فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن، ولا الخَلْخالَ، ولا تَكْتَحِلُ بالإِثمِدِ) القُفّازان شئٌ يُعْمَلُ لليَدَيْن، يُدْخِلُهما فيهما مِن خَرْقٍ، يَسْتُرُهما مِن الحَرِّ، مثْلَ ما يُعْمَلُ للبُزاةِ، يَحْرُمُ على المَرْأةِ لُبْسُه في حالِ إحْرامِها. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ. وكان سعدُ بنُ أبِى وَقّاصٍ يُلْبِسُ بَناتِه القُفّازَيْن وهُنَّ مُحْرِماتٌ. ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«إحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا».

ولأنَّه عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُه بغيرِ المَخِيطِ، فجاز سَتْرُه به، كالرِّجْلَيْن. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ». رَواه البخاريُّ . وحديثُهم المُرادُ به الكَشْفُ،

٨٬٦١٥

فأمّا السَّتْرُ بغيرِ المَخِيطِ، فيَجُوزُ للرجلِ،

٨٬٦١٦

ولا يَجُوزُ بالمَخِيطِ. فصل: فأمّا الخَلْخالُ، وما أشْبَهَه مِن الحَلْىِ، كالسِّوارِ، فظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا أنَّه لا يَجُوزُ لُبْسُه. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقد قال أحمدُ: المُحْرِمَةُ، والمُتوَفَّى عنها زَوْجُها، يَتْرُكان الطِّيبَ والزِّينَةَ، ولهما ما سِوَى ذلك. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمَةِ الحَرِيرَ والحَلْىَ. وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ. ورُوِىَ عن قَتادَةَ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن تَلْبَسَ المَرْأةُ الخاتِمَ والقُرْطَ وهى مُحْرِمَةٌ، وكَرِهَ السِّوارَيْن والخَلْخالَيْن والدُّمْلُجَيْن . وظاهِرُ المَذْهَبِ الرُّخْصَةُ فيه.

وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وهو الصَّحِيحُ. قال أحمدُ، في رِوايةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ.

٨٬٦١٧

وقال: عن نافِعٍ، كان نِساءُ ابنِ عُمَرَ وبَناتُهُ يَلْبَسْنَ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ وهُنَّ مُحْرِماتٌ، لا يُنْكِرُ عبدُ اللهِ ذلك. وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عُمَرَ ، وفيه:«وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيَابِ؛ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْيٍ» قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَجُوزُ المَنْعُ منه بغيرِ حُجَّةٍ. ويُحْمَلُ كَلامُ أحمدَ في المَنْعِ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الزِّينَةِ، وشِبْهِه بالكُحْلِ بالإِثْمِدِ. ولا فِدْيَةَ فيه، كما لا فِدْيَةَ في الكُحْلِ.

٨٬٦١٨

فأمّا لُبْسُ القُفّازَيْن، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّها لَبِسَتْ ما نُهِيَتْ عن لُبْسِه في الإحْرامِ، فَلزِمَتْها الفِدْيَةُ، كالنِّقابِ .

٨٬٦١٩

وقال القاضى: يَحْرُمُ عليها شَدُّ يَدَيْها بخِرْقَةٍ؛ لأنَّة سَتْرٌ ليَدَيْها بما يَخْتَصُّ بها، أشْبَهَ القُفّازَيْن، وكما لو شَدَّ الرجلُ على جَسَدِه شَيئًا.

٨٬٦٢٠

وإن لَفَّتْ يَدَيْها مِن غيرِ شَدٍّ، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ هو اللُّبْسُ، لا تَغْطتُهما، كبَدَنِ الرجلِ.

فصل: والكُحْلُ بالإِثْمِدِ في الإِحْرامِ مَكْرُوهٌ للمَرْأةِ والرجلِ، وإنَّما خُصَّتِ المَرْأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّها مَحَلُّ الزِّينَةِ، والكراهَةُ في حَقِّها أكْثَرُ مِن الرجلِ. يُرْوَى هذا عن عطاءٍ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بكلِّ كُحْلٍ ليس فيه طِيبٌ. ورَخّصَ فيه مالكٌ في الحَرِّ يَجِدُه المُحْرِمُ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بما لم يُرَدْ به الزِّينَةُ. قِيلَ له: الرجالُ والنِّساءُ؟ قال: نعم. وَوَجْهُ كَراهَتِه ما رُوِىَ عن جابرٍ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قَدِم مِن اليَمَنِ، فوَجَدَ فاطِمَةَ ممَّن حَلَّ، فلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا، واكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلك عليها، فقالَتْ: أبِى أمَرَنى بهذا.

فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ». رَواه مسلمٌ وغيرُه . وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانَتْ مَمْنُوعَةً مِن ذلك. ورُوِىَ عن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لامْرَأةٍ: اكْتَحلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الِإثْمِدِ أو الأسْوَدِ. إذا ثَبَت هذا،

٨٬٦٢١

فإنَّ الكُحْلَ بالإثْمِدِ مَكْرُوهٌ، ولا فِدْيَةَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ورَوَتْ شُمَيْسَةُ، عن عائِشَةَ، قالَتْ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَىَّ وأنا مُحْرِمَة، فسَألْتُ عائِشَةَ، فقالَتْ: اكْتَحِلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الإثْمِدِ .

٨٬٦٢٢

أما إَّنه ليس بِحَرام، ولكنَّه زِينَةٌ، [فنحنُ نكرَهُه]. قال الشافعيُّ: إن فَعَلا فلا أعْلَمُ عليهما فيه فِدْيَةً بشئٍ.

فصل: فأمّا الكحْلُ بغيرِ الإثْمِدِ والأسْوَدِ، فلا كَراهَةَ فيه، إذا لم يَكُنْ مُطَيَّبًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ عائِشَةَ، وقولِ ابنِ عُمَرَ. وقد روَى مسمٌ ، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، قال: خَرَجْنا مع أبان بنِ عثمان، حتى إذا كُنّا بِمَلَلٍ ، اشْتَكَى عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْه، فأرْسَلَ إلى أبانَ بنِ عثمانَ لِيَسْألَه، فقالَ: اضْمِدْهما بالصَّبِرِ،

٨٬٦٢٣

فإنَّ عثمانَ حَدَّثَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، في الرجلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْه وهو مُحْرِمٌ، يُضَمِّدُهما بالصَّبِرِ. ففيه دَلِيلٌ على إباحَةِ ما أشْبَهَه، ممّا ليس فيه زِينَة ولا طِيبٌ. وكان إبراهيمُ لا يَرَى بالذَّرُورِ الأحْمَرِ بأْسًا.

فصل: وإذا أحْرَمَ الخُنْثَى المُشْكِلُ، لم يَلْزَمْهُ اجْتِنابُ المَخِيطِ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ كَوْنَه رجلًا.

٨٬٦٢٤

وقال ابنُ المُبارَكِ: يُغَطِّى رَأْسَه ويُكَفِّرُ.

٨٬٦٢٥

قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشُّكِّ،

٨٬٦٢٦

فإن غَطَّى وَجْهَهُ وجَسَدَه، لم يَلْزَمْه فِدْيَةٌ لذلك.

٨٬٦٢٧

وإن جَمَع بينَ تَغْطِيَة وَجْهِه بنِقابٍ أو بُرْقُعٍ، وغَطَّي رَأْسَه، أو لَبِس المَخِيطَ، لَزِمَتْه الفِدْيَةُ؛ لأنُّه لا يَخْلُو أن يَكُونَ رَجُلًا أو امْرأةً، واللهُ أعْلَمُ.

١٢١٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا تَلْبَسُ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ (الْقُفَّازَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَكَالرَّجُلِ، وَهُمَا شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ،

٧٬٦٣٥

وَفِي لُبْسِهِمَا الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَغْطِيَتِهِمَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ جَوَازُهُ بِهِمَا بِدَلِيلِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَيْهِ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ.

٧٬٦٣٦

وَقَالَ الْقَاضِي، وَمِثْلُهُمَا إِنْ لَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا خِرْقَةً أَوْ خِرَقًا، وَشَدَّتْهَا عَلَى حِنَّاءٍ أَولا، كَشَدِّهِ عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَحْمَدَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يَحْرُمُ،

٧٬٦٣٧

وَإِنْ لَفَّتْهَا بِلَا شَدٍّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ كَبَدَنِ الرَّجُلِ،

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا تلبس القفازين والخلخال ونحوه، ولا تكتحل بالإثمد) .

٤٬٣٣٠

أما كون المرأة لا تلبس القفازين فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تتنقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين» رواه البخاري.

٤٬٣٣١

وفي لفظ:«نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب».

٤٬٣٣٢

فإن قيل: ما القفازان؟

قيل: شيء يعمل لليدين يدخلان فيه من الحر مثل ما يعمل للبُزاة.

٤٬٣٣٣

وأما كونها لا تلبس الخلخال وما أشبهه كالسوار والدملج فلأن المحرمة كالمتوفى عنها زوجها في اجتناب الطيب.

وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن لبسه حرام لأنه عطفه على القفازين ولبسهما حرام فكذلك المعطوف عليهما.

قال المصنف رحمه الله في المغني بعد ذكر ذلك: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبسه. وروي عن الإمام أحمد رحمه الله على أنه قال: المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة.

٤٬٣٣٤

وظاهره تحريم الحلي المذكور.

وأما الكحل بالإثمد فليس حراماً بل مكروهاً صرح به المصنف رحمه الله في المغني والكافي. والأصل فيه «قول عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لها: اشتكت عيني وأنا محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود. أما إنه ليس حراماً ولكنه زينة فنحن نكرهه».

٤٬٣٣٥

وفي ذكر الإثمد دليل على عدم كراهة الاكتحال بغيره. وصرح به المصنف في المغني. والأصل فيه حديث عائشة المتقدم فإن فيه:«اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد» مع أنها نفت الحرمة عن الإثمد فدل على أن غيره ليس بمكروه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.