فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن لَبس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلا كَفّارَةَ فيه. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ) أنها إذا لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه عامِدًا،

٨٬٧٥٩

فإنَّ عليه الفِديَةَ بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه؛ لأنَّه تَرَفَّه بمَحْظُورٍ في إحرامِه عامِدًا، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ. ويسْتَوِى في ذلك قَلِيلُ الطِّيبِ وكَثِيرُه، وقَلِيلُ اللُّبْسِ وكَثِيرُه. وبه قال الشافعىُّ.

٨٬٧٦٠

وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَطْيِيبِ عُضْوٍ كامِلٍ، وفى اللّباسِ بلباس يَوْم ولَيْلَةٍ، ولا شئَ فيما دُونَ ذلك؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ لُبْسًا مُغتادًا، أشْبَة ما لو ائْتزَرَ بالقَمِيصِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى حَصَل به الاسْتفتاعُ بالمَحْظُورِ، فاغتُبِر بمُجَرَّدِ الفِعْلِ، كالوَطْءِ، أو مَحْظُورٌ فلا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُه بالزَّمَنِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ؛

٨٬٧٦١

فإنَّ النّاس يَخْتَلِفُون في اللُّبْسِ في العادَةِ، وما ذَكَرُوه تَقدِيرٌ، والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، وتَقدِيرُهم بعضْوٍ ويوم ولَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ،

٨٬٧٦٢

وأمّا إذا ائْتزَرَ بقَمِيصٍ فليس ذلك بلُبْسِ مَخِيطٍ، ولذلك لا يَحْرُمُ عليه وإن طال، والمُخْتَلَفُ فيه مُحَرَّمٌ لُبْسُه.

فصل: ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ، وخَلْعُ اللِّباسِ؛ لأنَّه فِغلٌ مَخظُورٌ، فلَزِمَتْه إزالَتُه وقَطعُ اسْتِدامَتِه، كسائِرِ المَحْظوراتِ. والمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَعِينَ في غَسْلِ الطِّيبِ بحَلالٍ؛ لئَلَّا يُباشِرَ المُخرِمُ الطيبَ بنَفْسِه.، كان وَلِيَه بنَفْسِه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذى عليه طِيبٌ:«اغْسِلْ عَنْكَ الطِّيبَ». ولأنَّه تارِكٌ له.

٨٬٧٦٣

فإن لم يَجِن ما يَغْسِلُه به مَسَحَه بخِرْقَةٍ، أو حَكَّهُ بتُرابٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الذى عليه أن يُزِيلَه حَسَبَ الإِمْكانِ، وقد فَعَلَه.

٨٬٧٦٤

فصل: فإن كان معه ماءٌ، وهو مُحْتاجٌ إلى الوُضُوءِ، والماءُ لا يَكْفِيهما، غَسَل به الطِّيبَ، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ؛ لأنَّه لا رُخْصَةَ في إبْقاءِ الطِّيبِ، وتَزكُ الوُضُوءِ إلى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ،

٨٬٧٦٥

فإن قَدَر على قَطْعِ رائِحَةِ الطِّيبِ بغيرِ الماءِ، فَعَل، وتَوَضَّأ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن إزالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رائِحَتِه، فلا يَتَعَيَّن الماءُ، والوُضُوءُ بخِلافِه.

٨٬٧٦٦

فإن لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ وعِمامَةً وخُفَّيْن كَفاه فِديَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ لُبْسٌ، فأشْبَهَ الطِّيبَ في رَأسِه وبَدَنِه. وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى .

فصل: فأمّا إن فَعَل ذلك ناسِيًا، فلا فِديَةَ عليه. هذا ظاهِرُ المَذْهبِ. والجاهِلُ في مَغنَى النّاسِى. وهذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. قال أحمدُ: قال سُفْيانُ: ثَلَاثَةٌ في الحَجِّ العَمْدُ والنِّسْيانُ سَواءٌ؛ إذا أتُى أهْلَه،

٨٬٧٦٧

وإذا أصابَ صَيْدًا، وإذا حَلَق رَأْسَه. قال أحمدُ: إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّه. لأنَّه شئٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه، فقد ذَهب لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهب، فهذه الثَّلاثَةُ، العَمْدُ والخَطَأُ والنِّسْيانُ فيه سَواءٌ. وكلُّ شَئٍ مِن النِّسْيانِ بعدَ الثَّلاثَةِ فهو يَقْدِرُ على رَدِّه، مثلَ إذا غَطَّى المُحرِمُ رَأسَه،

تعليق

ثم ذَكَر، ألْقاه عن رَأْسِه وليس عليه شئٌ، أو لَبِس خُفَّا، نَزَعَه، وليس عليه شئٌ.

٨٬٧٦٨

وعنه رِوايَةٌ أْخْرَى، أنَّ عليه الفِديَةَ في كلِّ حالٍ. وهو مَذْهبُ مالكٍ؛ واللَّيْثِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه هتَك حُرمَةَ الإحرامِ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كالحَلْقِ والتَّقْلِيمِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ:«عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وروَى يَغلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالجِعرانَةِ، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثر خَلُوقٍ، أو قال : أثر صُفْرَةٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَأْمُرُنى أن أصْنَعَ في عُمرَتِى؟

قال:«اخْلَعْ عَنْكَ هذه الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ الخَلُوقِ - أو قال: أثَرَ الصُّفْرَةِ- وَاصنَغ في عُمرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ في حَجِّكَ». مُتَّفَقٌ عليه . وفى لَفظٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمرَةِ وعلىَّ هذه الجُبَّةُ. فلم يأْمُرْه بالفِدْيَةِ، مع مَسْألَتِه عَمّا يَصنَعُ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ غيرُ جائِزٍ، دَلَّ على أنَّه عَذَره لجَهْلِه. والنّاسِى في مَعناه. ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ يَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فكانَ في مَحْظُوراتِه ما يُفَرَّقُ فيه بينَ عَمْدِه وسَهْوه، كالصَّوْمِ.

٨٬٧٦٩

وأمّا الحَلْقُ وقَتْل الصَّيْدِ فهو إتْلاف، ولا يُمْكِن تَلافِيه. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه متى ذَكَر فعليه خَلْعُ اللِّباسِ وغَسْلُ الطيِّبِ في الحالِ،

٨٬٧٧٠

فإن أخَّرَ ذلك عن زَمَنِ الإمْكانِ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه تَطَيَّبَ ولَبِس مِن غيرِ عُذْرٍ، فأشْبَة المبْتَدِئَ.

٨٬٧٧١

وإن مَسَّ طِيبًا يَظُنُّه يابِسًا، فبان رَطْبًا، ففيه وَجْهَان؛ أحَدُهما، عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قَصَد مَسَّ الطِّيب. والثّانِى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه جَهِل تَحْرِيمَه، فأشْبَة مَن جَهِل تَحْرِيمَ الطّيِبِ.

٨٬٧٧٢

وإن طُيِّبَ بإذْنِه فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إليه.

٨٬٧٧٣

فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجُوز له اسْتِدامَة الطيِّبِ ههُنا، كالذى تطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه؟ قُلْنا: ذلك فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، فكانَ له اسْتِدامَته، وههُنا هو مُحَرَّمٌ، وإنَّما سَقَط حُكْمُه بالنِّسْيانِ والجَهْلِ،

٨٬٧٧٤

فإذا زالا ظَهَر حُكْمه، وإن تَعَذَّرَ عليه إزالتُه لإكْراهٍ أو عِلَّةٍ، ولم يَجِدْ مَن يُزِيلُه، فلا فِدْيَةَ عليه، وجَرَى مَجْرَى المُكْرهِ على ابْتِداءِ الطِّيبِ. وحُكْمُ الجاهِل إذا عَلِم حُكْمُ النّاسِى إذا ذَكَر، وحُكْمُ المكْرَهِ حُكْمُ النّاسِى؛ لأنَّه مَقْرون به في الحديثِ الدّالِّ على العَفْوِ.

٨٬٧٧٥

ويُسْتَحَبُّ له أن يُلبِّىَ إذا فَعَل ذلك؛ اسْتِذْكارًا للحَجِّ، واسْتِشْعارًا بإقامَتِه عليه ورُجُوعِه إليه. ويُروَى هذا القولُ عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ. وقد ذَكَره الخِرَقِىُّ.

١٢٣١ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا) أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:«إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ: عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ رَوَيْتُهُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. . . . . . وَذَكَرَهُ، وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَأَمَرَهُ بِخَلْعِهَا وَغَسْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ» ،

٧٬٧٢٣

وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ،

الإنصافالمرداوي

وإنْ لَبِسَ، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلَا كَفَّارَةَ عليه.

١٤٬٢١٣

وكذا إنْ كان جاهِلًا أو مُكْرَهًا. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

منهم القاضى فى كتابِ «الرِّوايتَيْن». ونقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، ظاهِرَ المذهبِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. واخْتارَه الخِرَقِىُّ وغيرُه.

١٤٬٢١٤

وعنه، تجِبُ الكفَّارَةُ. نصَرَها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

القاضى فى «تَعْلِيقِه» وأصحابُه. وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ أن الجاهِلَ بالحُكْمِ هنا كالصَّوْمِ، على ما تقدَّم.

١٤٬٢١٥

وقال القاضى لخَصْمِه؛ يجِبُ أنْ يقولَ ذلك.

فائدتان؛ إحداهما، متى زالَ عُذْرُ مَن تطَيَّبَ، غَسَلَه فى الحالِ،

١٤٬٢١٦

فلو أخَّر غُسْلَه بلا عُذْرٍ، فعليه الفِدْيَةُ،

١٤٬٢١٧

ويجوزُ له غَسْلُه بيَدِه وبمائعٍ وغيرِه.

١٤٬٢١٨

ويُسْتَحَبُّ أنْ يسْتَعِينَ فى غَسْلِه بحَلالٍ،

١٤٬٢١٩

فإنْ كان الماءُ لا يكْفِى الوُضوءَ وغَسْلَه، غسَلَ به الطِّيبَ، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ؛ لأنَّ الوُضُوءَ له بدَلٌ.

١٤٬٢٢٠

قلتُ: فيُعايىَ بها. ومحلُّ هذا، إذا لم يَقْدِرْ على قطْعِ رائحَتِه بغيرِ الماءِ،

١٤٬٢٢١

فإنْ قدَر على قَطْعِ الرَّائحَةِ بغيرِ الماءِ، فعَل وتوَضَّأ؛ لأنَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

القَضدَ قَطْعُها. وإنْ لم يَجِدِ الماءَ، مسَحَه بخِرقَةٍ، أو حَكَّه بتُرابٍ أو غيرِه حسَبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الإمكانِ. الثَّانيةُ، لو مَسَّ طِيبًا، يظُنُّه يابِسًا، فَبانَ رَطْبًا، ففى وُجوبِ الفِدْيَةِ بذلك وَجْهان. وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروع»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الكَبِير»، و «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»؛ أحدُهما، يَلْزَمُه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قصَد مَسَّ الطيِّبِ. والثَّانى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه جَهِلَ تحْرِيمَه، فأشْبَهَ مَن جَهِلَ تحْريمَ الطِّيبِ.

١٤٬٢٢٢

قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ وَمَنْ رَفَضَ [٦٨ و] إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ محْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ.

الكُبْرَى» فى مَوْضِعٍ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ١٬٤٧١ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.