وَإِنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ أَوْ إِسْلَامُ نَظِيرِهِ أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ الْخَامِسُ: الرِّقَابُ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ
الشروح عليها
مسألة: (فإنْ تَلِفَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) إذا تَلِفَتِ الزكاةُ في يَدِ السّاعِى مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويُعْطَى أُجْرَتَه مِن بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لمصالِحِ المسلمين، وهذا مِن مَصالِحِهم.
وإن لم تَتْلَفْ أُعْطِىَ أجْرَ عَمَلِه منها، وكان أكْثَرَ مِن ثُمْنِها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فجرَى مَجْرَى عَلْفِها ومُداواتِها.
وإن رَأَى الإِمامُ أعْطاه أجْرَه مِن بيتِ المَالِ. أو يَجْعَلُ له رِزْقًا في بيتِ المالِ وَلَا يُعْطِيه منها شيئًا، فَعَل.
وإن تَوَلَّى الإِمامُ أو الوالِى مِن قِبَلِه أخْذَ الصَّدَقَةِ وقَسْمَها، لم يَسْتَحِقَّ منها شيئًا؛ لأنَّه يَأْخُذ رِزْقَه مِن بيتِ المالِ.
فصل: ويجوزُ للإمامِ أن يُوَلِّىَ السَّاعِىَ جِبايَتَها وتَفْرِيقَها،
وأن يُوَلِّيَه أحَدَهما؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَلَّى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فقَدِمَ بصَدَقَتِه على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: هذا لَكُم، وهذا أُهْدِىَ لِى .
وقال لقَبِيصَةَ:«أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». وأمَرَ مُعاذًا أن يَأْخُذَ الصدقةَ مِن أغْنِيائِهم فيَرُدَّها في فُقَرائِهم . ويُروَى أنَّ زِيادًا وَلَّى عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فلمّا جاءَ قِيلَ له: أين المالُ؟ قال: أوَ للمالِ بَعَثْتَنِى! أخَذْناها كما كنَّا نَأْخُذُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيثُ كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رَواه أبو داودَ . وعن أبى جُحَيْفَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا، فوَضَعَها في فُقَرائِنا، وكنتُ غُلامًا يَتيمًا فأعْطانِى منها قَلُوصًا .
أخْرَجَه التِّرمِذِىُّ .
٩٩٦ - مسألة: (الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ المسلمين.
وعنه، أنَّ حُكْمَهم انْقَطعَ) المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم قِسْمان؛ كُفّارٌ ومُسْلِمون، وهم جميعًا السّادَةُ المُطاعُون في عشائِرِهم كما ذَكَر. فالكُفّارُ ضَرْبان، أَحَدُهما، مَن يُرْجَى إسْلامُه، فيُعْطى لتَقوَى نِيَّتُه في الإِسْلامِ، وتَمِيلَ نَفْسُه إليه، فيُسْلِمَ؛
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ فَتْحِ مَكَّةَ أعْطى صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ الأمانَ، واسْتَصْبَرَهُ صَفْوانُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ليَنْظُرَ في أمْرِه، وخَرَج معه إلى حُنَيْنٍ، فلمّا أعْطَىَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العَطايا قال صفوانُ: مالِى؟ فأوْمأ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى وادٍ فيه إبِل مُحَمَّلَةٌ، فقال:«هَذَا لَكَ». فقال صَفْوانُ: هذا عَطاءُ مَن لا يَخْشَى الفَقْرَ . والضَّرْبُ الثَّانِى، مَن يُخْشَى شَرُّه، فيرجَى بعَطِيَّتِه كَفُّ شَرِّه، وكَفُّ شَرِّ غيرِه معه.
فرَوَى ابنُ عباسٍ، أنَّ قَوْمًا كانوا يَأْتُونَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإن أعْطاهم مَدَحُوا الإسْلامَ، وقالوا: هذا دِينٌ حَسَنٌ.
وإن مَنَعَهم ذمُّوا وعابُوا .
وقال أبو حنيفةَ: انْقطَعَ سَهْمُ هؤلاء. وهو أحدُ أقْوالِ الشافعىِّ؛ لِما رُوِى أنَّ مُشركًا جاء يَلْتَمِسُ مِن عُمَرَ مالًا فلم يُعْطِه، وقال:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن عُثْمانَ ولا علىٍّ أنَّهم أعْطَوْهم شيئًا مِن ذلك، ولأنَّ اللَّهَ تعالى أظْهَرَ الإِسْلامَ وقَمَع المُشْرِكِين، فلا حاجَةَ بنا إلى التَّأْلِيفِ عليه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}. وهذه الآيةُ في سورةِ بَراءة، وهى مِن آخِرِ ما نَزَل مِن القرآنِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطى المُؤَلَّفَةَ مِن المُشْرِكِين والمسلمين .
وأعْطى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عَدِىَّ بنَ حاتمٍ، حينَ قَدِم عليه مِن الصَّدَقَةِ بثلاِثمائةِ جَمَلٍ، ثَلاثين بَعِيرًا . ومُخالَفَةُ كتابِ اللَّهِ تعالى، وسُنَّةِ رسولِه، واطِّراحُهما بلا حُجَّةٍ لا يجوزُ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بتَرْكِ عُمَرَ وعثمانَ وعلىٍّ إعْطاءَهم، ولَعَلَّهم لم يَحْتاجُوا إليه فتَرَكُوا ذلك لعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعْطائِهم، لا لسُقُوطِ سَهْمِهم، ومثلُ هذا لا يَثْبُتُ به النَّسْخُ. واللَّهُ أعلمُ.
وأمّا المسلمون فأرْبَعَةُ أضْرُبٍ؛ قومٌ بِن ساداتِ المسلمين لهم نُظرَاءُ مِن الكُفّارِ، أو مِن المسلمين الذين لهم نِيَّةٌ حَسَنَةٌ في الإِسْلامِ،
فإذا أُعْطُوا رُجِىَ إسْلامُ نُظرَائِهم وحُسْنُ نِيّاتِهم، فيجوزُ إعْطاوهم؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطَى عَدِىَّ بنَ حاتم، والزِّبْرِقانَ بنَ بَدْرٍ، مع حُسْنِ نِيَّاتِهما وإسْلَامِهما. الضَّرْبُ الثَّانِى، ساداتٌ مُطاعُون في قَوْمِهم، يُرْجَى بعَطِيَّتِهم قُوَّةُ إيمانِهم، ومُناصَحَتُهم في الجِهادِ، فيُعْطَوْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى عُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعَلْقَمَةَ بنَ عُلَاثةَ، والطُّلقَاءَ مِن أهْلِ مَكةَ،
وقال للأنْصارِ:«يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ عَلى مَا تَأْسَوْنَ؟ عَلَى لُعَاعَةٍ مِن الدُّنْيَا تَأْلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لَا إيمَانَ لَهُمْ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إيِمَانِكُمْ». وروَى البخارىُّ ، عن عَمْرو بنِ تَغْلِبَ، أنَّ النبىَّ - صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى ناسًا وتَرَكَ ناسًا، فبَلَغَه عن الذين تَرَك أنَّهم عَتَبُوا، فصَعِدَ المِنْبَرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «إنِّى أُعْطِى نَاسًا لِمَا في قُلُوبِهِم مِن الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ نَاسًا إلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والْخَيْرِ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ ».
وعن أَنَسٍ، قال: حينَ أفاءَ اللَّهُ على رسولِه أمْوالَ هَوازِنَ، طَفِقَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُعْطِى رِجالًا مِن قُرَيْشًا مائةً مِن الإبِلِ، فقال ناسٌ مِن الأنْصارِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُعْطِى قُرَيْشًا ويَمْنَعُنَا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهم. فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنِّى أُعْطِى رِجَالًا حَدِيْثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُم». مُتَّفَقٌ عليه . الضَّرْبُ الثالثُ، قومٌ في طَرَفِ بلادِ الإِسْلامِ، إذا أُعْطُوا دَفَعُوا عمَّن يَلِيهم مِن المسلمين.
الضَّرْبُ الرابعُ، قَوْمٌ إذا اعْطُوا جَبَوُا الزَّكاةَ مِمّن لا يُعْطِيها إلَّا أن يَخافَ. فكلُّ هؤلاء يجوزُ الدَّفْعُ إليهم مِن الزَّكاةِ، لأنَّهم مِن المُؤلَّفَةِ قُلُوبُهم، فيَدْخُلُون في عُمُومِ الآيَةِ. وحَكَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: المُؤلَّفَةُ قد انْقَطَعَ حُكْمُهم اليومَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا. ولعلَّ معنَى قولِ أحمدَ: انْقَطَعَ حُكْمُهم. أنَّه لا يُحْتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعْطونَهم اليومَ شيئًا، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهم، فإنَّهم إنَّما يجوزُ إعْطِاؤُهم عندَ الحاجَةِ إليهم. واللَّهُ سبحانَه أعلمُ.
٩٩٧ - مسألة: (الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهُم المُكاتَبُون) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقابِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّ المُكاتَبِين مِن الرِّقابِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إليهم. وهو قولُ الجُمْهورِ.
وقال مالكٌ: إنَّما يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقابِ في إعْتاقِ العَبِيدِ، ولا يُعْجِبُنِى أن يُعانَ منها مُكاتَبٌ. وقَوْلُه مُخالِفٌ لظاهِرِ الآيَةِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ مِن الرِّقابِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إنَّما يُدْفَعُ إليه إذا لم يَكُنْ معه ما يَقْضِى به كِتابَتَه، ولا يُدْفَعُ إلى مَن معه وَفاءُ كِتابَتِه شَئٌ؛ لأنَّه مُسْتَغْنٍ عنه في وَفاءِ الكِتابَةِ.
فإن كان معه بعضُ الكِتابَةِ تَمَّمَ له وَفاءَ كِتابَتِه؛ لأنَّ حاجَتَه لا تَنْدَفِعُ إلَّا بذلك،
وإن لم يكنْ معه شئٌ، أُعْطِىَ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إليه لوَفاءِ الكِتابَةِ؛ لما ذَكَرْنا. ولا يُعْطىَ بحُكْمِ الفَقْرِ شيئًا؛ لأنَّه عبدٌ.
ويَجُوزُ إعْطاؤُه قبلَ حُلُولِ كِتابَتِه؛ لئَلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ ولا شئَ معه، فَتُفْسَخَ الكِتابَةُ. ولا يُدْفَعُ إلى مُكاتَب كافِرٍ شئٌ؛ لأنَّه ليسَ مِن مَصارِفِ الزَّكاةِ. ٩٩٨ -
(وَإِنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا،
وَقِيلَ: لَا يُعْطَى شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَتْلَفْ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْهَا،
وَإِنْ جَاوَزَ الثُّمْنَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةً فِي الْمَنْصُوصِ،
وَعَنْهُ: لَهُ الثُّمْنُ مِمَّا يَجْتَنِيهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: فَعَلَيْهَا إِنْ جَاوَزَتْ أُجْرَتُهُ الثُّمْنَ أُعْطِيَهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَيُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ الْأَخْذُ،
وَإِنْ تَطَوَّعَ بِعَمَلِهِ؛ لِلْخَبَرِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى عَمَلٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا قَبْلَ تَعْمِيلِهِ،
وَإِنْ عَقَدَ لَهُ إِجَارَةً، وَعَيَّنَ لَهُ أُجْرَةً مِمَّا يَأْخُذُهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَ تَلَفِ مَا أَخَذَهُ،
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَوْ بَعَثَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا، أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ دَفْعَهَا إِلَى الْعَامِلِ فَأَنْكَرَ، صُدِّقَ الْمَالِكُ بِلَا يَمِينٍ، وَحَلَفَ الْعَامِلُ وَبَرِئَ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْفَقِيرِ،
وَكَذَا إِقْرَارُهُ بِقَبْضِهَا، وَلَوْ عُزِلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ،
وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: مَعَ تُهْمَتِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ فِي وَضْعِهَا غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ،
وَإِنْ شَهِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَبْلَ التَّخَاصُمِ، قُبِلَ وَغَرِمَ الْعَامِلُ، وَإِلَّا فَلَا،
وَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ،
وَإِنْ عَمِلَ إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ عَلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا.
[الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ] (الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) لِلنَّصِّ،
وَالْمَذْهَبُ بَقَاءُ حُكْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْطَى الْمُؤَلِّفَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ (وَهُمُ السَّادَةُ) الرُّؤَسَاءُ (الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ مُطَاعٌ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارُ وَمُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا (مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ) فَيُعْطَى مِنْهَا لِيَقْوَى بِنِيَّتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَمِيلَ نَفْسُهُ إِلَيْهِ فَيُسْلِمَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الْأَمَانَ، وَاسْتَنْظَرَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَطَايَا، قَالَ صَفْوَانُ: مَا لِي؛
فَأَشَارَ إِلَى وَادٍ فِيهِ إِبِلٌ مُحَمَّلَةٌ، فَقَالَ: هَذَا لَكَ. فَقَالَ صَفْوَانُ: هَذَا عَطَاءُ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ. وَأُجِيبُ بأَنَّهُ كَانَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لَا الزَّكَاةِ.
الثَّانِي: مَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ كَفُّ شَرِّهِ وَشَرِّ غَيْرِهِ، فَقَالَ (أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ مَدَحُوا الْإِسْلَامَ،
وَإِنْ مَنَعَهُمْ ذَمُّوا وَعَابُوا» وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
١ - (أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ) وَمُنَاصَحَتُهُ فِي الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، وَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدٍ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَعْفِ إِسْلَامِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ.
٢ - (أَوْ إِسْلَامُ نَظِيرِهِ) أَيْ: أَنَّهُمْ سَادَاتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ نُظَرَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَعْطَوُا الْمُسْلِمِينَ رَغِبَ نُظَرَاؤُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ إِسْلَامِهِمَا، وَحُسْنِ نِيَّاتِهِمَا.
٣ - (أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إِلَّا أَنْ يَخَافَ.
٤ - (أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) كَمَنْ هُوَ فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إِذَا أُعْطُوا دَفَعُوا عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْمُؤَلَّفَةِ،
(وَعَنْهُ: أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُعْطُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَأَعَلَى كَلِمَةَ الْإِيمَانِ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ،
وَعَنْهُ: يَنْقَطِعُ مَعَ كُفْرِهِمْ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَقَدْ جَاءَهُ مُشْرِكٌ يَلْتَمِسُ مِنْهُ مَالًا فَلَمْ يُعْطِهِ،
وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ أَيْ: يَسْتَمِرُّ عَلَى كُفْرِهِ، وَعَلَيْهِمَا يُرَدُّ سَهْمُهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ، أَوْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُرَدُّ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ فَقَطْ.
[الرِّقَابُ] (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ) وَاحِدُهُ مُكَاتَبٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ مِنَ الرِّقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ رِقَابِي، فَإِنَّهُ يَشْمَلُهُمْ،
وَفِي قَوْله تَعَالَى:{فَكَاتِبُوهُمْ} الْآيَةَ، إِشْعَارٌ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيُصْرَفُ إِلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا إِنْ لَمْ يَجِدْ وَفَاءً كَالْغَرِيمِ،
فَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، فَمَا فَضَلَ مَعَهُ، فَهَلْ هُوَ لَهُ كَمَا لَوْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ لِلْمُعْطِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُعْطَى قَبْلَ حُلُولِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى فَسْخِهَا،
وَلَوْ مَعَ الْقُوَّةِ وَالْكَسْبِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: إِذَا حَلَّ نَجْمٌ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَكَذَا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ لِمَجِيءِ الْمَالِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، وَالْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ.
فَرْعٌ: لَا يُدْفَعُ إِلَى الْمُكَاتَبِ بِحُكْمِ الْفَقْرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ.
وإنْ تَلِفَتِ الزكاةُ فى يدهِ مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، أُعطِىَ أُجْرَتَه مِن بيتِ المالِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المَجْدُ: يُعْطَى أُجْرَتَه مِن بَيْتِ المالِ، عندَ أصحابِنا. وفيه وَجْهٌ لا يُعْطَى شيئًا. قال فى «الفُروعِ»: قال ابنُ تَميمٍ: واخْتارَه صاحِبُ «المُحَرَّرِ». ولقد اطَّلَعْتُ على نُسَخٍ كثيرةٍ «لمُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ»، فلم أجدْ فيه: اخْتارَه صاحِبُ «المُحَرَّرِ». بل يحْكِى الوَجْهَ مِن غيرِ زِيادَةٍ، فلعَلَّ الشَيْخَ اطَّلَع على نُسْخَةٍ فيها ذلك، والذي قالَه المَجْدُ فى «شَرْحِهِ»: .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأقْوَى عندِى التَّفْصِيلُ، وهو أنَّه إنْ كان شرَط له جُعْلًا على عمَلِه، فلا شئَ له؛ لأَنَّه لم يُكْمِلِ العمَلَ؛ فى سائرِ أنْواعِ الجَعالاتِ،
وإنِ اسْتَاجَره إجارَةً صَحِيحَةً بأُجْرةٍ؛ مُسَمَّاةٍ منها، فكذلك؛ لأنَّ حقَّه مُخْتَصٌّ بالتَّالِفِ، فيَذْهَبُ مِنَ الجميعِ.
وإنِ اسْتَأْجرَه إجارَةً صحيحةً بأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ، ولم يُقَيِّدْها بها، أو بعَثَه ولم يُسَمِّ له شيئًا، فلَه الأُجْرَةُ مِن بيْتِ المالِ؛ لأنَّ دَفْعَ العِمالَةِ مِن بَيْتِ المالِ مع بقَائِه جائزٌ للإِمامِ. ولم يُوجَدْ فى هاتَيْن الصُّورَتَيْن ما يُعَيِّنُها مِنَ الزَّكاةِ، فلذلك الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فى عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْهُ، تعَيَّنتْ فيه عندَ التَّلَفِ. انتهى. وهذا لَفْظُه. قال ابنُ تَميمٍ: وهو الأصحُّ. والظاهِرُ أنَّ هذا المَكانَ مِنَ «الفُروعِ» غيرُ مُحَررٍ.
فائدة: يخَيَّرُ الإِمامُ، إنْ شاءَ أرْسَلَ العامِلَ مِن غيرِ عَقْدٍ ولا تَسْمِيَةِ شئٍ،
وإنْ شاءَ عقَد له إجارَة،
ثم إنْ شاءَ جعَل له أخْذَ الزَّكاةِ وتَفريقَها،
وإنْ شاءَ جعَل إليه أخْذَها فقط،
فإنْ أذِنَ له فى تَفْريقِها، أو أطْلَقَ، فله ذلك، وإلَّا فلا. الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فى عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ.
إسْلامُه، أو يُخْشَى شَرُّه، أو يُرْجَى بعَطيَّتِه قُوَّةُ إيمانِه، أو إسْلامُ نَظِيرِه، أو جِبايَةُ الزَّكاةِ مِمَّن لا يُعْطِيها، أو الدَّفْعُ عنِ المُسْلِمين. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَ المُؤلَّفَةِ باقٍ، وعليه الأصحابُ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، أنَّ حُكْمَهم انْقطَعَ مُطْلَقا. قال فى «الإِرْشادِ»: وقد عُدِمَ فى هذا الوَقْتِ المُؤلَّفَةُ.
وعنه، أنَّ حُكْمَ الكُفَّارِ منهمُ انْقطَعَ. واخْتارَ فى «المُبْهجِ»، أن المُؤَلَّفَةَ مَخْصُوصٌ بالمُسْلِمين. وظاهِرُ الخِرَقِىِّ، أنَّه مَخْصُوصٌ بالمُشْرِكين. وصاحِبُ «الهِدايَةِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وجماعَةٌ، حكَوُا الخِلافَ فى الانْقِطاعِ فى الكُفَّارِ، وقطَعوا ببَقاءِ حُكْمِهم فى المُسْلِمين. فعلى رِوايَةِ الانْقِطاعِ، يُرَدُّ، سَهْمُهم على بَقِيَّةِ الأصْنافِ، أو يُصْرَفُ فى مَصالِح المُسْلِمين. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفائقِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقالَ فى «الفُروعِ»: وظاهر كلامِ جماعةٍ، يُرَدُّ على بَقِيَّةِ الأصْنافِ فقط.
قلتُ: قدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «الرِّعايَةِ». قال المَجْدُ: يُرَدُّ على بَقِيَّةِ الأصْنافِ، لا أعَلمُ فيه خلافًا إلَّا ما رَواه حَنْبَلٌ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: فَيُرَدُّ سَهْمُهم فى بَقِيَّةِ الأصْنافِ.
وعنه، فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَصالِح. وما حَكَى الخِيَرَةَ. ولعَلَّه،
وعنه، وفى المَصالحِ. بزِيادَةِ واوٍ.
فائدتان؛ إحداهما، قال فى «الفُروعِ»: هل يَحِلُّ للمُؤَلَّفِ ما يأْخُذُه؟ يتَوجَّهُ، إِنْ أُعْطِىَ المُسْلِمْ ليَكُفَّ ظُلْمَه، لم يَحِلَّ، كقَوْلِنا فى الهَدِيَّةِ للعامِلِ ليَكُفَّ ظُلْمَه، وإِلَّا حَلَّ. واللَّهُ أعلَمُ. الثَّانيةُ، يُقْبَلُ قوْلُه فى ضَعْفِ إسْلامِه، ولا يُقْبَلُ قوْلُه، أنَّه مُطاعٌ، إِلَّا ببَيِّنَةٍ. الْخَامِسُ، الرِّقَابُ؛ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ. الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهمُ المُكاتَبُون. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، أنَّ المُكاتَبِين مِنَ الرِّقابِ. قال المُصَنِّفُ وغيرُه: لا يخْتَلِفُ المذهبُ فى ذلك.
وعنه، الرِّقابُ عَبِيدٌ يُشْتَرَوْن ويُعْتَقُون مِنَ الزَّكاةِ لا غيرُ. فلا تُصْرَفُ إلى مُكاتَبٍ، ولا يُفَكُّ بها أسِير ولا غيرُه، سِوَى ما ذكَر.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: الرِّقابُ؛ وهمُ المُكَاتَبُون. أنَّه لا يجوزُ دَفْعُها إلى مَن عُلِّقَ عِتْقُه بمَجئِ المالِ. وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ».
وقال جماعَةٌ: هم كالمُكاتَبِين فيُعْطَوْن. وجزَم به فى «المُبْهِجِ»، و «الإيضاحِ»، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ». وظاهِرُ كلامِه أيضًا، جَوازُ أخْذِ المُكاتَبِ قبلَ حُلولِ نجْمٍ. وهو صَحِيحٌ، وهو المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أشْهَر القَوْلَيْن. [وقطَع به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ» وغيرِهم] .
وقيلَ: لا يأْخُذُ إلَّا إذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَلَّ نَجْمٌ. وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَيْن فى المُؤَجَّلِ.
فوائد؛ إحداها، لو دفَع إلى المُكاتَبِ ما يقْضِى به دَيْنَه، لم يَجُزْ أنْ يَصْرِفَه فى غيرِه. الثَّانيةُ، لو عتَق المُكاتَبُ تَبَرُّعًا، مِن سيِّدهِ أو غيرِه، فما معه منها له. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وقيل: مع فَقْرِه. وقيل: بل للمُعْطِى. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضى. قالَه فى «الحاوِيَيْن». وقدَّمه فى «المُحرَّرِ». [وظاهِرُ «الفُروعِ»، إطْلاقُ الخِلافِ] .
وقيلَ: بل هو للمُكاتَبِين. ولو عجَز أو ماتَ وبيَدِه وَفاءٌ، ولم يَعْتِقْ بمِلْكِه الوَفاءَ، فما بيَدِه لسَيِّدهِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الرِّعايَتيْن»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»: وهو أصحُّ. زادَ فى «الكُبْرَى»، وأشْهَرُ. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ، واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقالَه الخِرَقىُّ فيما إذا عجَز. وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّم فى «المُحَرَّرِ»، أنَّها تُسْتَرَدُّ إذا عجَز.
وعنه، يُرَدُّ للمُكاتَبِين. نقَلَها حَنْبَلٌ. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وجزَم به فى «المُذْهَبِ» فيما إذا عجَز، حتَّى ولو كان سيِّدُه قبَضَها. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ» بعنه
وعنه. وقيلَ: هو للمُعْطِى. حتَّى قال أبو بَكْرٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقاضى: ولو كان دفَعَها إلى سيِّدِه.
وقيلَ: لا تُؤْخَذُ مِن سيِّدِه، كما لو قبَضَها منه ثم أعْتَقَه. قطَع به الزَّرْكَشِىُّ.
وإنِ اشْترَى بالزَّكاةِ شيئًا ثم عجَز، والعَرْضُ بيَدهِ، فهو لسيِّدِه على الأُولَى وعلى الثَّانيةِ، فيه وَجْهان. وأطْلقَهما ابنُ تَميمٍ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ أنَّه فى الرِّقابِ. ويأتِى قرِيبًا فى كلامِ المُصَنِّفِ، إذا فضَل مع المُكاتَبِ شئٌ بعدَ حاجَتِه،
[ولو أُعْتِقَ بالأَداءِ والإِبْراءِ، فما فضَل معه فهو له. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، كما لو فضَل معه مِن صدَقَةِ التَّطوعِ.
وقيلَ: بل هو للمُعْطِى، كما لو أعْطَى شيئًا لفَكِّ رَقَبَةٍ. صحَّحَه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الكَبِيرِ». وهو ظاهرُ ما قدَّمه فى «المُحَرَّرِ». وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقيلَ: الخِلافُ رِوايَتان. وقيلَ: هو للمُكاتَبين أيضًا] .
تنبيه: هذه الَأحْكامُ فى الزَّكاةِ.
أمَّا الصَّدَقةُ المفْروضَةُ، فكلامُ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى» يقْتَضِى جَرَيانَ الخِلافِ فيه.
وكذا كلامُه فى «الفُروعِ». وظاهِرُ كلامِه فى «المُحَرَّرِ» اخْتِصاصُه بالزكاةِ. ويأْتِى فى أوَائلِ الكِتابَةِ فى كلامِ المُصَنِّفِ، إذا ماتَ المُكاتَبُ قبلَ الأداءِ، هل يكونُ ما فى يَدِه لسيدِه أو الفاضِلُ لورَثَتِه؟ الثَّالثةُ، يجوزُ الدَّفْعُ إلى سيِّدِ المُكاتَبِ بلا إذْنِه. قال الأصحابُ: وهو أوْلَى كما يجوزُ ذلك للإمام،
فإنْ رَقَّ لعَجْزِه، أُخِذَتْ مِن سيِّدهِ. هذا الصَّحيحُ.
وقال المَجْدُ: إنما يجوزُ بلا إذْنِه إنْ جازَ العِتْقُ منها؛ لأنَّه
وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ.
لم يدْفَعْ إليه ولا إلى نائبِه، كقَضاءِ دَيْنَ الغَريمَ بلا إذْنِه. ويأْتِى فى كلامَ المُصَنِّفِ قبلَ الفَصْلِ، جَوازُ دَفْعِ السيدِ زَكاتَه إلى مُكاتَبِه، ويأتِى أيضًا إذا فضَل مع المُكاتَبِ شئٌ بعدَ العِتْقِ. الرَّابعةُ، لو تَلِفَتِ الزَّكاةُ بيَدِ المُكاتَبِ، أجْزَأتْ، ولم يَغْرَمْها، عتَق أو رُدَّ رقِيقًا. الخامسةُ، مِن شَرْطِ صِحَّةِ الدَّفْعِ إلى المُكاتَبِ مِنَ الزَّكاةِ، أنْ يكونَ مُسْلِمًا لا يجِدُ وَفاءً.
قال: (الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه (٢) ، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين،
وعنه: أن حكمهم انقطع).
أما كون المؤلفة قلوبهم من الأصناف الثمانية فلأن الله تعالى ذكرهم في قوله تعالى:{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم}.
وأما كون حكم المسلمين منهم باقياً فلأن الآية تشملهم ولا معارض له فوجب كونه باقياً عملاً بمقتضيه السالم عن المعارض.
وأما كونه انقطع على روايةٍ فلما روي «أن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً فلم يعطه وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئاً من ذلك.
ولأن الله تعالى أظهر الإسلام وقمع الشرك فلا حاجة إلى التأليف.
والأول هو المشهور في المذهب؛ لما تقدم من قوله تعالى:{والمؤلفة قلوبهم} وسورة براءة آخر ما نزل، وروى قتادة في تفسيره «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المؤلفة من الكفار من الزكاة لأنه كان يرجو إسلامهم منهم العباس بن مرداس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن».
وأما قول المصنف رحمه الله: وهم السادة ... إلى آخره؛
فبيان لأصناف المؤلفة قلوبهم وهم ضربان:
كفار ومسلمون،
والكفار ضربان:
من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الإسلام وتميل نفسه إليه فيسلم «لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الأمان واستنظره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره وخرج معه إلى حنين فلما أعطى العطايا قال صفوان: ما لي؟ فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى واد فيه إبل محملة. فقال: هذا لك. فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر».
الضرب الثاني: من يخشى شره ويرجى بعطيته كف شره فيعطى لما روي عن ابن عباس «أن قوماً كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وإن منعهم ذموا».
والمسلمون أربعة أضرب:
- قوم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد فيعطون كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عطاء سفيان والأقرع وعيينة . و «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً فيقول سعد بن أبي وقاص: أعط فلاناً فإنه مؤمن. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أوْ مُسلم ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ مَخافةَ أن يَكُبَّهُ الله في النار».
- الثاني: قوم سادات من المسلمين لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا [رغب نظرائهم في الإسلام فهؤلاء يعطون «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى] عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر» مع ثباتهما في الإسلام وحسن نيتهما فيه.
- الثالث: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف.
- الرابع: قوم في طريق بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين فيعطون لدخولهم في اسم المؤلفة.
قال: (الخامس: الرقاب. وهم المكاتبون. ويجوز أن يفدى بها أسيراً مسلماً. نص عليه. وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ على روايتين) .
أما كون الرقاب من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكرهم في الآية المتقدمة فقال:{وفي الرقاب}.
وأما كون الرقاب هم المكاتبون؛ فلأن لفظ الرقاب يشملهم بدليل ما لو قال: أعتقت رقابي فإنه يعتق مكاتبوه، وقد قال الله تعالى:{فكاتبوهم -إلى قوله تعالى-: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}.
ولأنه ممن يملك المال على سيده ويصرف إليه أرش جنايته فكان له أخذ الزكاة كالغريم.
ولأنه مدين أشبه الغارم.
وأما كون المزكي يجوز أن يفدي بالزكاة أسيراً مسلماً على المنصوص؛ فلأنه فك رقبة من الأسر أشبه فك رقبة المكاتب نفسه. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك [فإنه] لا يؤمن عليه القتل أو الردة وهو محبوس في أيديهم أشد من حبس القن في الرق.
ولأن فيه إعزاز الدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم.
وأما كونه يجوز أن يشتري من الزكاة رقبة يعتقها على روايةٍ فلدخوله في قوله عز وجل:{وفي الرقاب} بل هو ظاهر فيه لأن الرقبة إذا أطلقت انصرفت إليه كقوله تعالى: {فتحرير رقبة} وتقدير الآية وفي إعتاق الرقاب.
ولأنه إعتاقٌ للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ فلأن الآية تقتضي الدفع إلى الرقاب كقوله:{وفي سبيل الله} المراد به الدفع إلى المجاهدين والدفع إلى العبد لا يمكن لأنه لا يلزم منه فك الرقبة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.