وَإِنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ أَوِ ارْتَدَّ أَوِ اسْتَغْنَى أَجْزَأَتْ عَنْهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن عَجَّلها، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فمات أو ارْتَدَّ أو استَغْنَى، أجْزَأتْ عنه) إذا دَفَع الزكاةَ المُعَجَّلَةَ إلى مُسْتَحِقِّها، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن لا يَتَغَيَّرَ الحالُ، ففى هذا القِسْمِ يَقَعُ المَدْفُوعُ مَوْقِعَه، ويُجْزِئُ عن المُزَكِّى، ولا يَلْزَمُه بَدَلُه، ولا له اسْتِرْجاعُه، كما لو دَفَعَها بعدَ وُجُوبِها. الثانى، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ الآخِذِ، بأن يَمُوتَ قبلَ الحَوْلِ، أو يَسْتَغْنِىَ، أو يَرْتَدَّ. فهذا في حُكْمِ القِسْمِ الذى قبلَه، وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ ما كان شَرْطًا للزكاةِ إذا عدِم قبلَ الحَوْلِ لم يُجْزِئُ، كما لو تَلِف المالُ، أو مات رَبُّه. ولَنا، أنَّه أدَّى الزكاةَ إلى مُستَحِقِّها، فلم يَمْنَع الإِجْزَاءَ تَغَيُّرُ حالِه، كما لو اسْتَغْنَى بها، ولأنَّه حَقٌّ أدّاه إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كالدَّيْنِ يُعجِّلُه قبلَ أجَلِه، وما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما إذا اسْتَغْنَى بها، والحُكْمُ في الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ،
فإنَّ المالَ إذا تَلف تَبَيَّنَ عَدمُ الوُجُوبِ؛ فأشْبَهَ ما لو أدَّى إلى غَرِيمِه دَراهِمَ يَظُنُّها عليه، فتَبَيَّنَ أنَّها ليست عليه، وكما لو أدَّى الضّامِنُ الدَّيْنَ، فبان أنَّ المَضْمُونَ عنه قَضاه، وفى مَسْألَتِنا الحَقُّ واجِبٌ، وقد أخَذَه مُسْتَحِقُّه. القِسْمُ الثالِثُ، أن يَتَغَيَرّ حَالُ رَبِّ المَالِ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. القِسْمُ الرّابعُ، أن يَتَغَيَّرَ حَالُهما، فهو كالقِسْمِ الثّالِثِ.
٩٨٨ -
(وَإِنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ) قَابِضُهَا (أَوِ ارْتَدَّ أَوِ اسْتَغْنَى) مِنْ غَيْرِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ (أَجْزَأَتْ عَنْهُ) فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوِ اسْتَغْنَى مِنْهَا، أَوْ عَدِمَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَبْضِ، وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ التَّعْجِيلُ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ عَلَى صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ الْإِجْزَاءُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ عجَّلَها فدفَعَها إلى مستَحِقِّها، فماتَ أو ارْتَدَّ أو اسْتَغْنَى. يعْنِى مَن دُفِعَتْ إليه مِن هؤلاءِ، أجْزَأَتْ عنه. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِىٍّ، فَافتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ، لَمْ تُجْزِئْهُ،
وقيل: لا تُجْزِئُه. وهو وَجْهٌ، ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
تنبيه: مُرادُه بقَوْلهِ: وإنْ دفَعَها إلى غَنِىٍّ، فافْتَقَرَ عندَ الوُجوبِ، لم تجْزِئْه. إذا عَلِمَ أنَّه غَنِىٌّ حالةَ الدَّفْعِ، وهذا بلا نِزاعٍ،
وأمَّا إذا دَفَعها إليه ظانًّا أنَّه فقِيرٌ، وهو وَإنْ عَجَّلَها ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسكِينِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِىَ، أوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
فى الباطِنَ غَنىٌّ، فَيَأْتِى فِى كلامَ المُصنِّفِ فى آخِرِ البابِ الذى بعدَه،
عندَ قوْلِه: وإنْ دفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها وهو لا يعْلَمُ، ثم عَلِمَ.
فائدة: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللَّه،
بقَوْلِه: وإنْ عجَّلَها ثم هلَك المالُ قبلَ الحَوْلِ، لم يَرْجِعْ على المِسْكِينِ. أنَّ الزَّكاةَ إذا عجَّلَها ثم هلَك المالُ قبلَ الحَوْلِ، أنَّه لا زَكاةَ عليه. وهو صَحيحٌ، لأنَّا تَبيَّنَّا أنَّ المُخْرَجَ غيرُ زكاةٍ.
وكذا الحُكْمُ لو ارْتَدَّ المالِكُ أو نَقص النِّصابُ.
وكذا لو ماتَ المالِكُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيلَ: إنْ ماتَ بعدَ أنْ عجَّل، وَقعتِ المَوْقعَ، وأجْزأَتْ عَنِ الوَارِثِ.
قال: (فإن عجلها فدفعها إلى مستحقها فمات أو ارتد أو استغنى أجزأت عنه، وإن دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لم تجزئه) .
أما كون من عجل زكاته فدفعها إلى مستحقها ثم خرج عن الاستحقاق بموت أو ارتداد أو استغناء يجزئ عنه فلأن المعتبر حالة الأداء والمدفوع إليه حينئذ أهل للدفع إليه.
ولأن الفقير لو اتجر بما أخذه فاستغنى لم يرجع عليه وفاقاً فكذلك إذا استغنى بغير الصدقة.
وأما كون من دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لا يجزئه فلأنه لم يدفعها لمستحقها لما تقدم من أن المعتبر حالة الدفع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.