وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يعْطىَ منها في الحَجِّ. وعنه، يُعْطىَ الفَقِيرُ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ أو يَسْتَعِينُ به فيه) اختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يُصْرَفُ منها في الحَجِّ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وهى أصَحُّ؛ لأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عندَا الإطْلاقِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الجهادِ،
فإنَّ كلَّ ما في القُرآنِ مِن ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إنَّما ارِيدَ به الجِهادُ، إلَّا اليَسِيرَ، فيَجِبُ أن يُحْمَلَ ما في آيَةِ الزَّكاةِ على ذلك؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إرادَتُه به، ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصْرَف إلى أحَدِ رَجُلَيْن، مُحْتاجٍ إليها، كالفُقَراءِ والمَساكِينِ وفى الرِّقابِ والغارِمين لقَضاءِ دُيُونِهم، أو مَن يحْتاجُ إليه المسلمون، كالعاملِ والغازِى والمُؤَلَّفِ والغارِمِ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ. والحَجُّ للفَقِيرِ لا نَفْعَ للمسلمين فيه، ولا حاجَةَ بهم إليه، ولا حاجَةَ به أيضًا؛
لأنَّ الفَقِيرَ لا فرْضَ عليه فيُسْقِطَه، ولا مَصْلَحَةَ له في إيجابِه عليه، وتَكْلِيفُه مَشَقَّةٌ قد رَفَّهَهْ اللَّهُ منها، وخَفَّفَ عنه إيجابَها. وتَوْفِيرُ هذا القدرِ على ذَوِى الحاجةِ مِن سائِرِ الأصْنافِ، أو دَفْعُه في ئصالِحِ المسلمين أوْلَى. ورُوِىَ عنه، أنَّ الفَقِيرَ يُعْطىَ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ، أو يَسْتَعِينُ به فيه. يُرْوَى إعْطاءُ الزَّكاةِ في الحَجِّ عن ابنِ عباسٍ. وعن ابنِ عُمَرَ: الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ. وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًّا جَعَل ناقَةً له في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَتِ امْرَأتُه الحَجَّ، فقال لها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْكَبِيهَا، فَإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ».
رَواه أبو داودَ بمعناه. والأوَّلُ أوْلَى.
وأمّا الخَبَرُ فلا يَمْتَنِعُ أن يكونَ الحجُّ مِن سبيلِ اللَّهِ، والمُرادُ بالآيَةِ غيرَه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإذا قُلْنا: يُدْفَعُ في الحَجِّ منها. فلا يُعْطىَ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ ممَّن ليس له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ».
وقال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ» . ولم يَذْكُرِ الحاجَّ فيهم. ولأنَّه يَأْخُذُ لحاجَتِه، لا لحاجَةِ المسلمين إليه، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجَةُ، كمَن يأخُذُ لفَقْرِه. الثَّانِى، أن يأخُذَ لحَجَّةِ الفَرْضِ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه،
أمّا التَّطَوُّعُ فله عنه مَنْدُوحَةٌ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه في الفَرْضِ والنَّفْلِ معًا. وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، ولأنَّ الفَقِيرَ لا فَرْضٍ عليه، فالفَرْضُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يَجُوزُ أن يُدْفَعَ ما يَحُجُّ به حَجَّة كاملةً، وما يُعِينُه في حَجِّه،
ولا يجوزُ أن يَحُجَّ مِن زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها. ١٠٠٣ -
(وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ حَيْثُ أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ غَالِبًا، وَالزَّكَاةُ لَا تُصْرَفُ إِلَّا لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا كَالْفَقِيرِ أَوْ مَنْ يَحْتَاجُهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْعَامِلِ، وَالْحَجُّ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ فِي ذِمَّتِهِ فَيُسْقِطُهُ،
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّطَوُّعَ، فَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ أَوْ صَرْفِهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى،
ولا يُعْطَى مِنها فى الحَجِّ. هذا إحْدَى الرِّوايتَيْن. اخْتارَه المُصَنِّفُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّارِحُ، وقالَا: هى أصحُّ. وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وعنه، يُعْطَى الفَقيرُ ما يَحُجُّ به الفرْضَ، أو يَسْتَعِينُ به فيه. وهى المذهبُ. نصَّ عليه فى رِوايَةِ عَبْدِ اللَّه، والمَرُّوذىُّ، والمَيْمُونِىِّ. قال فى «الفُروعِ»: والحَجُّ مِنَ السَّبيلِ. نصَّ عليه، وهو المذهبُ عندَ الأصحابِ. انتهى. قال «الفُصولِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم: الحَجُّ مِنَ السَّبيلِ على الأصحِّ. قال فى «تَجْريدِ العِنايَةِ»: على الأظْهَرِ وجزَم به فى «المُبْهِجِ»، و «الإيضَاحِ»، و «الخِرَقِىِّ»، و «الإفادَاتِ» و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه القاضى فى «التَّعْليقِ». وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ»، وهو منها. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «عُقُودِ ابنِ البَنَّا»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ». فعلى المذهبِ، لا يأْخُذُ إلَّا الفَقيرُ، كما صرَّح به المُصَنِّفُ فى الرِّوايَةِ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جمهورُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»، وابنُ عَبْدوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الحاويَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: يأْخُذُ الغَنِيُّ أيضًا. وهما احتمالان فى «التَّلْخيصِ». قال أبو المَعالِى: كما لو أوْصَى بثُلُثِه فى السَّبِيلِ. وعلى المذهبِ أيضًا، لا يأْخُذُ إلَّا لحَجِّ الفَرْضِ، أو يَسْتَعِينُ به فيه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: جزَم به غيرُ واحدٍ.
قلت: منهم صاحِبُ «الإِفاداتِ» فيها، والمُصَنِّفُ هنا. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أوْلَى.
وعنه، يأْخُذُ لحَجِّ النَّفْلِ أيضًا. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وابن الجَوْزِىِّ، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ». وجزَم به فى «المُذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «نِهايَتهِ»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: ولم يَشْتَرِطِ الفَرْضَ الأَكْثَرُون؛ الخِرَقِىُّ، والقاضى، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وأبو البَرَكاتِ، وغيرُهم. قال فى «الفُروعِ»: وصحَّحَه بعضُهم. قال القاضى: الثَّامِنُ، ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، دُونَ الْمُنْشِئ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ.
وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وأطْلَقهما المَجْدُ فى «شَرْحهِ»، وصاحِبُ «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ».
فائدة: العُمْرَةُ كالحَجِّ فى ذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. نقَل جَعْفَرٌ، العُمْرَةُ فى سَبِيلِ اللَّهِ. وعنه، هى سُنَّةٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.