وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ وَالسَّمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعٌ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نَحْوَ الْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَشْهدَ إلَّا بما يَعلَمُه برُويَةٍ أو سَماع) وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّهادةَ لا تجوزُ إلَّا بما يَعلَمُه، بدليلِ قولِ اللهِ تعالى:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وقولِه تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. وتخْصِيصُ هذه الثلاثةِ بالسُّؤالِ؛ لأنَّ العلمَ بالفُؤادِ، وهو يَسْتَنِدُ إلى السَّمعِ والبصرِ؛ لأنَّ مدرَكَ الشهادةِ الرُّؤْيَةُ والسَّماعُ، وهما بالبَصرِ والسمعِ . وقد رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الشَّهادةِ، قال:«هلْ تَرَى الشَّمْسَ؟».
قال: نعم. قال:«عَلَى مِثْلِها فَاشهد أوْ دَعْ». روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه في «جامِعِه». إذا ثبتَ هذا،
فإنَّ مدرَكَ العلمِ الذى تَقَعُ به الشَّهادَةُ اثنان، السَّمعُ والبَصَرُ، وما عداهما مِن مَدارِكِ العلمِ؛ كالشَّمِّ، والذَّوْقِ، واللَّمسِ، لا حاجةَ إليها في الشَّهادةِ في الأغْلَبِ. ٥٠١٨ - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها) فهذا لا تُتَحَمَّلُ الشَّهادةُ فيه إلَّا بالرويَة؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الشهادةُ عليه قطعًا،
ومِن ذلك الصِّفاتُ المَرئِيَّةُ ؛ كالعيوبِ في المبيعِ، ونحوِها، فلا يُرجَعُ إلى غيرِ ذلك.
٥٠١٩ - مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ) ونحو ذلك، فيُحتاجُ أن يُسْمَعَ كلامُ المُتَعاقِدَيْن يَقِينًا، ولا تُعتَبَرُ رُويَةُ المُتَعاقِدَيْن إذا عرَفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه كلامُهما. وبهذا قال ابنُ عباس، والزُّهْرى، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ لا تجوزُ حتى يُشاهِدَ القائِلُ المَشْهودَ عليه؛ لأنَّ الأصواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشْهدَ عليها مِن غيرِ زُؤيَةٍ، كالخَطِّ.
ولَنا، أنَّه عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، فجازَتْ شَهادَتُه عليه، كما لو رآه. وجوازُ اشْتِباهِ الأصواتِ، كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تَجوزُ الشَّهادةُ لمَن عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، وقد يحصُلُ العِلمُ بالسَّماعِ يَقِينًا، وقد اعتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايَةُ الأعْمَى، ورِوايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ.
فصل: إذا عرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضِرًا كان أو غائِبًا،
وإنْ لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أنْ يَشْهدَ عليه حاضِرًا بمَعرفةِ عَيْنه. نصَّ عليه أحمدُ. قال مُهنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجل يَشْهدُ لرَجُل بحقٍّ له على آخَرَ، وهو لا يعرِف اسْمَ هذا، ولا اسْمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا كذا . وهما شاهِدَانِ جميعًا، فلا بأسَ،
وإذا كان غائبًا، فلا يَشْهدُ حتى يَعْرِفَ اسْمَه.
والمرأةُ كالرَّجُلِ، في أنَّه إذا عرَفَ اسْمَها ونَسَبَها ، جازَ أنْ يشْهدَ عليها مع غَيْبَتِها.
وإنْ لم يعرِفْها، لم يَشهد عليها إلَّا في حالِ حُضُورِها. قال أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ إلَّا لمَن يعرِفُ، وعلى مَن يَعرِفُ، ولا يَشْهدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها،
وإن كانتْ ممَّن عرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهبَتْ، في جاءتْ، فَلْيَشْهد، وإلَّا فلا يَشْهَدْ،
فأمَّا إنْ لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشهدَ مع غَيْبَتِها.
ويجوزُ أن يَشْهدَ على عَينها إذا عرَفَ عَيْنَها، ونظَرَ إلى وَجْهها. قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى ينْظُرَ إلي وَجْهِها. وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتَيقَّنْ مَعرفَتَها.
فأمَّا مَن يَتَيَقنُ معرِفَتَها، ويَعرِفُ صَوْتَها يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قَدَّمناه في المسألةِ قبلَها.
فإن لم يعرِفِ المشْهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعرِفُه، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَشْهدُ على شَهادَةِ غيرِه إلَّا بمعرِفَتِه لها.
وقال: لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أشْهدُ أنَّ هذه فلانةُ. ويَشْهدَ على شهادَتِه. وهذا صريحٌ في المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يعرِفُه بتَعرِيفِ غيرِه.
وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتحبابِ، لتَجْوِيزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضَةِ. وظاهرُ قولِه المنعُ منه.
وقال أحمدُ: لا يَشْهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها. وهذا يَحتَمِلُ أنَّه لا يَدخُلُ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجِهنَّ. رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه».
فأمَّا الشَّهادةُ عليها في غيرِ بييها فجائزَة؛ لأنَّ إقْرارَها صحيح، وتَصَرُّفَها إذا كانتْ رَشِيدَةً صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهدَ عليها به.
فصل: وإذا عَرَفَ الشّاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرِ الشَّهادَةَ، فهل يجوزُ أنْ يَشْهدَ بذلك؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يجوزُ. قال أحمدُ في رِوايةِ حربٍ، في مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذْكرُ الشهادةَ: لا يَشْهدُ إلَّا بما يَغلَمُ.
وقال في رِوايةٍ: يَشْهدُ إذا عرَفَ خَطَّه، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ إلَّا هكذا؟.
وقال في موضع آخَرَ: إذا عَرَفَ خَطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشْهدُ، إلَّا أنْ يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوْضوعًا تحتَ خَتْمِه وحرزِه، فيَشْهدُ وإن لم يَحفَظْ.
وقال أيضًا: إذا كان رَدِئَ الحِفْظِ ، فيَشْهَدُ ويَكتُبُها عندَه. وهذه رِوايةٌ ثالثةٌ، وهو أنْ يَشْهدَ إذا كانت مَكْتوبةٌ عندَه بخَطِّه في حِرزِه، ولا يَشْهدُ إذا لم تَكُنْ كذلك، [بمَنْزِلةِ القاضى، في إحدَى الرِّوايتَيْنِ، إذا وجدَ حُكْمَه بخَطِّه تحت خَتْمِه أمضاه]، ولا يُمضِيه إذا لم يكُنْ كذلك . ٥٠٢٠ - مسألة: الضَّرْبُ الثانِى
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ} . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا شَهِدَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَإِتْقَانٍ.
وَمَعْنَاهُ: لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا،
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:«سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشَّهَادَةِ، قَالَ: تَرَى الشَّمْسَ عَلَى مِثْلِهَا، فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِغَيْرِ عِلْمٍ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.
وَمُدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ) غَالِبًا، زَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: حَالُ التَّحَمُّلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} . وَيَخْتَصُّ الثَّلَاثُ فِي الْآيَةِ بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، لِأَنَّ مُدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمَسُّ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ، لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ، (وَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِأَفْعَالِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالرَّضَاعِ وَالْوِلَادَةِ وَغَيْرِهَا) كَالْعُيُوبِ الْمَرْئِيَّةِ فِي الْمَبِيعِ وَنَحْوِهَا، (وَالسَّمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعٌ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نَحْوَ الْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ فِيهَا إِلَّا بِسَمَاعِ الْقَوْلِ وَمَعْرِفَةِ الْقَائِلِ يَقِينًا، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ بِهِ لِاخْتِفَائِهِ، أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ،
وَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِدُونِهِ كَمَعْرِفَةِ صَوْتِ الْقَائِلِ كَفَى؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَآهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمْعٍ،
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تُشْتَبَهُ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ جَوَازَ الِاشْتِبَاهِ فِي الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ.
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ فَيُخَيَّرُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ فِي إِقْرَارٍ وَحُكْمٍ،
وَعَنْهُ: وَغَيْرُهُمَا حَتَّى يَشْهَدَهُ.
وَعَنْهُ: إِنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ سَابِقٍ نَحْوَ: كَانَ لَهُ، فَحَتَّى يَشْهَدَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدَ، سَوَاءٌ وَقْتَ الْحُكْمِ أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَا: إِذَا كَانَ بَعْدَهُ، فَيَقُولَانِ: أَخْبِرْنَا أَنَّهُ حُكْمٌ، وَلَا يَقُولَانِ: أَشْهِدْنَا. وَعَلَى الْأُولَى إِذَا قَالَ الْمُتَحَاسِبَانِ: لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا جَرَى بَيْنَنَا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ، وَلَزِمَ إِقَامَتُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا،
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ،
وَفِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَعَرَفَهُ بِهِ مَنْ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ مُهَنَّا الِاكْتِفَاءُ بِمَعْرِفَةِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ بِهِ التَّمْيِيزُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّسَبِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِلَّا لِمَنْ تُعْرَفُ، وَعَلَى مَنْ تُعْرَفُ،
وَقَالَ: لَا تَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْمَنْعِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمْلَكُ لِعِصْمَتِهَا، وَقَطَعَ بِهِ، وَحَمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، لِلْخَبَرِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهَا وَتَصَرُّفَهَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً
ولا يَجُوزُ أنْ يَشْهدَ إلَّا بِما يَعلَمُه برُؤْيَةٍ أو سَماع. بلا نِزاعٍ في الجُملةِ. لكِنْ لو جَهِلَ رجُلًا حاضِرًا، جازَ له أنْ يَشْهَدَ فى حضْرَتِه؛ لمعرِفَةِ عَيْنِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ كان غائبًا، فعرفَه مَن يسْكُنُ إليه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. اخْتارَه القاضى وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وعندَ جماعةٍ، جازَ له أنْ يشْهَدَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، المَنْعُ مِن الشَّهادَةِ بالتَّعْريفِ. وحَمَلها القاضى على الاسْتِحبابِ. وأطْلَقَهما فى «النَّظْمِ». والمرأةُ كالرَّجُلِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضى.
وعنه، إنْ عَرَفَها كنَفْسِه، شَهِدَ، وإلا فلا.
وعنه، أو نظَر إليها، شَهِدَ. ونقَل حَنْبَلٌ، لا يشْهدُ عليها إلَّا بإذْنِ زوْجِها. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو مُحتَمِلٌ أنْ لا يدخُلَ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زوْجِها. وعلَّل رِوايةَ حَنْبَل، بأنَّه أملَكُ بعصمَتِها. وقطَع به فى «المُبْهِجِ»؛ للخَبَرِ. وعلَّله بعضُهم بأن النَّظَرَ حقه. قال فى «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ. وتقام هذا أيضًا، فى بابِ طريقِ الحُكْمِ وصفَتِه، عندَ التَّعريف، وذكَرنا هناك كلامَ صاحبِ وَالرُّويَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغصبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشربِ الْخَمرِ، وَالرضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِها.
وَالسمَاعُ عَلَى ضَربَيْنِ؛ سَمَاع مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نحوَ الإقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَلاقِ، وَالعَتَاقِ.
«المُطْلِعِ»، فَلْيُراجَع. والسماعُ على ضَربَيْن؛ سماع مِنَ المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ، والعَتَاقِ. ونحوِه.
وكذا حُكْمُ الحاكمِ، فَيَلْزَمُ الشَّاهِدَ الشَّهادةُ بما سَمِعِ، لا بأنَّه عليه. وهذا المذهبُ.
وعنه، لا يَلْزَمُه، فيُخَيرُ. وتَأْتى
تَتِمَّةُ ذلك مُسْتَوْفى، عندَ قوله: وتجوزُ شَهادَةُ المُسْتَخْفِى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو شَهِدَ اثْنانِ فى مَحفلٍ على واحدٍ منهم أنَّه طلَّق، أو أعْتَقَ ، قُبِلَ،
ولو أنَّ الشَّاهِدَيْن مِن أهْلِ الجُمُعَةِ، فشَهِدَا على الخَطيِبِ أنَّه قال، أو فعَل على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المِنْبَرِ فى الخُطةِ شيئًا يشْهد به غيرُهما فى المسْألتَيْن، قُبِل مع المُشارَكَةِ فى سَمعٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبصَر. ذكَره في «المُغْنِى»، فى شَهادةِ واحد [برَمَضانَ]. قال فى وَسَمَاعٌ مِنْ جِهةِ الاسْتِفَاضَةِ، فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِى الغَالِبِ إِلَّا بِذلِكَ؛ كَالنَّسبِ، وَالْمَوْت، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالوَقْفِ وَمصرِفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالوَلَاءِ، وَالْوِلَايةِ، وَالْعَزْلِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ.
«الفُروع»: ولا يُعارِضُه قولُهم: إذا انْفَرَدَ واحدٌ فيما تَتَوَفرُ الدَّواعِى على نقْلِه مع مُشارَكَةِ خلقٍ، رُدَّ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.