وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا
الشروح عليها
مسألة: (ويَفْعَلُ الأرْفَقَ به؛ مِن تَأْخِيرِ الأُولَى إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ، أو تَقْدِيمِ الثّانِيَةِ إليها) هذا هو الصَّحِيحُ مِن المذْهَبِ، وعليه أكثرُ الأصْحابِ، وهو أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ في الجَمْعِ بينَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِير. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أَنَّه لا يَجُوزُ الجَمْع إلَّا إذا كان سائِرًا في وَقْتِ الأُولَى، فيُؤَخِّرُها إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وهي رِوايَةٌ عن أحمدَ. ويُرْوَى ذلك عن سعدٍ، وابنِ عمرَ، وعِكْرِمَةَ، أخْذًا بحَدِيثَى ابنِ عمرَ وأنَسٍ الصَّحِيحَيْن.
وقال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى الفَضِيلَةُ والاسْتِحْبابُ،
وإن جَمَع بينَهما في وَقْتِ الأُولَى، جاز، نازِلًا كان أو سائِرًا، أوْ مُقِيمًا في بَلَدٍ إقامَةً لا تَمْنَعُ القَصْرَ. وهذا قَوْلُ عطاءٍ، وأكثرِ عُلماءِ المَدِينَةِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى مُعاذٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان إذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهما جَمِيعًا،
وإذا ارْتحَلَ بعدَ زَيْغ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم سار،
وإذا ارْتَحَلَ قبلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ،
وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ، فَصَلَّاهَا مع المَغْرِبِ. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ ،
وقال: هذا حديثٌ حسنٌ. وروَى مالكٌ في «المُوَطَّأِ»، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن أبى الطُّفَيْلِ، أنَّ مُعاذًا أخْبَرَهُ، أنَّهم خَرَجُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ. قال: فأخَّرَ الصلاةَ يَوْمًا، ثم خَرَج فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم دَخَل، ثمَّ خَرَج فصَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتُ الإِسْنادِ. وفى هذا الدَّليلِ أوْضَحُ الدَّلائلِ في الرَّدِّ على مَن قال: لا يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن إلَّا إذا جَدَّ به السَّيْرُ؛
لأنَّه كان يَجْمَعُ وهو نازِلٌ غيرُ سائِرٍ، ماكِثٌ في خِبائِه، يَخْرُجُ فيُصَلِّي الصَّلَاتيْن جَمِيعًا، فتَعَيَّنَ الأَخْذُ بهذا الحديثِ، لثُبُوتِه وكَوْنِه صَرِيحًا في الحُكْمِ مِن غيرِ مُعارِضٍ له، ولأنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، فلم يَخْتَصَّ بحالَةِ السَّيْرِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا، لكنَّ الأفْضَلَ التَّأْخِيرُ؛ لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ عندَ القائِلِينَ بالجَمْعِ، وعَمَلٌ بالأحادِيثِ كُلِّها. فصل: والمَرِيضُ مُخيَّرٌ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، كالمُسافِرِ.
فإنِ اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ، فالتَّأْخِيرُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسافِرِ.
فأمَّا الجَمْعُ للمَطرِ فإنَّما يُفْعَلُ في وَقْتِ الأُولَى؛ لأنَّ السَّلَفَ إنَّما كانوا يَجْمَعُونَ في وَقْتِ الأُولَى، ولأنَّ تأْخِيرَ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانيةِ يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ بالانْتِظارِ، والخُرُوجِ في الظُّلْمَةِ، ولأنَّ العادَةَ اجْتِماعُ النَّاسِ للمَغْرِبِ،
فإذا حَبَسَهم في المَسْجِدِ ليَجْمَعَ بينَ الصلاتَيْنِ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كان أشَقَّ مِن أنْ يُصَلِّىَ كلَّ صلاةٍ في وَقْتِها.
وإنِ اخْتارَ تَأْخيرَ الجَمْعِ، جاز. والمُسْتَحَبُّ أن يُؤَخِّرَ الأُولَى عن أوَّلِ وَقْتِها شيئًا. قال أحمدُ: يَجْمَعُ بينَهما، إذاْ اخْتَلَطَ الظَّلامُ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، كذا فَعَلَ ابنُ عمرَ. قيلَ لأبى عبدِ اللَّه: فكَأنَّ سُنَّةَ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَيْن في المَطرِ عندَك أن يَجْمَعَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، وفى السَّفَرِ أن يُؤخِّرَ حتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ؟ قال: نعم.
فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ لغيرِ مَن ذَكَرْنا.
وقال ابنُ شُبْرُمَة: يَجُوزُ إذا كانت حاجةٌ أو شئٌ، ما لم يَتَّخذْه عادَةً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاء مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ. فقِيلَ لابنِ عباسٍ: لم فَعَل ذلك؟ قال: أَرادَ أَن لا يُحْرِجَ أُمَّتَه . ولَنا، عُمُومُ أخْبارِ المَواقِيتِ، وحَدِيثُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على حالَةِ المَرَضِ،
ويَجُوزُ أن يكونَ صَلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والثَّانِيَةَ في أوَّلِ وَقْتِها،
فإنَّ عمرَو بنَ دِينارٍ روَى هذا الحدِيثَ عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَباسٍ، قال عمرو: قلتُ لجابِرٍ : يَا أبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّه أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ. قال: وأنا أظُنُّ ذلك .
٦١٣ - مسألة: (وللجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ الجَمْعِ عندَ إحْرامِها، وَيحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه النِّيَّةُ قبلَ سلامِها. وأن لا يُفَرِّقَ بَيْنَهما إلَّا بقَدْرِ الإِقامَةِ والوُضُوءِ،
فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهما، بَطَل الجَمْعُ، في إحْدَى الرِّوايتَيْن.
وأن يَكُونَ العُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاتَيْنِ وسَلامِ الأُولَى) نِيَّةُ الجَمْعِ شَرْطٌ لجَوازِه في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الجَمْعِ. كقولِه في القَصْرِ، وقد ذَكَرْناه . والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ. ومَوْضِعُ النِّيَّةِ إذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى عندَ الإِحْرامِ بها؛ لأنَّها نِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إليها الصلاةُ، فاعْتُبِرَتْ عندَ الإحْرامِ، كنِيَّةِ القَصْرِ. وفيه وَجْهٌ ثانٍ، أنَّ مَوْضِعَها [مِن أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولَى] إلى سَلامِها، فمتى نَوَى قبلَ سَلامِ الأُولَى أجْزَأَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الجَمْعِ عندَ الفَراغِ مِن الأُولَى إلى الشُّرُوعِ في الثَّانِيَةِ،
فإذا لم تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عنه، أجْزَأَه ذلك. ويُعْتَبَرُ أن لا يُفَرِّقَ بينَهما إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا. والمَرْجِعُ في اليَسِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ، وقَدَّرَه بعضُ أَصْحابِنا بقَدْرِ الوُضُوءِ والإِقامَةِ.
والصَّحِيحُ، أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوقِيفُ، فما لم يَرِدْ فيه تَوْقِيفٌ فيُرْجَعُ فيه إلى العادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ.
فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَل الجَمْعُ، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو لنَوْمٍ أو شُغْلٍ أو سَهْوٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِه. والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ كما قُلْنا في اليَسِيرِ.
ومتى احْتاجَ إلى الوُضُوءِ والتيَّمُّمِ فَعَلَه إذا لم يَطُلْ.
وإن تَكَلَّمَ بكَلامٍ يَسِيرٍ لمِ يَبْطُلِ الجَمْعُ.
وإن صَلَّى بينَهما السُّنَّةَ بَطِل الجَمْعُ في الظَّاهرِ؛ لأنَّه فرَّقَ بَيْنَهما بصلاةٍ، فبَطَلَ الجَمْعُ، كما لو صَلّى بينَهما غيرَها.
وعنه، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ الوُضُوءَ. فصل: ويُعْتَبَرُ للجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى وُجُودُ العُذْرِ حالَ افْتِتاحِ الصَّلَاتيْن والفَراغِ مِن الأُولَى؛ لأنَّ افْتِتاحَ الأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وبافْتِتاحِ الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الجَمْعُ، فاعْتُبِرَ العُذْرُ في هَذَيْن الوَقتَيْن، فمتى زال العُذْرُ في أحَدِ هذه الثَّلاثَةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ.
وإن زال المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عاد قبلَ تَمامِها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثّانِيَةِ، جاز الجَمْعُ، ولم يُؤثِّرِ انْقِطاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ اشْتِراطِه، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غيرِه.
فأمَّا المُسافِرُ إذا نَوَى الإِقامَةَ في أثْناءِ الصَّلاةِ الأُولَى انْقَطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ.
فلو عاد فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتَّى يُفارِقَ البَلَدَ الذى هو فيه.
وإن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْنائِها، احْتَمَلَ أنَ يُتِمَّها،
ويَصِحُّ قِياسًا على انْقِطاعِ المَطرَ. قال بعضُ أصحابِ الشَّافعىّ: هذا الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشافعىِّ. واحْتَمَلَ أن تَنْقَلِبَ نَفْلًا،
ويَبْطُل الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فبَطَلَ بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زال شَرْطها في أثْنائِها، أشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها. ويُفارِقُ انْقِطاعَ المَطرَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطاعُه، لاحْتِمالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصَّلاةِ. والثَّانِى، أنَّه يَخْلُفُه عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ،
بخِلافِ مَسْأَلتِنا. وهكذا الحُكْمُ في المَرِيضِ يَزُولُ عُذْرُه في أثْناءِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ.
فأمَّا إن لم يَزُلَ العُذْرُ إلَّا بعدَ الفَراغِ مِن الثَّانِيَةِ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، صَحَّ الجَمْعُ، ولم يَلْزَمْه إعادَةُ الثَّانِيَةِ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَت صَحِيحَةً مُجْزِئَةً مُبْرِئَةً للذِّمَّةِ، فلم تَشْتَغِلِ الذِّمَّةُ بها بعدَ ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الوَقْتِ بعدَ فَراغِه مِن الصَّلاةِ.
فصل: وإذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّى سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما، ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ سُنَّتَهَا تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فِعْلِها ووَقْتِها، ولأنَّ الوِتْرَ وَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاءِ والصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ، فدَخَلَ وَقْتُه.
٦١٤ -
(وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ، تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قُلْتُ لَهُ: مَعَ مَنْ كَتَبْتَ هَذَا عَنِ اللَّيْثِ؛ قَالَ: مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَخَالِدٌ هَذَا كَانَ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، «وَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ يَوْمًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الْإِسْنَادِ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالِهِ كَسَائِرِ رُخَصِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ السَّيْرِ فِي رِوَايَةٍ، وَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَفْضَلُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا،
وَقِيلَ: فِي جَمْعِ السَّفَرِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيمُ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ،
وَأَنَّ فِي جَمْعِ السَّفَرِ تُؤَخَّرُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا هُوَ قَوْلٌ فِي " الْمَذْهَبِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ؛ وَهُوَ يَعُمُّ أَقْسَامَهُ.
لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا شَيْئًا.
قَالَ أَحْمَدُ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ أَوْ غَابَ الشَّفَقُ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[شُرُوطُ الْجَمْعِ] (وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ)
:
الْأَوَّلُ: (نِيَّةُ الْجَمْعِ) فِي الْأَشْهَرِ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ عُمِلَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ:«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (عِنْدَ إِحْرَامِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ اشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ اعْتُبِرَتْ فِي أَوَّلِهَا، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا) هَذَا قَوْلٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ مِنَ الْأُولَى إِلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ،
فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عَنْهُ أَجْزَأَهُ،
وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْأُولَى قَبْلَ إِحْرَامِ الثَّانِيَةِ،
وَقِيلَ: مَحَلُّ النِّيَّةِ عِنْدَ إِحْرَامِ الثَّانِيَةِ لَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا تَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ؛ وَهُوَ الْأَشْهَرُ.
ويَفْعَلُ الأرْفَقَ به؛ مِن تَأْخيرِ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانية، أو تَقْديمِ الثَّانيةِ إليها. هذا أحَدُ الأقْوالِ مُطْلَقًا. اخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ،
وقال: هو ظاهِرُ المذهبِ المنْصوصُ عن أحمدَ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وقيل: يفعَلُ المرِيض الأرْفَقَ به، مِنَ التَّقْديمِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتَّأْخيرِ، وهو أفْضَلُ. ذكَرَه ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفائقِ»، والمُصَنِّفُ وغيرُهم. زادَ المُصَنِّفُ،
فإنِ اسْتَوَيا عندَه، فالأفْضَلُ التَّأخيرُ.
وقال ابنُ رَزِين: ويفْعَلُ الأرْفَقَ إلَّا فى جَمْع المطَرِ؛
فإنَّ التَّقْديمَ أفْضَلُ. وعنه، جَمْعُ التَّأخيرِ أفْضَلُ. جزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الإفاداتِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَجْريد العِنايَةِ». وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحَواْشِي».
وقال: ذكَرَه جماعةٌ. قال الشَّارِحُ: لأنَّه أحْوَطُ. وفيه خُروجٌ مِنَ الخِلافِ، وعمَلًا بالأحاديثِ كلِّها. قال الزَّرْكَشِىُّ: المنْصوصُ، وعليه الأصحابُ، أنَّ جَمْعَ التَّأخيرِ أفْضَلُ. ذكَرَه فى جَمْعِ السَّفَرِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال فى «رَوْضَةِ الفِقْهِ»: الأفْضَلُ فى جَمْع المطرَ، التَّأْخيرُ.
وقيل: جَمْعُ التَّأْخيرِ أفْضَلُ فى السُّفَرِ دُونَ الحضَرِ. جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ». وقدَّمه ابنُ تَميمٍ فى حقِّ المُسافرِ.
وقال: نصَّ عليه. وقال الآمِدِىُّ: إنْ كان سائرًا، فالأفْضَلُ التَّأخِيرُ،
وإنْ كان فى المَنْزلِ، فالأفْضلُ التَّقْديمُ.
وقال فى «المُذْهَبِ»: الأفْضَلُ فى حقِّ مَن يريدُ الارْتِحالَ فى وَقْتِ الأُولَى، ولا يغْلِبُ على ظَنِّه النُّزولُ فى وَقْتِ الثَّانيةِ، أنْ يُقدِّمَ الثَّانيةَ، وفى غيرِ هذه الحالَةِ، الأفضَلُ تأْخيرُ الأُولَى إلى دُخولِ وقْتِ الثَّانيةِ. انتهى.
وقيل: جمْعُ التَّقْدِيمِ أفْضَلُ مُطْلَقًا.
وقيل: جَمْعُ التَّقْديمِ أفْضَلُ فى جَمْع المطرَ، نقَلَه الأَثْرَمُ، وجَمْعُ التَّأْخيرِ أفْضَلُ فى غيرِه. وجزَم به فى «الكافِى»، و «الحاوِيَيْن». وقدَّمه ابنُ تَميمٍ، و «الرِّعايَتَيْن».
وقال الشَّيْحُ تَقِىُّ الدِّينِ: فى جَوازِ الجَمْع للمطَرِ فى وقتِ الثَّانيةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهان؛ لأنَّا لا نَثِقُ بدَوامِه. كما تقدَّم عنه.
قلتُ: ذكَر فى «المُبْهِجِ» وَجْهًا؛ بأنَّه لا يجْمَعُ مؤخِّرًا بعُذْرِ المطَرِ. نقَلَه ابنُ تَميمٍ.
وقال: هو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ. وظاهِرُ «الفُروعِ»، إطْلاقُ هذه الأقْوالِ. فعلى القوْلِ بأنَّه يفْعَلُ الأرْفَقَ به عندَه،
فلوِ اسْتَوَيا؛ فقال فى «الكافِى»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: الأفْضَلُ التَّأْخيرُ فى المَرَضِ، وفى المطَرِ التَّقْديمُ. وتقدَّم كلامُ المُصَنِّفِ فى المرَضِ. وَلِلْجَمْعِ فى وَقْتِ الأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، وللجَمْع فى وقتِ الأُولَى ثلاثةُ شُروطٍ؛ نِيَّةُ الجَمع. يعْنِى، أحدُها نِيَّةُ الجَمْع. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: لا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ للجَمْع. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، كما تقدَّم فى كلامِ المُصَنِّفِ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ. وأطْلَقهما ابنُ تَميمٍ، و «المُسْتَوْعِبِ». وتقدَّم ذلك. عندَ إحْرامِها. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّه يُشْترَطُ أنْ يَأْتِىَ بالنِّيَّةِ عندَ وَيَحْتَمِلُ أنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا،
وَأنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ. الإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ،
فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ، فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ،
وَأنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتيْنِ وَسَلَامَ الأُولَى إحْرامِ الصَّلاةِ الأُولَى، وعليه أكثرُ الأصحابِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تُجْزِئَه النِّيَّةُ قبلَ سلامِها. وهو وَجْهٌ. اخْتارَه بعضُ الأصحابِ. قال فى «المُذْهَبِ»: وفى وقتِ نِيَّةِ الجَمْع هذه، وَجْهان؛ أصَحُّهما، أنَّه ينْوِى الجَمْعَ فى أىِّ جُزْءٍ كان مِنَ الصَّلاةِ الأُولَى، مِن حينِ تكْبيرَةِ الإحْرامِ إلى أنْ يُسَلِّمَ. وأطْلَقَهما فى «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: تُجْزِئُه النِّيَّةُ بعدَ السَّلامِ منها، وقبلَ إحْرامِ الثَّانيةِ. ذكَرَه ابنُ تَميمٍ، عن أبِى الحُسَيْنِ.
وقيل: تُجْزِئُه النِّيَّةُ عندَ إحْرامِ الثَّانيةِ. اخْتارَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى الفائقِ. وقيل: مَحَلُّ النِّيَّةِ إحْرامُ الثَّانيةِ، لا قبلَه ولا بعدَه. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وجزَم فى «التَّرْغِيبِ»، باشْتِراطِ النِّيَّةِ عندَ إحْرامِ الأُولَى وإحْرامِ الثَّانيةِ أَيضًا.
قال ابنُ تَميمٍ: ومتى قُلْنا: مَحَلُّ النِّيَّةِ، الأُولَى. فهل تجِبُ فى الثَّانيةِ؟ على وَجْهَيْن.
وقال فى «الحَواشِى»: ومتى قُلْنا: مَحَلُّ النِّيَّةِ، الأُولَى. لم تجِبْ فى الثَّانيةِ. وقيل: تجِبُ.
قال: (ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية وتقديم الثانية إليها) .
أما كون الجامع بين الصلاتين يفعل الأرفق به من تقديم أو تأخير فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله» طلباً للأرفق.
فإن قيل ما المراد بقوله: ويفعل.
قيل: المراد أن ذلك أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الأفضل. وليس مراده بذلك أن فعل الأرفق متعين؛ لأن ذلك ينافي الجمع؛ لأن المطلوب به الرفق وفي تعيين ذلك ضده.
فإن قيل: فإن استويا عنده؟
قيل: الأفضل في المرض التأخير وفي المطر التقديم لأن السلف الذين كانوا يجمعون للمطر إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى.
ولأن التأخير إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة ولا يحصل مقصود الرخصة. وربما زال عذر المطر.
بخلاف المرض فإن الغالب بقاؤه ولا حاجة له إلى الخروج.
قال: (وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها، ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها. وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء، فإن صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين. وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى) .
أما كون نية الجمع من شروطه؛ فلأن الجمع عمل فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«لا عمل إلا بنية».
ولأن ذلك حال من أحوال الصلاة فاعتبر فيه النية كالإمامة والقصر.
وأما كونها تشترط عند الإحرام على المذهب؛ فلأن كل عبادة اشترطت فيها النية اشترطت في أولها كنية الصلاة.
وأما كونها يحتمل أن تجزئ قبل سلام الأولى؛ فلأن موضع الجمع حين الفراغ من الأولى والشروع في الثانية فإذا لم تتأخر عنه جاز.
وأما كونه يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة طويلة؛ فلأن معنى الجمع المتابعة أو المقارنة فإذا فرق بينهما بذلك لم يحصل ذلك.
وإنما لم يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة يسيرة لأن اليسير معفو عنه.
والمفارقة الطويلة واليسيرة معتبرة بالعرف. وقدّره الأصحاب بالإقامة والوضوء.
قال المصنف في المغني: الصحيح أنه غير مقدر بما ذكر لأن ما لم يرد الشرع بتقديره يجب الرجوع فيه إلى العرف كالحِرز والقبض.
وأما كون من صلى السنة بينهما يبطل بها الجمع في روايةٍ؛ فلأنه فرق بينهما بالصلاة فبطل بها الجمع كما لو صلى بينهما فرضاً.
وأما كونه لا يبطل بها في روايةٍ؛ فلأن السنة تابعة للصلاة فلم يقع الفعل بالأجنبي أشبه الوضوء والإقامة.
وأما كونه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ فلأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع فوجب وجود العذر في هذه المواضع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.