وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ
الشروح عليها
مسألة: (فمَن حَلَق أو قَلَّمَ ثَلاثَةً، فعليه دَمٌ. وعنه، لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا) الكَلامُ في هذه المسْألَةِ في فَصْلَيْن؛ أحَدُهما، في وُجُوبِ الفِدْيَةِ بحَلْقِ شَعَرِ رَأْسِه، ولا خِلافَ في ذلك إذا كان لغيرِ عُذْرٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق وهو مُحْرِمٌ لغيرِ عِلَّةٍ. والأصْلُ في وُجُوبِها ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والخَبَرِ. وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ أن يَقْطَعَ شَعَرَه لعُذْرٍ أو غيرِه، أو كان عامِدًا أو مُخْطِئًا، أنَّه يَجِبُ به الفِدْيَةُ. وقد دَلَّ عليه ظاهِرُ الآيَةِ، والخَبَرُ، وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ. وبه قال الشافعىُّ. ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ. وفيه وَجْةٌ آخَرُ، أنَّه لا فِدْيَةَ على النّاسِى.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ:«عُفِىَ لأُمَّتِى عنِ الْخَطَإِ والنِّسْيَانِ». ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدَمِىِّ. ولأنَّ الآيةَ قد دَلَّتْ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق رَأْسَه للأذَى، وهو مَعْذُورٌ، فكانَ تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَعْذُورِ، وفيها دَلِيلٌ على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بغيرِ الأذَى، مِثْلَ المُحْتَجِمِ الذى يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرًا عن شَجَّتِه. وفى مَعْنَى النّاسِى النّائمُ الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى نارٍ، فيَحْرِقُ لَهَبُها شَعَرَه، ونحوُ ذلك.
الفصل الثّانِى في القَدْرِ الذى تَجِبُ به الفِدْيَةُ، وذلك ثَلاثُ شَعَراتٍ فما زادَ. قال القاضى: هذا المَذْهَبُ. وهو قولُ الحَسنِ، وعَطاءٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه شَعَرُ آدَمِىٍّ يَقَعُ عليه الجَمْعُ المُطْلَقُ، أشْبَهَ رُبْعَ الرَّأْسِ. وفيه روايَةٌ أُخْرَى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، أنَّه لا يَجبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا؛ لأنَّ الأرْبَعَ كثِيرٌ أشْبَهَتْ رُبْعَ الرَّأْسِ،
أمّا الثَّلاثُ فهى آخِرُ القِلَّةِ، وآخِرُ الشئِ منه، فأشْبَهَتْ ما كان دُونَها. وذَكَر ابنُ أبى موسى رِوايَةً، أنَّه لا يَجِبُ فيما دُونَ الخَمْس. ولا نَعْلَمُ وَجْهًا لذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ بدُونِ رُبْعِ الرَّأسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الكلِّ، ولهذا إذا رَأى رجلًا يَقُولُ: رَأْيتُ فُلانًا. وإنَّما أُرِىَ إحْدَى جِهاتِه.
وقال مالكٌ: إذا حَلَق مِن رَأْسِه ما أماطَ به الأذَى وَجَب الدَّمُ. وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على ما ذَهَبْنا إليه. وقولُ أبِى حنيفةَ: إنَّ الرُّبْعَ يَقَعُ عليه اسمُ الكلِّ. مَمْنُوعٌ، وما ذَكَرَه مِن المثالِ غيرُ مُقَيَّدٍ بالرُّبْعِ، بل هو مَجازٌ يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ. وهل يَجِبُ الدَّمُ بقَصِّ ثَلَاثةِ أظْفارٍ، أو لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في الشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، وعلى ما حَكاه ابنُ أبى موسى، لا يَجِبُ إلَّا في خَمْسَةِ أظْفارٍ، قياسًا على الشَّعَرِ.
واللهُ أعْلَمُ.
١١٨٠ - مسألة: (وفيما دُونَ ذلك في كلِّ واحِدٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. وعنه، قَبْضَةٌ. وعنه، دِرْهَمٌ) يَعْنِى إذا حَلَق أقَلَّ مِن ثَلاثِ شَعَراتٍ، أو أقَلَّ مِن أرْبَعٍ، على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فعليه مُدٌّ مِن طَعامٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وهو قولُ الحسنِ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ. وعن أحمدَ: في الشَّعَرَةِ دِرْهَمٌ، وفى الشَّعَرَتَيْن دِرْهَمان.
وعنه: في كلِّ شَعَرَةٍ قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ. رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ونحوُه عن مالكٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ. قال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ قَلِيلٍ.
وقال مالكٌ: فيما قَلَّ مِن الشَّعَرِ إطْعامُ طعامٍ. ووَجْهُه أنَّه لا تَقْدِيرَ فيه، فيَجِبُ فيه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ الصَّدَقَةِ. وعن مالكٍ، في مَن أزالَ شَعَرًا يَسِيرًا: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ في حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وألْحَقْنا به ما يَقَعُ عليه اسْمُ الرَّأْسِ. ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَتْ جُمْلَتُه ضُمِنَتْ أبْعاضُه، كالصَّيْدِ. والأوْلَى وُجُوبُ الإِطْعامِ؛ لأنَّ الشّارِعَ إنَّما عَدَل عن الحَيَوانِ إلى الإِطْعامِ في جَزاءِ الصَّيْدِ، وههُنا أوْجَبَ الإِطْعامَ مع الحَيَوانِ على وَجْهِ التَّخْيِيرِ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ إليه فيما لا يَجِبُ فيه الدَّمُ، والأوْلَى مُدُّ؛
لأنَّه أقَلُّ ما وَجَب بالشَّرْعِ فِدْيَةً، فكانَ واجِبًا في أقَلِّ الشَّعَرِ، والطَّعامُ الذى يُجْزِئُ إخْراجُه في الفِطرَةِ مِن البُرِّ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، كالذى يُجْزِئُ في الأرْبَعِ مِن الشَّعَرِ.
فصل: وحُكْمُ الأظْفارِ حُكْمُ الشَّعَرِ فيما ذَكَرْنا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن أخْذِ أظْفارِه، وعليه الفِدْيَةُ بِأخْذِها في قولِ أكْثَرِهم؛ منهم حَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بفِدْيَةٍ. ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ إزالَتَه لأجْلِ التَّرفُّهِ، فوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، كحَلْقِ الشَّعَرِ. وعَدَمُ النَّصِّ لا يَمْنَعُ قياسَه على المَنْصُوصِ، كشَعَرِ البَدَنِ مع شَعَرِ الرَّأْسِ.
والحُكْمُ في فِدْيَةِ الأظْفارِ، وفيما يَجِبُ فيما دُونَ الثَّلاثِ منها، أو الأرْبَعِ على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، وفيما يَجبُ في الأرْبَعِ والثَّلاثِ كالحُكْمِ في الشَّعَرِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفصِيلِ والاخْتِلافِ فيه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَقْلِيم أظْفارِ يَدٍ كامِلَةٍ.
فلو قَلَّمَ مِن كلِّ يَدٍ أرْبَعَةً، لم يَجِبْ عليه دَمٌ عندَه؛ لأَنَّه لم يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ اليَدِ، أشْبَهَ ما دُونَ الثَّلاثِ. ولَنا، أنَّه قَلَّمَ مَا يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ، أشْبَهَ ما لو قَلَّمَ خَمْسًا مِن يَدٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم يَبْطُلُ بما إذا حَلَق رُبْعَ رَأْسِه، فإنَّه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ العُضْوِ،
ويَجِبُ به الدَّمُ، وقَوْلُهم يُفْضِى إلى وُجُوبِ الدَّمِ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ.
فصل: وفى قَصِّ بعضِ الظُّفْر ما في جَمِيعِه،
وكذلك في قَطْعِ بَعْضِ الشَّعَرَةِ ما في قَطْعِ جَمِيعِها؛ لأنَّ الفِدْيَةِ تَجِبُ في الشَّعَرِ والظُّفْرِ، سَواءٌ طال أو قَصُر، وليس بمُقَدَّرٍ بمساحَةٍ فيَتَقَدَّرُ الضَّمانُ عليه، بل هو كالموضِحَةِ، يَجِبُ في الصَّغِيرَةِ منها ما يَجِبُ في الكَبِيرَةِ. وخَرَّجَ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أنَّه يَجِبُ بحِسابِ المُتْلَفِ، كالإِصْبَعِ يَجِبُ في أُنْمُلتِهَا ثُلُثُ دِيَتِها.
١١٨١ -
(وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ كَثِيرٌ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَ آخِرُ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَآخِرُ الشَّيْءِ مِنْهُ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ كَالشَّعْرَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً فِي خَمْسٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ "
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَا وَجْهَ لَهَا، وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَطْرَافِ الْيَدِ كَامِلَةً، (وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ) أَيِ: الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى الْخِلَافِ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا، وَجَبَ شَرْعًا فِدْيَةٌ،
وفيما دونَ ذلك فى كلِّ واحِدٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه الأصحابُ. قال فى «الفُروعِ»: وهو المذهبُ عندَ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وهو الذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّواياتِ،
والمُخْتارُ لعامَّةِ الأصحابِ؛ الخِرَقِىِّ، وأبى بَكْرٍ، وابنِ أبى مُوسَى، والقاضى، وأصحابِه، وغيرِهم. انتهى.
وعنه، قَبْضَةٌ. لأنَّه لا تقْدِيرَ فيه مِنَ الشَّارِعِ. قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ المُرادَ، يتَصَدَّقُ بشئٍ. وعنه، دِرْهَمٌ.
وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ. وعنه، دِرْهَمٌ أو نِصْفُه. ذكَرَها أصحابُ القاضى، وخرَّجَها القاضى مِن لَيالِى مِنًى. وهو قوْلٌ فى «الرِّعايَةِ». وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: ويَلْزَمُ، على تخْريجِ القاضى، أنْ يُخرَّجَ أنْ لا شئَ عليه،
وأنْ يجِبَ دَمٌ، كما جاءَ ذلك فى لَيالِى مِنًى.
ووَجَّه فى «الفُروعِ» تخْريجًا، يَلْزَمُه فى كلِّ شَعَرَةٍ أو ظُفْرٍ ثُلُثُ دَمٍ. وما هو ببعيدٍ.
وَإنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.