وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أبْدَلَه بنِصابٍ مِن جِنْسِه بَنَى على حَوْلِه، ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ) إذا باع نِصابًا للزكاةِ ممّا يُعْتَبَرُ به الحَوْلُ بجِنْسِه، كالإِبِلِ بالإِبِلِ، والذَّهَبِ بالذَّهَبِ، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ، ويَبْنِى حَوْلَ الثّانِى على حَوْلِ الأوَّلِ. وبهذا قال مالكٌ. ويَتَخرَّجُ أن يَنْقَطِعَ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفَ الحَوْلَ من حينِ الشِّراءِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ:«لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». ولأنَّه أصْلٌ بنَفْسِه، فلم يُبْنَ على حَوْلِ غيرِه، كما لو اخْتَلَفَ الجِنْسان.
ووافَقَنا أبو حنيفةَ في الأثْمانِ ووافَقَ الشافعىَّ فيما سِواها؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما وجَبَتْ في الأثْمانِ لكَوْنِها ثَمنًا، وهذا المَعْنَى يَشْمَلُه،
بخِلافِ غيرِها. ولَنا، أنَّه نِصابٌ يُضَمُّ إليه نَماؤُه في الحَوْلِ فبُنِىَ حَوْلُ بَدَلِه مِن جِنْسِه على حَوْلِه، كالعُرُوضِ، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بالنَّماءِ والعُرُوضٍ والنِّتاجِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ، والجنْسان لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخرِ مع وُجُودِهما. فأوْلَى أن لا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهما على الآخَرِ.
فصل: قال أحمدُ بنُ سَعِيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يكونُ عندَه غَنَمٌ سائِمَةٌ، فيَبِيعُها بضِعْفِها مِن الغَنَمِ، أعليه أن يُزَكِّيَها كلَّها، أم يُعْطِىَ زَكاةَ الأصْلِ؟ قال: بل يُزَكِّيها كلَّها، على حَدِيثِ عُمَرَ في السَّخْلَةِ يَرُوحُ بها الرّاعِى؛ لأنَّ نَماءَها معها.
قلتُ: فإن كانت للتِّجارَةِ؟ قال: يُزَكِّيها كلَّها على حَدِيثِ حِماس .
فأمّا إن باع النِّصابَ بدُونِ النِّصابِ انْقَطَعَ الحَوْلُ،
وإن كان عندَه مائتان فباعَها بمائةٍ، فعليه زكاةُ مائةٍ وَحْدَها. ٨٤١ -
(وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَالِكًا لِنِصَابٍ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ لِوُجُودِ شَرْطِهَا،
وَإِنْ زَادَ بِالِاسْتِبْدَالِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْحَوْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَنِتَاجٍ،
فَلَوْ أَبْدَلَ مِائَةَ شَاةٍ بِمِائَتَيْنِ، لَزِمَهُ شَاتَانِ إِذَا حَالَ حَوْلُ الْمِائَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَسْتَأْنِفُ لِزَائِدٍ حَوْلًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذا أَبْدَلَهُ بِدُونِ نِصَابٍ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَكَالْحَقَّيْنِ، وَكَرُجُوعِهِ إِلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ فَسْخٍ. ١
وإنْ أبْدَلَه بنِصابٍ مِن جِنْسِه، بَنَى على حَوْلِه. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. ويتَخَرَّجُ أنْ يَنْقَطِعَ. وهو لأبى الخَطَّاب؛ كالجِنْسَيْن. قال ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَميمٍ: ينْقَطِعْ على الأصحِّ. وقاس حماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم القاضى، وأصحابُه، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، وغيرُهم، البِناءَ على الحَوْلِ الأوَّلِ فى هذه المسْأَلَةِ على عُروضِ التِّجارَةِ، تُباعُ بنَقْدٍ أو تُشْتَرى به، فإنَّه يُبْنَى. وحُكِىَ الخِلافُ.
تنبيه: اعلمْ أنّ بعضَ الأصحابِ عبَّر فى هذه المسْأَلةِ بالبَيْعِ، كما قالَه المُصَنِّفُ هنا، وعبَّر بعضُهم بالإِبْدالِ. قال فى «الفُروعِ»: ودَلِيلُهم يقْتَضِى التَّسْوِيَةَ. وعبَّر القاضى بالإبْدالِ. ثم قال: نصَّ عليه فى رِوايَةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ ، فى الرَّجُلِ يكونُ عندَه غنَمٌ سائمةٌ، فيَبيعُها بضِعْفِها مِنَ الغَنَمِ، هل يُزَكِّيها أم يُزَكِّى الأصْلَ؟ فقال: بل يُعْطِى زكاتَها؛ لأَنَّ نَماءَهَا منها.
وقال أبو المَعالِى: المُبادَلَةُ، هل هى بَيْعٌ؟ فيه رِوايَتَان.
ثم ذكَر نصَّه بجَوازِ إبْدالِ المُصْحَفِ، لا بَيْعِه، وقوْلَ أحمدَ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُعاطَاةُ بَيْعٌ، والمُبادَلَةُ مُعاطَاةٌ. وأنَّ هذا أشْبَهُ.
قال: فإنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ. انْقَطعَ الحوْلُ، كلَفْظِ البَيْعِ؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ. نَعَم، المُبادَلَةُ تدُلُّ على وَضْعِ شئٍ مُماثِلٍ له كالتَيّمُّمِ عنِ الوُضوءِ، فكُلُّ بَيْعٍ مُبادَلَةٌ، ولا عَكْسَ. انتهى.
وقال أبو بَكْرٍ فى المُبادَلَةِ: هل هى بَيْعٌ أم لا؟ على رِوايتَيْن. وأنْكَر القاضى ذلك.
وقال: هى بَيْعٌ بلا خِلافٍ. ذكَره ابنُ رَجَبٍ فى «القَاعِدَةِ الثَّالثَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ». ويأْتِى هذا فى أوَائلِ كتابِ البَيْع، عندَ حُكْمِ بَيْع المُصْحَفِ.
فائدة: لو زادَ بالاسْتِبْدالِ، تَبعَ الأُصُولَ فى الحَوْلِ أيضًا. نصَّ عليه كنتَاجٍ،
فلو أبْدَل مِائَةَ شاةٍ بمِائتَيْن، لَزِمَه شاتان ، إذا حالَ حَوْلُ المِائةِ. نصَّ عليه.
وقال أبو المَعالِى: يستأنفُ للزَّائدِ حوْلًا.
وقال فى «الانْتِصارِ»: إنْ أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه بَنَى. أوْمَأَ إليه. ثم سَلَّمه وفرَّق.
وقال ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ: لا يَبْنِى فى الأصَحِّ.
فائدة: لو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، ثم رُدَّ عليه بعَيْبٍ ونحوِه، اسْتَأْنفَ الحَوْلَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَر أبو بَكْرٍ، إذا أَبْدَلَ نِصابًا بغيرِ جِنْسِه، ثم رُدَّ عليه بعَيْبٍ ونحوِه، يَنْبَنِى على الحَوْلِ الأوَّلِ إذا لم تحْصُلِ المُبادَلَةُ بَيْعًا، وفى نُسْخَةٍ، إذا لم نَقُلْ: المُبادَلَةُ بَيْعٌ.
ولو أبْدَلَ نِصابَ سائمةٍ بمِثْلِه، ثم ظهَر على عَيْبٍ، بعدَ أنْ وَجَبَتِ الزَّكاةُ، فله الرَّدُّ، ولا تسْقُطُ الزَّكاةُ عنه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إذا دَلَّسَ البائعُ العَيْبَ، فرُدَّ عليه، فزَكاتُه عليه،
فإنْ أخْرَجَ مِنَ النِّصابِ، فله رَدُّ ما بَقِىَ فى أحَدِ الوَجْهَيْن. وفى الآخرِ، يَتَعَيَّنُ له الأرْشُ.
قلتُ: وَإذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ في عَيْنِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
هذا المذهبُ، على ما يأْتِى فى خِيَارِ العَيْبِ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ. فعلى الأوَّلِ، لو اخْتلَفا فى قِيمَةِ المُخْرَجِ، كان القَوْلُ قوْلَ المُخْرِجِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيلَ: القوْلُ قوْلُ صاحِبِه. وأطْلَقَهما ابنُ تميمٍ، و «الفُروعِ» على ما تقدَّم.
قوله: وإذا تَمَّ الحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكاةُ فى عَيْنِ المالِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه فى روايةِ الجماعَةِ. قال فى «الفُروعِ»: نقَله واخْتارَه الجماعةُ. قال الجمهورُ: وهذا ظاهرُ المذهبِ. وحَكاه أبو المَعالِى وغيرُه. انتهى. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هى الظَّاهرَةُ عندَ أكْثرَ أصحابِنا. وجزَم به فى «الإرْشادِ»، والقاضى فى «المُجَرَّدِ»، و «التَّعْليقِ»، و «الجامِعِ»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ فى «خِلافِه الصَّغِيرِ». وصحَّحَه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وغيرُه. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيْرِهم.
وعنه، تجبُ فى الذِّمَّةِ. قال فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»: يَتَعَلَّقُ بالذِّمًّةِ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال ابنُ عَقِيل: هو الأشْبَهُ بمَذهَبِنا. وجزَم به الخِرَقِىُّ، وأبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ».
وقال: رِوايَةٌ واحدَةٌ. وقدَّمه فى «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، وابنُ رَزِين فى «شَرْحِه»، و «نِهايَتِه»، و «نَظْمِها»، واخْتارَه. وأطْلَقَهما فى «المُبْهِجِ»، و «الإيضَاحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
وقيلَ: تجِبُ فى الذِّمَّةِ، وتتَعَلقُ بالنِّصابِ. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: ووَقَع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك فى كلامِ القاضى، وأبى الخَطَّابِ وغيْرِهما، وهى طرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ. قال فى «القَواعِدِ»: وفى كلامِ أبي بَكْرٍ إشْعارٌ بتَنْزيلِ الرِّوايتَيْن على اخْتِلافِ حالَيْن؛ وهما يَسارُ المالِكِ وإعْسارُه،
فإنْ كان مُوسِرًا وجبَتْ فى ذِمَّتِه،
وإنْ كان مُعْسِرًا وجَبَتْ فى عَيْنِ المالِ. قال: وهو غَرِيبٌ.
تنبيه: لهذا الخِلافِ، أعْنِى أنَّها، هل تجِبُ فى العَيْنِ أو فى الذِّمَّةِ؟ فوائدُ جمَّةٌ؛ منها، ما ذكَرَه المُصَنِّفُ هنا، وهو ما إذا مضَى حَوْلان على النِّصابِ، لم تُؤَدَّ زَكاتُهما، فعليه زَكاةٌ واحدَةٌ، إنْ قُلْنا: تجِبُ فى العَيْنِ. وزَكاتَان إنْ قُلْنا: تجبُ فى الذِّمَّةِ. هكذا أطْلَقَ الإمامُ أحمدُ، أنَّ عليه زكاتَيْن، إذا قُلْنا: تجِبُ فى الذِّمَّةِ. وتَبِعَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم المُصَنِّفُ هنا، فأطْلَقُوا، حتى قالَ ابنُ . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيل، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»: ولو قُلْنا: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ. لم تسْقُطْ هنا؛ لأنَّ الشئَ لا يُسْقِطُ نفْسَه، وقد يُسْقِطُ غيرَه. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»،
ومَن تابَعَهُما: إنْ قُلْنا: تجِبُ فى الذِّمَّةِ. زكَّى لكُلِّ حَوْلٍ، إلَّا إذا قُلْنا: دَيْنُ اللهِ يَمْنَعُ. فيُزَكِّى عن حَوْلٍ واحدٍ، ولا زكاةَ للحَوْلِ الثَّانِى؛ لأجْلِ الدَّيْنِ، لا للتَّعَلُّقِ بالعَيْنِ. وجزَم به فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا قوْلُ الأكْثَرِ. وزادَ فى «المُسْتَوْعِبِ»، متى قُلْنا: يَمْنَعُ الدَّيْنُ. فلا زكاةَ للعَامِ الثَّانِى، تعَلَّقَتْ بالعَيْنِ أو بالذِّمَّةِ.
وقال: حيْثُ لم يُوجِبْ أحمدُ زكاةَ العامَ الثَّانى، فإنَّه بنَى على روايةِ مَنْع الدَّيْنِ؛ لأنَّ زكاةَ العامِ الأوَّلِ صارتْ ديْنًا على ربِّ المالِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ. وجَعَل فَوائدَ الرِّوايتَيْن، إخْراجَ الرَّاهنِ المُوسِرِ مِنَ الرَّهْنِ بلا إذْنٍ، إنْ عُلِّقَتْ بالعَيْنِ، واخْتِيارَه فى سُقُوطِها بالتَّلَفِ وتقْدِيمها على الدَّيْن. قالَه فى «الفُروعِ»،
وقال غيرُه خِلافَه. ويأْتِى أيضًا.
وقال فى «القَواعِدِ»: قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: تتَكَرَّرُ زَكاتُه لكُلِّ حَوْلٍ على القَوْلَيْن، وتأوَّلَ كلامَ أحمدَ بتَأْويلٍ فاسِدٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: محَلُّ هذه الفائدَةِ، فى غيرِ ما زكَاتُه الغَنَمُ مِنَ الإِبِلِ، كما قال المُصَنِّفُ.
فأمَّا ما زَكاتُه الغَنَمُ مِنَ الإِبِلِ،
فإنَّ عليه لكُلِّ حَوْلٍ زَكاةً. على كِلا الرِّوايتَيْن. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ونصَّ عليه.
قال فى «الفُروعِ»: أمَّا لو كان الواجِبُ غيرَ الجِنْسِ، كالإِبلِ المُزَكَّاةِ بالغَنَمِ، فنَصَّ أحمدُ، أنَّ الواجِبَ فيه فى الذِّمَّةِ،
وإنْ كانتِ الزَّكاةُ فيه تتَكَرَّرُ. وفرَّق بينَه وبينَ الواجِبِ مِنَ الجِنْسِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: والشِّياهُ عنِ الإِبِلِ تتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ فتَتَعَدَّدُ وتتَكَرَّرُ. وقلتُ: هذا إن قُلْنا: لا تسْقُطُ بدَيْنِ اللهِ. انتهى.
وقال أبو الفَرَجِ الشِّيَرازيُّ فى «المُبْهِجِ»: حُكْمُه حُكْمُ ما لو كان الواجِبُ مِن جِنْسِ المُخْرَجِ عنه. قال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ أبي الخَطَّابِ، واخْتَارَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، أنَّه كالواجِبِ مِنَ الجِنْسِ، على ما سبَق مِنَ العَيْن والذِّمَّةِ، لأنَّ تعَلُّقَ الزكاةِ كتعَلُّقِ الأرْشِ بالجَانِى، والدَّيْنِ بالرَّهْنِ. فلا فرقَ إذن. فعلَى المذهبِ، لو لم يكُنْ له سِوَى خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ، ففى امْتِناعِ زَكاةِ الحَوْلِ الثَّانِى، لكَوْنِها دَيْنًا، الخِلافُ.
وقال القاضى فى «الخِلَافِ»، فى هذه المسْأَلةِ؛ لا يَلْزَمُه. وعلى المذهبِ أيضًا، فى خَمْسٍ وعِشْرِين بعِيرًا فى ثلاَثَةِ أحْوالٍ؛ الأولُ، حَوْلُ بِنْتِ مَخاضٍ، ثم ثَمانِ شِيَاهٍ؛ لكُلِّ حَوْلٍ أرْبَعُ شِيَاهٍ. وعلى كلامِ أبي الخَطَّابِ، أنَّها تجِبُ فى العَيْنِ مُطْلَقًا كذلك لأوَّلِ حَوْلٍ، ثم للثَّانِى،
ثم إنْ نقَص النِّصابُ بذلك عن عِشْرِ ين بعِيرًا إذا قَوَّمْناه، فلِلثَّالِثِ ثلاثُ شِيَاهٍ وإلَّا أرْبَعٌ. فوائد؛ إحْداها، متى أفْنَتِ الزَّكاةُ المالَ، سقَطَتْ بعدَ ذلك. صرَّح به فى «التَّلْخيصِ». وجزَم به فى «الفُروعِ»، لكنْ نصَّ أحمدُ، فى رِوايِة مُهَنَّا على وُجوبِها فى الدَّيْنِ بعدَ اسْتِغْراقِه بالزَّكاةِ.
قال فى «القَواعِدِ»: فإمَّا أنْ يُحْمَلَ ذلك على القوْلِ بالوُجوبِ فى الذِّمَّةِ،
وإمَّا أنْ يُفَرَّقَ بينَ الدَّيْنِ والعَيْنِ؛ بأنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمِىٌّ لا وُجودَ له فى الخارِجِ، فتَتَعَلَّقُ زكاتُه بالذِّمَّةِ، رِوايةً واحدَةً. ولكنْ نصَّ أحمدُ، فى رِوايَة غيرِ واحدٍ، على التَّسْوِيَةِ بينَ الدَّيْنِ والعَيْنِ فى امْتِناعِ الزَّكاةِ فيما بعدَ الحَوْلِ الأوَّلِ. وصرَّح بذلك أبو بَكْرٍ وغيرُه. الثَّانيةُ، تعَلقُ الزَّكاةِ بالعَيْنِ مانِعٌ مِن وُجوبِ الزَّكاةِ فى الحَوْلِ الثَّانِى وما بعدَه بلا نِزاعٍ. وليس بمانِعٍ مِن انْعِقادِ الحوْلِ الثَّانِى ابْتِداءً. وهو قوْلُ القاضى فى «المُجَرَّدِ»، وابنِ عَقِيلٍ. ونقَل المَجْدُ الاتِّفاقَ عليه. وهو ظاهِرُ ما ذكَرَه الخَلَّالُ فى «الجامِع».
وأوْرَدَ عن أحمدَ مِن روايَةِ حَنْبَلٍ ما يَشْهَدُ له.
وقيلَ: إنَّه مانِعٌ مِن انْعِقادِ الحَوْلِ الثَّانِى ابْتِداءً. وهو قوْلُ القاضى فى «شَرْحِ المذهبِ»، والمُصَنِّفِ فى «المُغْنِى». وأطْلَقَهما فى «القَواعِدِ». ويأتِى مَعْنَى ذلك فى الخُلْطَةِ إذا باعَ بعضَ النِّصابِ. الثَّالثةُ، إذا قُلْنا: تجِبُ الزَّكاةُ فى العَيْنِ. فقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: تتَعَلَّقُ به كتَعلُّقِ أرْشِ جِنايَةِ الرَّقيقِ. برَقَبَتِه، فلِرَبِّه إخْراجُ زكاتِه مِن غيرِه، والتَّصَرُّفُ فيه ببَيْع وغيرِه، بلا إذْنِ السَّاعِى، وكلُّ النَّماءِ له.
وإنْ أتْلَفَه، لَزِمَه قِيمَةُ الزَّكاةِ دُونَ جِنْسِه، حيوانًا كان النِّصابُ أو غيرَه.
ولو تصَدَّقَ بكُلِّه، بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ ولم يَنْوِها، لم يُجْزِئْه.
وإذا كان كلُّه مِلْكًا لرَّبِّه، لم يَنْقُصْ بتَعَلُّقِ الزَّكاةِ، بل يكونُ دَيْنًا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كدَيْنِ آدَمِىٍّ، أو لا يَمْنَعُ لعَدَمِ رُجْحانِها على زكاةِ غيرِها،
بخِلافِ دَيْنِ الآدَمِيِّ. وقيل: بل يتَعَلَّقُ به كتَعلُّقِ الدَّيْنِ بالرَّهْنِ، وبمالِ مَن حُجِرَ عليه لفَلَسِه، فلا يصِحُّ تصَرُّفُه فيه قبلَ وَفائِه أو إذْنِ رَبِّه.
وقيل: بل كتَعَلُّقِه بالتَّرِكَةِ، قال: وهو أقْيَسُ. قال فى «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثَّمانِين»: تعَلُّقُ الزَّكاةِ بالنِّصابِ، هل هو تعَلُّقُ شَرِكَةٍ أو ارْتِهانٍ، أو تعَلُّقُ اسْتِيفاءٍ كالجِنايَةِ؟ اضْطربَ كلامُ الأصحاب اضْطِرابًا كثيرًا. ويحْصُلُ منه ثلاَثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّه تعَلُّقُ شَرِكَةٍ. وصرَّح به القاضى فى مَوْضِعٍ مِن «شَرْحِ المذهبِ». وظاهِرُ كلامِ وَلَا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ، أبي بَكْرٍ يدُلُّ عليه، وقد بيَّنه فى مَوْضِعٍ آخَرَ. والثَّانى، تعَلُّقُ اسْتِيفاءٍ. وصرَّح به غيرُ واحدٍ؛
منهم القاضى. ثم منهم مَن يُشَبِّهُه بتَعَلُّقِ الجِنايَةِ. ومنهم مَن يشَبِّهُه بتَعلُّقِ الدَّيْنِ بالتَّرِكَةِ.
والثَّالثُ، أنَّه تعَلُّقُ رَهْنِ. وينْكَشِفُ هذا النِّزاعُ بتَحْريرِ مَسائِلَ؛ منها، أنَّ الحَقَّ هل يتَعَلَّقُ بجميعِ النِّصابِ، أو بمِقْدارِ الزِّكاةِ فيه غَيْرَ مُعَيَّنٍ؟ ونقَل القاضى وابنُ عَقِيلٍ، الاتِّفاقَ على الثَّانِى. ومنها، أنَّه مع التَّعلُّقِ بالمالِ، هل يكونُ ثابِتًا فى ذِمَّةِ المالكِ أم لا؟ ظاهِرُ كلامَ الأكْثرَ، أنَّه على القَوْلَ بالتعَلُّقِ بالعَيْنِ، لا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ منه شئٌ، إلَّا أنْ يتْلَفَ المالُ، أو يتَصَرَّفَ فيه المالِكُ بعدَ الحَوْلِ، وظاهِرُ كلامِ أبى الخَطَّابِ، والمَجْدِ فى «شَرْحِه».
أمَّا إذا قُلْنا: الزَّكاةُ فى الذِّمَّةِ. يتعَلَّقُ بالعَيْنِ تعَلُّقَ اسْتِيفاء مَحْضٍ، كتَعَلُّقِ الدُّيونِ بالتَّرِكَةِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تقِيُّ الدِّينِ، وهو حسَنٌ. ومنها، مَنْعُ التَّصَرُّفِ.
والمذهبُ لا يَمْنَعُ. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.