وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَرَكَعَتَا الطَّوَافِ وَإِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيمَتْ؛ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا،
الشروح عليها
مسألة: (وتَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ (١) ، وإعادَةُ الجَماعَةِ إذا أقيمَتْ وهو في المسجدِ، بعد الفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ البَاقيةِ؟ علَى رِوايَتَين) تَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ بعدَ الصُّبْحِ حتى تَطْلعَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَمِيلَ الشمسُ للغُرُوبِ، بغير خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المسلمين في الصلاةِ على الجِنازَةِ بعدَ العصرِ والصبحِ.
فأما الصلاةُ عليها في الأوْقاتِ الثلاثةِ التي في حديثِ عُقْبَةَ فلا تَجُوز. ذَكَره القاضي، وغيرُه، وحَكاه الأثْرَمُ عن أحمدَ. وقد رُوِيَ عن جابر، وابن عُصَرَ نحوُ هذا القولِ. قال الخَطَابي: هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلم. وفيه رِواية أخْرى، أنه يَجُوزُ. حَكاها أبو الخَطَّاب. وهو مَذهبُ الشافعي؛ لأنَّها صلاة تُباحُ بعدَ الصبحِ والعصرِ ، فأبِيحَتْ في سائِر الأوْقاتِ، كالفَرائض. ولنا، قولُ عُقْبَةَ بين عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فهن،
وأن نَقْبُرَ فيهِنُّ مَوْتانا . وذِكْرُه للصلاةِ مَقْرونًا بالدَّفْنِ يَدُل على إرادَةِ صلاةِ الجنازَةِ. ولأنها صلاة عِن غيرِ الصلواتِ الخَمس، أشْبَهتِ النوافِلَ، وإنما أبِيحَتْ بعدَ الصبحِ والعَصرِ لطُولِ مدَّتِهما، فالانتِظارُ يُخافُ منه عليها؛
بخِلافِ هذه الأوْقاتِ، وقِياسُهم على الفَرائِض لا يَصِح؛ لتَأكدِها،
ولا يَصِحُّ قِياسُ الأوْقاتِ الثلاثةِ على الوَقْتَين الطويلَين؛ لِما ذَكَرنا.
فصل: وتَجُوزُ رَكْعَتا الطوافِ بعده في هذين الوَقْتَين، وممن طاف بعدَ الصبحِ والعَصرِ وصَلى رَكْعَتَين؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وابنُ عباس، والحسن، والحسينُ، ومُجاهِد، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وفَعَلَه عُروَة بعدَ الصبحِ، وهو قولُ الشافعي، وأبي ثَور.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ أحاديثِ النهْي. ولَنا، ما روَى جُبَيرُ بنُ مُطْعِم، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«يَا بنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهذَا الْبَيتِ، وَصلَّى فِيهِ في آية سَاعَةٍ شَاءَ، عِنْ لَيل أوْ نهارٍ» رَواه الأثْرَم، والترمذِي ،
وقال: حديث حَسَن صحيح. ولأن رَكْعتي الطوافِ تابِعَة له،
فإذا أبِيحَ المَتْبُوعُ أبيح التبعُ، وحديثُهم مَخْصُوص بالفَوائِتِ، وحديثنا لا تَخْصِيص فيه، فيكونَ أوْلَى. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ الباقِيَةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما ذَكرنا، وهو مَذْهبُ الشافعي، [وأبي ثور]. والثانِيَةُ، لا يَجوز، لحديثِ عُقْبَة بنِ عامِرٍ، ولتأكدِ النهْي في هذه الأوْقاتِ الثلاثةِ، وقَصرها، وكَوْنِها لا يَشُق تَأخِيرُ الرُّكوعَ للطَّوافِ فيها
بخِلافِ غيرِها. فصل : وتَجُوز إعادَة الجَماعَةِ إذا أقيمتْ وهو في المسجدِ، أو دَخَل وهم يُصَلُّون بعدَ الفَجْرِ والعصر. وهذا قول الحسنِ، والشافعي. واشْتَرَطَ القاضي لجَوازِ الإعادَةِ ههُنا أن يكونَ مع إمامِ الحيِّ، ولم يفرِّقْ ههُنا بينَ إمامِ الحَي وغيرِه، ولا بينَ المُصَلِّي جَماعَةً أو فُرادَى. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرقِيِّ. وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عمَّن صَلَّى في جَماعَةٍ، ثم دَخَل المسجدَ وهم يُصَلون، أيصَلي معهم؟
قال: نَعَم. وقال أبو حنيفةَ: لا تُعاد الفَجْرُ ولا العصرُ في وَقتِ النَّهْي؛ لعُمُومِ النهي. ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ [يزِيدَ بين الأسْوَدِ]، عن أبِيه، قال: شَهدتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَجتَه، فصَلّيتُ معه صلاةَ الفَجْرِ في مسجدِ الخَيفِ، وأنا غُلام شاب، فلما قَضَى صلاته إذا هو برَجُلَين في آخِرِ القومِ لم يُصَليا معه، فقال:«عَلَيَّ بِهما». فأُتِيَ بهما ترعَدُ فرائِصُهما، فقال:«مَا مَنَعَكمَا أنْ تُصَليَا مَعَنَا؟»، فقالا: يا رسولَ اللهِ قد صلَينا في رحالِنا.
قال:«لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَيتُمَا فِي رِحَالِكمَا، ثُمَّ أتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصليَا مَعَهُم؛ فَإنَّها لَكُمَا نَافِلَةً». رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، والترمِذي . وهذا صَرِيح في إعادَةِ الفَجْرِ، والعَصرُ مِثْلُها. والحدِيثُ بإطْلاقِه يَدُل على الإعادَةِ، سَواء كان مع إمامِ الحَي أو غيرِه، وسواء صَلَّى وحدَه أو في جَماعَةٍ، وهل يَجُوزُ في الأوْقاتِ الباقِيَةِ؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو ذر، قال: إن خَلِيلي،
يَعنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أوْصانِي أن أصَلي الصلاةَ لوَقْتِها : «فَإذا أدرَكتها مَعَهم فصَل مَعَهم، فَإنها لَك نَافِلَة». رَواه مسلم ، وقِياسا على الوَقْتَينْ الآخَرَين. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ،
ولِما بينَها وبينَ هذين الوَقْتَين مِن الفَرقِ.
٥٢٣ -
(وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ) بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرِ إِجْمَاعًا لِطُولِهِمَا،
فَإِنَّ الِانْتِظَارَ فِيهِمَا يَضُرُّ بِالْمَيِّتِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا: الْفَرْضُ مِنْهَا،
وَعَنْهُ: لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى قَبْرٍ وَغَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ،
وَقِيلَ: نَفْلًا، وَصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ عَلَى قَبْرٍ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، لِطُولِ زَمَانِهِمَا، وَحُكِيَ مُطْلَقًا،
وَفِي (" الْفُصُولِ ") : لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَوْفُ الِانْفِجَارِ، وَقَدْ أُمِنَ فِي الْقَبْرِ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَصَلَّى قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِفَتْوَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَلَعَلَّهُ قَاسَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَحُكِيَ لِي عَنْهُ: أَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ، وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ.
فَرْعٌ: تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخَّرُ عَنِ الْبَاقِي، وَذَكَرَ فِي " الْمُذْهَبِ " أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْجِنَازَةِ مَعَ سِعَةِ الْوَقْتِ، وَمَعَ ضِيقِهِ بِالْفَرْضِ قَوْلًا وَاحِدًا. (وَ) تَجُوزُ (رَكَعَتَا الطَّوَافِ) فِيهِمَا؛ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّهُمَا تَابِعَتَانِ لِلطَّوَافِ،
وَيَجُوزُ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ وَقْتَ النَّهْيِ،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ. (وَ) يَجُوزُ (إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيمَتْ؛ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ) لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؛ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: (لَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ) » .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْفَجْرِ، وَالْعَصْرُ مِثْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَعُدْ، لَحِقَهُ تُهْمَةٌ فِي حَقِّهِ، وَتُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَصَرِيحُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَعَبَّرَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُصَلِّي جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَفِيهِ شَيْءٌ،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهْيِ؛ وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ، وَشَرَطَ الْقَاضِي لِجَوَازِهِ أَنْ تَكُونَ إِعَادَتُهَا مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَفِي " الْوَجِيزِ " كَـ " الْمُقْنِعِ ".
إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا الْمَغْرِبَ بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ هُوَ فِيهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ دَخَلَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ بَعْدَهُمَا.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد [طلوع الفجر و] (٤) العصر. وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين).
أما كون صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر تجوز؛ فلأن وقت النهي فيها يطول فجازت خوفاً على الميت من الفساد.
ولأنها من فروض الكفايات أشبهت الفرض.
وأما كونها تجوز في الأوقات الباقية على روايةٍ؛ فلشبهها بالفرائض.
ولما في ذلك من المبادرة إلى الدفن المطلوبة شرعاً.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فلأنه زمن يسير لا يخشى فساد الميت فيه.
وأما كون ركعتي الطواف بعد الفجر والعصر يجوزان؛ فلقوله عليه السلام:«يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح. ولأنه تابع للطواف. وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة.
فإذا جاز فعل المتبوع؛ فلأن يجوز فعل التابع بطريق الأولى.
وأما كونهما في الأوقات الباقية يجوزان على روايةٍ؛ فلظاهر الحديث المتقدم.
وأما كونهما لا يجوزان على روايةٍ؛ فلعموم النهي عن الصلاة.
ولأنه لا يشق تأخير ركعتي الطواف في هذه الأوقات لقصرها
بخلاف الوقتين الأولين.
وأما كون إعادة الجماعة بعد الفجر يجوز؛ فلما روى يزيد بن الأسود قال:«صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر. فلما قضى صلاته إذ هو برجلين لم يصليا معه. فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم قد صلينا في رحالنا. قال: لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» رواه أبو داود والترمذي والأثرم.
وأما كونها بعد العصر تجوز؛ فلمشاركته لما بعد الفجر في جميع ما تقدم.
وأما كونها في الأوقات الباقية تجوز على روايةٍ؛ فبالقياس على ما بعد الفجر.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فلعموم النهي عن الصلاة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.