فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬٣٣١المقنعالحنابلةج ٣ ص ٨٩ج ٣ ص ٨٩

فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ مِنْ بَلَدِهِ وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (فمَن كَمَلَتْ له هذه الشُّرُوطُ، وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ) مَنْ كَمَلَتْ فيه هذه الشُّرُوطُ وَجَب عليه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ،

٧٬٨٠٨

ويَجبُ عليه على الفَوْرِ، إذا أمْكَنَه فِعْلُه، ولم يَجُزْ له تَأْخِيرُه. وبه قال مالكٌ.

٧٬٨٠٩

وقال الشافعيُّ: يَجِبُ الحَجُّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وله تَأْخِيرُه. وحَكَى ابنُ أبي موسى وَجْهًا مثلَ قولِه. وحَكاه ابنُ حامِدٍ عن الإِمامِ أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّرَ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، على الحَجِّ ، وتَخَلَّفَ بالمَدِينَةِ، غيرَ مُحارِبٍ ولا مَشْغُولٍ بشَئٍ، وتخَلَّفَ أكْثَرُ المسلمين قادِرين على الحَجِّ، ولأنَّه إذا أخَّرَه ثم فعَله في السَّنَةِ الأُخْرَى، لم يَكُنْ قاضِيًا، دَلَّ على أنَّ وُجُوبَه على التَّراخِى. ولَنا، قول اللهِ تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.

وقَوْلُه:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}. والأمْر على الفَوْرِ. ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: «مَنْ أرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه . وفى رِوايَةِ أحمدَ، وابن، ماجه:«فَإنَّه قَدْ يَمْرَض الْمَرِيضُ، وتَضِلُّ الضّالَّةُ، وتَعْرِض الْحَاجَة». قال أحمدُ: ورَواه الثَّوْرِىُّ، ووَكِيعٌ، عن أبي إسرائيلَ، عن فُضَيْلِ بنِ عَمْرو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أخِيه الفَضْلِ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.

وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَلَم يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أن يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا». قال التِّرْمِذِىُّ : لا نَعْرِفه إلَّا مِن هذا الوَجْهِ، وفى إسْنادِه مَقالٌ. وروَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، بإسْنادِه ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سابِطٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ ، أو سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فلْيَمُتْ عَلَى أىِّ حَالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا».

وعن عُمَرَ نَحْوُه من قوْلِه.

٧٬٨١٠

وكذلك عنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. ولأنَّه أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فكانَ واجِبًا على الفَوْرِ، كالصيام، ولأنَّ وُجُوبَه بصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُه عن رُتْبَةِ الواجِباتِ؛ لأنَّه يُؤَخَّرُ إلى غيرِ غايَةٍ ولا يَأْثَمُ بالمَوْتِ قبلَ فِعْلِه؛ لكَوْنِه فَعَل ما يَجُوزُ له فِعْلُه، وليس على المَوْتِ أمارَةٌ يَقْدِرُ بعدَها على فِعْلِه.

٧٬٨١١

فأمّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّما فَتَح مَكَّةَ سنةَ ثمانٍ، وإنَّما أخَّرَه سنةَ تِسْعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان له عُذْرٌ؛ مِن عَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، أو كُرْهِ رُؤيَةِ المُشْرِكين عُراةً حولَ البَيْتِ، فأخَّرَ الحَجَّ حتَّى بَعَث أبا بكرٍ يُنادِى:«أن لا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْركٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ». ويَحْتَمِلُ أنَّه أخَّرَه بأمْرِ الله تِعالى؛ لتَكُونَ حَجَّتُه حَجَّة الوَداعِ، في السَّنَةِ التى اسْتَدارَ فيها الزَّمانُ كهَيْئَتِه يومَ خَلَق الله السماواتِ والأرْضَ، و [تُصادِفَ وَقْفَتُه] الجُمُعَةَ، ويُكْمِلَ اللهُ دِينَه.

ويُقالُ: إنَّه اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أعْيادُ أهْلِ كلِّ دينٍ، ولم يَجْتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه.

٧٬٨١٢

فأمّا تَسْمِيَةُ فِعْل الحَجِّ قَضاءً، فإنَّه يُسَمَّى بذلك، قال اللهُ تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}. وعلى أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الوُجُوبِ على الفَوْرِ تَسْمِيَةُ الفِعْلِ إذا أخَّرَه قَضاءً، بدَلِيلِ الزَّكاةِ، فإنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ،

٧٬٨١٣

ولو أخَّرَها لا تُسَمَّى قَضاءً، والقَضاءُ الواجِبُ على الفَوْرِ إذا أخَّرَه لا يُقالُ: قضاءُ القَضاءِ.

٧٬٨١٤

ولو غَلَب على ظَنِّه في الحَجِّ أنَّه لا يَعِيشُ إلى سَنَةٍ أُخْرَى، لم يَجُزْ له تَأْخِيرُه،

٧٬٨١٥

وإذا أخَّرَه لا يُسَمَّى قَضاءً.

١١٤٠ - مسألة: (فإن عَجَز عنه لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه، ويَعْتَمِرُ مِن بَلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإن عُوفِىَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُجِدَتْ فيه شرائِطُ وُجُوبِ الحَجِّ، وكان عاجِزًا عنه لمانِعٍ مَأْيُوسٍ مِن زَوالِه، كزَمانَةٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوالُه، أو كان نِضْوَ الخَلْقِ، لا يقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بمَشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلةٍ، والشَّيْخُ الفانِى، ونَحْوُهم، متى وَجَد مَن يَنُوبُ عنه في الحَجِّ، وما يَسْتنِيبُه به، لَزِمَه ذلك.

وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.

٧٬٨١٦

وقال مالكٌ: لا حَجَّ عليه، إلَّا أن يَسْتَطِيعَ بنَفْسِه، ولا أرَى له ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. وهو غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا تدْخُلُها النِّيابَةُ مع القُدْرَةِ، فلا تَدْخُلُها مع العَجْزِ، كالصوم والصَّلاةِ. ولَنا، حديثُ أبي رَزِينٍ ، حيث أمَرَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحُجَّ عن أبيه وِيَعْتَمِرَ. وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فرِيضَةَ الله عِلى عِبادِه في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ علي الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عنه؟

قال:«نَعَمْ». وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ. مُتَّفَقٌ عليه . وفى لَفْظٍ لمسلمٍ، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ عليه فَرِيضَةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَوِىَ على ظَهْرِ بَعِيرِه. فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَحُجِّى عَنْهُ». وسُئِلَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن شَيْخٍ لا يَجِدُ الاسْتِطاعةَ، قال: يُجَهَّزُ عنه. ولأنَّ هذه عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فجاز أن يَقُومَ غيرُ فِعْلِه فيها مَقامَ فِعْلِه، كالصوم إذا عَجَز عنه افْتدَى،

٧٬٨١٧

بخِلافِ الصلاةِ. ويَلْزَمُه أن يَسْتَنِيبَ على الفَوْرِ إذا أمْكَنَه، كما يَلْزَمُه ذلك بنَفْسِه.

فصل: ويُسْتَنابُ مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه،

٧٬٨١٨

إمّا مِن بَلَدِه، أو مِن المَوْضِعِ الذي أْيسَرَ فيه، كالاسْتِنابَةِ عن المَيِّتِ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.

فصل: فإن لم يَجِدْ مالًا يَسْتَنِيبُ به، فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ العادِمَ [إذا لم يَجِدْ] ما يَحُجُّ به، لا يَلْزَمُه الحَجُّ، فالمَرِيضُ أوْلَى.

٧٬٨١٩

وإِن وَجَد مالًا، ولم يَجِدْ نائِبًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في إمْكانِ السَّيْرِ؛ هل هو مِن شَرائِطِ الوجوبِ، أو مِن شَرائِطِ وجُوبِ السَّعْىِ؟

٧٬٨٢٠

فإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ. ثَبَت الحَجُّ في ذِمَّتِه، يُحَجُّ عنه بعدَ مَوْتِه.

٧٬٨٢١

وإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ. لم يَجِبْ عليه شئٌ.

٧٬٨٢٢

فصل: وإذا اسْتَنابَ مَن حَجَّ عنه ثم عُوفِىَ، لم يَجِبْ عليه حَجٌّ آخَرُ. وهذا قولُ إسْحاقَ.

٧٬٨٢٣

وقال الشَّافعيُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وابنُ المُنْذِرِ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ هذا بَدَلُ إياسٍ،

٧٬٨٢٤

فإذا بَرَأ، تَبَيَّنّا أَنَّه لم يَكُنْ مَأْيُوسًا منه، فلَزِمَه الأصْلُ، كالآيِسَةِ تَعْتَدُّ بالشُّهُورِ، ثم تَحِيضُ، يَلْزَمُها العِدَّةُ بالحَيْضِ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كما لو لم يَبْرَأْ، أو نَقُولُ: أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ بأمْرِ الشَّرْعِ، فلم يَلْزَمْه حَجٌّ ثانٍ، كما لو حَجَّ عن نَفْسِه. ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى إيجابِ حَجَّتَيْن عليه، ولم يُوجِبِ اللهُ عليه إلَّا حَجَّةً واحِدَةً. وقَوْلُهم: لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه. قُلْنا: لو لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه لَما أُبِيحَ له أن يَسْتَنِيبَ، فإنَّه شَرْط لجَوازِ الاسْتِنابَةِ،

٧٬٨٢٥

فأمّا الآيِسَةُ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فلا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِها،

٧٬٨٢٦

فإن رَأَتْ دَمًا، فليس بحَيْضٍ، ولا يَبْطُلُ به اعْتِدادُها، لكنْ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، إذا اعْتَدَّتْ سَنَةً ثم عاد حَيْضُها، لم يَبطُل اعْتِدادُها.

٧٬٨٢٧

فصل: فإن عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النّائِبِ مِن الحَجِّ، فيَنْبَغِى أن لا يُجْزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قَدَر علي الأصْلِ قبلَ تَمامِ البَدَلِ، فلَزِمَه، كالصَّغِيرَةِ،

٧٬٨٢٨

ومَن ارْتَفعَ حَيْضُها قبلَ إتْمامِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ، وكالمُتَيَمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاِته. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، كالمُتَمَتِّعِ إذا شَرَع في الصَّومِ، ثم قَدَر على الهَدْىِ، والمُكَفِّرِ إذا قَدَر على الأصْلِ بعدَ الشُّرُوعِ في البَدَلِ.

٧٬٨٢٩

وإن بَرَأ قبلَ إحْرام النَّائِبِ لم يُجْزِئْه بحالٍ.

فصل: فأَمّا مَن يُرْجَى زَوالُ مَرَضِه، والمَحْبُوسُ، ونَحْوُه، فليس له أن يَسْتَنِيبَ.

٧٬٨٣٠

فإن فَعَل لم يُجْزِئْه وإن لم يَبْرأْ. وبهذا قال الشافعيُّ.

٧٬٨٣١

وقال أبو حنيفةَ: له الاسْتِنابَةُ، ويَكُونُ ذلك مُراعًى،

٧٬٨٣٢

فإن قَدَر على الحَجِّ بنَفْسِه، لَزِمَه، وإلَّا أجْزَأه ذلك ، كالمَأْيُوسِ مِن بُرْئِه. ولَنا، أنَّه يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلم يَكُنْ له الاسْتِنابَةُ، ولا تُجْزِئُه إن فَعَل، كالفَقِيرِ. وفارَقَ المَأْيُوسَ مِن بُرْئِه؛ لأنَّه عاجِزٌ على الإِطْلاقِ، آيِسٌ مِن القُدْرَةِ على الأصْلِ، فأشْبَهَ المَيِّتَ، ولأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الحَجِّ عن الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وهو ممَّن لا يُرجَى منه الحَجُّ بنَفْسِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه، إلَّا إذا كان مِثْلَه.

٧٬٨٣٣

فصل: فأمّا القادِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلا يَجُوزُ له أن يَسْتَنِيبَ في الحَجِّ الواجِبِ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على الحَجِّ، لا يُجْزِئُ عنه أن يَحُجَّ غيرُه عنه. والحَجُّ المَنْذُورُ كحَجَّةِ الإِسْلامِ [في إباحَةِ الاسْتِنابَةِ عندَ العَجْزِ، والمنعِ منها مع القُدْرَةِ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واجِبَةٌ، فهى كحَجَّةِ الإِسلامِ].

فصل: وهل يَصِحُّ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وإسْحاقَ. والثّانِيَةُ، يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَجُوزُ أخْذُ النَّفَقَةِ عليه، فجاز الاسْتِئْجارُ عليه، كبناءِ المساجِدِ والقَناطِرِ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُها أن يَكُونَ مُسْلِمًا، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ.

٧٬٨٣٤

فأمّا بِناءُ المساجِدِ، فيَجُوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ،

٧٬٨٣٥

فإذا وَقَع بأُجْرَةٍ لم يَكُنْ عِبادَةً ولا قُرْبَةً، وهذا لا يَصِحُّ أن يَقَعِ إلَّا عِبادَةً،

٧٬٨٣٦

ولا يَجُوزُ الاشْتِراكُ في العِبادةِ، فمتى فَعَلَه مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خرَج عن كَوْنِه عِبادَةً، فلم يَصِحَّ.

٧٬٨٣٧

ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ أخْذِ النَّفَقَةِ جَوازُ أخْذِ الأُجْرَةِ؛ بدَلِيلِ الإِمامَةِ والقَضاءِ، يَجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليهما مِن بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ في المَعْنَى،

٧٬٨٣٨

بخِلافِ الأُجْرَةِ. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه متى لم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يَكُونُ إلَّا نائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه مِن المالِ يَكُونُ نَفَقَةً لطَرِيقهِ،

٧٬٨٣٩

فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِض، أو ضلَّ عن الطَّرِيقِ، لم يَلْزَمْه الضمانُ لِما أنْفَقَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إنْفاقٌ بإذْنِ صاحِب المالِ، فأشْبَهَ ما لو أذِن له في سَدِّ بَثْقٍ فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ.

٧٬٨٤٠

فإذا ناب عنه آَخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ عنه مِن حيث بَلَغ النّائِبُ الأوَّلُ مِن الطَّرِيقِ، لحُصُولِ قَطْعِ هذه المسافةِ بمالِ المَنُوبِ عنه، فلم يَحْتَجْ إلى الإِنْفاقِ دَفْعَةً أُخْرَى، كما لو حَجَّ بنَفْسِه فماتَ في الطَّرِيقِ، فإنَّه يُحَجُّ عنه مِن حيث انْتَهَى. وما فَضَل معه مِن المالِ رَدَّه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له في أخْذِه، ويُنْفِقُ عليه بقَدْرِ الحاجَةِ، مِن غيرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وليس له التَّبَرُّعُ بشئٍ منه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له في ذلك.

قال أحمدُ، في الذى يَأُخُذُ دَراهِمَ للحَجِّ: لا يَمْشِى، ولا يُقَتِّرُ في النَّفَقَةِ، ولا يُسْرِفُ.

٧٬٨٤١

وقال في رجل أخَذَ حَجَّةً عن مَيِّتٍ، ففَضَلَتْ معه فَضْلَةٌ: يَرُدُّها، ولا يُناهِدُ أحَدًا إلَّا بقَدْرِ ما لا يَكُونُ سَرَفًا، ولا يَدْعُو إلى طَعامِه، ولا يَتَفَضَّلُ.

٧٬٨٤٢

ثم قال: أمَّا إذا أُعْطِىَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أو كذا

٧٬٨٤٣

وكذا، فقِيلَ له: حُجَّ بهذه. فله أن يَتَوَسَّعَ فيها،

٧٬٨٤٤

وإن فَضَل شئٌ فهو له.

٧٬٨٤٥

وإذا قال المَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّى حَجَّةً بألْفٍ. فدَفَعُوها إلى رجلٍ، فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وما فَضَل فهو له.

٧٬٨٤٦

وإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِئْجارِ على الحَجِّ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ، فيَكُونُ الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا،

٧٬٨٤٧

وأنْ يَسْتَأْجِرَ. فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحُجُّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، اعْتَبَرَ فيه شُرُوطَ الإِجارَةِ، وما يَأْخُذُه أُجْرَةً، يَمْلِكُه،

٧٬٨٤٨

ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فيه، والتَّوَسُّعُ في النَّفَقَةِ وغيرِها، وما فَضَل فهو له.

٧٬٨٤٩

وإن أُحْصِرَ، أو ضَلَّ عن الطَّرِيقِ، أو ضاعتِ النَّفَقَةُ منه، فهو مِن ضَمانِه، وعليه الحَجُّ.

٧٬٨٥٠

وإن مات انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كما لو ماتَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ويَكُونُ الحَجُّ أيضًا مِن المَوْضِعِ الذى بَلَغ إليه، وما لَزِمَه مِن الدِّماءِ، فعليه؛ لأنَّ الحَجَّ عليه. فصل: والنّائِبُ غيرُ المُسْتَأْجَرِ، فما لَزِمَه مِن الدِّماءِ بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فعليه في مالِه؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في الجِنايَةِ، فكانَ مُوجبُها عليه، كما لو لم يَكُنْ نائِبًا، ودَمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، إن لم يُؤذَنْ له فيهما، عليه؛ لأنَّه كجِنايَتِه.

٧٬٨٥١

وإن أُذِنَ له فيهما، فالدَّمُ على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه أذِنَ له في سَبَبِهما، ودَمُ الإِحْصارِ على المُسْتَنِيب؛ لأنَّه للتَّخَلُّصِ مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ، فهو كنَفَقَةِ الرُّجُوعِ.

٧٬٨٥٢

فإن أفْسَدَ حَجَّه، فالقَضاءُ عليه، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تُجْزِئْ عن المُسْتَنِيبِ؛ لتَفْرِيطِه وجِنايَتِه.

٧٬٨٥٣

وكذلك إن فاتَه الحَجُّ بتَفْرِيطِه.

٧٬٨٥٤

وإن فات بغيرِ تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفُتْ بفِعْلِه، فلم يَكُنْ مُخالِفًا، كما لو مات.

٧٬٨٥٥

وإن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، فهو عليه في مالِه، كما لو دَخَل في حَجٍّ ظنَّ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ عليه، وفاتَه.

فصل: وإذا سَلَك النّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُه سُلُوكُ أقْرَبَ منه بغيرِ ضَرَرٍ، ففاضِلُ النَّفَقَةِ في مالِه.

٧٬٨٥٦

وإن تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه تَرْكُها فكذلك.

٧٬٨٥٧

وإن أقامَ بمَكَّةَ أكْثرَ مِن مُدَّةِ القَصْرِ، بعدَ إمْكانِ السَّفَرِ للرُّجُوعِ، أنْفَقَ مِن مالِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْذُونٍ له فيه.

٧٬٨٥٨

فإن لم يُمْكِنْه الخرُوجُ قبلَ ذلك، فله النَّفَقَةُ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه، وله نَفَقَةُ الرُّجُوعِ،

٧٬٨٥٩

وإن طالَتْ إقامَتُه بمَكَّةَ، ما لم يَتَّخِذْها دارًا،

٧٬٨٦٠

فإنِ اتَّخَذَها دَارًا، ولو ساعَةً، لم يَكُنْ له نَفَقَةٌ لرُجُوعِه؛ لأنَّه صار بنيَّةِ الإِقامَةِ مَكِّيًّا، فسَقَطَتْ نَفَقَتُه، فلم تُعَدَّ.

٧٬٨٦١

وإن مَرِض في الطَّرِيقِ، فعاد [فله نَفَقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه لا بُدَّ له منه، وقد حَصَل بغيرِ تَفْرِيطِه، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ عليه الطَّرِيقُ]، أو أُحْصِرَ.

٧٬٨٦٢

وإن قال: خِفْتُ المرَضَ، فرَجَعْتُ. فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَوَهِّمٌ. وعن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن مَرِض في الكُوفَةِ، فرَجَعَ: يَرُدُّ جَمِيعَ ما أخَذَ. وفى جَمِيعِ ذلك إذا أذِنَ له في النَّفَقَةِ، فله ذلك؛ لأنُّ المالَ للمُسْتَنِيبِ، فجاز ما أذِنَ فيه.

٧٬٨٦٣

وإن شَرَط أحَدُهما أنَّ الدِّماءَ الواجِبَةَ عليه على غيرِه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ذلك مِن مُوجِباتِ فِعْلِه، أو الحَجِّ الواجِبِ عليه، فلم يَصِحَّ شَرْطُه على غيرِه، كما لو شَرَطَه على أجْنَبِيٍّ.

فصل: يَجُوزُ أن يَنُوبَ الرجلُ عن الرجلِ والمرأةِ، والمرأةُ عن المرأةِ والرجلِ في الحَجِّ، في قولِ عَوامِّ أهْلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا الحسنَ بنَ صالِحٍ، فإنَّه كَرِه حَجَّ المرأةِ عن الرجلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه غَفْلَةٌ عن ظاهِرِ السُّنَّةِ،

٧٬٨٦٤

فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المرأةَ الخَثْعَمِيَّةَ أن تَحُجَّ عن أبيها . وعليه يَعْتَمِدُ مَن أجاز حَجَّ المَرْءِ عن غيرِه. وفى البابِ حديثُ أبي رَزِينٍ ، وأحادِيثُ سِواه.

فصل: ولا يَجُوزُ الحَجُّ والعُمْرَةُ عن حَيٍّ إلَّا بإذْنِه، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فلم تَجُزْ عن البالِغِ العاقِلِ بغيرِ إذْنِه، كالزكاةِ.

٧٬٨٦٥

فأمّا المَيِّتُ فيَجُوزُ عنه بغيرِ إذْنٍ، واجِبًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالحَجِّ عن المَيِّتِ، وقد عَلِم أنَّه لا إذْنَ له، وما جاز فَرْضُه جاز نَفْلُه، كالصَّدَقَةِ. فعلى هذا كلُّ ما يَفْعَلُه النّائِبُ عن المُسْتَنِيب ممّا لم يُؤْمَرْ به، مثلَ أن يُؤْمَرَ بحَجًّ فيَعْتَمِرَ، أو بعُمْرَةٍ فيَحُجَّ، يَقَعُ عن المَيِّتِ؛ لأنَّه يَصِحُّ عنه مِن غيرِ إذْنِه، ولا يَقَعُ عن الحَىِّ؛ لعَدَمِ إذْنِه فيه، ويَقَعُ عمَّن فَعَلَه، لأنَّه لمّا تَعَذَّرَ وُقُوعُه عن المَنْوِىِّ عنه، وَقَع عن نَفْسِه، كما لو اسْتَنابَه رجلان، فأحْرَمَ عنهما جميعًا، وعليه رَدُّ النَّفَقَةِ؛

لأنَّه لم يَفْعَلْ ما أُمِرَ به، فأشْبَهَ ما لو لم يَفْعَلْ شَيْئًا.

فُصُولٌ في مُخالَفَةِ النّائِبِ:

إذا أمَرَه بحَجٍّ، فَتَمَتَّعَ أو اعْتَمَرَ لنَفْسِه مِن المِيقاتِ، ثم حَجَّ، نَظَرْتَ؛

٧٬٨٦٦

فإن خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ منه بالحَجِّ، جاز، ولا شئَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.

٧٬٨٦٧

وإن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، فعليه دَمٌ؛ لتَرْكِ مِيقاتِه، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ الحَجِّ فيما بينَ المِيقاتِ ومَكَّةَ.

٧٬٨٦٨

وقال القاضى: لا يَقَعُ فِعْلُه عن الآمِرِ، ويَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بغيرِ ما أُمِرَ به. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّه أحْرَمَ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فقد أتى بالحَجِّ صَحِيحًا مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُحْرِمْ بالعُمْرَةِ،

٧٬٨٦٩

وإن أحْرَمَ به مِن مَكَّةَ، فما أخَلَّ إلَّا بما يَجْبُرُه الدَّمُ، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، كما لو تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه.

٧٬٨٧٠

فإن أمَرَه بالإِفْرادِ فَقَرنَ، لم يَضْمَنْ شَيْئًا. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.

٧٬٨٧١

وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ ؛ لأنَّه مُخالِفٌ. ولَنا، أنَّه أتى بما أُمِرَ به وزيادَةٍ، فصَحَّ [ولم يَضْمَنْ]، كما لو أمَرَه بشِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرى به شاتَيْن تُساوِى إحْداهما دِينارًا.

تعليق

ثم إن كان أمَرَه بالعُمْرَةِ بعدَ الحَجِّ، ففَعَلَها، فلا شئَ عليه،

٧٬٨٧٢

وإن لم يَفْعَلْ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِها.

فصل: فإن أمَرَه بالتَّمتُّعِ، فقَرَنَ، وَقَع عن الآمِرِ؛ لأنَّه أمَرَ بهما، وإنَّما خالَفَ في أنَّه أمَرَه بالإِحْرامِ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ، فأحْرَمَ به مِن المِيقاتِ. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَرُدُّ شَيْئًا مِن النَّفَقَةِ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.

٧٬٨٧٣

وقال القاضى: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ غَرَضَه في عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وقد خالَفَه في ذلك وفَوَّتَه عليه.

٧٬٨٧٤

فإن أفْرَدَ وَقَع عن المُسْتَنِيبِ أيضًا، ويَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أخَلَّ بالإِحْرامِ بالعُمْرَةِ مِن المِيقاتِ، وقد أمَرَه به، وإحْرامُه بالحَجِّ مِن المِيقاتِ زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به شَيْئًا.

فصل: فإن أمَرَه بالقِرانِ فأفْرَدَ أو تَمَتَّعَ، صَحَّ، ووَقَع النُّسُكان عن الآمِرِ، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ النُّسُكِ الذى تَرَكَه مِن المِيقاتِ. وفى جَمِيعِ ذلك، إذا أمَرَه بالنُّسُكَيْن، ففَعَلَ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك، ووَقَع المفْعُولُ عن الآمِرِ، وللنّائِبِ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِه.

فصل: وإنِ اسْتَنابَهُ رجلٌ في الحَجِّ، و آخَرُ في العُمْرَةِ، وأذِنا له في القِرانِ، ففَعَلَ، جاز؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ.

٧٬٨٧٥

وإن قَرَن مِن غيرِ إذْنِهما، صَحَّ، ووَقَع عنهما، ويَرُدُّ مِن نَفَقَةِ كلَّ واحِدٍ منهما نصْفَها؛ لأنَّه جَعَل السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهما.

٧٬٨٧٦

وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْف نَفَقَتِه وحْدَه.

٧٬٨٧٧

وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا له، ضَمِن الجميعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكانَ مُخالِفًا، كما لو أُمِرَ بحَجٍّ فاعْتَمَرَ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خالَفَ في صِفَتِه، لا في أصْلِه، أشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمتُّعِ فَقَرنَ .

٧٬٨٧٨

ولو أُمِرَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فقَرَنَ بينَه وبينَ النُّسُكِ الآخَرِ لنَفْسِه، فالحُكْمُ فيه كذلك. ودَمُ القِرانِ علِى النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لعَدَمِ الإِذْنِ في سَبَبِه،

٧٬٨٧٩

وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخرِ، فعلى الآذِنِ نِصْفُ الدمِ، ونِصْفُه على النّائِبِ.

فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجِّ، ثم اعْتَمَرَ لنَفْسِه، أو أُمِرَ بالعُمْرَةِ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيْئًا مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه.

٧٬٨٨٠

وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن مِيقاتٍ ، فأحْرَمَ مِن غيرِه، جاز؛ لأنَّهُما سَواءٌ في الإِجْزاءِ.

٧٬٨٨١

وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن بَلَدِه، فأحْرَمَ مِن المِيقاتِ، جاز؛ لأنَّه الأفْضَلُ.

٧٬٨٨٢

وإن أمَرَه بالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ مِن بَلَدِه، جاز؛ لأنَّه زِيادَةٌ لا تَضرُّ.

٧٬٨٨٣

وإن أمَرَه بالحَجِّ في سَنَةٍ، أو الاعْتِمارِ في شَهْرٍ، ففَعَلَه في غيرِه، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه في الجُمْلَةِ.

١١٤١ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيَأْتِي بِهِ (عَلَى الْفَوْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ» ؛ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ، وَحَدِيثِ الْفَضْلِ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،

٧٬١٧٨

وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ،

٧٬١٧٩

وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالصِّيَامِ إِذْ لَوْ مَاتَ مَاتَ عَاصِيًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ،

٧٬١٨٠

وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: لَا فِي الشَّابِّ،

٧٬١٨١

وَكَذَا الْخِلَافُ لَهُمْ فِي صَحِيحٍ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى زَمِنَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يَجِبُ مُوَسَّعًا، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ زَادَ الْمَجْدُ: مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ وَتَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحَارِبٍ وَلَا مَشْغُولٍ بِشَيْءٍ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ لَمْ يُسَمَّ قَضَاءً، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ الْمُوَسَّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ لِتَأْخِيرِهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَيُسَمَّى قَضَاءً فِيهِ،

٧٬١٨٢

وَفِي الزَّكَاةِ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهًا، ثُمَّ بَطَلَ بِمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى،

٧٬١٨٣

وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَإِذًا لَا يُسَمَّى قَضَاءً،

٧٬١٨٤

وَقِيلَ: إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُؤَخِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَالْأَشْهَرُ: سَنَةَ تِسْعٍ فَقِيلَ أَخَّرَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ،

٧٬١٨٥

وَقِيلَ: لِرُؤْيَةِ الْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ عُرَاةً،

٧٬١٨٦

وَقِيلَ: بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ الزَّمَانُ فِيهَا كَهَيْئَتِهِ، وَتَتَعَلَّمَ مِنْهُ أُمَّتُهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهَا، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَيُقَالُ: اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أَعْيَادُ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ.

٧٬١٨٧

فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى الْحَجِّ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كَزَمَانَةٍ، وَنَحْوِهَا (لَزِمَهُ) عَلَى (الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ الْحَجُّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَوْ كَانَ نَضْوَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ عَدَمَ الْقُدْرَةِ، وَيُسَمَّى: الْمَعْضُوبَ؛

لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ،

٧٬١٨٨

وَشَرْطُهُ الِاسْتِطَاعَةُ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ.

٧٬١٨٩

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّوْعِ بَلْ تَنُوبُ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ وَعَكْسُهُ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي نِيَابَتِهَا عَنْهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (مِنْ بَلَدِهِ) أَوْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ، كَالِاسْتِنَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ كَذَلِكَ، فَكَذَا النَّائِمُ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَافِيًا بِنَفَقَةِ رَاكِبٍ،

٧٬١٩٠

فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةَ رَاجِلٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ،

٧٬١٩١

وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي إِمْكَانِ الْمَسِيرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَعَلَى الثَّانِي: يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ،

٧٬١٩٢

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، (وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمَعْضُوبِ،

الإنصافالمرداوي

فمَن كَمَلَتْ فيه هذه الشُّروطُ، وجَب عليه الحَجُّ على الفوْرِ. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.

١٣٬٢٢٠

وعنه، لا يجِبُ على الفَوْرِ، بل يجوزُ تأخِيرُه. ذكَرَها ابنُ حامِدٍ. واخْتارَه أبو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حازِمٍ، وصاحِبُ «الفَائقِ». وذكَرَه ابنُ أبي مُوسَى وَجْهًا. زادَ المَجْدُ، مع العَزْمِ على فِعْلِه في الجُمْلَةِ. ويأْتِى في كتابِ الغَصْبِ، إذا حجَّ بمالٍ غَصْبٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٣٬٢٢١

فائدة: لو أيْسَرَ مَن لم يَحُجَّ، ثم ماتَ مِن تلك السَّنَةِ، قبلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الحَجِّ، فهل يجِبُ قَضاءُ الحَجِّ عنه؟ فيه رِوايَتان، أظْهَرُهما الوُجوبُ. قالَه في «القَوَاعِدِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ [٦١ ظ] السَّعْىِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أجزَأَ عَنْهُ وَإنْ عُوفِىَ.

الأُصُولِيَّةِ»، و «الفِقْهِيَّةِ».

١٣٬٢٢٢

وإنْ عجَز عنِ السَّعْى إليه لِكِبَرٍ، أو مرَضٍ لا يُرجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَن يحُجُّ عنه، ويعْتَمِرُ مِن بلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإنْ عُوفِىَ. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. وهو مِنَ المُفْرَداتِ، ولكنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكَر الأصحابُ، لو اعْتَدَّتْ مَن رُفِعَ حَيْضُها بسَنَةٍ، لم تَبْطُلْ عِدَّتُها بعَوْدِ حَيْضِها. قال المَجْدُ: وهي نَظيرُ مسْألَتِنا. يعْنِى، إذا اسْتَنابَ العاجِزُ ثم عُوفِىَ.

١٣٬٢٢٣

قال في «الفُروعَ»: فدَلَّ على خِلافٍ هنا؛ للخِلافِ هناك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فائدتان؛ إحداهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النَّائبِ، أنَّه يُجْزِئُ أيضًا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: هذا أصحُّ.

١٣٬٢٢٤

قال في «الفُروعَ»: أجْزأَه في الأصحِّ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ في «المُغْنِى».

١٣٬٢٢٥

وقيل: لا يُجْزئُه. قال المُصَنِّفُ: والذى يَنْبَغِى، أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْن عندَ الشَّيْخ تِقِيِّ الدِّينِ. وأطْلقَهما في «الفَائقِ».

١٣٬٢٢٦

وأمَّا إذا بَرِئَ قبلَ إحْرامِ النَّائبِ به ، فإنَّه لا يُجْزِئُه، قَوْلًا واحدًا. الثَّانيةُ، ألْحَقَ المُصَنِّفُ وغيرُه بالعاجِزِ لكِبَر أو مرَض لا يُرْجَى بُرْؤُه، مَن كان نِضْوَ الخِلْقَةِ، لا يقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بمشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلَةٍ. قال الإمامُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . .

أحمدُ: أو كانتِ المرأةُ ثَقِيلَة لا يقْدِرُ مِثْلُها أنْ يرْكَبَ إلَّا بمَشَقَّةٍ شديدَةٍ. وأطْلَقَ أبو الخَطَّابِ وغيرُه عدمَ القُدْرَةِ. لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه ويَعْتَمِرُ. يعْنِى، يكونُ ذلك على الفَوْرِ، كما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تقدَّم. مِن بلَدِه. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأكثرُ.

١٣٬٢٢٧

وقيلَ: يُجْزِئُ أنْ يَحُجَّ عنه مِن مِيقَاتِه. واخْتارَه في «الرِّعايَةِ». ويأْتِي نظيرُ ذلك في مَن ماتَ وعليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ.

فوائدَ؛ منها، لو كان قادِرًا على نفَقَة راجِلٍ، لم يَلْزَمْه الحَجُّ. على الصَّحِيح مِنَ المذهبِ. وقدَّمه في «الفُروعِ».

١٣٬٢٢٨

قال في «الرِّعايَةِ»: قيل: هذا قِياسُ المذهبِ. واخْتارَ هو اللُّزومَ. ومنها، لو كان قادِرًا ولم يجِدْ نائِبًا، ففي وُجوبِه في ذِمَّتِه وَجْهان، بِناءً على إمْكانِ المَسِيرِ، على ما يأْتي قرِيبًا. قالَه المجْدُ وغيرُه، وزادَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٣٬٢٢٩

فإنْ قُلْنا: يَثْبُتُ فى ذِمَّتِه. كان المالُ المُشْترَطُ فى الإِيجابِ على المَعْضُوبِ بقَدْرِ ما نُوجِبُه عليه لو كان صحيحًا.

١٣٬٢٣٠

وإنْ قُلْنا: لا يَثْبُتُ فى ذِمَّتِه، إذا لم يجِدْ نائِبًا. اشْتُرِطَ للمالِ المُوجَبِ عليه أنْ لا يَنْقُصَ عن نفَقَةِ المِثْلِ للنَّائبِ؛ لِئَلَّا يكونَ النَّائبُ باذِلًا للطَّاعَةِ فى البَعْضِ، وهو غيرُ مُوجَبٍ على أصْلِنا، كبَذْلِ الطَّاعَةِ فى الكُلِّ. ومنها، يجوزُ للمرأةِ أنْ تَنُوبَ عنِ الرَّجُلِ، ولا إساءةَ ولا كراهةَ فى نِيابَتِها عنه. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . .

«الفُروعِ»: ويتوَجَّهُ احْتِمالٌ، يُكْرَهُ لفَواتِ رَمَلٍ وحَلْقٍ ورَفْعِ صَوْتٍ بتَلْبِيَةٍ ونحوِها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٣٬٢٣١

تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو رَجَى زَوالَ عِلَّتِه، لا يجوزُ له أنْ يَسْتَنِيبَ، وهو صحيحٌ،

١٣٬٢٣٢

فإنْ فعَل لم يُجْزِئْه، بلا نِزاعٍ.

١٣٬٢٣٣

وَإِنْ أَمْكَنَهُ السَّعْىُ إلَيْهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِى وَقْتِ الْمَسيرِ، وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خَفَارَةَ فِيهِ، يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ.

١٣٬٢٣٤

وَعَنْهُ، أَنَّ إمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ.

١٣٬٢٣٥

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخَفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال رحمه الله: (فإن عجز عن السعي إليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه، ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي) .

٤٬٠٣٣

أما لزوم من عجز عن السعي إلى الحج لكِبَر أو مرض لا يرجى برؤه إقامة من يحج عنه ويعتمر فلما روى ابن رَزِين:«أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر» وهو حديث حسن.

٤٬٠٣٤

وأما قول المصنف رحمه الله: من بلده فتنبيه على الموضع الذي يجب الحج منه وذلك بلده أو الموضع الذي أيْسَرَ فيه. وذلك في حق الحي العاجز عن السعي والميت الذي وجب عليه قبل موته لأن الحج يجب على المنوب مِنْ ذلك فكذلك النائب لأن القضاء على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام.

٤٬٠٣٥

وأما إجزاء ذلك عنه وإن عوفي فلأنه أتى بما أُمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يبرأ.

ولأنه أدى حجة الإسلام بأمر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.