وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ
الشروح عليها
بابُ جامِعَ الأيمانِ ٤٧١٧ - مسألة: (ويُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ، فإن لم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَها) الأيمانُ مَبْنِيَّةٌ على نِيَّةِ الحالِفِ،
فإذا نَوَى بيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، انْصَرَفَت يَمِينُه إليه، سَواءٌ كان ما نَواه مُوافِقًا لظاهِرِ اللَّفْظِ، أو مُخالِفًا له، فالمُوافِق للظَّاهِرِ أن يَنْويَ باللَّفْظِ مَوْضُوعَه الأصْلِيَّ، مثل أنْ يَنْويَ باللَّفْظِ العامِّ العُمُومَ، وبالمُطْلَقِ الإِطْلاقَ، وبسائِرِ الألْفاظِ ما يَتَبادَرُ إلى الأفْهامِ منها. والمخالِفُ يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ أحَدُها، أن يَنْويَ بالعامِّ الخاصَّ، مثلَ مَن يَحْلِفُ لا يَأكلُ لحْمًا ولا فاكهةً. يُرِيدُ لَحْمًا بعَينه، وفاكِهَةً بعَينها. ومنها، أن يَحْلِفَ على فِعْلِ شيءٍ أو تَرْكِه مُطْلَقًا، ويَنْويَ فِعْلَه أو تَرْكَه في وَقْتٍ بعَينِه، مثلَ مَن يَحْلِفُ، أن لا يتَغَدَّى.
ويُرِيدُ اليومَ. أو: لا أكَلْتُ. يعني الساعةَ. ومنها، أن يَنْويَ بيَمِينِه غيرَ ما يَفْهَمُه السَّامِع منه، كما ذكَرْنا في المَعارِيضِ في مسألةِ إذا تَأَوَّلَ في يَمِينِه فله تَأْويلُه. ومنها، أن يُرِيدَ بالخاصِّ العامَّ، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا شَرِبْتُ لفُلانٍ الماءَ من العَطَشِ. ينوي قَطْعَ كُلِّ ما له فيه مِنَّةٌ. أو: لا يَأْوي مع امْرأتِه في دارٍ. يريدُ جَفاءَها بتَرْكِ اجْتماعِه بها في جميعِ الدُّورِ. أو حَلَف: لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها.
يُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتِها به، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بالانْتِفاعِ به، أو بثَمَنِه ، ممَّا لها فيه مِنَّةٌ عليه. وبهذا قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ والسَّبَبِ فيما يُخالِفُ لَفْظَه؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخَالفَةُ ما وَقَعَتْ عليه اليَمِينُ، واليَمِينُ لَفْظُه،
فلو أحْنَثْناه على ما سِوَاه، لأحْنَثْناه على ما نَوَى، لا على ما حَلَف، ولأنَّ النِّيَّةَ بمُجرَّدِها لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ، فكذلك لا يَحْنَثُ بمُخالفَتِها. ولَنا، أنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، ويَسُوغُ في اللُّغَةِ التَّعْبيرُ به عنه، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالمَعارِيضِ، وبَيانُ احْتمالِ اللَّفْظِ له، أنَّه يَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللهُ تعالى:{مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}. {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}.
{فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}. والقِطْمِيرُ: لُفافَةُ النَّواةِ. والفَتِيلُ: ما في شَقِّها. والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ التي في ظَهْرِها. ولم يُرِدْ ذلك بعَينه، بل نَفَى كلَّ شيءٍ.
وقال الحُطَيئَةُ يَهْجُو بني العَجْلانِ:
* ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ * ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَينِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا. وقد يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخَاصُّ، كقوْلِه تعالى:{الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ}. أرادَ رجلًا واحِدًا:{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ}. يعْني أبا سفيانَ. وقال:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}. ولم تُدَمِّرِ السَّماءَ والأرْضَ ولا مَساكِنَهم.
وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَب صَرْفُ اليَمِينِ إليه إذا نَوَاه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ولأنَّ كلامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ على مُرادِه به، إذا ثَبَت ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه. قولُهم: إنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عُقِدَ اليَمِينُ عليه. قُلْنا: وهذا كذلك،
فإنَّ اليَمِينَ إنَّما انْعَقَدَتْ على ما نَوَاه، ولَفظُه مَصْروفٌ إليه، وليست هذه نِيَّةً مُجَرَّدَةً، بل لَفْظٌ مَنْويٌّ به ما يَحْتَمِلُه.
فصل: ومن شَرْطِ انْصِرافِ اللَّفْظِ إلى ما نَوَاه، احْتِمالُ اللَّفْظِ له،
فإن نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه اللَّفْظُ، مثلَ أن يَحْلِفَ لا يَأْكُلُ خُبْزًا، يَعْنِي به لا يَدْخُلُ بَيتًا،
فإنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إلى المَنْويِّ؛ لأنَّها نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لا يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى ذلك بغيرِ يَمِينٍ. ٤٧١٨ -
(وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ) أَيْ: إِلَى نِيَّةِ حَالِفٍ لَيْسَ ظَالِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهَا، فَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ، دُونَ مَا لَفَظَ بِهِ، سَوَاءٌ نَوَى ظَاهِرَ اللَّفْظِ، أَوْ مَجَازَهُ، مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ، أَوِ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أو غير ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» فَتَدْخُلُ فِيهِ الْأَيْمَانُ، وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يصرف إِلَى مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مَا أَرَادَهُ دُونَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى تَعَيُّنِ إِرَادَتِهِ أَوْلَى، وَيُقْبَلُ حُكْمًا مَعَ قُرْبٍ الاحتمال مِنَ الظَّاهِرِ، وَمَعَ تَوَسُّطِهِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ التَّعْرِيضُ فِي الْمُخَاطَبَةِ لِغَيْرِ ظَالِمٍ بِلَا حَاجَةٍ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ،
وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاخْتَارَهُ، لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ كَتَدْلِيسِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ كَرِهَ أَحْمَدُ التَّدْلِيسَ،
وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي، وَنَصُّهُ: لَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ مَعَ الْيَمِينِ،
يُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به أكثرُهم.
وقال القاضي: يُقدَّمُ عمُومُ لفْظِه على النِّيَّةِ احْتِياطًا.
تنبيه: قولُه: يُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ. مُقَيَّدٌ بأنْ يكونَ الحالِفُ بها غيرَ ظالمٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه، على ما تقدَّم،
وأنْ يَحْتَمِلَها لفْظُه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الرِّعايتَين». وجزَم به أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ. وصحَّحه في «تَصْحيح المُحَرَّرِ».
وقال في «المُحَرَّرِ»، وجماعةٌ: ويُقْبَلُ منه في الحُكْمِ إذا قَرُبَ الاحْتِمالُ،
وإنْ قَوىَ بُعْدُه منه، لم يُقْبَلْ،
وإنْ توَسَّطَ فرِوايَتانِ. وأَطْلَقهما في «الفُروعِ». وتقدَّم ذلك في أوَّلِ بابِ التَّأْويلِ في الحَلِفِ، وتقدَّم تصْويرُ بعْضِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَسائِلَ مِن ذلك، وذِكْرُ الخُروجِ مِن مَضايقِ الأَيمانِ مُسْتَوْفًى في بابِ التَّأْويل في الحَلِفِ في أوَّلِه وآخِرِه، فليُراجَعْ.
باب جامع الأيمان] قال المصنف رحمه الله: (ويرجع في الأيمان إلى النية. فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. فإذا حلف ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه، أو كان السبب يقتضيه) .
أما كون الأيمان يرجع فيها إلى النية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وإنما لكل امرئ ما نوى».
ولأن إطلاق العام وإرادة الخاص شائع في القرآن والشعر وكلام العرب فكذلك يجب أن يكون في كلام الحالف. ولا فرق بين أن تكون ظاهر اللفظ أو غير ظاهره؛ لأن المصحح النية وهو موجود فيهما.
وأما كونها يرجع فيها إلى سبب اليمين وما هيجها؛ فلأن السبب قرينة دالة على قصر اليمين عليه. أشبه النية.
فإن قيل: لو اجتمعت النية والسبب وتعارضا؛ مثل: إن تمنّن على رجل زوجته بغزلها فيحلف لا يلبس ثوباً من غزلها وينوي اللبس خاصة: فلأيهما الحكم؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: تُقدَّمُ النية؛ لأنها الأصل.
والثاني قاله القاضي: يقدم السبب؛ لأن اللفظ ظاهر في العموم والسبب مقوٍّ له.
ولأن السبب هو الامتنان، وظاهر حاله قصد قطع المنة ولا يلتفت إلى نيته المخالفة لهذين الظاهرين. والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما تقوية السبب الظاهر فلا يسلم أنها تبلغ بلوغاً تصير النية مرجوحاً معها.
وأما كون السبب يدل على قصد قطع المنة فالدلالة على القصد لا تعتبر مع العلم بانتفاء المدلول؛ كشهادة العدلين بموت من يعلم حياته.
وأما كون من حلف لغريمه ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لا يحنث إذا كان قصده أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه؛ فلأنه متى كان كذلك لم يخالف ما حلف عليه نظراً إلى نيته أو سببه، والعبرة بهما؛ لما تقدم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.