يجِبُ أنْ يجْعَلَ باطِنَ أطْرافِ أصابعِ الرِّجْليْن إلى القِبْلَةِ في السُّجودِ؛ فظاهِرُ إطْلاقِ الأصحابِ، وُجوبُ ذلك، إلَّا أنْ يكونَ في رِجْلَيْه نَعْلٌ أو خفٌ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: وقيل: يجِبُ فَتْحُ أصابعِ رِجْلَيْه إنْ أمْكنَ.
فوائد؛ الأُولَى، لو سجَد على ظَهْرِ القدَمِ، جازَ. قالَه ابنُ تميمٍ وغيرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانية، يُسْتَحَبُّ ضَمُّ أصابع يَدَيْه في السجودِ. قال الإمامُ أحمدُ: ويُوجِّهُهما نحوَ وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ.
القبْلةِ. الثَّالثةُ، لو سقط إلى الأرْضِ مِن قِيامٍ أو رُكوعٍ، ولم يطْمَئِنَّ، عادَ قائمًا به،
وإنِ اطْمأنَّ، عاد فانتصَبَ قائمًا ثم سجَد،
فإنِ اعْتدَلَ حتَّى سجَد، سقَط.
وقال المَجْدُ في «شرحِه»: إنْ سقط مِن قِيامِه ساجِدًا على جبْهَتِه، أجْزأَه باسْتِصْحابِ النية الأولَى؛ لأنَّه لم يخْرُجْ عن هيْئَةِ الصَّلاةِ. قال أبو المَعالى: إنْ سقط مِن قِيام لمَّا أَرادَ الانحِناءَ قَامَ راكِعًا،
فلو أُكْمَل قِيامَه ثم ركَع، لم يُجْزِئْه كرُكوعَيْن. والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجبٌ. أي رُكْنٌ إلَّا الأْنفَ على إحْدَى الرِّوايتيْن. وأطْلقَهما في «الهدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصة» و «المُغنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «المُسْتَوعِبِ» و «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَررِ»، و «الشَّرحِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «الزرْكشيِّ»، إحْدَاهما، يجبُ السُّجودُ عليه. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحاب. قال القاضي: اخْتارَه أبو بكْرٍ وجماعةٌ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحه ابن عَقِيل في «الفصولِ»، وصاحِبُ «تصْحيحِ المُحَررِ». واخْتارَه ابن عَبْدوس في «تذْكِرَتِه». وجزَم به في «الإفَاداتِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «نَظْمِ المفْرداتِ». وهو منها. وقدَّمه في «الخلاصَة»، و «الرعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميم»، و «الفائقِ»، وابنُ رَزِينٍ في «شرحِه». والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجِبُ. اخْتاره القاضي. وصحَّحه في «التَّصْحِيحِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدمه في «إدْرإكِ الغايةِ». وروَى . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآمِدِيُّ عن الإمامِ أحمدَ، أنَّه لا يجِبُ السُّجودُ على غيرِ الجَبْهَةِ. قال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ الإمام أحمدَ. وجزَم النَّاظِمُ أنَّ السُّجودَ على هذه الأعْضاءِ ومُباشَرَةَ المُصَلِّي بها، واجِبٌ لا رُكْنٌ.
وقال: يجْبُرُه إذا تركَه ساهِيًا أُتَى بسُجودِ السَّهْوِ.
قال في «الفروعِ»: ولعَلَّه أُخِذَ مِن إطْلاقِ بعضِهم الوُجوبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، وليس بمتَّجَهٍ وهو كما قال؛ إذْ لم نَرَ أحدًا وافَقَه على ذلك صَرِيحًا. فائدتان؛ الأولَى، يُجْزِئُ السُّجودُ على بعض العضْوِ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: ولو كان بعضُها فوقَ بعضٍ؛ كأن يَضَعَ يَدَيْه على فَخِذَيْه حالةَ السُّجودِ. ونقَل الشَّالَنْجِيُّ: إذا وضَع مِن يَدَيْه بقَدْرِ الجبْهَةِ، أجْزأه. قال ابنُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْء مِنْهَا، إلَّا الْجَبهَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
تَميمٍ: ويجوز السجودُ ببَعْض الكَفِّ،
ولو على ظهْرِه أو أطْرافِ أصابِعِه،
وكذا على بعض أطْرافِ أصابع قدَمَيْه، وبعض الجَبْهةِ. وذكر في «التلْخيص»، أنَّه يجِبُ على باطِن الكَف.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُجْزِئُه أنْ يسْجُدَ على أطْرافِ أصابعِ يدَيْه، وعليه أنْ يستَغْرقَ اليَديْن بالسجودِ، ويُجْزِئُ السُّجودُ على ظَهْرِ القَدَمِ. انتهى. الثانيةُ، لو عجزَ عن السجودِ بالجَبْهَةِ أو ما أمْكَنَه، سقَط السُّجودُ بما يقدِرُ عليه مِن غيرِها. على الصحِيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يسْقطُ، فيَلْزمُه السُّجودُ بالأنْفِ. ولا يجْزِئُ على الأنْفِ مع القُدْرَةِ على السُّجودِ بالجَبْهَةِ، قولًا واحِدًا.
ولو قدَر على السُّجود بالوَجْهِ، تَبِعَه بقِيَّةُ الأعْضاءِ،
ولو عجَز عن السجودِ به، لم يلْزَمْه بغيرِه، خِلافًا «لتَعْليقِ القاضي»، لأنَّه لا يُمْكِنُه وضْعُه بدُونِ بعضِها، ويُمْكِنُ رفعُه بدُونِ شيءٍ منها.
ولا يَجِبُ عليه مُبَاشرة المصلَّى بشيء منها إلَّا الجبهةَ، على إحدَى الرِّوايَتَيْن. وأطْلَقَهما في «الهدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» و «مَسْبُوكِ الذَّهَبَ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «الحاوي»؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْدَاهما، لا تجِبُ المُباشَرَةُ بها، يغْنى، أنَّها ليستْ برُكْنٍ. وهذا المذهبُ. وعليه جمهورُ الأصحابِ؛ منهم أبو بَكْرٍ، والقاضى.
قال في «الفُروعِ»: هذا ظاهرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ. وصحَّحه الشَّارِحُ، والمَجْدُ في «شرْحِه»، وصاحِبُ «مَجْمَع البَحْرَيْن»، و «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم. واخْتارَه ابن عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزم به في «الوَجيزِ»، و «الإفَاداتِ»، و «المُنَوَّرِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدمه في «الفُروعِ»، و «المحَرَّرِ»، و «المُغْنِي»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايِةِ». قال القاضي في «المُجَردِ»، وابنُ رزِينٍ في «شرحِه»: لو سجَد على كَوْرِ العِمامَةِ أو كمِّهِ أو ذَيْلِه، صحَّتِ الصلاة، روايةً واحدةً. والروايةُ الثَّانيةُ، تجبُ المُباشَرَةُ بها. . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحَّحه في «النَّظْم». وقدَّمه في «الحاويَيْن»، و «ابنِ تَميم».
وقال: قطَع به بعضُ أصحابِنا.
وقال ابن أبِي مُوسى: إنْ سجَد على قلَنْسُوتِه، لم يُجْزِئه، قوْلًا واحِدًا،
وإنْ سجَد على كَوْرِ العِمامَةِ لتَوَقِّي حَرٍّ أو بَرْدٍ، جازَ قولًا، واحِدًا.
وقال صاحِب «الروْضَةِ»: إنْ سجَد على كوْرِ العِمامَةِ، وكانتْ مُحَنَّكةً، جاز، وإلَّا فلا. فعلى المذهبِ، في كراهَةِ فِعْلِ ذلك رِوايَتان. وأطلقهما في «المُغني»، و «الشَّرْحِ»، و «الفروع»، و «مُخْتَصَرِ ابن تَميم»، و «الرعايَةِ الكبْرى». وحكَاهُما وَجْهيْن.
قلتُ: الأوْلَى الكراهَةُ.
تنبيه: صرَّحَ المصَنِّفُ أنَّه لا يجِبُ عليه المباشَرَة المُصَلِّي بغيرِ الجَبْهَةِ. وهو صحيح.
أما بالقَدَمَيْن والركْبَتَيْن، فلا يجبُ المُباشَرَةُ بها إجْماعًا. قالَه المَجْدُ في «شرْحه»، بل يُكْرَهُ كشْف رُكْبتيْه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُكْرَهُ. وأمَّا باليَدَيْن، فالصَّحيحُ مِنَ المذهب، كما قال المُصَنفُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم.
وعنه، يجِبُ. قال القاضي في موْضِع مِن كلامِه: اليَدُ كالجَبْهَةِ في اعْتِبارِ المُباشَرَةِ. ونقَل صالِحٌ: لا يسْجُدُ ويَدَاه في ثَوْبِه، إلَّا مِن عُذْرٍ.
وقال ابنُ عَقِيل: لا يسْجُدُ على ذَيْلِه أو كُمه. قال: ويَحْتَمِلُ أنْ كونَ مثْلَ كَوْرِ العِمامَةِ.
وقال صاحِبُ «الروْضَةِ» إذا سجَد ويدُه في كُمِّه مِن غير عُذْر، كُره،
وفي الإجْزاءِ رِوايَتان. فعلى المذهبِ يُكْرَهُ سَتْرُهما.
وعنه، لا يُكْرَهُ.
تنبيه: مَحَلُّ الخِلافِ فيما تقدَّم إذا لم يكنْ عُذْرٌ،
فإنْ كان ثَمَّ عُذْرٌ من حَرٍ أو بَرْدٍ ونحوِه، أو سجَد على ما ليس بحائلٍ له، فلا كَراهَةَ، وصلاُته صَحيحَة، رِوايةً واحدة. قالَه ابنُ تَميمٍ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يُكْرَهُ لعُذْرٍ. نقلَه صالِحَ وغيرُه.
وقال في «المستوْعِبِ»: ظاهِرُ ما نقلَه أكثرُ أصحابِنا، لا فرق بين وُجودِ العُذْرِ وعدَمِه.
قال في «الفروع»: كذا قال، وليس بمُرادٍ. وقد قال جماعةٌ: تكْرَه الصلاة بمكانٍ شديدِ الحَرِّ والبَرْدِ. قال ابنُ شهَابٍ: لتركِ الخُشُوعِ، وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبَيْهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، كمُدافَعَةِ الأخْبَثَيْنِ.
فائدة: قوله: ويُجافى عَضدَيْه عن جَنْبَيْهِ، وبَطه عن فَخِذيْهِ. قال الأصحابُ: وفَخِذَيْه عنْ ساقَيْه. وذلك مُقَيَّدٌ بما إذا لم يُؤْذِ جارَه،
فإنْ آذَى جاره بشئٍ مِن ذلك، لم يفْعَلْه، وله أنْ يعتَمِدَ بِمَرْفِقَيْه على فَخِذَيْه إنْ طالَ. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ولم يُقَيِّدْه جماعَةٌ بالطّولِ، بل أطْلَقوا.
وقيل: يعْتَمِدُ في النَّفْل دُونَ الفَرْضِ.
وعنه، يُكْرَهُ.
فَوائد؛ منها، يُسْتَحَبُّ أنْ يُفَرِّقَ بينَ رِجْلَيْه حالَ قِيامِه، ويُراوِحُ بينَهما في النَّفْلِ والفرْضِ، ويأتِي ذلك عندَ قوله: يُكْرَهُ التَّراوُحُ. بأتمَّ مِن هذا.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: يُكْرهُ أنْ يُلْصِق كَعْبيْه. ومنها، لو سجَد على مَكانٍ أعْلَى مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
موْضِع قَدميْه؛ كنشْزٍ ونحوِه، جازَ،
وإنْ لم تَكنْ حاجة. قدَّمه ابنُ تَميمٍ،
وقال: قالَه بعضُ أصحابِنا. قال ابنُ عَقِيل: يكون موْضِعُ سُجودِه أعْلَى مِن موْضع قدمَيْه.
وقيل: تبطُلُ بذلك. وقال في «التلْخيص»: اسْتِعْلاء الأسْفَلِ واجبٌ.
وقيل: تبطُل إنْ كَثُرَ. قال أبو الخطابِ وغيرُه: إنْ خرَج عن صِفَةِ السُّجودِ، لم يُجْزِئْه.
وقال ابنُ تميم: الصَّحيحُ أن اليسِيرَ من ذلك لا بأسَ به دُونَ وَيَقُولُ: سبحانَ رَبىَ الْأَعْلَى. ثَلاثًا، الكثيرِ. قالَه شيْخنا أبو الفَرج بنُ أبي الَفهمِ. وقدَّمه في «الرِّعايتين».
قال في «الحاويين»: لم يكْرهَ في أحَدِ الوجْهيْن. وأطْلَقَهن في «الفُروعِ». ومنها، قال الأصحابُ: لو سجَد على حَشِيشٍ، أو قطْن، أو ثَلجٍ، أو بَرَدٍ ونحوِه، ولم يجدْ حجْمَه، لم يصحَّ؛ لعدَمِ المَكانِ المسْتَقِرِّ.
قال: (والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف على إحدى الروايتين) .
أما كون السجود على هذه الأعضاء غير الأنف واجباً؛ فلما روى ابن عباس قال:«أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين».
وفي لفظ آخر:«أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم» متفق عليهما.
والأمر للوجوب.
وأما كون السجود على الأنف واجباً على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أُمرت بالسجود على سبعة أعظم: الجبهة وأشار بيده إلى أنفه». وعن عائشة رضي الله عنها قالت:«نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض. فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض. فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» رواه الدارقطني.
وأما كونه غير واجب على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسجود على سبعة أعظم ليس فيها الأنف». رواه تمام في فوائده.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.