يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَوَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ،
الشروح عليها
(فصل: ويُسْتَحَبُّ للرِّجالِ زِيارَةُ القُبُورِ. وهل تُكْرَهُ للنِّساءِ؟ على رِوايَتَيْنِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ زِيارَةِ الرجالِ القُبُورَ. قال علىُّ بنُ سعيدٍ: قُلْتُ لأحمدَ: زِيارَةُ القُبورِ أفْضَلُ أم تَرْكها؟ قال: زِيارَتُها. وقد صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». وللتِّرْمِذِىِّ: «فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ».
فأمّا زِيارَةُ القُبُورِ للنِّساءِ ففيها رِوايَتانِ؛ إحْداهما، الكَراهَةُ؛ لِما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: نُهِينَا عن زِيارَةِ القُبُورِ، ولم يُعْزَمْ علينا. مُتَّفَقٌ عليه . ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: - «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» . قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صحيحٌ. وهذا خاصٌّ في النِّساءِ، والنَّهْىُ المَنْسُوخُ كان عامًّا للرجالِ والنِّساءِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان خاصًّا للرِّجالِ. ويَحْتَمِلُ كَوْنَ الخَبَرِ في لَعْنِ زَوّاراتِ القُبُورِ بعدَ أمْرِ الرِّجالِ بزِيارَتِها، فقد دار بينَ الحَظْرِ والِإباحَةِ، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ.
ولأنَّ المرأةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الجَزَعِ، وفى زِيارَتِها للقَبْرِ تَهْيِيجٌ لحُزْنِها ، وتَجْدِيدٌ لذِكْرِ مُصابِها، فلا يُؤْمَنُ أن يُفْضِىَ بها ذلك إلى فِعْل ما لا يَحِلُّ،
بخِلافِ الرجلِ، ولهذا اخْتَصَصْنَ بالنَّوْحِ والتَّعْدِيدِ، وخُصِصْنَ بالنَّهْىِ عن الحَلْقِ والصَّلْقِ ونحوِهما.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ:«كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا». وهو يَدُلُّ على سَبْقِ النَّهْىِ ونَسْخِه، فيَدْخُلُ فيها الرجالُ والنِّساءُ. وروَى ابنُ أبى مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنَّها زارَتْ قَبْرَ أخِيهِا، فقالَ لها: قد نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن زِيارَةِ القُبُورِ. قَالَتْ: نعم قد نهَى، ثم أمَرَ بزِيارَتِها . وروَى التِّرْمِذِىُّ، أنَّ عائشةَ زارَتْ قَبْرَ أخِيها. وروَى عنها أنَّها قالَتْ: لو شَهِدْتُه ما زُرْتُه .
٨١٥ - مسألة: (ويَقُولُ إذا زارَها، أو مَرَّ بها) ما روَى مسلم ، عن بُرَيْدَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهم إذَا خَرَجُوا إلى المَقابِرِ، فكان قَائِلُهم يَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدِّيارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ والْمُسْلِمِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ». وفى حَدِيثِ عائشةَ: «وَيَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ». وفى حَدِيثٍ آخَرَ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم ».
وإن زاد: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ولهم. كان حَسَنًا. ٨١٦ -
فَصْلٌ: زِيَارَةُ الْقُبُورِ] فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ:«فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّهُ الغالب فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَوَائِدُ: يُسْتَحَبُّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ،
وَعَنْهُ: حَيْثُ شَاءَ، وَعَنْهُ: قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي قُرْبُهُ، كَزِيَارَتِهِ فِي حَيَاتِهِ،
وَيَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ بِالْيَدِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، لِأَنَّ الْقُرْبَ تُتَلَقَّى مِنَ التَّوْقِيفِ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ،
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، صَحَّحَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ مُصَافَحَةَ الْحَيِّ، وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلزِّيَارَةِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ بِدْعَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ،
وَيَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ وَالْوُقُوفُ لِزِيَارَتِهِ لِمَا سَبَقَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَوَّزَهُ حَفِيدُهُ لِلِاعْتِبَارِ.
قَالَ: وَلَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ زِيَارَةَ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا؛ وَهِيَ الْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ تَهْيِيجُ حُزْنِهَا بِرُؤْيَةِ الْأَحِبَّةِ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ؛ لِأَنَّ «عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ لَهَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَلَيْسَ كَانَ نُهِيَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ،
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَقَعُ فِي مُحَرَّمٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ مَعَ تَأْثِيمِهِ بِظَنِّ وُقُوعِ النَّوْحِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَمْ يُحَرِّمْ هُوَ وَغَيْرُهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَالسَّلَامُ فِيهِ مُعَرَّفٌ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَالتَّنْكِيرُ مِنْ طَرِيقٍ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَنْكِيرَهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ نَصًّا،
وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَحْيَاءِ، وَعَنْهُ: تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ كَالرَّدِّ،
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّبَرُّكِ. قَالَهُ الْعُلَمَاءُ،
وَفِي الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اللُّحُوقِ لَا إِلَى الْمَوْتِ،
وَفِي الشَّافِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْبِقَاعِ (وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ
ويُسْتَحَبُّ للرجالِ زِيارَةُ القُبُورِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وحَكاه الشَّيْخُ مُحْيىِ الدِّينِ النَّوَوِىُّ إجْماعًا. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الشَّرْحِ»: لا نعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ فى اسْتِحْبابِ زِيارةِ الرِّجالِ القُبورَ.
وأمَّا المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» فقال : لا نعْلَمُ خِلافًا فى إباحَةِ زِيارَتِها للرِّجالِ.
قال فى «مَجْمَع البَحْرَيْن»: يُسْتَحَبُّ فى ظاهرِ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المنْصوصُ المشْهورُ عندَ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وعنه، لا بأْسَ بزِيارَتِها. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وغيرِ واحدٍ مِن الأصحابِ. وقد أخذ أبو المَعالِى، والمَجْدُ، والزَّرْكَشِىُّ، وغيرُهم، الإباحَةَ مِن كلام الخِرَقِىِّ؛ فقالوا:.
وقيلَ: يُباحُ، ولا يُسْتَحَبُّ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ بعدَ حَظْرٍ. لكن الجُمهور قالُوا: الاسْتِحْبابُ لقَرينَةِ تذَكُّرِ الموْتِ، أو للأمْرِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهل تُكْرَهُ للنِّساء؟ على رِوَايَتَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الشَّرْحِ»؛
إحْدَاهما، يُكْرَهُ لَهُنَّ. وهى المذهبُ. جزَم به الخِرَقِىُّ، و «الوَجيزِ»، و «المُنوِّرِ»، وغيرهم. وصحَّحه ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ مُنَجَّى فى «الخُلاصَةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الفائقِ». قال فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: هذا أظْهَرُ الرِّواياتِ. قال فى «النَّظْمِ»: هو أوْلَى. ورَجَّحه المُصَنِّفُ وغيرُه. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تُكْرَهُ، فتُباحُ.
وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ، تحْرُمُ، كما لو عَلِمتْ أنَّه يقَعُ منها مُحَرَّمٌ. ذكَرَه المَجْدُ. واخْتارَ هذه الرِّوايةَ بعضُ الأصحابِ. وحكَاها ابنُ تَميمٍ وَجْهًا. قال فى «جامِعِ الاخْتِيارَاتِ»: وظاهرُ كلامِ الشيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، تَرْجِيحُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّحْريمِ؛ لاحْتِجاجِه بلَعْنِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، زَوَّاراتِ القُبورِ، وتصْحيحِه إيَّاه. وأطْلَقَهُنَّ فى «الحاوِيَيْن». وتقدَّم فى فصْلِ الحَمْلِ، أنَّه يُكْرَهُ لهُنَّ اتِّباعُ الجَنائزِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
فوائد؛ إحْدَاها، يجوزُ للمُسْلمِ زِيارةُ قَبْرِ الكافرِ. قالَه المَجْدُ وغيرُه.
وقال الشَّيخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يجوزُ زِيارَتُه للاعْتِبارِ.
وقال أيضًا: لا يُمْنَعُ الكافِرُ مِن زِيارةِ قَبْرِ أبِيه المُسْلِمِ. الثَّانيةُ، الأوْلَى للزَّائرِ أنْ يَقِفَ أمامَ القَبْرِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، يقِفُ حيثُ شاءَ. والأوْلَى أنْ يكونَ حالةَ الزِّيارَةِ قائمًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، قُعودُه كقِيامِه. ذكَره أبو المَعالِى. ويَنْبَغِى أنْ وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، يَقْرُبَ منه، كزِيارَته حالَ حَياتِه. ذكَرَه فى «الوَسِيلَةِ»، و «التَّلْخيصِ».
الثَّالثةُ، ظاهرُ كلامِ الأصحابِ، اسْتِحْبابُ كثْرَةِ زيارَةِ القُبورِ. وهو ظاهرُ كلامِ الإمام أحمدَ.
قال فى رِوايَةِ أبِى طالِبٍ: وقال له رجُلٌ: كيفَ يرِقُّ قلْبِى؟ قال: ادْخُلِ المَقْبَرَةَ. وهو ظاهرُ الحديثِ:«زُورُوا القُبُورَ، فإنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». وقدَّمه فى «الفُروعَ».
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: ويُكْرَهُ الإِكْثارُ مِن زِيارَةِ المَوْتَى.
قلت: وهو ضعيفٌ جدًّا، ولم يُعْرَفْ له فيه سلَفٌ. الرَّابعةُ، يجوزُ لَمْسُ القَبْرِ مِن غيرِ كراهَةٍ. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ».
وعنه، يُكْرَهُ. وأطْلَقَهما فى «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
وعنه، يُسْتَحَبُّ. قال أبو الحُسَيْنِ فى «تَمامِه»: وهى أصحُّ.
وقال فى «الوَسِيلَةِ»: هل يُسْتَحَبُّ عندَ فَراغِ دَفْنِه وَضْعُ يَدِه عليه، وجُلُوسُه على جانِبَيْه؟ فيه رِوايَتان. ويَقُولُ إذا زارَها أو مَرَّ بها: سَلامٌ عليكم، إلى آخِرِه. نَكَّرَ المُصَنِّفُ، رَحِمُه اللهُ تعالى، لفْظَ السَّلامِ. وقالَه جماعةٌ مِنَ الأصحاب. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. وورَد الحديثُ فيه مِن طريقِ أحمدَ ، مِن رِوايَةِ أبى هُرَيْرَةَ وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
وعائِشَةَ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى». وذكَر جماعةٌ مِنَ الأصحابِ أنَّه يقولُ مُعَرَّفًا؛ فيقولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. قال فى «الفُروعِ»: وهو أشهرُ فى الأخْبارِ، روَاه مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أبِى هُرَيْرَةَ ، وبُرَيْدَةَ. وجَزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وخيَّره المَجْدُ وغيرُه بينَهما؛ منهم صاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». وقدَّمه ابنُ تَميمٍ، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وقالوا: نصَّ عليه.
وقدَّمه فى «الفائقِ». وَيسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ،
وقال ابنُ ناصِرٍ : يقولُ للمَوْتَى: عَلَيْكُم السَّلامُ.
فائدة: إذا سلَّم على الحَىِّ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُخَيَّرُ بينَ التَّعْريفِ والتَّنْكيرِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: ذكَرَه غيرُ واحدٍ. قلتُ: منهم المَجْدُ، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن».
وعنه، تعْرِيفُه أفْضَلُ. قال النَّاظِمُ: كالرَّدِّ.
وقيل: تنْكيرُه أفْضَلُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. ورَدَّه المَجْدُ.
وقال ابنُ البَنَّا: سَلامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وسَلامُ الوَداعِ مُعَرَّفٌ.
فصل [في زيارة القبور] قال المصنف رحمه الله: (ويستحب للرجال زيارة القبور. وهل تكره للنساء؟ على روايتين) .
أما كون زيارة القبور تستحب للرجال فلقوله صلى الله عليه وسلم:«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فإنها تذكركم الموت» رواه مسلم.
وأما كونها تكره للنساء على روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لعن الله زوّارات القبور» رواه الترمذي.
وقال: حديث صحيح.
ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله
بخلاف الرجل.
وأما كونها لا تكره على روايةٍ فلعموم ما تقدم.
و«لأن عائشة رضي الله زارت قبر أخيها عبدالرحمن» رواه الترمذي.
قال: (ويقول إذا زارها أو مر بها: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) .
أما كون من زار القبور أو مر بها يقول: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ونسأل الله لنا ولكم العافية فـ «لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر. فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم.
وأما كونه يقول: ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين فلأن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك .
وأما كونه يقول: اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك . رواه أحمد.
وأما كونه يطلب المغفرة؛ فلأن في حديث آخر:«يغفر الله لنا ولكم».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.