وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ
الشروح عليها
بابُ المَواقيتِ ١١٤٧ - مسألة: (مِيقاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ) للحَجِّ مِيقاتان؛ مِيقاتُ زمانٍ، ومِيقاتُ مَكانٍ؛
فأمّا مَواقِيتُ المَكانِ فهى الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أرْبَعَةٍ منها، وهى: ذُو الحُلَيْفَةِ ، والجُحْفَةُ ، وقَرْنٌ ، ويَلمْلَمُ ، واتَّفَقَ أئِمَّةُ النَّقْلِ على صِحَّةِ الحديثِ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - فيها، فرَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: وَقَّتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهْلِ المَدِينَةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشّام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ. قال:«فهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَىِ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ منْ أهْلِهِ، وَكَذَلكَ أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، وأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قالَ ابنُ عُمَرَ: وذُكِرَ لى ولم أسْمَعْه أنَّه قالَ: «وَأهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». مُتَّفَقٌ عليهما . وذاتُ عِرْقٍ مِيقاتُ أهْلِ المَشْرقِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ إحْرامَ العراقِىِّ مِن ذاتِ عِرْقٍ إحْرامٌ مِن المِيقاتِ.
وقد رُوِىَ عن أنَسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُحْرِمُ مِن العَقِيقِ . واسْتَحْسَنَه الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ. وكان الحسنُ بنُ صالِحٍ يُحْرِمُ مِن الرَّبَذَةِ . ورُوِىَ ذلك عن خُصَيْفٍ ، والقاسِمِ بن عبدِ الرحمنِ. وروَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ المشْرِقِ العَقِيقَ. قال التِّرْمِذِىُّ : هو حديثٌ حسنٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : هو أوْلَى وأحْوَطُ مِن ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ مِيقاتُهم بإجْماعٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَن وَقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ، فرَوَي أبو داودَ، والنَّسائِيُّ ، وغيرُهما بإسْنادِهم عن عائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ. وعن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا سُئِل عن المُهَلِّ؟ فقالَ: سَمِعْتُه - أحْسَبُه رَفَع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:«مُهَلُّ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِن ذىِ الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
رَواه مسلمٌ . وقال قومٌ آخَرُون: إنَّما وَقَّتَها عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، فرَوَى البخاريُّ ، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: لَمّا فُتِحَ هذان المِصْرانِ، أَتَوْا عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّ لأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وهو جَوْرٌ عن طرِيقِنا، وإنَّا إن أرَدْنا قَرْنًا شَقَّ علينا. قال: انْظُرُوا حَذْوَها مِن طَرِيقِكُم. فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ عُمَرُ ومَن سَألَه لم يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ عِرْقٍ، فقالَ ذلك برَأْيِه، فأصابَ ما وَقَّتَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان مُوَفَّقًا للصَّوابِ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وإذا ثَبَت تَوْقِيتُها عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن عُمَرَ، فالإِحْرامُ منه أوْلَى.
فصل: وإذا كان المِيقاتُ قَرْيَةً، فانْتَقَلَتْ إلى مَكانٍ آخَرَ، فمَوْضِعُ الإِحْرامِ مِن الأُولَى وإنِ انْتَقَلَ الاسْمُ إلى الثّانِيَةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ بذلك المَوْضِعِ، فلا يَزُولُ بخَرابِه. وِقد رَأى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ رجلًا يُريدُ أن يُحْرِمَ مِن ذاتِ عِرْقٍ، فأخَذَه حتى خرَج مِن البُيُوتِ، وَقَطَع الوادِىَ، فأَتَى به المَقابِرَ، فقال: هذه ذاتُ عِرْقٍ الأُولَى.
١١٤٨ -
(وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، [وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ] مَسِيرَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، (وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا " مَهْيَعَةَ " فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْبَحْرِ، وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَلَاثٍ مِنْ مَكَّةَ، (وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ؛
لِأَنَّ أَصْلَهُ " أَلَمْلَمُ " وَلَيْسَتْ بِمَزِيدَةٍ، (وَأَهْلِ نَجْدٍ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ ": هُوَ مَا بَيْنَ جُرَشَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ، وَالْغَوْرُ: هُوَ تِهَامَةُ كُلُّهَا، وَكُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَنَجْدٌ انْتَهَى. فَنَجْدُ الْيَمَنِ وَنَجْدُ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ (قَرْنٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ فَقَطْ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَهُوَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ مِنْهَا، (وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ) هو منزل مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا، وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ،
وَقِيلَ: الْعِرْقُ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ تُنْبِتُ الطُّرَفَاءَ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ:«وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَدَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ،
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلصَّوَابِ، وَلَيْسَ الْأَفْضَلُ لِلْعِرَاقِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْعَقِيقِ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ.
وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» . تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ،
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ،
لا يتكلم على هذه المسألة.
باب المواقيت] قال المصنف رحمه الله: (وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يَلَمْلَم، وأهل نجد قرَن، وأهل المشرق ذات عرق. وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومَنْ منزله دون الميقات فميقاته من موضعه) .
أما كون المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال:«وقّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم. قال: فهن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة. فمن كان دونهن مَهِلّه من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها» متفق عليه.
وفي لفظ لعائشة:«ولأهل العراق ذات عرق ... مختصر» رواه أبو داود.
وروى البخاري «أن عمر رضي الله عنه حد -يعني لأهل العراق- ذات عرق».
وأما كون ميقات مَنْ منزله دون الميقات من موضعه فلما تقدم من حديث ابن عباس من قوله:«فمن كان دونهن مهله من أهله».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.