وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ
الشروح عليها
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (الضَّرْبُ الثّالِثُ، الدِّماءُ الواجِبَةُ للفَواتِ، أو لتَرْكِ واجِبٍ، أو للمُباشَرَةِ في غيرِ الفَرْجِ؛ فما أوْجَبَ منها بَدَنَةً، فحُكْمُها حُكْمُ البَدَنَةِ الواجِبَةِ بالوَطْءِ في الفَرْجِ. وما عَداه، فقالَ القاضى: ما وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ مُلحَقٌ بدَمِ المُتْعَةِ، وما وَجَب لمُباشَرَةٍ مُلْحَقٌ بفِدْيَةِ الأذَى) إذا فاتَه الحَجُّ وَجَب عليه دَمٌ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك إذا تَرَك شَيْئًا مِن واجِباتِ الحَجِّ؛ كالإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وسائِرِ الواجِباتِ المُتَّفَقِ على وُجُوبِها. والهَدْىُ الواجِبُ بغيرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ مَنْصُوصٌ عليه ومَقِيسٌ على المَنْصُوصِ عليه. فالمَنْصُوصُ عليه فِدْيَةُ الأذَى، وجَزاءُ الصَّيْدِ، ودَمُ الإِحْصارِ، ودَمُ المُتْعَةِ، والبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ رَضِىَ الله عنهمِ بها، وما سِوى ذلك مَقِيسٌ عليه. فالبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالمُباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ مَقِيسةٌ على الواجِبَةِ بالوَطْءِ بالفَرْجِ؛
لأنَّه دَمٌ وَجَب بسبَبِ المُباشَرَةِ، أشْبَهَ الواجِبَ بالوَطْءِ في الفَرْجِ، وهكذا القِرانُ يُقاسُ على هَدْىِ التَّمَتُّعِ؛ لأنَّه وَجَب للتَّرَفُّهِ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، أشْبَه دَمَ المُتْعَةِ، ويُقاسُ عليه أيْضًا دَمُ الفَواتِ، فيَجِبُ عليه مِثْلُ دَم المُتْعَةِ، وبَدلُه مِثْلُ بدَلِه، وهو صِيامُ عَشَرَةِ أيَّامٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ منها ثَلَاثَةٌ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأنَّ الفَواتَ إنَّما يَكُونُ بفَواتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لأنَّه تَرَك بعضَ ما اقْتَضاه إحْرامُه، فصار كالتارِكِ لأحَدِ السَّفَرَيْن.
فإن قِيلَ: فهَلَّا ألْحَقْتُموه بهَدْىِ الإحْصارِ، فإنَّه أشْبَهُ به، إذ هو إحْلالٌ مِن إحْرامِه قبل إتْمامِه؟
قُلْنا: أمّا الهَدْىُ فقد اسْتَوَيا نجيه،
وأمّا البَدَلُ فإنَّ الإِحْصارَ ليس بمَنْصُوصٍ على البَدَلِ فيه، وإنَّما ثَبَت قِياسًا، وقِياسُه على الأصْلِ المَنْصُوصِ عليه أوْلَى مِن قِياسِه على فَرْعِه، على أنَّ الصيامَ ههُنا مِثْلُ الصيامِ عن دَمِ الإِحْصارِ في العَدَدِ، إلَّا أن صِيامَ الإحْصارِ يَجِبُ قبلَ الحِلِّ، وهذا يَجُوزُ قبلَ الحِلِّ وبعدَه.
وأمّا الخِرَقِىُّ، فإنَّه جَعَل الصومَ عن دَمِ الفَواتِ كالصَّوْمِ عن جزاءِ الصَّيْدِ، عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا. والمرْوِىُّ عن عُمَرَ وابْنِه، رَضِىَ اللهُ عنهما، مِثْلُ ما ذَكَرْنا. ويُقاسُ عليه أيْضًا كلُّ دَمٍ وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ، كتَرْكِ الإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشمسِ، والمبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وطَوافِ الوَداعِ، فالواجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْىِ،
فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ تَرَك الإحْرامَ مِن المِيقاتِ بالحَجِّ، وكان يَقْتَضِى أن يَكُون واجِبًا، فوَجَبَ عليه الهَدْىُ لذلك، فقِسْنا عليه تَرْكَ الواجِبِ. ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأذَى ما وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ يُتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيم الأظْفارِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ. وكلُّ اسْتِمْتاعٍ مِن النِّساءِ يُوجِبُ شاةً، كالوَطء في العُمْرَةِ، وبعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ في الحَجِّ، والمُباشَرَةِ مِن غيرِ إنْزالٍ، فإنَّه في مَعْنَى فِدْيَةِ الأذَى مِن الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه، فيُقاسُ عليه، ويُلْحَقُ به.
وقد قال ابن عباسٍ، في مَن وَقَع على امْرأتِه في العُمْرَةِ قبلَ التَّقْصِير: عليه فِدْيَةٌ مِن صِيام أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ. رَواه الأثْرَمُ .
١٢٢٤ - مسألة: (ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ. وعنه، بَدَنَةٌ)
أمّا إذا أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، فإنَّ عليه بَدَنَةً؛ لأئه اسْتِمْتاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ،
وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ، في الصَّحِيحِ. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابن سِيرينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ لا تُفْسِدُ الحَجَّ، عَرِيَتْ عن الإِنْزالِ، فلم تُوجِبْ بَدَنَةً، كاللَّمْسِ لغيرِ شَهْوَةٍ.
وعنه، يَجِبُ عليه بَدَنَةٌ. وقال الحسنُ، في مَن ضَرَب بيَدِه على فَرْجِ جارِيَتِه: عليه بَدنَةٌ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إذا نال منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَح بَقَرَةً؛ لأنَّها مُباشَرَة مَحْظُورَةٌ بالإحْرامِ، أشْبَهَتْ ما اقْتَرَنَ به الإنزالُ. ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ.
ويَجِبُ به شاةٌ؛ لِما روَى الأثْرَمُ، أن عُمَرَ بنَ [عُبَيدِ الله] قَبَّلَ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهَرِيقَ دَمًا، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ. وسَواءٌ مَذَى أو لم يَمْذِ، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: إن قَبَّلَ، فمَذَى، أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ. وسائِرُ اللَّمْسِ لشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لأَّنه اسْتِمْتاعٌ يَلْتَذُّ به، كالقُبْلَةِ. قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في مَن قَبَض على فَرْجِ امْرَأتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهَرِيقُ دَمًا.
وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ مَحْظُورٌ في الإحْرامِ، أشْبَهَ الوَطْءَ فيما دُونَ الفَرْجِ.
١٢٢٥ -
(وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ،
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ. هذا المذهبُ، ونقَلَه الجماعةُ عن أحمدَ، وعليه الأصحابُ. قالَه فى «الفُروعِ». وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، عليه شاةٌ، إنْ لم يَفْسُدْ نُسُكُه. ذكَرَها القاضى وغيرُه. وأطْلَقهما الحَلْوانِىُّ. وتقدَّم ذلك فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى البابِ الذى قبلَه، فى قوْلِه: التاسع، المُباشَرَةُ فيما دونَ الفَرْجِ، وهل يَفْسُدُ نُسُكُه بذلك؟
قال: (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليد بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة. وعنه: بدنة) .
أما وجوب البدنة بالإنزال عن المباشرة دون الفرج فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كما لو كان في الفرج.
وأما إذا لم ينزل ففيه روايتان:
أحدهما: عليه شاة لأنه هتك إحرامه بذلك الفعل فوجب عليه شاة كما لو تطيب.
والثانية: عليه بدنة لأنه استمتاع فأوجب بدنة كما لو أنزل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.