إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ
الشروح عليها
فصل: ولو حضرَ شاهِدان حِسابًا بينَ رَجُلَيْن، شَرَطا عليهما أن لا يَحفَظا عليهما شيئًا، كان للشَّاهِدَيْن أن يَشْهدَا بما سَمِعَاه منهما، ولم يَسْقُطْ ذلك بشَرطِهِما؛ لأنَّ للشَّاهِدِ أن يَشْهدَ بما سَمِعَه أو عَلِمَه، وقد حصَلَ ذلك، سَواءٌ أشْهدَه أو مَنَعَه،
وكذلك يَشْهدانِ على العُقودِ بحُضُورِهما، وعلى الجِناياتِ بمُشاهدَتِهِما، ولا يَحتاجان إلى إشْهادٍ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
فصل: والحُقوقُ على ضَربَيْن؛ أحدُهما، حقٌّ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، كالحقوقِ المالِيَّةِ، والنِّكاحِ وغيرِه مِن العُقودِ، والعُقوباتِ، كالقِصاصِ، وحدِّ القَذْفِ، والوَقْفِ على آدَمِىٍّ مُعَيَّن ، فلا تُسْمَعُ الشَّهادةُ فيه إلَّا بعدَ الدَّعوَى؛ لأنَّ الشَّهادةَ فيه حق لآدَمِىٍّ، فلا تُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَتِه وإذْنِه، ولأنَّها حُجَّة على الدّعوَى ، ودَليلٌ لها، فلا يجوزُ تَقدِيمُها عليها. الضَّربُ الثاني، ما كان حقُّا لآدَمِىٌّ غيرِ مُعَيَّنٍ، كالوقْفِ على الفُقَراء والمساكينِ، أو جيعِ المسلمين ، أو على مَسْجدٍ، أو سِقايَةٍ، أَو مَقْبَرةٍ مُسَبَّلَةٍ، أو الوَصِيَّةِ لشئٍ مِن ذلك، أو نحوِ هذا، أو ما كان حَقًّا للهِ تعالى، كالحُدودِ الخالِصَةِ للهِ تعالى، أو الزّكاةِ، أو الكَفَّارَةِ، فلا تَفتَقِرُ الشَّهادةُ به إلى تَقَدُّمِ الدّعوَى؛
لأنَّ ذلك ليس له مُسْتَحِق مُعَيَّن مِن الآدَمِيِّين يَدَّعِيه، ويُطالِبُ به، ولذلك شَهِدَ أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرَةِ، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ ابنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخَمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعوَى، فأجِيزَتْ شَهادَتهم، ولذلك لم يُعتَبر في ابْتِداءِ الوَقْفِ قَبول مِن أحَدٍ، ولا رِضًا منه.
وكذلك ما لا يتعَلَّقُ به حقُّ أحَدٍ، كتَحرِيمِ الزَّوْجَةِ بالطَّلاقِ أو الظِّهارِ، أو إعتاقِ الرَّقيقِ، تجوزُ الحسْبَةُ به، ولا تُعتَبَرُ فيه الدَّعوَى.
فلو شَهِدَ شاهِدان بعِتْقِ عَبْدٍ أو أمَةٍ ابْتِداءً، ثبَتَ ذلك، سَواءً صدَّقَهما المشْهودُ بِعِتْقِه ، أو لم يُصَدِّقْهما. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال به أبو حنيفةَ في الأمَةِ.
وقال في العَبْدِ: لا يَثْبُتُ، ما لم يُصَدِّقِ العَبْدُ به، ويَدَّعِيه؛ لأنَّ العِتْقَ حَقُّه، فأشْبَهَ سائِرَ حُقوقِه. ولَنا، أنَّها شَهادة بعِتْقٍ، فلا تَفْتَقِرُ إلى تقَدُّمِ الدعوى، كعِتْقِ الأمَةِ، ويُخالِفُ سائِرَ حُقوقِ الآدَمِيين؛ لأنَّه حَقُّ لله تعالى، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى قَبولِ العِتْقِ، ودَليلُ ذلك الأمَةُ. وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
فإنْ قال: الأمَةُ يتعَلَّقُ بإعتاقِها تَحريمُ الوَطْءِ. قُلْنا: هذا لا أثرَ له،
فإنَّ البَيْعَ يُوجِبُ تَحريمَها عليه، ولا تُسْمَعُ الشَّهادةُ به إلا بعدَ الدَّعوَى. فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أحْمَرَ، وشَهِد آخَرُ أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أْبيضَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه غَصَبَه اليومَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه غَصَبَه أمْسِ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ. وكذلك كلُّ شَهادَةٍ على الفِعلِ، إذا اخْتَلَفا في الوَقْتِ) متى كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ، فاخْتلفَ الشاهِدان في زَمَنِه، أو مَكانِه، أو صِفَةٍ له تَدُلُّ على تَغايُر الفِعلَيْن، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما، مثلَ أن يَشْهدَ أحدُهما [أنَّه غَصَبَه] دِينارًا يومَ السَّبتِ، و [يشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دينارًا يومَ الجمعةِ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه بدمشقَ، ويَشْهدَ الآخرُ أنَّه غَصَبَه] بمصرَ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه دِينارًا، ويَشْهدَ الآخَرُ أنَّه غَصَبَه ثوبًا، فلا تَكْمُلُ الشَّهادةُ؛
لأنَّ كُل فِعل لم يَشْهد به شاهِدَان. وهكذا إنِ اخْتَلفَا في زَمَنِ القَتْلِ، ومكانِه، أو صِفَتِه، أو في شُربِ الخمرِ، أو القَذْفِ، لم تَكْملِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ ما شَهِدَ به أحدُ الشَّاهِدَيْن غير الذى شَهِدَ به الآخَرُ، فلم يَشْهد بكُلِّ واحدٍ مِن الفعلَيْن إلَّا شاهدٌ واحدٌ، فلم يُقْبَلْ، إلَّا على قولِ أبى بكر،
فإنَّ هذه الشَّهادةَ تَكْمُلُ. ويَثْبُتُ المشْهودُ به إذا اخْتلَفا في الزَّمانِ أو المكانِ.
فأمَّا إنِ اخْتلَفا في صِفَةِ الفِعلِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أبيَضَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أسودَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ غُدوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَه عَشِيًّا، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ. ذكَرَه ابنُ حامدٍ.
وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ الشَّهادةُ . والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كُلَّ فِعل لم [يَشْهد به] إلَّا واحدٌ، على ما قَدَّمنا.
فإنِ اخْتلَفا في صِفَةِ المشْهودِ به اخْتِلافًا يُوجِبُ تَغايُرَهما، مثلَ أن يَشهدَ أحدُهما بثَوْبٍ والآخَرُ بدينارٍ، فلا خِلافَ في أنَّ الشَّهادةَ لا تَكْمُلُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إيجابُهما جميعًا؛ لأنَّه يكونُ إيجابَ حَقٍّ عليه بشَهادةِ واحدٍ، ولا إِيجابُ أحَدِهما بعَيْيه؛ لأنَّ الآخَرَ لم يَشْهَدْ به، وليس أحدُهما أوْلَى مِن الآخرِ.
فأمَّا إن شَهِدَ بكُلِّ فِعلٍ شاهِدان، واخْتلَفا في المَكانِ أو الزَّمانِ أو الصِّفَةِ، ثَبَتَا جَمِيعا؛ لأنَّ كلُّا منهما قد شَهِدَ به بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، لو انْفَرَدَتْ أثْبَتَتِ الحَقَّ، وشَهادةُ الأخْرَى لا تُعارِضُها؛ لإمكانِ الجَمعِ بينَهما، إلَّا أن يكونَ الفِعلُ ممَّا لا يُمكنُ تَكَرُّرُه، كقَتْلِ رَجُل بعَيْنِه، فتَتعارَضُ البَينتانِ؛ لعِلْمِنا أنَّ إحْداهما كاذِبَةٌ، ولا نعلمُ أيَّتُهما هى،
بخلافِ ما يتَكَرَّرُ ويُمكِنُ صدقُ البَمنتَيْنِ فيه، فإنَّهما يَثْبُتان جميعًا إِنِ ادَّعاهُما،
وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبَت له ما ادَّعاه دونَ ما لم يَدَّعِه.
وإن شهِدَ اثْنانِ أنَّه سَرَق مع الزَّوالِ كِيسًا أسْوَدَ، وشهِدَ آخَرَان أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أْييَضَ، أو شهِدَ اثْنانِ أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ غُدوةً، وشهِدَ آخَران أنَّه سَرَقَه عَشِيًّا، فقال القاضى: يتَعارَضان. وهو مذهبُ الشافعىِّ. كما لو كان المشْهودُ به قَتْلًا.
قال شيْخُنا : والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا تَعارُضَ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ صدقُ البَينتَيْن، بأن يسْرِقَ عندَ الزَّوالِ كِيسَيْنِ أبيضَ وأسودَ، وتشْهدُ كُلُّ بَينةٍ بأحَدِهما، ويُمكِنُ أن يسْرقَ كِيسًا غُدوةً، ثم يعودَ إلى صاحِبِه أو غيرِه، فيَسْرِقَه عَشِيًّا، ومع إمكانِ الجَمعِ لا تَعارُضَ. فعلى هذا، إن ادَّعاهُما المشْهودُ له، ثَبَتا له في الصُّورَةِ الأولَى،
وأمَّا في الصُّورَةِ الثانية، فيَثْبُتُ له الكِيسُ المشْهودُ به حَسْبُ؛
فإنَّ المشْهودَ به وإن كان فِعلَيْنِ، لكنَّهما في مَحَلٍّ واحدٍ، فلا يَجِبُ أكثرُ مِن ضَمانِه.
,وإن لم يَدَّعِ المشْهودُ له إلَّا أحدَ الكِيسَيْنِ ، ثَبَتَ له، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمِ دعواه إيَّاهُ.
وإن شهِدَ له شاهِدٌ بسَرِقَةِ كِيس في يوم، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَةِ كيسٍ في يوم آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بسَرِقَتِه مِن مَكانٍ، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَتِه من مَكانٍ آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بغَضبِ كيسٍ أبيضَ، وشهِدَ اخَرُ بغَضبِ كيسٍ أسودَ، فادَّعاهما المشْهودُ له، فله أن يَخلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما، ويُحكَمَ له به؛ لأنَّه مال قد شهِدَ له به شاهِدٌ.
وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبتَ له ما ادَّعاه، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَدَّعِه.
٥٠٣٥ -
(إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ) لِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْوَقْتِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [في اختلاف الشاهدين] قال المصنف رحمه الله: (وإذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر، وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة. وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة) .
أما كون البينة لا تكمل إذا اختلف الشاهدان في صفة المشهود له؛ فلأن أحد الثوبين غير الآخر؛ لأن الموصوف بكونه أحمر غير الموصوف بكونه أبيض فإذا كان كذلك لم يكن على العين الواحدة شاهدان. فلم تكمل البينة على واحدٍ منهما.
وأما كونها لا تكمل إذا اختلفا في الوقت في مسألة الغصب وفي كل شهادة على الفعل؛ فلأن أحد الفعلين غير الآخر؛ لأن الفعل الواقع في يوم غير الفعل الواقع في يومٍ آخر،
وإذا كان كذلك لم يتوارد قول الشاهدين على فعل واحد، وذلك يوجب عدم كمال البينة؛ لما تقدم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.