وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ،
الشروح عليها
مسألة: (ولو نَذَر الصَّدَقَةَ بكلِّ مالِه، فَله الصَّدَقَةُ بثُلُثِه، ولا كَفَّارَةَ عليه) لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لأبي لُبَابَةَ، حينَ قال: إنَّ مِن تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أنخَلِعَ مِن مالِي. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ». وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ.
وقال رَبيعَةُ: يَتَصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؟ لأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرْعِ،
ولا يَجِبُ في الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ. وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إنْ كان كثيرًا -وهو ألْفان- تَصَدَّق بعُشْرِه،
وإن كان مُتَوَسِّطًا -وهو ألْفٌ- تصَدَّق بسُبْعِه،
وإن كان قليلًا -وهو خَمْسُمائةٍ- تصَدَّق بخمْسِه .
وقال أبو حنيفةَ: يَتَصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَويِّ كلِّه.
وعنه في غيرِه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَصَدَّقُ به. والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه منه شيء.
وقال النَّخَعِيّ، والبَتِّيُّ، والشافعيُّ: يَتَصَدَّقُ بمالِه كلِّه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَر أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ». ولأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كنَذْرِ الصلاةِ والصِّيامِ. ولَنا، حديثُ أبي لُبَابَةَ المذْكُورُ. وعن كَعْبِ بنَ مالكٍ،
قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوْبَتِي أن أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى الله وإِلى رسولِه. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأبي داودَ:«يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ». قالوا: ليس هذا بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصَّدَقَةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالاقْتِصارِ [على ثُلُثِه، كما أمَرَ سعدًا حينَ أرادَ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ مالِه، فأمَرَه بالاقْتِصارِ على] الثُّلُثِ، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ، إنَّما النِّزاعُ في مَن نَذَر الصدقةَ بجميعِه.
قُلْنا: عنه جوابان؛ أحدُهما، أنَّ قولَه: «يُجْزِئُكَ [مِن ذلك] الثُّلُثُ». دليلٌ على أنَّه أتَى بلَفْظٍ يَقْتَضِي الإِيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتَعْمَلُ غالِبًا في الواجباتِ،
ولو كان مُخَيَّرًا بإرادَةِ الصَّدَقَةِ، لَما لَزِمَه شيءٌ يُجْزِء عنه بعضُه. الثاني، أنَّ مَنْعَه مِن الصدقَةِ بزيادةٍ على الثُّلُثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَمْنَعُ أصْحابَه مِن القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبَةٍ لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به. ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ غيرَ الزَّكَويِّ مالٌ، فتَناوَلَه النَّذْرُ، كغيرِ الزَّكَويِّ. وما قاله رَبيعَةُ لا يَصِحُّ؛
فإنَّ هذا ليس بزَكاةٍ، ولا في مَعْناها،
فإنَّ الصدقةَ وَجَبَتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهِم، وهذه صَدَقَةٌ تَبَرَّع بها صاحبُها تَقَرُّبًا إلى اللهِ تعالى،
ثم إنَّ المَحْمُولَ على مَعْهُودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صَدَقَةٌ مُعَيَنة غيرُ مُطْلَقَةٍ، ثم تَبْطُلُ بما لو نَذَر صِيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضانَ،
وكذلك الصلاةُ. وما ذَكَرَه جابِرُ بنُ زَيدٍ، فهو تَحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ.
٤٨٠١ -
(وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِ كَعْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ:«وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمِيعِ مَكْرُوهٌ،
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةَ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ،
وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِوُجُوبِهَا،
وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» .
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، هَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ أَوِ الصَّامِتَ خَاصَّةً؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ، أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ،
فَإِنْ نفذ هَذَا الْمَالُ وَأَنْشَأَ غَيْرَهُ فَقَضَى دَيْنَهُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُ ثُلُثِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ،
وَفِي الْهَدْيِ: يَوْمَ نَذْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ، وَلَا يُسْقِطُ مِنْهُ قَدْرَ دَيْنِهِ
ولو نَذَرَ الصَّدَقَةَ بكلِّ مالِه، فله الصَّدَقَةُ بثُلُثِه ولا كفَّارَةَ.
قال في «الفُروعِ»: وإنْ نذَرَ مَن تُسْتَحَبُّ له الصَّدَقَةُ الصَّدَقَةَ بمالِه بقَصْدِ القُرْبَةِ -نصَّ عليه [أجْزَأه ثلُثُه،
وعنه، كلُّه]. وقولُه: مَن تُسْتَحَبُّ له الصَّدَقَةُ. يَحْتَرِزُ به عن نَذْر اللَّجَاجِ والغَضَبِ.
قال في «الرَّوْضَةِ»: ليسَ لنا في نَذْرِ الطَّاعَةِ ما يَفِي ببَعْضِه إلَّا هذا الموْضِعُ.
قلتُ: فيُعايىَ بها. إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحِيحُ مِن المذهبِ، إجْزاءُ الصَّدقَةِ بثُلُثِ مالِه ولا كفَّارَةَ عليه. نصَّ عليه. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس» وغيرِهم. وصحَّحه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
«الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ»، وغيرِهما.
قال في «القَواعِدِ»: يتَصدَّقُ بثُلُثِ مالِه عندَ الأصحابِ، ويُعايَى بها أيضًا.
وعنه، تَلْزَمُه الصَّدقَةُ بمالِه كلِّه.
وقال الزَّرْكَشِي: ويُحْكَى رِوايةً عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ الواجِبَ في ذلك كفَّارَةُ يمين.
وعنه: يشْمَلُ النقْدَ فقطْ: وقال في «الرِّعايتين»، و «الحاوي»: وهل يخْتَصُّ ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالصَّامِتِ أو يَعُمُّ غيرَه بلا نِيَّةٍ؟ على رِوايتَين. قال الزَّرْكَشِيُّ: ظاهرُ كلامِ الأكثرِ، أنَّه يعُمُّ كلَّ مالٍ إنْ لم يَكُنْ له نِيَّةٌ.
قال في «الفُروعِ»: ويتوَجَّهُ على اخْتِيارِ شيخِنا كلُّ أحَدٍ بحسَبِ عزْمِه. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ. فنقَل الأثْرَمُ في مَن نذَرَ ماله في المَساكِينِ، أيكُونُ الثُّلُثُ مِن الصَّامِتِ أو مِن جميع ما يَمْلِكُ؟ قال: إنَّما يكونُ هذا علَى قَدْرِ ما نَوَى، أو على قَدْرِ مَخرَجِ يَمِينِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
والأمْوالُ تَخْتَلِفُ عندَ النَّاسِ. ونقَل عَبْدُ اللهِ، إنْ نذَرَ الصَّدقَةَ بمالِه أو ببَعْضِه وعليه دَين أكثرُ ممَّا يمْلِكُه، أجْزَأه الثُّلُثُ؛ لأنَّه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أمرَ أبا لُبابَةَ بالثُّلُثِ.
فإنْ نفَدَ هذا المالُ وأنْشَأ غيرَه، وقضَى دَينَه، فإنَّما يجِبُ إخْراجُ ثُلُثِ مالِه يَوْمَ حِنْثِه.
قال في «الهَدْي»: يريدُ بيَوْمِ حِنْثِه يَوْمَ نذْرِه، وهذا صحيحٌ. قال: فيَنْظُرُ قَدْرَ الثُّلُثِ ذلك اليومَ، فيُخْرِجُه بعدَ قَضاءِ دَينِه.
قال في «الفُروع»: كذا قال، وإنَّما نصُّه، أنّه يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يومَ نَذْرِه ولا يسْقُطُ عنه قَدْرُ دَينِه. وهذا -على أصْلِ الأمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ- صحيحٌ وإنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلفٍ، لَزِمَهُ جَمِيعُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ.
في صِحةِ تصَرُّفِ المَدِينِ، وعلى قولٍ سبَقَ، أنَّه لا يصِحُّ بكَوْنِ قَدْرِ الدَّينِ مُسْتَثْنًى بالشَّرْعِ مِن النَّذْرِ. انتهى.
قال: (ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه. وإن نذر الصدقة بألفٍ لزمه جميعها. وعنه: يجزؤه ثلثها) .
أما كون من نذر الصدقة بكل ماله له الصدقة بثلثه؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأبي لبابة حين قال: إنَّ منْ توبَتي أن أنخلِعَ من مالي قال: يجزئك الثلث».
وفي رواية:«أمسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ» متفق عليه.
ولأبي داود:«يجزئُ عنكَ الثلث».
وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أبي لبابة سوى ثلث ماله.
وأما كون من نذر الصدقة بألفٍ يلزمه الصدقة بجميعها على المذهب؛ فلأن الأصل لزوم الوفاء بالنذر خولف في جميع المال للأثر فيبقى في غيره على الأصل.
وأما كونه يجزئه ثلثها على روايةٍ؛ فلأنه مال نذر للصدقة. فأجزأه ثلثه؛ كما لو نذر جميع المال.
والأول أصح قاله المصنف رحمه الله في المغني؛ لما تقدم. وقياس الألف على جميع المال لا يصح؛ لما في الصدقة بجميع المال من الإضرار بنفسه وورثته، ولهذا منع الشخص من الوصية بجميع ماله.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله في الألف غير مقيدٍ بكونها بعض ماله أو كله.
قيل: قال في المغني: إذا نذر الصدقة بقدرٍ يستغرق ماله كله صح إلحاقه بالصورة الأولى. يعني بنذر صدقة ماله كله.
ووجهه: أن المعنى المانع من صدقة جميع المال موجودة في الصدقة بالعدد الذي مقداره جميع ماله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.